اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وصية ابن تيمية للشيخ : عائض القرني


وصية ابن تيمية - (للشيخ : عائض القرني)
شيخ الإسلام ابن تيميه هو أحد العلماء الذين بذلوا أنفسهم لخدمة هذا الدين، ولإعلاء كلمته على جميع الأديان، فقد قام بنشر العلم بين المسلمين، وقد تخرج على يديه الكثير من العلماء الذين خدموا الدين بكتبهم ومؤلفاتهم العديدة، فمنهم ابن القيم وابن كثير والذهبي وغيرهم من العلماء ممن تعلموا على يديه، وقد كان المفتي الأول في زمانه والمرجع لكثير من العلماء، وقد كتب له أحد علماء المغرب رسالة يطلب فيها أن يوصيه بما فيه صلاح دينه ودنياه، وأن يدله على كتاب يعتمد عليه في علم الحديث، وأن يدله على أفضل الأعمال بعد الواجبات، وأن يرشده إلى أفضل المكاسب، فكتب له وصية جامعة، وفي هذا الدرس شرح لهذه الوصية.
التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية وبعض صفاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أمَّا بَعْد:فعنوان هذه المحاضرة، وصية ابن تيمية: شيخ الإسلام، ابن تيمية يشاركنا جلستنا هذه الليلة، ويتحفكم بهدية. أبو العباس ابن تيمية البطل المجاهد الزاهد العابد، العلامة النحرير، الكاتب العبقري.ابن تيمية يهدي لكم هدية، ويوصي كل مسلمٍ في هذه الليلة، وصية ولسان حال ابن تيمية يقول:أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم وحمّلها جُهد المُحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألمُ لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتنا إن غبتمُ أو حضرتمُ من هو ابن تيمية؟بين يدي الآن المجلد العاشر من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، التي شريناها وما قرأناها، إلا القليل.الفتاوى التي فيها ما هو أغلى من الدنيا، وأغلى من الذهب والفضة.فيها المنهج الرباني، والفهم السلفي الصحيح للعقيدة، وفهم الكتاب والسنة.في المجلد العاشر في الصفحة (653) يسأله سائلٌ عن مسألة ويجيب عليه ابن تيمية، لكن قبل أن أذكر السؤال، وأذكر وصية ابن تيمية، أقف دقائق مع شيخ الإسلام.أنا لن أترجم له فقد ترجم له الأئمة، والذين ترجموا له من العلماء وصنفوا فيه أكثر من ستين عالماً، وشيخ الإسلام مجدد، حتى إن بعضهم تجاوز القنطرة فقال: ابن تيمية ليس مجدد مائة سنة، بل مجدد ألف سنة.تقدم شاعراً فيهم خطيباً ولولاه لما ركبوا وراءه أحد المستشرقين يقول: وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض -يعني: ديناميت- فجر بعضها محمد بن عبد الوهاب وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن.والديناميت كتب حياة، ليست الثقافة السخيفة، أو الكتابات الميتة،كتابات البيع والشراء، عليها حقوق الطبع محفوظة، وليس فيها حفظ ولا فهم، ولا وعي ولا شيء يستفاد منه، ولكن من أراد أن ينظر إلى الإبداع والروعة، وإلى العبقرية، والإشراق، وإلى الفهم، فليطالع كتب ابن تيمية.يقول ابن القيم: كان شيخنا يكتب في اليوم كراريس.ماذا يفعل ابن تيمية؟يصلي الفجر ثم يجلس في مصلاه يقرأ ويردد سورة الفاتحة حتى يرتفع النهار، ثم يلتفت إلى تلاميذه ويقول: "هذه غدوتي -يعني: فطوره، غدوته الروحية- ولولاها لسقطت قواي، ثم يأخذ القلم، فيمتشقه ويسله فيكتب مما أعطاه الله بدون مرجع ولا شيء، مرجعه ما أعطاه الله في رأسه، يطالع في الآية الواحدة أكثر من مائة تفسير ثم لا يعجبه ما كتب المفسرون، يقول: فأمرغ وجهي في التراب وأبكي وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.