اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أما بعد للشيخ : عائض القرني


أما بعد - (للشيخ : عائض القرني)
إن الداعية المسلم لا يعرف الكسل والخمول، ولا يعرف التوقف عن تبليغ دعوته مهما سجن أو عذب، إنما هو كالنخلة يثمر وينتج في كل زمان ومكان؛ ينشر دعوة ربه ويُعبِّد الناس لخالقهم.وهو يتصف بالأسلوب الدعوي المعروف عن سيد الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم ويتصف بصفات الداعية الحق.
لله الأمر من قبل ومن بعد
الحمد لله، أحمده تعالى على جميل إنعامه وإفضاله، وأشكره على جليل إحسانه ونواله، له الحمد على أسمائه الحسنى وصفات كماله ونعوت جلاله، وله الحمد على عدله قدراً وشرعاً، وله الحمد في الآخرة والأولى وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق العلي الكبير، تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، تعالى في أحكامه وأفعاله عن الشريك والوزير، وتقدس في أحديته وصمديته عن الصحاحبة والولد والولي والنصير، وتنزه في صفات كماله ونعوت جلاله عن الكُفُؤ والنظير، عز جاهه وتقدست عظمته، عظم شأنه عن المنازع والمغالب والمعين والمشير، جل في بقائه وغناه عن المطعم والمجير، فسبحانه ما أعظمه وأحلمه وأجله! وما أكمله! وما أقواه! وما أغناه! عليه توكلت وإليه أنيب وهو حسبي ونعم الوكيل.من أين أبدأ؟!من أين أبدأ والمحامد كلها لك يا مهيمن يا مصور يا صمد من أين أبدأ وهو الذي مدح نفسه قبل أن يمدحه المادحون، ووصف نفسه قبل أن يصفه الواصفون، وأثنى على نفسه قبل أن يثني عليه المثنون، كيف أبدأ؟من أين أبدأ والمحامد كلها لك يا مهيمن يا مصور يا صمد احترت في أبهى المعاني أن تفي بجلال قدرك فاعتذرت ولم أزد الحمد لله جزيل العطاء، مسدي النعماء، كاشف الضراء، معطي السراء، الحمد لله عالم السر والجهر، الحمد لله عالي القهر والقدر، الحمد لله المتكفل بالأقوات، المدعو في الملمات والمدلهمات، كاشف الكربات، المرجو في الأزمات، الحمد لله على كل نعمة أنعم بها، وعلى كل بلية صرفها، وعلى كل أمر يسره، وعلى كل قضاء قدره، وكل مكروه كفاه، وكل حادث لطف فيه، الحمد لله كم أعطى من النعيم، كم منح من الخير العميم، كم تفضل به من النوال الجسيم، عمت نعمه، وانصرفت نقمه، تضاعف كرمه، الحمد لله على تمام المنة، الحمد لله بالكتاب والسنة، الحمد لله على نعمة الإسلام، وتواتر الإنعام، توالت فضائله وعم نواله، وحسنت أفعاله وتمت أقواله، الحمد لله نور الجميل، واهب العطاء الجزيل، شافي العليل، المبارك في القليل، أجود من أعطى، وأشرف من أوفى.يا غافلاً عن إله الكون يا لاهي تعيش عمرك كالحيران كالساهي ارجع إلى الله واقصد بابه كرماً والله والله لن تلقى سوى الله من قبله فهو المقبول، من حاربه فهو المخذول، من التجأ إليه عز، من توكل عليه كفاه، من أطاعه تولاه، من عاداه قصمه، من بارزه حطمه، من أشرك به أحرقه.فوالله لو صغنا من الدمع قصة وصار كتاب الحب بالدم يكتب وسرنا على الأجفان نمشي محبةً على النار نشوى أو على الجمر نسحب لما بلغت ما تستحق جهودنا فكل ولو نال المشقة مذنب الكل مذنب ومقصر، الكل معترف وأنا أول المعترفين: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبي الخاتم، والإمام المعصوم، والأسوة الحسنة، والقدوة المثلى، شرف الحواضر والبوادي، زينة النوادي، أعظم هادي، وأفضل حادي.