اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , خطاب عالم الأمة للشيخ : عائض القرني


خطاب عالم الأمة - (للشيخ : عائض القرني)
وجه الشيخ ابن باز خطاباً عاماً للأمة محذراً من الوقوع في أعراض الدعاة الذين أثبتت الأيام أن لهم قبولاً. وكان ابن باز قد وجه لبعض الدعاة خطابات خاصة، يحثهم فيها على الصبر والإخلاص وتحمل الأذى.وعن خطابه الخاص تكلم الشيخ عائض في هذه المحاضرة، وثَـنَّى بكلام مفصل عن الخطاب العام وإيضاح حيثياته كونه على علم بها، مع إيضاح الغموض الذي أشكل على بعض ممن وصلهم الخطاب.
العلامة ابن باز يتحدث عن الدعاة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.عنوان هذا الدرس: خطاب عالم الأمة.من هو هذا العالم الرباني؟ وما هو الخطاب؟إنه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عالم الأمة الإسلامية، وجه خطاباً إلى الأمة، وقد تناقلته وكالات الأنباء، والصحف، والشاشة، والراديو، وسوف أشرحه هذه الليلة، وأبين حيثيات الخطاب، وملابساته، وأسباب الخطاب؛ لأنني كنت أنا وغيري من الدعاة على معرفة عن كثب وقرب بدوافع هذا الخطاب وبأهدافه ومقاصده.وسماحة الشيخ ليس بحاجة أن نترجم له هذه الليلة، فالقلوب تعرفه، والعلوم تترجم له، والملايين المملينة في الأرض تشهد بحبه في الله عز وجل.إنه الجامعة الربانية الكبرى التي تلقت تعاليمها في مدرسة محمد عليه الصلاة والسلام، إنه النبع السلسبيل العذب النظيف؛ الذي كانت ثقافته مستوحاة من قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام.قبل فترة من الزمن وصلت ومعي مجموعة من الدعاة في البلاد، وشكونا إلى سماحته ما نتعرض له من إيذاء عبر بعض الكتيبات والأشرطة والمقولات، وما يقوله بعض الناس في المجالس من وصفنا بالتطرف والعنف والتكفير والرأي الخارجي وغير ذلك، فما كان من سماحته إلا أن وعظنا موعظة بليغة، وأخبرنا بما لقي الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في هذا الطريق، ووعدنا أن يكتب لنا رسائل خاصة باسم كل داعية، وأن يبث رسالة للأمة جمعاء في طول البلاد وعرضها، بل في كل العالم الإسلامي خطاباً إلى الأمة.ووفى سماحته، وصدق فيما قال، ولولا أن هناك لبساً من الخطاب الذي نشر، لما تكلمت عن الرسالة الخاصة، ولكني استخرت الله، ورأيت من المصلحة أن أقرأ الرسالة الخاصة، ثم أقرأ الرسالة العامة وأشرحها بحول الله.
 رسالة من الشيخ الطنطاوي
وبالمناسبة -والحديث يجر بعضه بعضاً- وصلتني رسالة من فضيلة الشيخ/ علي الطنطاوي أثابه الله من مكة المكرمة، شكرنا فيها فضيلته على الدروس والمحاضرات، وأخبر أنه يستمع إلى كثير من الأشرطة، وهذا من تواضعه، على طول باعه في العلم والأدب والتاريخ، فأسأل الله أن يختم لنا وله بخير، ونفس الدعابة لا تفارقه حتى في رسالته، فشكرني على ما سبق من الثناء عليه، وعلى ذكر كتبه ومؤلفاته، وشكرني أني ترحمت عليه، وأخبرت أنه قد توفي، والحقيقة أنه مازال حياً، والدليل أن هذه رسالته، ولو أنه توفي لما كتب رسالة؛ لأن الذي يموت لا يستطيع بعد موته أن يكتب رسالة، فأسأل الله أن يجمعنا به وبالصالحين في دار الكرامة.
