اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أمريكا التي رأيت للشيخ : عائض القرني


أمريكا التي رأيت - (للشيخ : عائض القرني)
بالرغم مما وصلت إليه أمريكا من التقدم العلمي، والتكنولوجيا الحديثة والماديات لكنها في علم الروح والأخلاق والقيم انحطت إلى الحضيض، وإن الناظر عن قرب في تلك البلاد يرى فيها انحلالاً خلقياً، واضطراباً نفسياً، وتفككاً اجتماعياً، واختلالاً أمنياً، وكل ذلك مؤذن ومؤشر بقرب زوال تسلطهم، وجبروتهم على العالم، وهذه المحاضرة تحكي رحلة الشيخ إلى أمريكا.
الرحلة إلى أمريكا
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.عنوان هذه المحاضرة: أمريكا التي رأيتوفي مقدمة هذا اللقاء بعد هذا السفر، أقول لكم كما قال أبو الطيب المتنبي:يا من يَعزُّ علينا أن نفارقَهم وجدانُنا كلَّ شيء بعدَكم عدمُ إذا ترحَّلْتَ عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همُ أنتم أحبابنا، وكأننا حين رأيناكم -بعدما رأينا تلك الوجوه الغبراء الشوهاء- رأينا الصحابة:ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار لنحرر الإنسان من رِق المذلة والصغارْ وقرارنا فتحٌ مجيـ ـدٌ نحن أصحابَ القرارْ ورأيتُ أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسامْ قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرام وتطاوَلَت تلك السنو ن فصار يومي مثل عامْ ما أرضهم أرضاً رأيـ ـتُ ولا غمامهمُ غمامْ عناصر هذه المحاضرة:1- آيات الله في الكون في طريق الرحلة: البحر، الليل، الكون، القمر، النجوم.2- جمال الطبيعة هناك، وما أغدق الله عليهم من النعم: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:44-45].3- الأمن في أمريكا.4- هل تعيش وأنت قارَّ العين هادئ البال أم لا؟5- الاضطراب.6- الرحمة فيما بينهم.7- الديون الباهظة.8- سذاجة الأمريكان وفساد أمزجتهم.9- مستوى الذكاء عندهم.10- وضع الأسرة هناك.11- حقائق وأرقام تكشف عن الوضع في أمريكا.12- البطالة.13- شبابنا في أمريكا.14- وضع الكنيسة هناك.15- قصائد قيلت في أمريكا لمن يهوى الشعر ويتذوق الأدب.16- شعورنا يوم هبطنا مطار جدة.
 المناظر الخلابة في واشنطن
نزلنا هناك، واستقبلنا نخبة من الصالحين، وكان الثلج يغطي الأرض، أما جمال الطبيعة فسبحان من أعطاهم جنتهم في الحياة الدنيا! نهر في العاصمة واشنطن يأخذ الجِمال، لو كان أمامه جمل لشدَّه ورماه، الماء عندهم شيءٌ عُجاب، الحدائق الغَنَّاء، الشجر الذي يطاول ناطحات السحاب أمر عجيب، وطبيعة خلاَّبة، وطيور جميلة، ولكنهم عتوا عن منهج الله، أعرضوا تماماً عن الله، ألْحَدوا في شرع الله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].