يا طريداً ملأ الدنيا اسمه وغدا لحناً على كل الشفاه وغدت سيرته أسطورة يتلقاها رواة عن رواه ليت شعري هل درى من طاردوا عابدو اللات وأتباع مناة هل درت من طاردته أمة هبل معبودها شاهت وشاه أما بعد: فعنوان محاضرتي "أما بعد" وأما بعد وأما قبل فلله الأمر من قبل ومن بعد، ليس لنا من الأمر شيء، وليس لنا مع قدرته حول، وليس عندنا لأمره رد، وما لنا لقضائه حيلة، وما لدينا مع قدرته تدبير، هو الفعال لما يريد ونحن العبيد، إن تشرفنا فالطين أصلنا، وإن افتخرنا فالتراب مردنا، وما لمن خلق من ماء مهين أن يشمخ بأنفه أو يزهو بعلمه، أو يعجب برأيه، سبحانك! اعترفت بذنبي وتقصيري أمامك.يا أنت يا أحسن الأسماء في خلدي ماذا أعرف من متن ومن سند تقاصرت كلم الأوصاف عندكم لما سمعنا ثناء الواحد الأحد والله لو أن أقلام الورى بريت من العروق لمدح السيد الصمد لم نبلغ العشر مما يستحق ولا عُشر العشير وهذا غاية الأمد يا رب! يا حي يا قيوم! يا لطيف! أنت الكامل وأنا الناقص، أنت الغني وأنا الفقير، أنت القوي وأنا الضعيف، أنت الحي وأنا الميت، أصابع المذنب تشير إلى الغفار، ألسنة الفقر تدعو الغني، أكف الضعف ترفع للقوي، الميت يمدح الحي القيوم، الغريق ينادي يا ذا الجلال والإكرام! الكلمات والإشارات عاجزات، البلاغة والبيان والتعبير تعلن التبشير، لا يعلم ما يستحق إلا هو، ولا يحيط بعلمه سواه، لا يقدر قدره إلا إياه، لا يحسن الثناء عليه غيره، إن قدسته أو سبحته أو مجدته فهو الذي علمني، إن حمدته أو كبرته أو وحدته، فهو الذي ألهمني، إن عبدته أو شكرته أو ذكرته فهو الذي أكرمني، صفات المدح في الكاملين ذرة من كماله، نعوت الفضل في الأبرار نفحة من أفضاله، ألسنة المادحين، وأقلام الواصفين، حائرة في جلاله، من أنا حتى أمدحه؟! من أنا حتى أمجده؟! من أنا حتى أثني عليه؟! أنا الذي خلقت من تراب أصف الملك الوهاب؟! أنا الذي صور من طين أذكر جلال رب العالمين؟! إن الخجل يملأ فؤاد من خلق من ماء مهين، إذا قام يشدوا بأوصاف أحكم الحاكمين.اللهم إن أشرف تاج نحمله تمريغ الأنف على التراب لجلالك، اللهم إن أعظم وسام نحمله وضع الجباه على الأرض لعبوديتك، أنا الظالم لنفسه، المعترف بتقصيره، المقر بذنبه، أنت الواجد الماجد الغني الحميد، عز جاهك، جل ثناؤك، تقدست أسماؤك، لا إله غيرك.قد كنت أشفق من دمعي على بصري فاليوم كل عزيز بعدكم هانا يا ألله! سجد وجهي لك، يا ألله! خشع سمعي وبصري لك، يا ألله! رغم أنفي لك، يا ألله! ذلت رقبتي لك، يا ألله! وجل قلبي منك، يا ألله! التجأت نفسي إليك، يا ألله! حسن ظني فيك، يا ألله! طاب الحديث عنك، يا ألله! كمل التوكل عليك.إليك وإلا لا تشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدث كاذب
 

الوصايا العشر
أما بعد: فقد وقفت عشراً واستفدت عشراً: أولاها: اللجوء إلى الله في الملمات، وقصده في الكربات، وسؤاله في الأزمات. ثانيها: أن مع العسر يسراً، ومع الكرب فرجاً، ومع الضيق سعة، وبعد الشدة رخاء.ثالثها: أنه ليس لك في المصائب إلا الله، وما لك عند الدواهي إلا الله، وما معك في الخطوب إلا الله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62] فوحدوه وأخلصوا له العبادة، وأطيعوه واهتفوا بولائه، وادعوه، والتجئوا إليه، واسجدوا له، واشكروه.رابعها: أن العلماء يصيبون ويخطئون، والدعاة يحسنون ويغلطون، والمصلحون يسددون ويعثرون، إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، فهو المصيب بلا خطأ، والمسدد بلا غلط، والمصلح بلا عثرة: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]. خامسها: أن الكتب تعرف منها وتنكر، وتقبل وترد، وتوافق وتخالف، إلا الوحي كتاب وسنة، ففيه الصحة كلها، والصواب أجمعه، والحق أتمه وأكمله، والعدل أوله وآخره.