قصيدة: الوحي مدرستي الكبرى
قبل أن أصل إلى خطاب عالم الأمة، أقف معكم وقفة مع قصيدة؛ لأنكم أمة شاعرة تحب الأدب، وأنتم أدباء متأدبون مع الله ومع رسوله، أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بأدبنا.عنوان القصيدة: الوحي مدرستي الكبرىأنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة على رباها بنينا العالم الفاني في طيبة المصطفى روحي ووالهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل مائي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان دمي تصبب في كابول منسكبا ودمعتي سفحت في سفح لبنان فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا ميلاد فجري وتوحيدي وإيماني وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت آياتها فاسألوا يا قوم قرآني جبريل يغدو على قومي بأجنحة من دوحة الطهر في نجواه عرفاني بدر أنا وسيوف الله راعفة كم حطمت من عنيد مارد جاني كتبت تاريخ أيامي مرتلةً في القادسية لا تاريخ شروان وما استعرت تعاليماً ملفقةً من صرح واشنطن أو رأس شيطان وما سجدت لغير الله في دعة وما دعوت مع معبودنا ثاني وما مددت يدي إلا لخالقها وما نصبت لغير الحق ميزاني فقبلتي الكعبة الغراء يعشقها روحي وأنوارها في عمق أجفاني وليس لي مطلب غير الذي سجدت لوجهه كائنات الإنس والجان لا أجمع المال مالي كل أمنية طموحة تصطلي بركان وجداني وكل فدم جبان لا يصاحبني على الشجاعة هذا الدين رباني ليت المنايا تناجيني لأخبرها أن المنايا أنا لا لونها القاني ليرم بي كل هول في مخالبه ما ضرني وعيون الله ترعاني ممزق الثوب كاسي العرض ملتهباً أنعى المخاطر في الدنيا وتنعاني مريض جسم صحيح الروح في خلدي حب لأحمد من نجواه عرفاني بلال صوتي هتاف كله حسن أذانه في المعالي رجع آذاني وعزم عمار في دنيا فتوته أسقي شبابي به من نهره الداني عصا الكليم بكفي كي أهش بها على تلاميذ فرعون وهامان ونار نمرود أطفئها بغادية من الخليل فلا النيران تصلاني في حسن يوسف تاريخي وملحمتي من صنع خالد لا من صنع ريجان داود ينسج درعي والوغى حمم لا يخلع الدرع إلا كف أكفاني دعني ألقن قوماً ما لهم همم إلا على العزف من دان ومن دان قوم مخازنهم نهب ومطعمهم سلب وموكبهم من صف فئران هم في الرؤى نقطة سوداء إن لمعوا يا للرجال وهذا العالم الثاني يا جيل يا كل شهم يا أخا ثقة يا بن العقيدة من سعد وسلمان يا طارق يا صلاح الدين يـابن جلا يا عين جالوت يا يرموك فرقان يا بائع الأنفس الشماء في شهب من الرماح على دنيا سجستان يا من بنوا المجد من أغلى جماجمهم في شقحب النصر أو في أرض أفغان يا من سقوا دوحة الإسلام من دمهم من كل أروع يوم الروع ظمآن يا صوت عكرمة المبحوح يقطعه قصف العوالي من سمر ومران هيا إلى الله بيعوا كل ثانية فصوت رضوان ناداكم وناداني
 رسالة من الشيخ الطنطاوي
وبالمناسبة -والحديث يجر بعضه بعضاً- وصلتني رسالة من فضيلة الشيخ/ علي الطنطاوي أثابه الله من مكة المكرمة، شكرنا فيها فضيلته على الدروس والمحاضرات، وأخبر أنه يستمع إلى كثير من الأشرطة، وهذا من تواضعه، على طول باعه في العلم والأدب والتاريخ، فأسأل الله أن يختم لنا وله بخير، ونفس الدعابة لا تفارقه حتى في رسالته، فشكرني على ما سبق من الثناء عليه، وعلى ذكر كتبه ومؤلفاته، وشكرني أني ترحمت عليه، وأخبرت أنه قد توفي، والحقيقة أنه مازال حياً، والدليل أن هذه رسالته، ولو أنه توفي لما كتب رسالة؛ لأن الذي يموت لا يستطيع بعد موته أن يكتب رسالة، فأسأل الله أن يجمعنا به وبالصالحين في دار الكرامة.