نزلنا في فندق ريجيسون في واشنطن، وكان من التعليمات التي يعرفها من يذهب إلى هناك: ألا تفتح باب غرفة الفندق إذا دخلْتَ حتى تعرف من الناظور من الذي طرق عليك، فهم في إرهاب وخوف، قد يدخل عليك رجل بخنجر فيقتلك ويأخذ ما معك، أو قد يدخل عليك من يطلق عليك الرصاص، ثم لا محكمة ولا قضاء، ولا شيء، لا تعرفه ولا يعرفك، فكلما طرق طارق فزع الواحد منا، فيَنْظُر أحدنا في الناظور، ويقول: مَن؟ وماذا تريد؟ ولغتنا رديئة، فما عندنا لغة، والذي يذهب بلا لغة إلى هناك يكون أبكم أصمَّ، حتى أنني طلبت مرة من الفندق أن أتحدث إلى البلاد هنا تليفونياًً، فكانت تكلمني امرأة وتسألني وتقول لي: bless! number your?، أو كلاماً مثل هذا، أي: من فضلك! أعطني رقم غرفتك، فأنا ما عرفتُ رقم الغرفة، فقط ضربتُ التليفون عليها في وجهها، مثل بعض الناس إذا جاءوا عندنا وهو لا يعرف لغتنا يقول: بطنك يؤلمني، أو رأسي يؤلمك، فلا يعرف التعبير فيأتي بالضمائر، فلذلك ما حصلت على مكالمة حتى أتى أحد الإخوة من السفارة، فأعطانا التليفون لنتحدث.خرجنا من هناك ما يقارب ثلاثة أيام ما سمعنا أذاناً، ولا قرآناً، ولا توجُّهاً، وما سمعنا تسبيحاً، ولا ذكراً لله، أمة كالغنم، كالبهائم، وهم من أشد الناس عملاً، ينطلقون الساعة السابعة ولا يعودون إلا مع صلاة المغرب، في عمل كالآلة، الأمريكي مبرمج كالثور، يذهب من بيته إلى عمله ثم يعود في المساء، والعجيب أن أساتذة الجامعات عندهم لا يعرف أحدهم الولاية التي بجانبه، ولا حدودها ولا أخبارها، هذا يقين، ولكن دخلنا المركز الإسلامي في واشنطن فسمعنا (الله أكبر) فكأن قلوبنا عادت وحييت بعدما ماتت:الله أكبر هل أذناي تسمعها إن كان ذلك يا فوزي ويا طربي فهو من أحسن ما يكون، وصلينا مع شباب دُعاة كالنجوم، شباب من بلادنا، ومن البلاد العربية والإسلامية، يحملون (لا إله إلا الله) الليبي بجانب التونسي، والمغربي بجانب السوداني، والعراقي بجانب الكويتي، والسعودي بجانب المصري، ما بينهم ضغائن ولا أحقاد، كلهم يعتزون بدين الله، وسوف يأتي الحديث عن هذا في بيان الشباب.بعدها ذهبنا لحضور المؤتمر في كلورادو بـدنفر، وله أخطاء وأعاجيب، وحضره ثلة من الدعاة الأخيار، وكانت قاصمة الظهر التي شلَّت المؤتمر يوماً من الأيام: مقتل الدكتور عبد الله عزام، فأتى الخبرُ أهلَ المؤتمر بواسطة إذاعة مقوية تتبع إذاعة هيئة الإذاعة البريطانية في أمريكا، حيث أخبرت بقتل عبد الله عزام، وأتى رئيس المؤتمر: الشيخ محمود مراد، ببيان رهيب كأنه يتقطع دماً، ثم قام أمام المؤتمر فقرأ البيان بعد صلاة المغرب، فبكى وأبكى حتى سمعنا بكاء النساء المسلمات من وراء الحجاب، وهذه علامة القبول إن شاء الله، وأبلغ برقية للشيخ سياف من ذاكم المؤتمر.
تفصيل عن الأوضاع المختلفة في أمريكا
.
