اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اتقاء الشبهات للشيخ : عائض القرني


اتقاء الشبهات - (للشيخ : عائض القرني)
إن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الدين وجعله كاملاً قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)[المائدة:3] فبين الله الحلال وجعل له حداً، وبين الحرام وجعل له حداً، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى هذه الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فيها وقع في الحرام. وفي هذه المادة بيان لهذه الكلمات مع التعرض إلى الأحكام والمسائل التي تدور حولها.
شرح حديث: (الحلال بين والحرام بين)
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..أما بعد:فيقول الله تبارك وتعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157] فالنور الذي أُنزل مع محمد صلى الله عليه وسلم هو الكتاب والسنة، فمن استنار بهما أنار الله طريقه وأنجاه، وأفلح في الدنيا والآخرة، ومن عدل عنهما أو تركهما؛ فقد أعمى الله بصيرته.يقول ابن تيمية رحمه الله: " أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وقلب لا يُشرق عليه هذا الدين فهو قلب مغضوب عليه " فإن الله عز وجل إذا غضب على القلوب فلن يوصل إليها هذا النور من الكتاب والسنة، وسجعلها في حجاب لا ترى ولا تسمع، ولا تبصر ولا تفقه، وإذا رضي الله عن قلب حبَّب إليه الكتاب والسنة، فأوصل إشعاع هذا الكتاب وهذه السنة إلى هذا القلب، وإذا غضب الله على أرض ولعنها من الدنيا لم تشرق عليها شمس الرسالة. فشمس الرسالة -أيها المسلمون- هي الكتاب والسنة! فمن استنار بنورهما اهتدى وقاده الله سبحانه وتعالى إلى جنات عرضها السماوات والأرض.. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستضيء بنورهما، ويتمسك بحبلهما، وممن يمشي على طريقهما، إنه على كل شيء قدير.عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات، لا يعلمُها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يُوشكُ أن يُواقعهُ، ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمىً، ألا إن حِمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّه ألا وهي القلب).
 فوائد من حديث: الحلال بيِّن والحرام بيِّن
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {الحلال بيِّن والحرام بيِّن} أي: أن الله بين في كتابه: الحلال والحرام، فكل شيء واضح للأمة؛ فالحلال نعرفه من المطاعم والمشارب، ومن الذبائح والصيد، ومما ينكح المسلم ويتسَّرى، فهذا بيِّن.والحرام كذلك بيِّن، من المحرمات التي نهى الله عنها في الأقوال والأعمال والأحوال والكلام والصفات، فحرَّم الله سبحانه وتعالى الشرك: وهو أكبر ذنب عُصي الله به في تاريخ الإنسان، وهو أكبر ظلمٍ على وجه الأرض، وحرم الزنا، وشهادة الزور، وهذه الأمور كلها حرام، وهي بينه ولا تحتاج إلى كثرة تفصيل.-وأمَّا المشبهات- وفي لفظ للبخاري عن أبي موسى (المشتبهات) -فهذه التي قال عنها أهل العلم: إنها تعارضت فيها النصوص، لا يُدرى هل هي حلال أو حرام؟ أو التي لم يرد نص فيها، فلا يعلم الإنسان هل هي حلال أو حرام؟ فالورع كل الورع أن تتقيها وأن تتركها.. وأمثلتها كثيرة، وقد مثَّل لها بعض أهل العلم في هذا العصر بهذه الأطياب التي انتشرت عند الناس، وفعل بعض الأمور التي دخلت على المسلمين ولم يكن فيها نصوص، فإذا اشتبهت عليك ولم تعرف ما هو النص، ولم يفتك عالم فيها، فالورع كل الورع أن تتركها؛ لتتقي وتستبرئ لعرضك ودينك.والاستبراء للعرض والدين مأخوذ من البراءة أي: تتنظف من سمعة السوء ومن أن يُقدح في عرضك ودينك؛ لأن من قرب من حمى الله يوشك أن يقع فيه.ومن الاستبراء للعرض ما فعله صلى الله عليه وسلم مع صفية بنت حيي وهي زوجته صلى الله عليه وسلم، فقد أتت تزوره وهو معتكف في المسجد، فكلمته وكلَّمها صلى الله عليه وسلم في الليل، فلما أرادت أن تنصرف ودَّعها ومضى معها مشيعاً، وهو قائم معها في باب المسجد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأى الأنصاريان المرأة مع الرسول صلى الله عليه وسلم استعجلا في سيرهما، فقال صلى الله عليه وسلم: {على رسلكما إنها صفية أي: لا تشكوا -قالوا: غفر الله لك يا رسول الله!- أي: هل نشك في أطهر من خلق الله؟ وأبر من خلق الله؟ وأحلم وأتقى وأخشى لله ممن خلق الله؟ -قال صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم}؛ ولذلك نهى أهل العلم أن يقف الإنسان موقف التهم ولو كان أبرأ من أي بريء، ولو كان أطهر من ماء المزن، فلا يليق به أن يقف في مواقف التهم، مثل: سوق يجتمع فيه النساء، أو مكان فيه شبه أو مجلس فيه ريبة فلا تجلس فيه ولو أنك طاهر مُطَّهر، لأن هذا يقع في عرضك ودينك، ثم لا يصدقك بعدها الناس أبداً. قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً فما اعتذارك من قول إذا قيلا صحيح أنك ما قصدت! لكن الناس لا يبرئون الإنسان، وقد تُلِحق به السمعة والتهمة فتلصق به حتى يلقى الله، ولذلك يقول عقبة بن الحارث: {أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! أنا أرضعت عقبة بن الحارث وأرضعت زوجته -يعني: أنه هو وزوجته أخوان من الرضاعة- فاستدعاه صلى الله عليه وسلم، فقال: فارق زوجتك؟ قال: ولم يا رسول الله؟ قال: تقول فلانة أنها أرضعتك وزوجتك، قال: يا رسول الله! ما صدقت. قال صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟} كيف وقد وقع هذا الكلام؟ مادام أنه وقع هذا الكلام وانتشر؛ ففارقها، رواه البخاري.ولذلك فإن من أكبر ما يحافظ عليه المسلم هو ألا يتزيا بزي يُخالف الإسلام، فإنه مهما بلغ من تقوى ومن ورع فإن الناس يتهمونه، والاستبراء للدين وللعرض يمنعك أن توقف نفسك في مواقف الريبة والتهم نسأل الله العافية.والإنسان يعرف بجليسه، فبعض الناس فيه خير وتقوى وهدى واستقامة ومروءة؛ لكنه يجالس الأنذال، فيعرف بمجالسته لهم، فيوقع في دينه وعرضه تهمة وثلمة لا تُسد، ووصمة لا ترفع إلا بالتوبة وبالرجوع إلى أهل الخير، ولذلك يقول الشاعر:عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي ثم يقول صلى الله عليه وسلم: {لا يعلمها كثير من الناس} أي: أن الذي يعلم الحلال والحرام ويعلم (المشبهات) القليل القلة، ودائماً القليل معهم الخير، يقول الله عز وجل: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] ويقول سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].وقد أسلفنا أن عمر رضي الله عنه وأرضاه خرج إلى السوق فسمع أعرابياً يقول: اللهم إني أسألك أن تجعلني من عبادك القليل، فانتهره عمر، وقال: ما هذا الدعاء الذي ما سمعنا به؟قال: يا أمير المؤمنين! أما يقول الله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]؟ فقال عمر: [[كل الناس أفقه منك يا عمر]].وهذا تواضع منه رضي الله عنه، فالقليل معهم الخير، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {لا يعلمها كثير من الناس} أي: لا يعلمون هذه الأمور المشتبهات؛ لأنها لا تظهر لهم؛ إما لتعارض النصوص، أو لعدم ورود النص في هذه المسألة، أو اختلاف أهل العلم، فقال صلى الله عليه وسلم: {فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه} أي: أن من ترك هذه الشبهات فقد برأ الله عرضه ودينه، ويقول أهل العلم: اجعل بينك وبين الحرام حاجزاً، وإن لم تجعل حاجزاً فسوف تقع لا محالة في الحرام نسأل الله العافية.ومن استرسل في كثرة المباحات، وكثرة اللباس، والمطاعم، والمراكب، يوشك أن يقع في الحرام؛ لأن ذلك يستدعيه لكثرة الدخل، ثم يقع في التعامل بالربا، وقد يأخذ عملاً إضافياً، ثم يقع في الكذب والزور والانتدابات، وبعدها يوقعه في الحرام:وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل فهو أول مسئول عن نفسه؛ لأنه أوقع نفسه في كثرة المباحات.ثم قال صلى الله عليه وسلم: {ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام} أي: أنه يقع في الحرام.ثم مثَّل صلى الله عليه وسلم: {كالراعي يرعى حول الحمى} أي: هناك رجل معه غنم يرعى حول حمى لأحد ملوك الدنيا؛ لأن من عادة ملوك الدنيا أن يحموا لهم محامي، فيجعلون لهم حمى ويمنع أن يمر به هذا، ومن مر في هذا واقترب منه ضربت عنقه وسجن وجلد، فالله عز وجل مثله صلى الله عليه وسلم بأن له حمى وهي المحارم، ممنوع أن يستبيحها الإنسان أو أن يقترب منها.فهذا الراعي كلما أصبح الصباح أخذ غنمه ثم اقترب من مرعى الملك، ليس معه مرعى إلا هناك، ضاقت به الدنيا، كالأعرابي الذي ضاقت به الدنيا إلا أن يبول بمسجده صلى الله عليه وسلم.فدائماً يرعى حول الشبك وحول حائط هذا الملك، كلما أصبح الصباح يطردونه فيعود، فهذا لا يأمن أن تدخل شاة من غنمه، أو قطيع منها فترعى فيقع في الحرام، فيجلد ظهره، ويضرب عنقه، ويسجن حتى أبد الآبدين، هذا في الدنيا.أما عند الله عز وجل فوضع الله المحرمات في دائرة، ووضع المباحات عز وجل، فإنه ما حرم شيئاً إلا أباح شيئاً، فمن أكثر من المباحات واقترب دائماً من الحرام يوشك أن يقع ولو مرة من المرات.فيقول صلى الله عليه وسلم: {ألا وإن لكل ملك حمى! ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب}.كل صلاح في الظاهر وكل صلاح في الباطن، وكل صلاح في الأقوال والأعمال والصفات والأحوال مصدره القلب، إذا رأيت الإنسان صلح في أمرٍ وكلامه صحيح وطيب، فاعرف أن قلبه طيب.حتى الصلاة إذا رأيت الإنسان يخشع في صلاته فاعرف أن قلبه خاشع.