خطاب ابن باز للأمة
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين.أما بعد:فإن الله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان.-وسوف يكون لي وقفات أيها الناس، وأيما وقفات، فسوف أجعل لب محاضرتي وروحها وقلبها خطاب سماحته-وبالمناسبة: نحن تلاميذ تلك المدرسة الرائدة مدرسة ابن باز، ومحمد بن عبد الوهاب، وابن تيمية، وأحمد بن حنبل، المدرسة الأصيلة الرائدة المحافظة، المدرسة التي تتلقى تعاليمها من وحي الله والكتاب والسنةأنا ممن سماحته أنالت وممن دربت تلك الأيادي وما سافرت في الآفاق إلا ومن جدواه راحلتي وزادي
  وجوب التثبت والتريث قبل التكفير أو التفسيق
قال: وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان، وقد طالبنا عليه الصلاة والسلام بالتثبت والتبين، ويروى عنه: أنه نظر إلى الشمس فقال لأحد أصحابه: {على مثلها فاشهد} يروي هذا الحديث ابن أبي خيثمة ولو أن في سنده نظراً كما ذكره الحافظ في بلوغ المرام، لكن أدلة القرآن تشهد له، فقوله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] وكقوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] وكقوله سبحانه وتعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] وكقوله سبحانه وتعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] وقال جل اسمه: لا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].فالواجب على الإنسان أن يتثبت ولا يتعجل، وأنا أطالبكم بالحوار المفتوح، من كانت في ذهنه شبهة عن الدعاة، أو بلغه كلام، أو سمع كلاماً في شريط لم يفهمه، أو قرأ مقالة أو كتيباً؛ فليأتِ سواء في البيت أو المسجد أو في الكلية، أو يصل إلى أي شيخ في مكانه، أو يصل إلى الدعاة أو القضاة أو العلماء، ويتبين مما قيل؛ حتى يكون على بصيرة قبل أن يتهجم بأحكام يسأله الله عنها.قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} متفق على صحته.يقول سماحته: ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمر من كلام أهل العلم أن يرجعوا فيه إلى العلماء المعتبرين ويسألوهم عنه، يقول سبحانه وتعالى عن المنافقين: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ [النساء:83] المنافق يحب الشائعات، ويحب أن يشهر بالصالحين، ويستوشي الأخبار ويشعلها ويوقدها في المجالس وقد قال صلى الله عليه وسلم: {كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع} رواه مسلم.قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] فأنت إذا سمعت شائعة أو خبراً فعد إلى العلماء، واسأل طلبة العلم والدعاة حتى تكون على بصيرة.قال: ويسألوهم عنه ليبينوا لهم جلية الأمر، ويوقفوهم على حقيقته، ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبه، عملاً بقول الله عز وجل في سورة النساء: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:83] قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[أنا من الذين يستنبطونه]] أي: يعيدون إليه؛ حتى يبين لهم الأمر.قال سماحته: والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأن يجمع قلوبهم وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين ودعاة الحق لكل ما يرضيه، وأن ينفع عباده، ويجمع كلمتهم على الهدى ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف، وأن ينصر بهم الحق، وأن يخذل بهم الباطل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشادوهذا الخطاب -كما ترونه- قد انتهى، أثاب الله سماحته خير ما جزى عالم أمة عن أمته، وأسأل الله أن يبارك في عمره، وأن يجمعنا به في دار الكرامة، وأن يحفظه جزاء ما دافع عن الدعاة، وما وقف في صفهم، وما حمى الله سبحانه وتعالى به سنة محمد صلى الله عليه وسلم.وهذا الخطاب سوف أسلمه إلى مؤذن المسجد، وغداً في صلاة المغرب تجدونه هنا؛ ليأخذه الخطباء وأئمة المساجد، وطلبة العلم، والدعاة في المدارس والثانويات والجامعات؛ حتى ينتشر بإذن الله، وهو -كما ترون- محفوظ ومكتوب بخط واضح، فأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية.أيها الإخوة الكرام: كل ما في هذا الدرس -إن شاء الله- أشبه شيء بالرسائل العامة، والبيانات التي تهم الناس جميعاً، ومن حقنا جميعاً أن نكون جبهة واحدة ضد المبطلين والمحرفين والمخذلين والمرجفين والكفرة والملاحدة شرقاً وغرباً، فالإسلام مستهدف من أعدائه من الشرق والغرب، ومن الزنادقة، والذين يريدون أن يوقعوا الأمة في حمأة الرذيلة، فالواجب علينا أن نتناصح، وأن تكون كلمتنا واحدة، ونتواصى بالحق والصبر، كما وصف الله عباده بذلك، ومن رأى منا خطأً في أخيه فلينصحه، فإن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول: [[المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة]].