 مستوى الذكاء عندهم
وأمر عجيب سوف أخبركم به، وربما يكون لأول مرة، وقالوا: أول من أشار إليه سيد قطب رحمه الله، وهو أن هذا الشعب تافه بسيط، حتى أنه من سذاجته وبدائيته يأتي بأمور ساذجة، يقدمون لنا طعام الإفطار في الصباح حبحب وشيءٌ معه، وبطاطا اللون لون بطاطا والرائحة منتنة، ما أدري ما هذا الأكل! ولذلك خلال تنقلاتنا كنا ندخل منازل أناس من المسلمين، وإلا فصاحبك الجوع إن لم يكن عندك بسكويت في الحقيبة، إما أن نرى لحم خنزير ونقول: لا نريده، وإما وجبات معفِّنة لست أدري من أين أتت، السمك رائحته منتنة، حتى يبقى ريحه في الأصابع فترة، ومع ذلك يأكلون، فيقول سيد قطب: دخلتُ مطعماً فوجدتُ الأمريكان يأكلون في الصباح حبحباً -الحبحب المعروف هو البطيخ- قال: فرأيتهم يضعون على الحبحب سكراً -من الذي يضع على الحبحب سكراً؟- قال: وقلت: في بلادنا -أي: في مصر، وهو يمزح ويضحك عليهم- يضعون على الحبحب ملحاً، قال: فأخذوا الملح فوضعوه عليه، فقالوا: كُوَيِّسٌ هذا -أي: جيد- قال: فجئت في اليوم الثاني فقلت: وعندنا قوم يضعون على الحبحب فلفلاً، قال: فأخذوا الفلفل ووضعوه على الحبحب، فلديهم فساد أمزجة، يدخلون المطارات والصالات -ويعرف ذلك الإخوة- فتأتي موسيقى بيتهوفن التي تضج الإنسان، ما فيها من الطرب ولا قطرة، أشبه شيء بالقَطْر إذا نزل المطر من السقف ووضعتَ له صحوناً وبقي يرش في كل مكان، فهذه مثل موسيقى بيتهوفن، ومع ذلك تجد الأمريكي يطرب قلبه ويتراقص كالحمار، حتى أن الشيخ علي الطنطاوي يقول: موسيقى بيتهوفن هذه ما شبهتها إلا بمثل رجل أخذ عشرة قطط، ثم وضع شيئاً على أذنابها فأخذت تصوِّت، فيقول أهل العلم وأهل الفكر الذين يذهبون: ما هذا المزاج؟يأتي الأمريكي في الصباح أحياناً بلباسه الداخلي الذي يستحي الإنسان أو الحيوان أو الحمار أن يلبسه، فلو كان الحمار يلبس شيئاً ما لبسه، يأتي بلباس غرفة النوم، سروال قصير، قصير جد قصير مع فانيلة علاقية فيخرج أمام الناس، ويسعى ويجري. ولذلك لما دخلنا رأيناهم يجرون على الأرصفة شبه عُراة، الرجال والنساء شبه عُراة، ما على فروجهم إلا خيوط، فذلك منظر عجيب ينبئ على أن هذه المجتمع بلغ حد البهائم، ويلبس الواحد منهم لباساً عليه من الصور والتعابير والطيور ما الله به عليم، هذا يدل على فساد الأمزجة.أنا أعرف أن غالبية الناس يقولون: الأمريكان من أذكى الناس، ولا يمكن أن يكون الأمريكي إلا ذكياً، الذي يُعرف ويُنقل مثلما نقله مختار المسلاتي: أن العقول المنتجة ليست من أمريكا أصلاً، إنما استوردت، والعجيب أنهم يقولون: إن عقل الأمريكي كالبيضة، لا يعرف ما وراءه، ولذلك الدكتور في الجامعة لا يهتم حتى بالصحف اليومية، ولا يدري ما العالَم فيه، بل يهتم بمادته، ويعود إلى بيته، ومن بيته إلى هناك، حتى أنه لا يعرف الولاية التي بجانبه، وهذا أمر معلوم.