ولذلك كان صلى الله عليه وسلم دائماً يُركز على القلوب، وقد قرأت في بعض الكتب أن بعض الحكماء -والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها إذا وافقت أصول وقواعد الدين- يقول أحد الحكماء من الهنود: " الذي ينتصر على نفسه أعظم من الذي يفتح مدينة " فالانتصار على النفس وتربية القلب هو المقصود، ولذلك يكثر بعض الناس من العبادات لكن قلبه خراب؛ لأنه لم يعتن بتربية قلبه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {ألا وإن في الجسد مضغة} والسبب أنه يقول: مضغة! كأنه يقول: العجيب أن هذا القلب صغير، وعليه مدار الأعمال، وعليه ترد الأقوال؛ فمن صغره الواجب أن نهتم به، والمضغة: هي اللقمة -المتوسطة- التي يمضغها الإنسان ويأكلها، فيقول صلى الله عليه وسلم: {إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت -هذه المضغة التي هي القلب- فسد الجسد كله}. يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان يا من أتعب جسمه في انتقاء الملابس والمطاعم والمشارب ودمرت روحك! لقد أخطأت العمار، هنا الدمار ليس العمار.ولذلك ينظر الله إلى القلوب، ونظر الناس إلى الأجسام، يقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم} وفي لفظ هناك: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} فالقلب والعمل هو موطن نظر الرب تبارك وتعالى.قال ابن حجر: إنما سمي القلب قلباً لأنه مقلوب على رأسه في جوف الإنسان.وقيل: لسرعة تقلبه. قال سفيان الثوري: [[قلبي يتقلب عليَّ في اليوم خمسين مرة]] أي: تريد من نفسك -دائماً- أن تعتزل فيأتيك بمكان الشبهات، تريد أن تعبد الله فيأتيك بالرياء، تريد أن تختفي فيأتيك بحب الظهور، تريد الإنطواء والعزلة فيأتيك بالشبهة والوسوسة، فدائماً القلب يتقلب، وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه.
وفد عبد القيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ثم قال البخاري رحمه الله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من القوم؟ قالوا: ربيعة -هم من قبائل ربيعة؛ لأن العرب: ربيعة ومضر، أو أكثر من ذلك هم عدنان وقحطان- قال: مرحباً بالقوم -أو الوفد- غير خزايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع ونهاههم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت، وربما قال: المقير، وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم).
 معنى الحنتم والنقير والمزفت والدباء
فقالوا: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كُفَّار مُضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة -لأنهم هم أهل أشربة وقد كثرت النخيل والأعناب في بلادهم، فاضطرتهم أن يسألوا عن الأشربة- فأمرهم صلى الله عليه وسلم بأربع ونهاهم عن أربع -وهذه هي مفاتيح النجاة في الدنيا والآخرة- أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: {أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان} هذه الأربع... وأما أداء الخمس؛ فإنه لا يدخل في الأربع، لكنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ألحقه بها لأنهم أهل أموال من المغانم.{ونهاهم عن أربع: عن الحنتم} الحنتم: هي جرار الخمر، وجرار جمع جرة، ينتبذون فيها، فيضعون فيها التمر والعنب فيتخمر، ثم يسكر، ثم يشربونه، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن هذه الآنية.نهاهم {عن الدباء } الذي هو القرع، يجوفون ما في داخله فيخرجونه ثم يجعلونه آنية كالصحاف وكالآنية المعروفة فيضعون فيه الزبيب والتمر والعنب فيتخمر فيشربونه.{والنقير}: هو أصل النخلة، يأخذون أصل النخلة فينقرونه، ثم يضعون فيه هذه السوائل، فتتخمر، ثم يشربونها.{والمزفت}: هي الآنية من الخشب التي تُطلى بالزيت.والمقير: هي التي تُطلى بالقار، القار: نوع من أنواع الزفت، فيُطلى به؛ فإذا وضع فيه السائل تخمر، فإذا تخمر شربوه، فيصبح الإنسان كالدابة لا يعرف شيئاً، لأعقله ذاهل، فيقول صلى الله عليه وسلم -هناك زيادة في الحديث- قال: {إنكم تأخذونه، قالوا: يا رسول الله! من أخبرك بالحنتم والنقير والمزفت والمقير؟ قال: أنتم تفعلون ذلك، فتبسموا! قال: فتشربون الخمر، فيعمد أحدكم بسيفه إلى ابن عمه فيضربه} قال وفد عبد القيس: وكان فينا رجل ضربه ابن عمه بالسيف، ورسول الله لم يدرِ، فكان يُغطي بعمامته جبهته أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: {احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم} والصحيح في مسألة الآنية أنها منسوخة؛ كما قال الإمام أحمد أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر العهد لما فقه الناس وفهموا، قال: {اشربوا في كل إناء -غير الذهب والفضة- ولا تشربوا مسكراً} فالمسكر حرام، وأما بعض أهل العلم، فقالوا: الحرمة مستمرة وليس هناك ناسخ، والصحيح: أنها منسوخة، وأن الإنسان المسلم يشرب في كل إناء إلا إناء الفضة والذهب ولا يشرب مسكراً.