حكم من أتى الكهنة والسحرة والمشعوذين
وهذه رسالة هامة وستجدونها بعد الصلاة خارج المسجد؛ ينبغي أن تُقرأ في القرى والبوادي، وأسأل الله أن ينفع بها، وفيها حكم من أتى الكهنة والسحرة والمشعوذين، وهذا نصها:الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.وبعد: فقد انتشر في كثير من النواحي صورٌ للشرك والسحر والشعوذة والكهانة، وهو أمر خطير، وفساد كبير؛ يوجب غضب الرب تبارك وتعالى، ويهدم الملة، ويحارب التوحيد، وقد قال عز من قائل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66] وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتى عرافاً، فسأله عن شيء؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوماً).أيها الناس: وقد وجد في بعض المناطق قومٌ يدعون علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، فيخبرون المريض بمرضه قبل أن يخبرهم، ويذكرون له اسمه، وأسماء أقاربه قبل أن يعلمهم بذلك، وهؤلاء يستخدمون الجن في الأخبار، ويذهب إليهم كثير من المرضى، ومن به مس من الجن، أو من به عقم، أو من منع عن زوجته، فيطلبون منهم الدواء، فإن صدقوهم بما يقولون؛ كفروا، وإن لم يصدقوهم وإنما جاءوهم فحسب؛ لم يقبل الله لأحدهم صلاة أربعين يوماً.وهؤلاء الكهنة وأمثالهم يكتبون كلاماً لا يفهم، ويدخلون بيوتاً خالية، ويتمتمون بكلام لا يعرف، ليس من القرآن ولا من السنة، وربما ابتدعوا حروفاً لا تقرأ، أو وصفوا للذي يأتيهم أوصافاً لا دخل لها في الطب، ولا دخل لها في العلم، كأن يصفوا له بعض الأدوية المحرمة من استخدام بعض النجاسات، أو ترك بعض الصلوات، أو يصفون له بعض الأكلات التي لا يعلم أهل الطب بأن لها دخلاً في طبه.فالواجب على المسلمين الإنكار على هؤلاء، وعدم الائتمام بهم في الصلاة، وهجرهم، ورفع أمرهم إلى من يأخذ على أيديهم.أما الرقية الشرعية بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا أمر مشروع، ومما أثبته أهل السنة أن الجان قد يتلبس بالإنسان، ولا يخرجه إلا كتاب الله عز وجل والأحاديث؛ من الأدعية الثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا أمر مشروع يؤجر من يرقي الناس به، ولعل الله أن يوفق الأئمة والخطباء لإلقاء دروس في التوحيد، والنهي عن الشرك، من مثل كتاب التوحيد وشرحه فتح المجيد ونحو ذلك، والله أعلم.
  وجوب التثبت والتريث قبل التكفير أو التفسيق
قال: وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان، وقد طالبنا عليه الصلاة والسلام بالتثبت والتبين، ويروى عنه: أنه نظر إلى الشمس فقال لأحد أصحابه: {على مثلها فاشهد} يروي هذا الحديث ابن أبي خيثمة ولو أن في سنده نظراً كما ذكره الحافظ في بلوغ المرام، لكن أدلة القرآن تشهد له، فقوله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] وكقوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] وكقوله سبحانه وتعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] وكقوله سبحانه وتعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] وقال جل اسمه: لا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].فالواجب على الإنسان أن يتثبت ولا يتعجل، وأنا أطالبكم بالحوار المفتوح، من كانت في ذهنه شبهة عن الدعاة، أو بلغه كلام، أو سمع كلاماً في شريط لم يفهمه، أو قرأ مقالة أو كتيباً؛ فليأتِ سواء في البيت أو المسجد أو في الكلية، أو يصل إلى أي شيخ في مكانه، أو يصل إلى الدعاة أو القضاة أو العلماء، ويتبين مما قيل؛ حتى يكون على بصيرة قبل أن يتهجم بأحكام يسأله الله عنها.قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} متفق على صحته.يقول سماحته: ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمر من كلام أهل العلم أن يرجعوا فيه إلى العلماء المعتبرين ويسألوهم عنه، يقول سبحانه وتعالى عن المنافقين: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ [النساء:83] المنافق يحب الشائعات، ويحب أن يشهر بالصالحين، ويستوشي الأخبار ويشعلها ويوقدها في المجالس وقد قال صلى الله عليه وسلم: {كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع} رواه مسلم.قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] فأنت إذا سمعت شائعة أو خبراً فعد إلى العلماء، واسأل طلبة العلم والدعاة حتى تكون على بصيرة.