حدثنا محمد بن حيدان، وهو شاب يدرس في لوس أنجلوس، ثقة، بسند جيد، أن أستاذاً سورياً يدرس في الثانوية في لوس أنجلوس، قال: فدخلتُ على الأستاذ أريده فوجدته يشرح على السبورة لطلبة الثالث الثانوي وهم أمريكان، يشرح لهم ويقول: ¾ + ¼ = كم؟ كيف تكون؟ ثلاثة أرباع + ربع كم يساوي؟ قال: و½ + ½ = كم؟ قال: فيجلسون هكذا ينظرون في السبورة، قال: فضحكتُ أنا وقلت: أجادٌ أنت يا أستاذ؟ أن تطرح مثل هذا السؤال؟! قال: ولماذا؟ قلت: لأنهم طلبة من طلبة الثالث الثانوي، عندنا يدرسون هذا في الابتدائي، فضحك السوري وقال: والله هؤلاء بُهْم، أتعرف البُهْم؟ قال: والله مثل البُهْم، في مستوى البُهْم، فهم في هذا المستوى، ولذلك طلبة الإخوة السعوديين الذين رأيتُهم أنا هناك، كل واحد منهم يأخذ المركز الأول وهو نائم، فباستطاعته وهو نائم أن يأخذ المركز الأول، ما وجدتُ طالباً، وما سألتُ طالباً يدرس في المدارس الأمريكية إلا إذا قلتُ له: كم ترتيبك؟ قال: الأول، ولو كان أحدهم عندنا لربما كان راسباً، هذا أمر معروف، وما نزلنا ولاية إلا أخبرني الإخوة بهذا.قالوا: أما دراستهم فعجيبة، مستواهم عجيب، لماذا؟ يقول مختار المسلاتي: الأمريكي يجلس أمام التلفاز سبع ساعات، الأمريكي الذي يومه وليله يجلس أمام التلفاز سبع ساعات، فتجد ولده دائماً هكذا، فقد ينام ويقف صباحاً عندهم، رأيت التليفزيون في واشنطن يحتوي على ثماني عشرة قناة، هذا من القديم، وإلا فبعض التليفزيونات -كما ذُكر لي- فيها أربع وخمسون قناة، منها: قناة خاصة بالجنس، ليس فيها إلا فاحشة الزنا، وقناة خاصة بالأخبار، وقناة خاصة بدرجات الحرارة، وقناة خاصة بالأموال والتجارة، وقناة للإعلانات، فيبقى هذا الطالب المشدوه أمامه ثم يأتي الصباح، فإذا سألوه: ¾ + ¼ = كم؟ لا يدري، من أين له أن يدري، ولذلك قال بعض المفكرين منهم: أمريكا تتحطم بعد خمسٍِ وثلاثين سنة، فنسأل الله الذي حطَّم روسيا وفضحها أمام العالم أن يحطم أمريكا ويفضحها أمام العالم، قولوا: آمين. أما وضع الأسرة هناك فقد مرَّ شيء من هذا؛ وهو على كل حال وضع لا يُرضي، نسبة الطلاق في زواج الأمريكان (80%) فمن يتزوج يطلق، والعجيب عندهم وهذا أمر معروف عند كثير منكم، أن الرجل يأتي بصديقته فيدخل بها البيت، وتأتي امرأته بصديقها وتدخل به، الأمر مكشوف، فأصبح شيئاً مألوفاً عندهم، والفاحشة كأي أمر معتاد، يستحي من ذكرها الإنسان، وإلا فالنسب موجودة من ذكر الزنا والفواحش التي طمَّت وعمَّت عندهم.
حال الدعوة والدعاة هناك وأوضاع اجتماعية
أما المسألة الثانية عشرة فأرقام وحقائق تكشف عن الوضع المزري الذي وصل إليه المجتمع الأمريكي.