سادسها: أنه ليس لأحد أن يدّعي أنه المخول وحده لنصرة الدين، ولا التكلم باسمه، فدين الله منصور، شاء من شاء، وأبى من أبى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89].نصر محمداً العربي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وصلاح الدين الكردي، ونور الدين التركماني، وإقبال الهندي.سابعها: أن الرفق هو الطريق الأمثل للدعوة، وأن الكلمة اللينة هي السحر الحلال، وأن الأسلوب السهل هو مصيدة الرجال، فاسأل الله أن يصلح النية والذرية، وأن يوفق الراعي والرعية.ثامنها: أن غالب محاضرات الدعاة، وندوات العلماء، حسن وصواب، وحق وعدل، والقليل النادر غلط وخطأ؛ لعنصر البشرية وضعف الإنسانية، وانتفاء العصمة وانقطاع الوحي.تاسعها: وجدت أن الأمة لايشفي عليلها ولا يروي غليلها، مقطوعة من فنان، ولا طرح من علماني، ولا هيام من شاعر، ولا خيال من فيلسوف، إنما يحييها ويرفعها ميراث من نبوة، وتركة من رسالة، وأثارة من وحي: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].عاشرها: وجدت أن الأمة قد تكون غير منتجة، ولا مخترعة، ولا مكتشفة، ولا مصنعة، ولكنها لا تعيش بلا إيمان، ولا تحيا بلا رسالة، ولا تشرف بلا منهج: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]. تلك عشرة كاملة، أهديها لمحبي النصح وعاشقي الفضيلة وطلاب الحقيقة، وشباب الإصلاح ورواد المعرفة: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].دعها كما شاءها الرحمن جارية الله يحفظها والله يرعاها لها من الوحي نور تستضيء به وبهجة الغار تبدو في محياها
 

أسلوب الداعية في الدعوة
أما بعد:فهذه عشر سنوات طويلات قصيرات، فيها حسنات وسيئات، ومضحكات ومبكيات، مرت بسرورها وحزنها، ونعيمها وبؤسها، وغناها وفقرها، ولذتها ومعاناتها.فتصرمت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أيام ثم انبرت أيام هجر أعقبت صبري أسىً فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام انتهت هذه العشر عندنا، ولكن ما انتهت عند الله: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:52].أما بعد:فإن الداعية ليس له حقل واحد لا يعمل إلا فيه، بل حقول متعددة، وميادين مختلفة، ومنابر شتى، فالدعوة لا يحدها حد، ولا يحصرها حصر، ولا يقيدها قيد. إن الدعوة تجري في دم الداعية، يقولها كلمة، يصوغها عبارة، ينشدها قصيدة، يدبجها خطبة، ينقلها فكرة، يؤلفها كتاباً، يلقيها محاضرة.إنها قد تكون مع النفس محاسبة ومراقبة، وتكون مع الأم براً وحناناً، ومع الأب شفقة ورحمة، ومع الابن تربية وأدباً، ومع الجار إحساناً وبراً، ومع المسلم مصافاة ومودة، ومع الكافر دعوة وحواراً، فهذا إبراهيم الخليل عليه السلام يتلطف بأبيه، يا أبتي! يا أبتي! يا أبتي! وهذا نوح ينوح على ابنه: يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا [هود:42]وهذا لقمان يترفق بابنه وفلذة كبده، يا بني! يا بني! يا بني! وهذا موسى يعطف على فرعون، وهذا مؤمن آل فرعون يقول لقومه: يا قومي! يا قومي! وهذا مؤمن آل ياسين، ينادي وهو في الجنة: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [يس:26] إن الدعوة هم لازم، وواجب دائم، فهي معك في السيارة والطيارة والسفينة، وفي النادي والجامعة والمزرعة والمتجر، قد تدعو بسيرتك أكثر من كلامك، وتدعو بصفاتك أعظم من خطبك، وتدعو بخلقك أحسن من محاضراتك، ليس للداعية وقوف.سجن يوسف فدعا في السجن، وطرد نوح فدعا في السفينة، وحوصر محمد صلى الله عليه وسلم فدعا في الشعب، وطوق فدعا في الغار، وطرد فأنشأ دولة.