وفد النابغة الجعدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ثم عاد البخاري رحمه الله إلى حديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات) يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع العلم أن وفد عبد القيس وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، وغالب وفود الإسلام -أكثر من عشرة وفود إلى عشرين وفداً- كانوا يأتون جماعات إلى الرسول صلى الله عليه وسلم- في ذاك الوقت، وأما بنو جعدة فأوفدوا رجلاً واحداً هو نابغة بني جعدة، فوفد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عندك يا نابغة؟ قال: يا رسول الله! عندي كلام مدحتك به ومدحت قومي؟ قال: قل: فذكر تلك المقطوعة التي تقول:تذكرت والذكرى تهيج على الفتى ومن عادة المحزون أن يتذكرا ثم مدح قومه، قال:بلغنا السما مجداً وفخراً وسؤدداً وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا قال: ( إلى أين يا أبا ليلى ؟ قال: إلى الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم: لا فض فوك، فقال: وفوك يا رسول الله! ) فعاش مائة وعشرين سنة، وما سقط له ضرس ولا سن، وهذا من بركات دعواته صلى الله عليه وسلم. وعدد الذين وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقارب السبعة أو الثمانية على الانفراد.
 معنى الحنتم والنقير والمزفت والدباء
فقالوا: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كُفَّار مُضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة -لأنهم هم أهل أشربة وقد كثرت النخيل والأعناب في بلادهم، فاضطرتهم أن يسألوا عن الأشربة- فأمرهم صلى الله عليه وسلم بأربع ونهاهم عن أربع -وهذه هي مفاتيح النجاة في الدنيا والآخرة- أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: {أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان} هذه الأربع... وأما أداء الخمس؛ فإنه لا يدخل في الأربع، لكنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ألحقه بها لأنهم أهل أموال من المغانم.{ونهاهم عن أربع: عن الحنتم} الحنتم: هي جرار الخمر، وجرار جمع جرة، ينتبذون فيها، فيضعون فيها التمر والعنب فيتخمر، ثم يسكر، ثم يشربونه، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن هذه الآنية.نهاهم {عن الدباء } الذي هو القرع، يجوفون ما في داخله فيخرجونه ثم يجعلونه آنية كالصحاف وكالآنية المعروفة فيضعون فيه الزبيب والتمر والعنب فيتخمر فيشربونه.{والنقير}: هو أصل النخلة، يأخذون أصل النخلة فينقرونه، ثم يضعون فيه هذه السوائل، فتتخمر، ثم يشربونها.{والمزفت}: هي الآنية من الخشب التي تُطلى بالزيت.والمقير: هي التي تُطلى بالقار، القار: نوع من أنواع الزفت، فيُطلى به؛ فإذا وضع فيه السائل تخمر، فإذا تخمر شربوه، فيصبح الإنسان كالدابة لا يعرف شيئاً، لأعقله ذاهل، فيقول صلى الله عليه وسلم -هناك زيادة في الحديث- قال: {إنكم تأخذونه، قالوا: يا رسول الله! من أخبرك بالحنتم والنقير والمزفت والمقير؟ قال: أنتم تفعلون ذلك، فتبسموا! قال: فتشربون الخمر، فيعمد أحدكم بسيفه إلى ابن عمه فيضربه} قال وفد عبد القيس: وكان فينا رجل ضربه ابن عمه بالسيف، ورسول الله لم يدرِ، فكان يُغطي بعمامته جبهته أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: {احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم} والصحيح في مسألة الآنية أنها منسوخة؛ كما قال الإمام أحمد أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر العهد لما فقه الناس وفهموا، قال: {اشربوا في كل إناء -غير الذهب والفضة- ولا تشربوا مسكراً} فالمسكر حرام، وأما بعض أهل العلم، فقالوا: الحرمة مستمرة وليس هناك ناسخ، والصحيح: أنها منسوخة، وأن الإنسان المسلم يشرب في كل إناء إلا إناء الفضة والذهب ولا يشرب مسكراً.