قال: ويسألوهم عنه ليبينوا لهم جلية الأمر، ويوقفوهم على حقيقته، ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبه، عملاً بقول الله عز وجل في سورة النساء: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:83] قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[أنا من الذين يستنبطونه]] أي: يعيدون إليه؛ حتى يبين لهم الأمر.قال سماحته: والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأن يجمع قلوبهم وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين ودعاة الحق لكل ما يرضيه، وأن ينفع عباده، ويجمع كلمتهم على الهدى ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف، وأن ينصر بهم الحق، وأن يخذل بهم الباطل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشادوهذا الخطاب -كما ترونه- قد انتهى، أثاب الله سماحته خير ما جزى عالم أمة عن أمته، وأسأل الله أن يبارك في عمره، وأن يجمعنا به في دار الكرامة، وأن يحفظه جزاء ما دافع عن الدعاة، وما وقف في صفهم، وما حمى الله سبحانه وتعالى به سنة محمد صلى الله عليه وسلم.وهذا الخطاب سوف أسلمه إلى مؤذن المسجد، وغداً في صلاة المغرب تجدونه هنا؛ ليأخذه الخطباء وأئمة المساجد، وطلبة العلم، والدعاة في المدارس والثانويات والجامعات؛ حتى ينتشر بإذن الله، وهو -كما ترون- محفوظ ومكتوب بخط واضح، فأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية.أيها الإخوة الكرام: كل ما في هذا الدرس -إن شاء الله- أشبه شيء بالرسائل العامة، والبيانات التي تهم الناس جميعاً، ومن حقنا جميعاً أن نكون جبهة واحدة ضد المبطلين والمحرفين والمخذلين والمرجفين والكفرة والملاحدة شرقاً وغرباً، فالإسلام مستهدف من أعدائه من الشرق والغرب، ومن الزنادقة، والذين يريدون أن يوقعوا الأمة في حمأة الرذيلة، فالواجب علينا أن نتناصح، وأن تكون كلمتنا واحدة، ونتواصى بالحق والصبر، كما وصف الله عباده بذلك، ومن رأى منا خطأً في أخيه فلينصحه، فإن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول: [[المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة]].
بيان عن توحيد الألوهية
وأيضاً هنا بيان للناس، وهي سلسلة سوف تصدر إن شاء الله في وريقات، عل الخطباء أن يقرءوها، أو يستفيدوا من الكتب التي استفدت منها.وهذا خطاب بعنوان: هذا بيان للناس، غالبه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب توحيد الألوهية، وهو الجزء الأول من الفتاوى، ولكن لما رأيت من عظم كلامه، ولما جعل الله له من نفع، ولحاجتنا في هذه المرحلة وبعدها إلى هذا الكلام، ولما يوجب علينا النصح؛ أحببت أن أنقل جملاً، وأن أربط بعضها ببعض، ولو أني غيرت في بعض الأسلوب؛ لأن أسلوبه عالٍ لكثرة علمه، ولاتساع بحره، ولجلالته، فأحببت أن أذكر جملاً بأسلوب مفهم ومبسط عل الله أن ينفع به.بعد الحمد لله والصلاة والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام.اعلموا أيها المسلمون أن من أعظم ما يجب على المسلم أن يعلم أنه لا إله إلا الله عز وجل، وهذه كلمة عظيمة طالما رددها ابن تيمية في الفتاوى، كلما مضى قليلاً عاد، فقال: فليعلم المسلم أنه لا إله إلا الله، ولا يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى، وهو الذي خلق ورزق، وأعطى ومنع.اسمع الكلمات، والعقيدة الحارة، والتوحيد الخالص؛ الذي جعل هذا الإمام العظيم صانع الأحداث، وجعله يقف أمام الخرافات والبدع والإلحاد والزندقة، وقد باع روحه من الله، اسمع إلى هذه الكلمات المتدفقة من نور الله عز وجل، ونور رسوله صلى الله عليه وسلم.قال: ورفع ووضع، وبسط وقضى، أرزاق الكائنات في خزائنه قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].وهذه الآية تعلمك من الخالق والرازق والذي يعطي ويمنع.قال: وآجال النفوس عنده، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران:145] يغير ولا يتغير، ويبدل ولا يتبدل، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، لا يجبره أحدٌ على فعل أمر، قال عن نفسه عز وجل: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] يزيل الملوك ولا يزول، ويحيل الدول ولا يحول: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26].