قيل لشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره: إن السلطان أمر بإخراجك إلى قبرص، قال: والله إن بي من السرور والفرح ما لو وزع على أهل الشام لوسعهم، والله إني كالغنمة -هذا لفظه- لا تنام إلا على صوف، إن خرجت إلى قبرص دعوتهم إلى لا إله إلا الله فأسلموا، وإن سجنت خلوت بعبادة ربي، وإن قتلت فأنا شهيد.ليس من المهم عند الداعية، أن يكون له جمهور حاشد أو حفل بهيج أو مستمعون كثر، المهم أن يقول الحق، وأن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، وأن يحمل الميثاق بأمانة، وأن يبلغ الشريعة بصدق: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] بعض الأنبياء لم يستجب له أحد، والبعض استجاب له واحد أو اثنان، والبعض جماعة، وبعضهم دعا عمره كله ثم قتل ولم يطعه بشر، وأنبياء آخرون مكثوا السنون الطويلة يدعون ثم نشروا بالمناشير.سيدي علل الفؤاد العليلا أحيني قبل أن تراني قتيلا إن تكن عازماً على قتل روحي فترفق بها قليلاً قليلا
 

صفات الداعية

 إصلاح الناس وتعبيد البشر لله
أما بعد: فإن هم الداعية إصلاح الناس وتعبيد البشر لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فليس همه المال ولا الجمال، ولا الجاه ولا المنصب؛ لأنه مكلف بمهمة محددة: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3].وعنده رسالة طابعها: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ [الذاريات:57] وعنوانها: {قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا} يوزعها في كل قلب: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] الداعية حبيبه من أحب الله، ووليه من تولى الله، وصديقه من احترم الشرع، وعدوه من عادى الإسلام، ليس عند الداعية وقت للعداوات الشخصية، ولا فراغ لتوافه الأمور، فكل دقيقة من عمره حسنات، وكل ثانية من وقته قربات.أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا الداعية ينهمر بالآيات والأبيات، والسير والعبر، والقصص والأخبار، والفوائد والقصائد، والشوارد والفرائد، يدعو بها كلها إلى الله الواحد الأحد، ليعبد الله وحده لا إله إلا هو، مرجع الداعية قلبه النابض، ومصدره نفسه المشفقة، وحبره دمه، ومادته دموعه، وورقه حصير الخير.الداعية لا ينسى دعوته، وهل ينسى المريض مرضه، والجائع جوعه، والمحموم حماه، وكيف يترك الداعية دعوته، وهل يترك الرسام رشيته، والنجار فأسه، والفلاح مسحاته، والكاتب قلمه.أما واعدتني يا قلب أني إذا ما تبت عن ليلى تتوب فهأنا تائب عن حب ليلى فما لك كلما ذكرت تذوب ولا حرج للداعية أن يضحي بنفسه في سبيل مولاه، بل هو الحق، فليبع وقته ودمه ودموعه، وكتبه وأوراقه، وليله، ونهاره: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79].لكل شيء إذا ما تم نقصان إلا الإيمان في قلب حامله.لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادة أهل الحق يا صاحبي الهدى ما مضى فات، والمؤمل غيب إلا عند الداعية، فالماضي عنده ما فات ولا مات: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:52] والمؤمل عنده حاصل لا محالة، قادم بلا شك: ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:7].نشيد اللاهين: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ونشيد الدعاة: قفا نبك من ذكرى الكتاب المنزل أغنية الغافلين: أخبروها إذا أتيتم حماها أنني ذبت في الغرام فداها وملحمة الصالحين: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ
وقفة إجلال لذي الجلال والكمال