فوائد من حديث أبي مسعود في احتساب الأجر
وعن أبي مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهو له صدقة).أي: هذا العمل له صدقة، وفي لفظ: (فهي له صدقة) أي: أنها تُكتب له صدقة، والشاهد الذي يريده البخاري، أي: أنه يحتسبها، فالاحتساب: أن يجعلها عند الله عز وجل أو يريد ثوابها من عند الله.وفي حديث سعد بن أبي وقاص (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرَت عليها؛ حتى ما تضعه في في امرأتك) يعني: في فم امرأتك من الطعام.إن المسلم لا يدخل طعاماً في فم امرأته على سبيل المدح والمداعبة، إلا أُجر على ذلك، حتى من أتى شهوته في الحلال له أجر، وكذلك من نام يريد بذلك طاعة الله له، ومن أكل يريد بذلك التقوى على ما يرضي الله له أجر، يقول معاذ: [[والله إني لأنام النومة فأحتسبها على الله سبحانه وتعالى]] فهذه هي النية التي تُصيِّر العادات إلى عبادات.
 معنى الحنتم والنقير والمزفت والدباء
فقالوا: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كُفَّار مُضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة -لأنهم هم أهل أشربة وقد كثرت النخيل والأعناب في بلادهم، فاضطرتهم أن يسألوا عن الأشربة- فأمرهم صلى الله عليه وسلم بأربع ونهاهم عن أربع -وهذه هي مفاتيح النجاة في الدنيا والآخرة- أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: {أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان} هذه الأربع... وأما أداء الخمس؛ فإنه لا يدخل في الأربع، لكنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ألحقه بها لأنهم أهل أموال من المغانم.{ونهاهم عن أربع: عن الحنتم} الحنتم: هي جرار الخمر، وجرار جمع جرة، ينتبذون فيها، فيضعون فيها التمر والعنب فيتخمر، ثم يسكر، ثم يشربونه، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن هذه الآنية.نهاهم {عن الدباء } الذي هو القرع، يجوفون ما في داخله فيخرجونه ثم يجعلونه آنية كالصحاف وكالآنية المعروفة فيضعون فيه الزبيب والتمر والعنب فيتخمر فيشربونه.{والنقير}: هو أصل النخلة، يأخذون أصل النخلة فينقرونه، ثم يضعون فيه هذه السوائل، فتتخمر، ثم يشربونها.{والمزفت}: هي الآنية من الخشب التي تُطلى بالزيت.والمقير: هي التي تُطلى بالقار، القار: نوع من أنواع الزفت، فيُطلى به؛ فإذا وضع فيه السائل تخمر، فإذا تخمر شربوه، فيصبح الإنسان كالدابة لا يعرف شيئاً، لأعقله ذاهل، فيقول صلى الله عليه وسلم -هناك زيادة في الحديث- قال: {إنكم تأخذونه، قالوا: يا رسول الله! من أخبرك بالحنتم والنقير والمزفت والمقير؟ قال: أنتم تفعلون ذلك، فتبسموا! قال: فتشربون الخمر، فيعمد أحدكم بسيفه إلى ابن عمه فيضربه} قال وفد عبد القيس: وكان فينا رجل ضربه ابن عمه بالسيف، ورسول الله لم يدرِ، فكان يُغطي بعمامته جبهته أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: {احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم} والصحيح في مسألة الآنية أنها منسوخة؛ كما قال الإمام أحمد أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر العهد لما فقه الناس وفهموا، قال: {اشربوا في كل إناء -غير الذهب والفضة- ولا تشربوا مسكراً} فالمسكر حرام، وأما بعض أهل العلم، فقالوا: الحرمة مستمرة وليس هناك ناسخ، والصحيح: أنها منسوخة، وأن الإنسان المسلم يشرب في كل إناء إلا إناء الفضة والذهب ولا يشرب مسكراً.