وهو الممدوح بكل لسان، المعروف بالإحسان، المدح في حقه حق وعبادة، وفي غيره مذموم ممن أراده، مدح نفسه قبل أن يمدحه المادحون، ونزه نفسه قبل أن ينزهه المنزهون: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات:180].وقفة: أنا أعلم أن كثيراً منكم يقول: هذا كلام نسمعه صباح مساء ليس فيه جديد، وأقول: بل كله جديد على الأذهان التي لم تعمل به، أو التي لم تعتقده، أو لم تعش به في دنيا الواقع.قال: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] لا يموت ولا تبليه الوقوت: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88].. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] هو اليوم كما كان قبل أن يخلق اليوم، من أطاعه أحبه وقربه، ومن حاربه قصمه وأدبه، وهو صمد تصمد إليه الكائنات، لا إله إلا هو، الحيتان في متاهات البحار تسأله طعامها، والديدان في طبقات الطين تطلبه قوامها، والطيور في الأوكار تشدو بذكره، والبهائم في القفار تلهج بشكره: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل:53].فيا أيها المخلوق الهزيل والعبد الذليل! ويا أيها الفقير الحقير والكائن الصغير! تعلق بحباله فإنك غريب، ولا تقصد غيره فتهوي في مكان سحيق، فلا ينصرك ناصر، ولا يشفع لك شافع، ولن تجد من دونه ملتحداً.في الأثر -الذي ذكره ابن كثير في التفسير - أن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي ما اعتصم بي مخلوق دون غيري فكادت له السماوات والأرض إلا جعلت له فرجاً ومخرجا، وعزتي وجلالي ما اعتصم بغيري مخلوق إلا قطعت الحبال بيني وبينه، وزلزلت الأرض من تحت قدميه.فلا تخف غيره ولو خوفك المرجفون، فإنهم يخوفونك بالذين من دونه: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد:33] ولا تعبد غيره؛ فإن الله سبحانه وتعالى حرم الجنة على من عبد غيره، فلا يملك الضر والنفع، ولا الحياة ولا الموت ولا النشور إلا هو، أما العباد أصلاً فلا يستطيعون جلب نفع أو دفع ضر عن أنفسهم فكيف بغيرهم، وقد قال لأشرف خلقه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف:188].ويقول إمام الموحدين وسيد المجاهدين صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).ولكن كثيراً من الناس؛ حتى ممن صلى وصام، وتهجد وقام، ينسى هذه العقيدة، فيخاف من غير الله أكثر من خوفه من الله، ويرجو غير الله أكثر من رجائه في الله، ويهاب منهم أكثر من هيبته من الأحد الصمد، فتجده يراقب الناس ويرائيهم، ويتخوف منهم، ويشتد حذره منهم، ويعتقد أنهم أهل النفع والضر والخلق والرزق، وهذا سوء تقدير وقلة تدبير، وجهل بالعلي الكبير. وتجد هذا المسكين لا يراقب الله، ولا يحذر مولاه؛ الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، والذي حكم الكائنات بقهره، ونواصي العباد بأمره: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56].وتجدهم لا يعبدون الله حق عبادته، ولا يتقونه حق تقاته؛ لأنهم صرفوا حقه لغيره، وما ينبغي له لسواه، فلا يأمر أحدهم بالمعروف خوفاً على نفسه، ولا ينهى عن المنكر حذراً من قطع رأسه، ولا يصدع بالحق حرصاً على الرزق، فتوحيده هزيل، وقلبه ذليل، ولو سمع قول الجليل: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة:52] وقوله جل ذكره: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] وقوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] وقول الخليل عليه السلام: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81].فالواجب على من يقدر الله حق قدره أن يرهب ربه وألا يرهب الناس، فإن مولاه يقول: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40] وأن يخشى إلهه ولا يخشى الناس؛ فإن الله يقول: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150] ويقول عز من قائل في المنافقين الجبناء، والفجرة السفهاء: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء:108].... إلى آخر الرسالة، وهي موجودة بعد الصلاة إن شاء الله بكمية طيبة خارج المسجد، لتقرأ في المساجد أو على خطباء المساجد وأئمة المساجد أيضاً، وأرجو ممن يقرؤها أن يصحح بعض الأخطاء الإملائية في الآيات والأحاديث، عل الله أن ينفع بها سبحانه وتعالى، وأطلبكم الترحم على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة.