 حال الشباب المسلم هناك
أبشروا.. فشبابنا هناك أمرهم عجيب! والله إنه لشيء يثلج له الصدر، ويرتفع له الرأس، وهم (80%) أو أكثر وبقي (20%) الـ(20%) ما بين علماني وشهواني، رجل مغفل لو وجهت له كلمة أو دفع دفعة بسيطة دخل في الدين واستقام، أما (80%) فمستقيمون حتى في السنن البسيطة التي نظن أنها بسيطة، وهي ليست بسيطة، أمرهم عجيب! قرآن، حلقات ذكر، ما نزلنا والله ولاية أو مدينة إلا وجدنا مسجداً ومركزاً إسلامياً، ومكتبة وأشرطة، ودروساً وحلقات.ودخلتُ في بورت لاند، وبورت لاند هذه من ولاية أوريفر، وهي من أجمل ما خلق الله في الدنيا، هي جنة في الدنيا بمعنى الكلمة، واكتبوا هذا الخبر، ويعرفه الطلبة الذين درسوا في أوريفر، جذع الشجرة في أوريفر طوله عشرة أمتار، وأخشابهم من هناك، تمر التِّرِلاَّت في الصباح، وهي تنقل من هذه الأخشاب والأشجار والغابات، بعض الشجر يقال: إن ميلادها قبل ميلاد عيسى عليه السلام، وهي من أجمل بقاع الأرض، وفيها طيور، وزهور، وأشجار، وماء غادق، وظل وارف، وشيء عجيب؛ لكن في بلاد كفرت بأنعُم الله، فنزلنا في بورت لاند، وبعد صلاة العشاء اجتمع بنا ثلة من الشباب ما يقارب الستين شاباً، أتدرون ما هؤلاء الشباب؟ إنهم شباب اجتمعوا في بلاد الغربة، وبينهم من الإخوة ما الله به عليم، حتى إن بعضهم إذا أراد أن يداوم في الصباح يأخذ لباس أخيه ولا يجد غضاضة من ذلك، وبينهم من العناق والأخوة ما الله به عليم، فجلسنا في ليلة من الليالي التي لا أنساها في حياتي، وكان هناك شاب مغربي من فرنسا، وكان معرضاً عن الله فهداه الله، فأصبح مستقيماً وأسمعنا قصائد باللغة الفرنسية، وتُرْجِمَت إلى العربية، ومعنا ليـبـي أسمعنا قصائد بالنبطية باللغة الليبية، ومعنا فلسطينيون وعراقيون وتونسيون ومن كل بلاد المسلمين وهم في إخاء عجيب، جمع بينهم هذا الدين:إن يكد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدَّر من غمام واحدِ أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالدِ وَأَلَّـفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّـفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّـفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63].
أشعار قيلت حول الرحلة إلى أمريكا
الشعر له مشاركة، ومنها قصيدة قيلت بعد المؤتمر، وقصيدة من قبل سنتين، لأن هذا هو ثاني سفر، فلا بأس أن أذكر بعض الأبيات، والقصيدة الأولى اسمها رحلة إلى أمريكا، وهذه نشرة الأخبار، وسوف أذكرها وأعيد الأولى حتى تكون في ضميمة هذه:القصيدة الأولى في الرحلة الأولى:
 مقطوعة شعرية في واشنطن