مبايعة جرير للنبي صلى الله عليه وسلم
وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم
 معنى الحنتم والنقير والمزفت والدباء
فقالوا: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كُفَّار مُضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة -لأنهم هم أهل أشربة وقد كثرت النخيل والأعناب في بلادهم، فاضطرتهم أن يسألوا عن الأشربة- فأمرهم صلى الله عليه وسلم بأربع ونهاهم عن أربع -وهذه هي مفاتيح النجاة في الدنيا والآخرة- أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: {أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان} هذه الأربع... وأما أداء الخمس؛ فإنه لا يدخل في الأربع، لكنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ألحقه بها لأنهم أهل أموال من المغانم.{ونهاهم عن أربع: عن الحنتم} الحنتم: هي جرار الخمر، وجرار جمع جرة، ينتبذون فيها، فيضعون فيها التمر والعنب فيتخمر، ثم يسكر، ثم يشربونه، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن هذه الآنية.نهاهم {عن الدباء } الذي هو القرع، يجوفون ما في داخله فيخرجونه ثم يجعلونه آنية كالصحاف وكالآنية المعروفة فيضعون فيه الزبيب والتمر والعنب فيتخمر فيشربونه.{والنقير}: هو أصل النخلة، يأخذون أصل النخلة فينقرونه، ثم يضعون فيه هذه السوائل، فتتخمر، ثم يشربونها.{والمزفت}: هي الآنية من الخشب التي تُطلى بالزيت.والمقير: هي التي تُطلى بالقار، القار: نوع من أنواع الزفت، فيُطلى به؛ فإذا وضع فيه السائل تخمر، فإذا تخمر شربوه، فيصبح الإنسان كالدابة لا يعرف شيئاً، لأعقله ذاهل، فيقول صلى الله عليه وسلم -هناك زيادة في الحديث- قال: {إنكم تأخذونه، قالوا: يا رسول الله! من أخبرك بالحنتم والنقير والمزفت والمقير؟ قال: أنتم تفعلون ذلك، فتبسموا! قال: فتشربون الخمر، فيعمد أحدكم بسيفه إلى ابن عمه فيضربه} قال وفد عبد القيس: وكان فينا رجل ضربه ابن عمه بالسيف، ورسول الله لم يدرِ، فكان يُغطي بعمامته جبهته أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: {احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم} والصحيح في مسألة الآنية أنها منسوخة؛ كما قال الإمام أحمد أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر العهد لما فقه الناس وفهموا، قال: {اشربوا في كل إناء -غير الذهب والفضة- ولا تشربوا مسكراً} فالمسكر حرام، وأما بعض أهل العلم، فقالوا: الحرمة مستمرة وليس هناك ناسخ، والصحيح: أنها منسوخة، وأن الإنسان المسلم يشرب في كل إناء إلا إناء الفضة والذهب ولا يشرب مسكراً.
شرح حديث: (الدين النصيحة)
قال أهل العلم: والنصح لكل مسلم، يؤمر به كل مسلم، لأن تميماً الداري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ). يقولمحمد بن أسلم وهو من أولياء الله الصالحين، ومن أكبر عباد الله، وهو من علماء القرن الثالث، وكان من الذين بلغوا الإمامة في الدين، يقول: ما سمعت والحمد لله بسنة إلا طبقَّتها -أي: عمل بها- كان يقرأ الحديث فيتوقف، ولا يقرأ الحديث الثاني حتى يعمل بهذه السنة.فيقول كلاماً أورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم، قال: أما النصح لله: كأن تؤدي الفرائض كما أمرك الله عز وجل وأن تجتنب المحارم، وأن تحسن الأدب مع الحي القيوم، فتتأدب معه في الخلوة كما تتأدب معه في الجلوة أمام الناس، ثم يقول: كيف تستحي من الناس ولا تستحي من الله؟ والله يقول: (أنا جليس من ذكرني) فالنصح لله عز وجل: أن تأتي كل أمر يحبه، وأن تكره وتبغض كل عمل يكرهه ويبغضه سبحانه وتعالى، وأن تجعله معه حيث ما حللت وارتحلت، فإنه سبحانه الذي معك ولا يُفارقك.