  وجوب التثبت والتريث قبل التكفير أو التفسيق
قال: وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان، وقد طالبنا عليه الصلاة والسلام بالتثبت والتبين، ويروى عنه: أنه نظر إلى الشمس فقال لأحد أصحابه: {على مثلها فاشهد} يروي هذا الحديث ابن أبي خيثمة ولو أن في سنده نظراً كما ذكره الحافظ في بلوغ المرام، لكن أدلة القرآن تشهد له، فقوله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] وكقوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] وكقوله سبحانه وتعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] وكقوله سبحانه وتعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] وقال جل اسمه: لا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].فالواجب على الإنسان أن يتثبت ولا يتعجل، وأنا أطالبكم بالحوار المفتوح، من كانت في ذهنه شبهة عن الدعاة، أو بلغه كلام، أو سمع كلاماً في شريط لم يفهمه، أو قرأ مقالة أو كتيباً؛ فليأتِ سواء في البيت أو المسجد أو في الكلية، أو يصل إلى أي شيخ في مكانه، أو يصل إلى الدعاة أو القضاة أو العلماء، ويتبين مما قيل؛ حتى يكون على بصيرة قبل أن يتهجم بأحكام يسأله الله عنها.قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} متفق على صحته.يقول سماحته: ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمر من كلام أهل العلم أن يرجعوا فيه إلى العلماء المعتبرين ويسألوهم عنه، يقول سبحانه وتعالى عن المنافقين: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ [النساء:83] المنافق يحب الشائعات، ويحب أن يشهر بالصالحين، ويستوشي الأخبار ويشعلها ويوقدها في المجالس وقد قال صلى الله عليه وسلم: {كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع} رواه مسلم.قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] فأنت إذا سمعت شائعة أو خبراً فعد إلى العلماء، واسأل طلبة العلم والدعاة حتى تكون على بصيرة.قال: ويسألوهم عنه ليبينوا لهم جلية الأمر، ويوقفوهم على حقيقته، ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبه، عملاً بقول الله عز وجل في سورة النساء: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:83] قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[أنا من الذين يستنبطونه]] أي: يعيدون إليه؛ حتى يبين لهم الأمر.قال سماحته: والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأن يجمع قلوبهم وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين ودعاة الحق لكل ما يرضيه، وأن ينفع عباده، ويجمع كلمتهم على الهدى ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف، وأن ينصر بهم الحق، وأن يخذل بهم الباطل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشادوهذا الخطاب -كما ترونه- قد انتهى، أثاب الله سماحته خير ما جزى عالم أمة عن أمته، وأسأل الله أن يبارك في عمره، وأن يجمعنا به في دار الكرامة، وأن يحفظه جزاء ما دافع عن الدعاة، وما وقف في صفهم، وما حمى الله سبحانه وتعالى به سنة محمد صلى الله عليه وسلم.وهذا الخطاب سوف أسلمه إلى مؤذن المسجد، وغداً في صلاة المغرب تجدونه هنا؛ ليأخذه الخطباء وأئمة المساجد، وطلبة العلم، والدعاة في المدارس والثانويات والجامعات؛ حتى ينتشر بإذن الله، وهو -كما ترون- محفوظ ومكتوب بخط واضح، فأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية.أيها الإخوة الكرام: كل ما في هذا الدرس -إن شاء الله- أشبه شيء بالرسائل العامة، والبيانات التي تهم الناس جميعاً، ومن حقنا جميعاً أن نكون جبهة واحدة ضد المبطلين والمحرفين والمخذلين والمرجفين والكفرة والملاحدة شرقاً وغرباً، فالإسلام مستهدف من أعدائه من الشرق والغرب، ومن الزنادقة، والذين يريدون أن يوقعوا الأمة في حمأة الرذيلة، فالواجب علينا أن نتناصح، وأن تكون كلمتنا واحدة، ونتواصى بالحق والصبر، كما وصف الله عباده بذلك، ومن رأى منا خطأً في أخيه فلينصحه، فإن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول: [[المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة]].
أمثلة من أهل الصبر
أيها الإخوة الفضلاء: يحضرنا في هذا الدرس وفي كل سبت قوم فضلاء، أنار الله بصائرهم، وابتلاهم سبحانه وتعالى بأخذ أبصارهم؛ ليرزقهم رضواناً عنده، قوم من معهد النور، وهم طلبة كرماء فضلاء، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (يقول الله عز وجل: من ابتليته بحبيبتيه فصبر، عوضته عنهما الجنة) يأتون وأنا أشاهدهم في أيام كثيرة بعدد طيب، يقود بعضهم بعضاً، وقد استناروا بنور الإيمان، قلوبهم نيرة: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19].