وائذنوا لي بمقطوعة، لأختتم بعدها بفقرة، هذه المقطوعة في واشنطن، اسمها: من واشنطن.لما رَحَلْتُ بـأمريكا عن الحسن وضعتُ شكوى الهوى في هيئة الأمم الحسن: هو الحسن الأهدل.لما رَحَلْتُ بـأمريكا عن الحسن وضعتُ شكوى الهوى في هيئة الأمم يا مجلس الأمن أشكو ساجناً فطناً أحل سفك دمي في الأشهر الحرُمِ والشطر الأخير لـشوقي، وهذا تضمين وليس سرقة.يا مجلس الأمن أشكو ساجناً فطناً أحل سفك دمي في الأشهر الحرُمِ إذا احتكمتُ إلى الفيتو ليوقفه رمى بلحظٍ إلينا غير محتشم يا بوش قد جئت من أرض القداسة ما أمسي بديني ولا داهنتُ في قيمي رأيتُ واشنطن الشمطاء قد نشرت ثوباً من الظلم يحمي هالة الظُّلَمِ أستغفر الله! فيها نخبة شرفت بهم رواسي العلا في الأفق في الأجمِ أبناء من فتحوا الدنيا بعزتهم من سيد قرم أو فارس كلِمِ زالت همومي بهم والله وارتفعت روحي وسارت إلى مغناهم قدمي أنا الغريب بأرض كلها كُتَل من أبشع الناس أو عبادة الصنمِ همُ عبيد الخنا والزور ما احتكموا لملة أو رأوا نوراً على علمِ لم يظفروا بتعاليم الرسول ولا عاشوا على سنة الإسلام مِن قِدَمِ الجنس معبودهم والفسق مبدؤهم والمال دستورهم يا خيبة النُّظُمِ في صحبة الله طرنا من مرابعنا على بساط من التوفيق مبتسمِ فينا سعود الخنيسان الذي نظَمَتْ ألطافهُ ونما في العلم مِن قِدَمِ وابن الطريقي في الأعماق منزله من صاحب وافي الأوصاف والكرمِ وابن عمك سلمان العلا بطل أبو معاذ كمي بز كل كمي يا سائلي عن بلاد الكفر معذرة يبكي يراعي ويبكي في الكلام فمي نعم رأيت بها الآلات جاثمة وللمصانع أبواب من النغمِ نعم رأيت الصواريخ التي صَنَعَت الموت في متنها كالدم في العلمِ لكنني لم أرَ التوفيق يصحبهم في عالم الروح أرسال من النعمِ ناديت لما رأيت الصبح يغمره يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم
الشعور وقت الرجوع إلى جدة
أما آخر فقرة فهي: يوم هبطنا في مطار جدة، أتينا من بلاد موحشة، كانت تمر بالإنسان بعض اللحظات، وهو بين الولايات الشمالية الست وحده، من طائرة إلى طائرة، وهو يظن أنه لن يعود، وذلك لأنه:أولاً: ليس عنده لغة يمكن أن تنقذه، وبعض الناس استطاع بلا لغة أن يمشي من مكان إلى مكان.ثانياً: في يد مَن أنت؟ في يد مجتمع لا يتحاكم إلى أمر الله.ثالثاً: يفقد إخوانه وأصحابه، فلا تنظر إلا في وجه كافر أو كافرة، وملحد وملحدة، ومعرض ومعرضة، فهم كالغنم تماماً أو كالبهائم، بل البهائم والأنعام أهدى منهم سبيلاً.فمشينا من هناك، وكان بنا من الفرح العظيم ما الله به عليم، لسان حالنا يقول: نعود إلى مهبط الوحي، إلى أرض الرسالة وأرض الإسلام، إلى أرض السلام، والقرآن، إلى أرض محمد عليه الصلاة والسلام، إلى أرض أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، إلى أرض خالد وطارق وصلاح الدين، إلى أرض مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة، إلى أرض ابن تيمية وابن القيم، إلى أرض النبلاء والشهداء، والعظماء والكرماء والأتقياء.فلما قربنا من جدة، وأخبرنا الكابتن بوصولنا، شعرنا كأننا عشنا بعدما متنا، أصبح أطرف الناس في جدة كأنه عندي من الصحابة، وأصبحت الأسفار قريبة، وأول ما نظرنا إلى إخواننا الذين سجدوا لله وأعلنوا ولاءهم له؛ حمدنا الله عزَّ وجلَّ على أن جعلنا مسلمين، وحمدنا الله على أنه لم يحولنا إلى تلكم الأمة: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] لقد انسحقت هذه الحضارة، يقول سيد قطب عن أمريكا: لا تصلح أمريكا إلا أن تكون ورشة للعالم، صحيح أن فيها مسامير وطائرات، وفيها صواريخ، ومصانع، وفيها تكنولوجيا وتقدم حضاري، وفيها أمور عجيبة؛ لكن ليس فيها أمن ولا سكينة، ولا عدل ولا اطمئنان، ولا إيمان ولا مراقبة، ولا تكافل ولا رحمة؛ لأنها التحقت بالكفر: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110].