 النصح لأئمة المسلمين وعامتهم
والنصح لأئمة المسلمين: قال ابن رجب: أئمة المسلمين في الحديث إما أنهم ولاة الأمور، والنصح لهم: أن تُطيعهم في طاعة الله، وأن تعصيهم في معصية الله، وأن تنصحهم بالتي هي أحسن؛ لأن الله أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون، فقال له: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].فلذلك أورد بعض أهل العلم، كصاحب العقد الفريد وصاحب عيون الأخبار، قال: دخل أحد الناس على هارون الرشيد فقال: يا هارون الرشيد ائذن لي أن أقول لك كلاماً؟ قال: قل. فرفع صوته وأغضبه، وقال: إنك ظلمت وجرت وفعلت وفعلت، فغضب هارون الرشيد حتى احمر وجه، ثم قال: يا هذا أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].أما أنت فلا أقبل نصيحتك، وأقبلها من غيرك. فالمقصود أن يكون النصح بأن يُلان لهم في النصيحة وفي الكلام.والمعنى الآخر: أنهم أهل العلم؛ وقيل: هم أئمة الاجتهاد الذين بلغوا الاجتهاد، فالنصح لهم: أن يُدعى لهم بظهر الغيب، وأن ينصحوا إذا رأوا منهم خللاً، فإنهم ليسوا معصومين.والنصح لعامة المسلمين: أن تُحبَّ لهم ما تُحب لنفسك، فتكره أن ترتفع الأسعار، ولو كنت صاحب بضاعة، قالوا: من غش الناس أن ترفع الأسعار، أو أن تُحب أن ترتفع الأسعار، أو ألا توجد إلا عنده.ومن الغش لهم: أن تحب أن تقحط وتجذب تلك البلاد، يمكن أن أهل قرية في مرة من المرات لم يضيفوك، فتقول: اللهم أصبهم بقحط عاد وثمود، ولا تنزل عليهم القطر، فهذا من الغش.ومن الغش كذلك: أن تكره أن يعم الخير في البلاد ولا تحب مجالس الخير والذكر، ولا تحب أن تنتشر حلقات العلم، ولا من يدعو إلى الكتاب والسنة أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، وهذا من الغش العظيم ومن النفاق الجسيم، أن الإنسان يبغض مثل هذه؛ لأنه يظن أنها تُكدر عليه صفو الحياة، أو أنها تناقض بعض الأمور في ذهنه، وأخطأ لعمر الله! بل إن القطر لا ينزل من السماء ولا الخير ولا الهداية ولا النور إلا بمثل هذه المجالس، وبعودة الناس إلى الله.فالإنسان يُحب النصيحة للمسلمين عامة، ويُحب لهم ما يُحب لنفسه، يقول عمر بن عبد العزيز كما يروي عنه ابن رجب في جامع العلوم والحكم: " والله لوددت أنه يعمل كل يوم بسنة من السنن، ويسقط مني كل يوم عضو".ويقول رضي الله عنه وأرضاه -اسمع الناصح والأواب- على المنبر: " والله لوددت أنه يُغلى بي في القدور وأنتم تعملون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ".ويقول الإمام أحمد: " يا ليتني كنت فداءً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم"، ولذلك كان الأئمة -دائماً- إذا دعوا في صلواتهم، يدعون للأمة المحمدية، للمسلمين والمسلمات -دائماً وأبداً- بالهداية والنصح والتوفيق والرعاية، وهذا من النصح.وعن جرير رضي الله عنه قال: {بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم}.قال أهل العلم: فكان جرير بن عبد الله البجلي دائماً وأبداً ينصح لعباد الله.باعه رجل فرساً فقال: بكم بعتني هذا الفرس؟ قال: بثلاثمائة، قال: أتريد فيه أربعمائة؟ فزايده حتى بلغ ثمانمائة، فقال: خذ هذه الثمانمائة، فإني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، وأنا -والله- لك ناصح.
فضل تعلم العلم وأنواعه
ثم قال الإمام البخاري رحمه الله: "كتاب العلم".فهو بدأ بكتاب الوحي؛ لأنه بداية هذا الخير والنور والإشراق، وبداية رفع رءوسنا، واستنهاضنا من الجاهلية والوثنية والردى والعمى، ثم ثنىَّ بالإيمان؛ لأنه المنجي عند الله عز وجل، ثم ثلث بالعلم؛ لأنه طريق الحياة لمن أراد الحياة.يقول الشافعي رحمه الله: " من أراد الحياة فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ".قال ابن أبي الزعد -وهو مولى من الموالي-: أعتقني سيدي؛ لأنني كنت كلاً عليه، أي: كان لا يجد فيه خيراً ولا ينفعه في شيء، فقال: كنت لا أحسن النجارة ولا النساجة ولا الصناعة، فقال: أنت عتيق لوجه الله، فقلت وأنا أودعه: بماذا تأمرني؟ قال: عليك بطلب العلم، قال: فطلبت العلم سنة كاملة، فاستأذن عليّ أمير المدينة في القيلولة، فلم آذن له.وهذا من شرف علم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا يُطلب العلم للتباهي -نعوذ بالله- أو للصيت أو للسمعة، وإنما يُطْلَب لينُجى به في الآخرة، وأفضل عمل تتقرب به إلى الله أن تتقرب بهذا العلم.