 شيخ الإسلام ابن تيمية
وهي المثل العليا التي يعيشها هؤلاء، فإنهم يجدون فيما أعطاهم الله عز وجل ومنحهم عوضاً عما سلبهم، فالواحد منهم في جنة من عيشه مع القرآن والذكر والسنة والتعليم والعبادة، والله سبحانه وتعالى يمنح جنته حتى في الدنيا لمن أطاعه، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.وقد عاش هو بإيمانه ومبادئه وعلمه، فإنه سلسل بالحديد، وأتى به السجان ليدخله، وكان هذا الجندي حريصاً على إيذاء شيخ الإسلام، فأغلق الباب بقوة، وظن أنه أغلق منافذ هذا الإمام، وأنه أبطل جهوده، وقطع صوته، ومنع تأثيره في الناس، فتبسم هذا الإمام العلم، ثم قال: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13] كأنه يقول: العذاب خارج السجن مع أهل الشهوات، وأهل الانحرافات، والبدع والخرافات، أما الرحمة فهنا حيث يوجد القرآن والسنة والعبادة، ثم تبسم وهز كتفيه وقال: ماذا يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى سرت فهي معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة.هذا هو شيخ الإسلام سجنه خلوة في العبادة، وقتله شهادة في سبيل الله؛ لأنه باع نفسه لله، وبعض المترجمين يقول: كان شيخ الإسلام إذا هُدِّد يتبسم على المنبر، ويقول:لترم بي المنايا حيث شاءت فإني في الشجاعة قد ربيتُ فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويتُ يقول: السنة سنتي، والمنهج منهجي، والرأس رأسي، والجنة لي بإذن الله ثم بعملي واقتدائي بإمامي محمد صلى الله عليه وسلم.وأنا أقصد من هذا أن أهل التعاليم الربانية ليسوا في حجب، ومن يدرس سيرة ابن تيمية في السجن يجد عجباً من الأعاجيب، ماذا فعلوا حتى يغلقوا صوته المؤثر القوي؟ منعوه من الكتب، قال: هذه مصيبة، فأخذ الفحم وكتب في الجدران معلومات قديمة، ولا تزال حية جميلة وتجدونها في الكتب، فأخذوا الفحم؛ حتى الفحم بخلوا عليه، ومنعوه قالوا: لا تكتب! تلطخ الجدران علينا! قال: الله المستعان! فأخذ يسبح ويذكر الله عز وجل؛ فاغتاظوا! كأنهم لو أرادوا منعه من النفس منعوه، فقرروا مرسوماً جديداً أن يضعوه في الزنزانة مع الخمارين والسكارى ومروجي المخدرات، وما علموا أنه سوف ينفذ فتحاً جديداً، فوضعوه بينهم، فحولهم إلى علماء ودعاة.يضعونه مع واحد وهو فاقد الشعور من شربة الخمر، فيأتي شيخ الإسلام: بسم الله الرحمن الرحيم: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] يشرح له القرآن والسنة ويقوده إلى التوحيد، فيخرج هذا من الزنزانة بعد أن كان خماراً مكاراً سكاراً؛ إماماً عالماً خائفاً متقياً، هذه هي رسالة المؤمن دائماً يحملها معه أينما سار وأينما حل وارتحل.وسوف تسمعون في الدروس المقبلة مقولات كثيرة من كلامه، وأبسطها إن شاء الله حتى يفهمها كل الناس من المقصرين من أمثالي، عل الله أن ينصر ميراثه؛ لأنه صراحة مجدد، لم يأت أحد مثله قبله بخمسمائة سنة، ولا من تاريخه إلى الآن مثله فيما نعلم، والله قدير على أن يأتي بمثله، ولكنا نقول الحق للناس.والذي دعا إلى هذا الحديث هو ما أتحفنا به هؤلاء الإخوة حين أتوا، وغيرهم من الشباب يملكون النظر -نعمة العينين- ويملكون الصحة والقوة ولا يأتون، وهؤلاء يأتون في سيارات فيقود بعضهم بعض، وينتظرون الدرس حتى ينتهي، فأسأل الله أن يثيبهم، وأن يرد عليهم أبصارهم في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
بعض التنبيهات المهمة

 نصيحة لمن يتتبع عورات المسلمين
وأيضاً أنا أطلب من الصف المستهزئ أن يخفف من لأوائه ومن حرارته واعتدائه، وأن يتقي الله في الأمة وفي أخيارها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه! لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره}.اللهم أصلح الراعي والرعية، اللهم أصلحنا سراً وعلانية، اللهم أصلح ولاة الأمر ووفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح علماء المسلمين، اللهم أصلح دعاة المسلمين، اللهم اجمع كلمتنا على الحق، اللهم من سل علينا سيفاً فاقتله بسيفه، اللهم من أراد بنا وبالإسلام والمسلمين سوءاً، فأشغله بنفسه، واجعل تدميره تدبيره، وخذه أخذ عزيز مقتدر.اللهم احفظنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، وتولنا في الدارين.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , خطاب عالم الأمة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net