أيها الناس! أيها البشر! وقفة إجلال لذي الجلال والجمال والكمال، تقدس في علاه، لا إله إلا هو، ولا نعبد إلا إياه، ولا نرجو سواه، قال موسى لربه: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] أي همة يحملها هذا النبي! أشرقت نفسه بحب الواحد الأحد، اصطفاه بالكلام على البشر، فلما أعطاه الله الكلام، تاقت نفسه ليرى الواحد الأحد، ما أعظم الله! لا يُرى في الدنيا، ما أجل الله! لا يبصره المخلوق، ما أجله وما أشرفه! وما أرقى مكانه! لا نراه نحن في الدنيا، نحن أذل وأقل، وأكثر ذنباً وحقارة وهزالاً، وحاجة من أن نرى الله، قال الله: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] لن تستطيع رؤيتي في الدنيا، أنت بشر والبشر لا ينظر إلي في الدنيا، أنت مخلوق والمخلوق لا يراني في الدنيا، أنا أعظم من أن يراني الناس، أنا أعظم من أن يراني البشر في هذه الحياة الدنيا، تعالى الله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]. لن تراني يا موسى أبداً في الدنيا، فالجليل الكبير العظيم المتفرد بالكمال والجلال والجمال لا يراه البشر في الدنيا، على العرش استوى وعلى الملك احتوى، يعلم ما في السموات والأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، قال: قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143] إن كان الجبل يصمد لرؤيتي فسوف تراني، إن كان الجبل يستطيع أن يقف مكانه فسوف تنظر إلي، إن كانت أحجار الجبل فيها من القوة والصلابة والمناعة والجدارة أن تثبت فلتثبت: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143] قال أهل العلم: جبل طور سيناء، من أعظم الجبال صخوراً وحجارة، وصلابة وشدة وقوة، لكنه الواحد الأحد، أقوى من كل قوي، أغنى من كل غني، أمنع من كل ملك، أشرف من كل شريف، أعز من كل عزيز: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] إن كان الجبل يثبت مكانه فسوف تثبت أنت، إن كان الجبل بصخوره وحجارته وعروقه وأوتاده يثبت للنظر فسوف تثبت: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً [الأعراف:143] قال سفيان: [[ساخ الجبل في البحر]] تجلى الله سبحانه تجلياً يليق بجلاله، لانكيفه ولا نشبهه ولا نمثله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].تجلى للجبل العظيم المدلهم الآخذ طولاً وعرضاً، الشامخ بأوتاده وقوته وجذوره وصلابته وحجاره، وصخوره فاندك الجبل وساخ، ذاب للواحد الملك الوهاب، إليه المناب والمتاب: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً [الأعراف:143] قالوا: ساخ الجبل، وقيل: انغمس في الأرض، وقيل: وقع في البحر: وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً [الأعراف:143] قالوا: إنه مات، والصحيح أنه أغشي عليه، وفارق وعيه، من هول المشهد، يوم رأى الجبل يتناثر، والصخرة تدك، ورأى الحجارة تذوب فخر صعقاً عليه السلام، وغشي عليه، ثم أيقظه الواحد الأحد الذي يحيي العظام وهي رميم: فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ [الأعراف:143] لا أكرر هذا الطلب، سبحانك! أتأدب بين يديك، سبحانك تعاليت، يقول أهل التفسير: تقدست أن يراك الناس في الدنيا، سبحانك تعاظمت أن يراك المخلوق في هذه الحياة، سبحانك لا أسألك مسألة لا تليق بي! سبحانك أنت أعظم من أن تراك العيون! أو تدركك الأبصار، تعاليت في عليائك، ما أحسن الكلمة! وقع موسى مرمياً مغشياً عليه فلما أفاق، نفثت شفته، ونطقت لسانه: وقَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف:143] لا أكررها مرة ثانية، أتأدب على بساط الربوبية، وفي محراب العظمة، وفي إيوان القدسية، وفي دار الوحدانية، والألوهية، وأنا أول المؤمنين، هذه وقفة عظمة، للعظيم جل في علاه.