في أمريكا تنظر إلى الغنى الفاحش، إلى السحاب، وإلى الفقر الفاحش إلى التراب.في أمريكا تنظر إلى جمال الطبيعة، جميلة جد جميلة، ولكنك تنظر إلى القُبح في أهلها، تنتقل إلى الحديقة وتنظر إلى زهورها وأشجارها، فتحمد الله وتزداد إيماناً، وتريد أن ترتاح، فتنظر إلى الرصيف، فتجدهم يتسافرون كالكلاب، فتنقبض روحك، وينقبض جسمك، ويقشعر كيانك من هذا الوضع. وهناك قوم مؤمنون ودُعاة، وعدد المسلمين في أمريكا أكثر من خمسة ملايين مسلم أو أكثر، مدينة ريفر وايت فيها مائتان وخمسون ألف يمني، بأطفالهم وبأهاليهم، وكأنهم في قلب صنعاء، وهناك مساجدهم ومجالسهم، واجتماعاتهم ودروسهم، أمر عجيب! وفي مدينة واحدة ثلاثون ألف فلسطيني أكثر الناس ذكاءً هم ستة، من مصر العربية: فاروق الباز الذي أنزل مركبة الفضاء، ورجل مصري آخر نسيتُ اسمه الآن، وأربعة غيرهم يدخلون معهم، بل هم أذكى بكثير ممن اكتشف بعض المكتشفات، هناك دعاة مؤمنون، خرجوا وهم لا يعرفون من الإسلام شيئاً، خرجوا ملاحدة شيوعيين، ففروا إلى أمريكا، ولما وصلوا اعتنقوا الإسلام والإيمان، وأصبحوا دعاة، تجد الواحد بلحيته البهية وطلعته؛ كأنه نجم في غيهب الليل. وصلينا المغرب في توسان، فاجتمع معنا أناس عراقيون، فألقيت في عشر دقائق كلمة عادية، فسالت دموعهم على لحاهم، وقلتُ: ما لكم؟ قالوا: ذكرتنا بالبيت الحرام، وذكرتنا بالقرآن وبالصحابة وبالرسول، ونحن نعيش غربة.فإذا أردت أن تدخل إلى قلوب المسلمين هناك فقل له: أتيتُ من بلاد الإسلام، تركتم الأهل والأوطان، تركتم الإخوان والخلاَّن، تركتم الأصحاب والأحباب، وأنتم بين ملاحدة وزنادقة، أنتم في غربة ووحشة، فستأتيك الدموع تنهمر من الكلام ما لا يعلمه إلا الله:بكت عيني غداة البين دمعاً وأخرى بالبكا بخلت علينا فعاقبت التي بالدمع ضنت بأن أغمضتها يوم التقينا وادَعْنا بعض الناس، وهم طلبة من جدة في بعض الولايات، فوقفوا معنا في المطار، ثم اعتنقناهم واعتنقونا، فما كادوا أن يتركوننا، وضج بكاؤهم في صالة المطار، وبقيت دموعهم ودموعنا هناك، ولكن عسى الله أن يجمع بيننا وبينكم وإياهم في الجنة:إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا بِنْتُم وبِنَّا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفَّت مآقينا قال رجل هندي: بماذا توصيني؟ فأخرجتُ له المصحف وقلت له: أوصيك بهذا، فبكى حتى جلس.ويقول أحدهم وهو مغربي: والله لقد خضنا كل شيء، جربنا الرأسمالية، جربنا الإلحاد، جربنا الشيوعية، جربنا العلمانية، فما وجدنا إلا الإسلام: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] وقال سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].