فيعلمه معلم إبراهيم، ويفهمه مفهم سليمان، فيأتي بعلم ما سمع به الأولون ولا الآخرون.كان يلوي رجلاً على رجل، ويكتب كراريس في يوم، كتب التدمرية، من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وقررت علينا في أصول الدين فرسب كثيرٌ منا، لأن اسمها التدمرية تدمر كل شيء بأمر ربها، كتبها في ساعة، ودرست في سنة، وشرحها الأساتذة والدكاترة، وامتحن فيها، ومع ذلك ما أفلح الكثير، وما فهمها الكثير، ابن تيمية كان متصلاً بالله، ليس عنده أحد.دخل الإسكندرية والسيوف مصلتة في الشارع، يريدون ذبحه، قالوا: يا ابن تيمية خفف، عُد عن أقوالك، لأنه كان يهاجم المبتدعة القرامطة والباطنية والرافضة والملاحدة والذين خالفوا السياسة الشرعية، ويقولون: كلهم أعداؤك يريدون ذبحك، فيتبسم ويقول: تهددوني بالناس، والله كأنهم الذباب، وينفخ في كفه.لأنه اتصل بالله عز وجل، ولذلك كان قوي الإرادة.وابن دقيق العيد عالم القرن السادس، لما رأى ابن تيمية يتدفق من العلم، قال: رأيته يغلق عينيه ويتكلم، فلما فتح عينيه وسلم عليه ابن دقيق العيد، قال له: والله ما أرى أن الله يخلق مثلك، فغضب ابن تيمية من هذه الكلمة، لكن ابن دقيق العيد رأى شيئاً أذهله، رأى رجلاً يتفجر بالعلم، يجلس مع علماء الأصول، وعلماء النحو، والتوحيد، والمنطق، والفقه، والفرائض، فيشبع كلاً من علمه، وما أتى له رجلاً ينافسه إلا غلبه، وذلك بالحجة والبرهان.كان خطيباً ومفتياً، وواعظاً وزاهداً، ومجاهداً.
 من صفات شيخ الإسلام ابن تيمية
أخذ السيف يوم وقعة شقحب، وهكذا هم علماء أهل السنة أتى التتار يزحفون كالجبال على العالم الإسلامي، فلما وصلوا إلى مشارف دمشق، خرج ابن تيمية خطيباً في الناس فجمعهم في دمشق في رمضان، وأخذ كوباً من الماء أمام الناس، وقال: يا أيها الناس! أنا مفطرٌ فأفطروا، فأفطر الناس، وقال: خذوا السلاح، فأخذوا السلاح، ودخل على السلطان، وقال: انزل قاتل: قال: السلطان أخاف أن يغلبني التتار -والتتار قد اجتاح العالم الإسلامي، وجاءوا من الصين مثل الجراد، ومن سيبريا لا يمرون بشيء إلا اقتلعوه وأزالوه، أخذوا مكتبة دار الحكمة ودمروها في النهر ومشوا بالفرسان والخيول على الكتب داخل النهر، دخلوا البيوت فجعلوها قاعاً صفصفاً- قال السلطان: لا أستطيع، قال: والله لتنصرن، قال: قل إن شاء الله، قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، قال: واستل سيف السلطان من يده وقال: أنت حامي شريعة محمد عليه الصلاة والسلام انزل وقُد الناس، فأنزله، وأخذ ابن تيمية يقرأ سورة الأنفال والناس يبكون من قراءته، ووقف في المعركة عليه الثياب البيض، وهو آخذ بسيفه، فكان يضرب به فتتطاير شظايا السيف وتتكسر على رءوس التتار.وكان من أقوى الناس جسماً، السبب: كثرة الذكر وكثرة الاتصال بالله عز وجل، معه وجبة في اليوم هذا إن لم يكن صائماً. يقولون: إنه كان يأكل رغيفاً من الخبز وخيارة، وربما أكل اللحم في الأسبوع مرة، لكن ذكره هو الذي قوّاه بإذن الله، ولكن نحن ما فعلت لنا الكبسات..؟! لا شيء.عددنا اليوم مليار والحمد لله، وإسرائيل ثلاثة ملايين وقد لعبت بنا شرقاً وغرباً حتى إننا نراها في المنام.خرج ابن تيمية وقال: لنـنـتصرن وحضر معركة شقحب وانتصر المسلمون بإذن الله.وكان ابن تيمية عابداً في الليل، يقول: أما الليل فقد جعلته لربي، ينام بعد العشاء قليلاً ثم يقوم يصلي إلى الفجر.وكان وجهه عليه نور.ولم يتزوج ابن تيمية لكن الله يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38].