 إصلاح الناس وتعبيد البشر لله
أما بعد: فإن هم الداعية إصلاح الناس وتعبيد البشر لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فليس همه المال ولا الجمال، ولا الجاه ولا المنصب؛ لأنه مكلف بمهمة محددة: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3].وعنده رسالة طابعها: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ [الذاريات:57] وعنوانها: {قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا} يوزعها في كل قلب: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] الداعية حبيبه من أحب الله، ووليه من تولى الله، وصديقه من احترم الشرع، وعدوه من عادى الإسلام، ليس عند الداعية وقت للعداوات الشخصية، ولا فراغ لتوافه الأمور، فكل دقيقة من عمره حسنات، وكل ثانية من وقته قربات.أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا الداعية ينهمر بالآيات والأبيات، والسير والعبر، والقصص والأخبار، والفوائد والقصائد، والشوارد والفرائد، يدعو بها كلها إلى الله الواحد الأحد، ليعبد الله وحده لا إله إلا هو، مرجع الداعية قلبه النابض، ومصدره نفسه المشفقة، وحبره دمه، ومادته دموعه، وورقه حصير الخير.الداعية لا ينسى دعوته، وهل ينسى المريض مرضه، والجائع جوعه، والمحموم حماه، وكيف يترك الداعية دعوته، وهل يترك الرسام رشيته، والنجار فأسه، والفلاح مسحاته، والكاتب قلمه.أما واعدتني يا قلب أني إذا ما تبت عن ليلى تتوب فهأنا تائب عن حب ليلى فما لك كلما ذكرت تذوب ولا حرج للداعية أن يضحي بنفسه في سبيل مولاه، بل هو الحق، فليبع وقته ودمه ودموعه، وكتبه وأوراقه، وليله، ونهاره: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79].لكل شيء إذا ما تم نقصان إلا الإيمان في قلب حامله.لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادة أهل الحق يا صاحبي الهدى ما مضى فات، والمؤمل غيب إلا عند الداعية، فالماضي عنده ما فات ولا مات: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:52] والمؤمل عنده حاصل لا محالة، قادم بلا شك: ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:7].نشيد اللاهين: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ونشيد الدعاة: قفا نبك من ذكرى الكتاب المنزل أغنية الغافلين: أخبروها إذا أتيتم حماها أنني ذبت في الغرام فداها وملحمة الصالحين: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ
دعاء وتأمين
أيها الناس! إني داع فأمنوا: اللهم أبرد لاعج القلب بثلج اليقين، واطفئ جمر الأرواح بماء الإيمان، يا رب! ألقِ على العين الساهرة نعاساً أمنة منك، وعلى النفوس المضطربة سكينة، وأثـبها فتحاً قريباً، يا رب اهد حيارى البصائر إلى نورك، وضلاّل المناهج إلى صراطك، والزائغين عن السبيل إلى هداك، يا رب أزل الهموم والوساوس بفجر صادق من النور، وأفق باطن الضمائر بفيلق من الحق، ورد كيد الشيطان بمدد من جنود عونك مسومين.اللهم أذهب عنا الحزن، وأزل عنا الهم، واطرد من نفوسنا القلق، نعوذ بك من الخوف إلا منك، والركون إلا إليك، والتوكل إلا عليك، والسؤال إلا منك، والاستعانة إلا بك، أنت ولينا، نعم المولى ونعم النصير، اللهم حقق الآمال، وأصلح الأعمال، وحسن الأحوال، وسدد الأقوال.اللهم اجمع شمل الأمة، واكشف الغمة، وانصر الدين وأتمه، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، اللهم اجعلهم عوناً على طاعتك للمسلمين، ودرعاً للموحدين، وإنصافاً لملة المستقيمين على منهجك يا رب العالمين، ونصرة للدعاة والعلماء والمصلحين.اللهم أصلح القلوب، واغفر الذنوب، واستر العيوب، اللهم اقبل توبة من يتوب، اللهم أجزل العطية، واغفر الخطية، وأحينا حياة رضية، ونسألك الميتة السوية.اللهم ألهمنا الحجة وثبتنا على المحجة، اللهم يمن كتابنا، ويسر حسابنا، اللهم اشفِ منا العلل، واغفر الزلل، وادرأ عنا الكوارث واحمنا من الحوادث.اللهم أذهب الشك باليقين، وألبسنا ثوب الدين، وانصر إسلامنا، وارفع أعلامنا، وثبت أقدامنا، وسدد سهامنا.