 العلم المذموم
أما العلم المذموم: فهو الذي لا يعمل به صاحبه، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله العافية والسلامة. يقول سبحانه وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف:175-176] فهذا لم ينفعه علمه، فلعنه الله في الدنيا والآخرة، نعوذ بالله من ذلك.ويقول سبحانه وتعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102] يقول هنا: (يتعلمون) علم السحر المذموم أو علم الشعوذة أو علم النجوم، {فمن تعلَّم علم النجوم فقد استزاد شعبةً من الشرك زاد ما زاد} أي: أنه كُلَّما زاد من علم النجوم أو من هذه العلوم، فقد زاد شعبة من الشرك والنفاق؛ إلا من يتعلمها لمعرفة أوقات الصلاة، أو لأمور تهمَّ المسلمين.أما من يقطع عُمره في مثل هذه العلوم التي لا تنفع، أو العلوم المحرمة، فإن بعض أهل السنة يقولون: " من تعلم السحر كفر". و{حد الساحر ضربة بالسيف} نعوذ بالله من ذلك، وليس هذا محل بسطها.ومن العلم المذموم أيضاً: أن يذهب الإنسان حياته كلها في علم لا ينفع كثيراً، كعلم الأنساب، فيعرف أن هذه القبيلة تنتسب إلى قحطان، وقحطان إلى فلان، وفلان إلى علان، فهذا علم يذهب الأعمار ولا ينفع أبداً، ولذلك { دخل صلى الله عليه وسلم المسجد فرأى قوماً مجتمعين في حلقة، قال: ماذا يتعلَّم هؤلاء؟ قال: يتعلمون الأنساب. قال: هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر} وما يضرك يوم القيامة؟ هل تظن أنه يسأل الإنسان في القبر، أو يسأل يوم القيامة عن قبيلة قحطان أو غيرها ماذا تنتسب إليه؟ هذا ليس من العلم الذي يُحمدِ، إنما الذي يُحمد كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {تعلَّموا من أنسابكم ما تصلوا به أرحامكم} تعرف أن هذه قريبة فتصلها، وهذا قريب، وهذا عم، وهذا خال.ومن العلوم التي إذا أذهبت الأعمار وأصبحت مذمومة: علم الشعر والأدب، وهو قضية الساعة عند العلماء، وقضية التركيز في الساحة، وأكثر ما شغل الناس خاصَّة المثقفين في المجالس، الشعر الحداثي، والشعر المقفى، وهذا الأدب، فمن أذهب عمره في هذا فهو مذموم، مأزور غير مشكور ولا مأجور، ماذا قدم للإسلام؟ يحفظ قصائد الناس جميعاً، ولم يشتغل بالكتاب ولا بالسنة، وإنما يُطلب من الأدب ما جمل في الدعوة، وبمجالس العلم فحسب، أما من أذهب عمره في هذه الأمور فهو مذموم.ومن العلوم المذمومة من أذهب عمره وليله ونهاره في بعض الأمور الجزئية كالجغرافيا، الناس يتهجدون وهو يبحث عن عاصمة أسبانيا، وأهم المنتجات فيها وماذا تصدر؟ وماذا تنتج؟ ومن هو وزير خارجيتها؟ ومن تولى؟ ومتى استقلت؟ ثم يذهب عمره ويشيب وهو على هذا المستوى، وأين تقع جبال الهملايا وكم قدماً ترتفع عن البحر؟ فهذا علم إنما يُعرض للناس، ليبين قدرة الله في الأرض، فمن أذهب عمره فيه فهو مأزور لا مشكور ولا مأجور. لكن هناك علوم قد يحتاج إليها المسلمون.يقول الشافعي: " العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان ". علم الأديان: الكتاب والسنة ويكفينا. وعلم الأبدان: علم الطب، وهو من أشرف العلوم إذا استصحب صاحبه تقوى الله عز وجل والعمل الصالح، فإن الطب من أحسن ما يكون لحاجة المسلمين؛ حتى إن بعض أهل العلم أوجبه إيجاباً؛ أن يتعلم الناس الطب؛ لأنه إذا كان أطباؤنا يهوداً ونصارى لا نأمن أن يقتلونا وقد فعلوا، حتى إنهم عملوا عملية لبعض المرضى وكان عنده زكام فبتروا رجله، وقالوا: هذا مرض مستعصٍ.وكذلك العلم المحمود: مثل علم الهندسة، بشرط أن يكون صاحبه مقيماً لشرع الله، وصالحاً في ذات الله عز وجل، حسب حاجة المسلمين إلى هذا العلم، وقد أُثِرَ عن ابن تيمية أنه قال: " لو احتاج المسلمون إلى إبرة تصنع، ثم لم تصنع عندهم ولم توجد لأثموا جميعاً" لكن نحن لا ننتج لا إبرة ولا أكبر ولا أصغر؛ حتى الطباشير التي نكتب بها على السبورة تأتي من دولة مستوردة إلينا، حتى القليل والكثير، ملبوسنا ومشروبنا، ومركوبنا، وبيوتنا، وكتبنا، ودفاترنا، وحقائبنا، كلها مستوردة والحمد لله، إنما نحن نجيد الأكل والشرب والجلوس.. وغير ذلك من هذه الأمور، لكننا نسأل الله عز وجل أن يُوفقنا لطاعته.
الأسئلة

 كل علم مفيد فهو مطلوب
السؤال: هل ترى أن كل علم مفيد مطلوب في حدود الحاجة والفائدة؟ هل توافقنا على ذلك؟الجواب: نعم. أوافقك وأوقع على ذلك، فكل علم مطلوب للمسلمين يستفاد منه، وهو مطلوب بقدر الحاجة، وما زاد عن الحاجة فلا يستفاد منه.نسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اتقاء الشبهات للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net