 مقطوعة شعرية في واشنطن
وائذنوا لي بمقطوعة، لأختتم بعدها بفقرة، هذه المقطوعة في واشنطن، اسمها: من واشنطن.لما رَحَلْتُ بـأمريكا عن الحسن وضعتُ شكوى الهوى في هيئة الأمم الحسن: هو الحسن الأهدل.لما رَحَلْتُ بـأمريكا عن الحسن وضعتُ شكوى الهوى في هيئة الأمم يا مجلس الأمن أشكو ساجناً فطناً أحل سفك دمي في الأشهر الحرُمِ والشطر الأخير لـشوقي، وهذا تضمين وليس سرقة.يا مجلس الأمن أشكو ساجناً فطناً أحل سفك دمي في الأشهر الحرُمِ إذا احتكمتُ إلى الفيتو ليوقفه رمى بلحظٍ إلينا غير محتشم يا بوش قد جئت من أرض القداسة ما أمسي بديني ولا داهنتُ في قيمي رأيتُ واشنطن الشمطاء قد نشرت ثوباً من الظلم يحمي هالة الظُّلَمِ أستغفر الله! فيها نخبة شرفت بهم رواسي العلا في الأفق في الأجمِ أبناء من فتحوا الدنيا بعزتهم من سيد قرم أو فارس كلِمِ زالت همومي بهم والله وارتفعت روحي وسارت إلى مغناهم قدمي أنا الغريب بأرض كلها كُتَل من أبشع الناس أو عبادة الصنمِ همُ عبيد الخنا والزور ما احتكموا لملة أو رأوا نوراً على علمِ لم يظفروا بتعاليم الرسول ولا عاشوا على سنة الإسلام مِن قِدَمِ الجنس معبودهم والفسق مبدؤهم والمال دستورهم يا خيبة النُّظُمِ في صحبة الله طرنا من مرابعنا على بساط من التوفيق مبتسمِ فينا سعود الخنيسان الذي نظَمَتْ ألطافهُ ونما في العلم مِن قِدَمِ وابن الطريقي في الأعماق منزله من صاحب وافي الأوصاف والكرمِ وابن عمك سلمان العلا بطل أبو معاذ كمي بز كل كمي يا سائلي عن بلاد الكفر معذرة يبكي يراعي ويبكي في الكلام فمي نعم رأيت بها الآلات جاثمة وللمصانع أبواب من النغمِ نعم رأيت الصواريخ التي صَنَعَت الموت في متنها كالدم في العلمِ لكنني لم أرَ التوفيق يصحبهم في عالم الروح أرسال من النعمِ ناديت لما رأيت الصبح يغمره يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم
الأسئلة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 نظرة الأمريكان إلى العرب
السؤال: هل كل الأمريكان ينظرون إلى العرب باستغراب حسب ما عندهم من أفكار عنهم؟الجواب: أما الأمريكان فأنا تصورت من سؤال الإخوة وبعض المفكرين الذين جلستُ معهم أن في بعض الولايات الذين يشتغلون بالسياسة يتصورون أن العرب لا شيء، كالأطفال، وأنها دول نامية، ورجعية، ومتخلفة، وأما بعض الولايات فلا يشتغلون بالسياسة، ولا يعرفون حتى الصحف اليومية، عندهم الأمر عادي، فدائماً متعوِّد على أن يمر بهندي وباكستاني وعربي وياباني وصينيي فالأمر عادي، ولذلك بعض الولايات يركزون النظر فينا، وبعضهم لا يتأثر، مثل ما هو حاصل عندنا، ففي جدة -مثلاً- من كثرة من ينزلها صاروا لا يستغربون مرور الخواجات، لكن في تهامة لو مرَّت من عندهم الخواجة لتعثروا ووقفوا، فهذه تختلف بنسب بين الولايات.وفي الختام: نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أمريكا التي رأيت للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net