اللهم بلغ رسولنا عنا الصلاة والسلام، ما غيث همع، وبرق لمع، وظبي سنح، وبلبل صدح، اللهم آته الوسيلة، وامنحه الفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً، واعطه حوضاً موروداً، وأجب شفاعته، وأكرم وفادته.يا رب! إن البشر اعتزوا بأنسابهم، وافتخروا بأحسابهم وعزنا وفخرنا بك، فلا نكون أشقى منهم بك، يا رب إنهم جمعوا الأموال، وادخروا الكنوز، واحتاطوا بالذهب والفضة، ومالنا وكنزنا، وميراثنا دينك وذكرك.اللهم فأغننا يوم الفقر الأكبر حتى نكون بك أغنى منهم بأموالهم، يا رب! إن البشر مدح بعضهم بعضاً، وأطرى بعضهم بعضاً، ورفع بعضهم بعضاً، ومدحنا وثناؤنا وتبجيلنا لك وحدك، اللهم إنهم أَمَّلوا من ممدوحهم جوائز وأوسمة، وعطايا وهدايا، اللهم فاجعلنا أكثر منهم حظاً بجوائزك، وأوسمتك وعطاياك وهداياك، اللهم إنا رأينا من ركن إلى محبوبه، وأنس بمرغوبه، وفزع إلى قريبه، واعتمد على صاحبه، اللهم إليك فزعنا، وعليك ركنا، وبك وثقنا، وعليك اعتمدنا، اللهم اجعلنا أسعد بك من القريب بقريبه، ومن الصاحب بصاحبه، ومن المولى بسيده، اللهم إنا رأينا الرءوس تخضع لسواك، والجباه تسجد لغيرك، والألسنة تقدس البشر، فغضبنا لذلك، وأزعجنا ذاك، فلك خضعت رءوسنا وسجدت جباهنا، وذلت رقابنا، اللهم إن نسألك الغنى يوم الفقر، والعز يوم الذل، والنجاة يوم التغابن. يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمدُ أبواب كل مملك قد أوصدت ورأيت بابك واسعاً لا يوصد سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
 إصلاح الناس وتعبيد البشر لله
أما بعد: فإن هم الداعية إصلاح الناس وتعبيد البشر لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فليس همه المال ولا الجمال، ولا الجاه ولا المنصب؛ لأنه مكلف بمهمة محددة: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3].وعنده رسالة طابعها: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ [الذاريات:57] وعنوانها: {قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا} يوزعها في كل قلب: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] الداعية حبيبه من أحب الله، ووليه من تولى الله، وصديقه من احترم الشرع، وعدوه من عادى الإسلام، ليس عند الداعية وقت للعداوات الشخصية، ولا فراغ لتوافه الأمور، فكل دقيقة من عمره حسنات، وكل ثانية من وقته قربات.أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا الداعية ينهمر بالآيات والأبيات، والسير والعبر، والقصص والأخبار، والفوائد والقصائد، والشوارد والفرائد، يدعو بها كلها إلى الله الواحد الأحد، ليعبد الله وحده لا إله إلا هو، مرجع الداعية قلبه النابض، ومصدره نفسه المشفقة، وحبره دمه، ومادته دموعه، وورقه حصير الخير.الداعية لا ينسى دعوته، وهل ينسى المريض مرضه، والجائع جوعه، والمحموم حماه، وكيف يترك الداعية دعوته، وهل يترك الرسام رشيته، والنجار فأسه، والفلاح مسحاته، والكاتب قلمه.أما واعدتني يا قلب أني إذا ما تبت عن ليلى تتوب فهأنا تائب عن حب ليلى فما لك كلما ذكرت تذوب ولا حرج للداعية أن يضحي بنفسه في سبيل مولاه، بل هو الحق، فليبع وقته ودمه ودموعه، وكتبه وأوراقه، وليله، ونهاره: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79].لكل شيء إذا ما تم نقصان إلا الإيمان في قلب حامله.لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادة أهل الحق يا صاحبي الهدى ما مضى فات، والمؤمل غيب إلا عند الداعية، فالماضي عنده ما فات ولا مات: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:52] والمؤمل عنده حاصل لا محالة، قادم بلا شك: ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:7].نشيد اللاهين: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ونشيد الدعاة: قفا نبك من ذكرى الكتاب المنزل أغنية الغافلين: أخبروها إذا أتيتم حماها أنني ذبت في الغرام فداها وملحمة الصالحين: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أما بعد للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net