حتى لا يأتينا شاب اليوم ويقول: أنا لا أتزوج لأن ابن تيمية لم يتزوج، نقول له: إن الله أرسل محمداً عليه الصلاة والسلام ولم يرسل ابن تيمية، وابن تيمية من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، ولابد أن ننظر في ذاك.وقد ورد أن الإمام أحمد قال لأحد الشباب: لماذا لا تتزوج؟ قال: ما تزوج إبراهيم بن أدهم، قال: أوه!! وقعنا في بنيات الطريق!! الله يقول: وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38] وعلى كل حال، الله أعلم بالسبب.وميراث ابن تيمية هي كتبه، وقد ألف أكثر من ثلاثمائة مصنف، كل مصنف يشترى بالدماء، ولو كتب بالدم أو بماء الذهب ما أنصفه لأن كتبه مثل الذهب الإبريز، ولذلك يهاجمه النبهاني والنبهاني هذا أعمى القلب والبصر، صوفي ضال، يقول: أما كتب ابن القيم وابن تيمية فلم يرزقها الله القبول، ولا انتشرت في الأرض. فتصدى له محمود الألوسي، وقال: أفكتبك وكتب أشياخك هي التي رزقت القبول، لا والله، لقد رزقت كتب ابن تيمية وابن القيم القبول في الدنيا، وإنها كالعسل المصفى، والذهب الإبريز، أما كتبك وكتب أشياخك فتصلح أحذية للناس. ومخالٍ يوضع فيها الشعير للحمير.أما هذه الكتب فنورٌ على نور، وقد جابت العالم، والآن في أمريكا تترجم فتاوى ابن تيمية، ووالله كما أخبرنا علماؤهم أنهم ذهلوا منها في الاجتماع والتربية، كيف يتكلم هذا في الاجتماع؟ من الذي فتح عليه إلا الله الواحد الأحد.هو الفتاح. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] كانت يديه دائماً مرفوعة إلى السماء يسأل الواحد الأحد.دخل على ابن قطلوبك فقال ابن قطلوبك: يا ابن تيمية! يقول الناس: إنك تريد ملكنا، قال: هيه ملكك!!، والله ما ملكك وملك آبائك يساوي عندي فلساً واحداً، إني أريد جنةً عرضها السماوات والأرض.وترجمة ابن تيمية طويلة جداً وهو عظيمٌ عظيم.. يقول المزي -من زملائه وتتلمذ عليه-: ما أعرف قبله بأربعمائة سنة مثله، ونحن نقول ما جاء من عهد ابن تيمية وقد توفي عام (728) إلى الآن مثله، واقرءوا التاريخ إن شئتم، ولا نغالي في الرجال، لكن نحب هذا الرجل حباً عجيباً.ونسأل الله أن يرينا وجهه في الجنة، وأن يجمعنا به في دار كرامته، إنه على كل شيءٍ قدير.
وصية شيخ الإسلام ابن تيمية
جاء عالمٌ من علماء المغرب -حاجاً- يريد البيت، فمرَّ على دمشق؛ لأنه يسمع بـابن تيمية، وابن تيمية ذكره في أسبانيا وفي بلاد الإسلام، فوصل هذا العالم، والعلماء يقولون: كان العلماء إذا وصلوا إلى ابن تيمية أصبحوا تلاميذه فإنك شمسٌ والملوك كواكبٌ إذا ظهرت لم يبدُ منهن كوكبُ فوصل هذا العالم، فلما رأى ابن تيمية كتب له سؤالاً يقول فيه: الشيخ الإمام بقية السلف وقدوة الخلف، أعلم من لقيت بباد المشرق والمغرب -ونقول له: حتى لو ذهبت الشمال، أو الجنوب فلن تجد مثله، ولا القارات الخمس- قال الذهبي فيما ينقل عنه: كان أبوه نجماً في العلم -يعني مثل النجم- وكان جده قمراً، أما ابن تيمية فكان شمساً: فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [الإسراء:12].ذاك نجم وهذا قمر، وهذا شمس، وإذا أتت الشمس، ذهب القمر والنجم.قال السائل: أن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي، ويرشدني إلى كتابٍ يكون عليه اعتمادي، في علم الحديث، وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات، ويبين لي أرجح المكاسب. -علمني بمكسب يكون منه رزقي ودخلي، لأن الإسلام جمع بين الدين والدنيا، علمني هل أكون نجاراً أو خشاباً، أو مزارعاً، أو بائعاً، ما هي أفضل المكاسب يا شيخ الإسلام - ويقول: كل ذلك على قصد الإيماء والاختصار.يقول: انتبه يا ابن تيمية! لا تسهو من قلمك، فتملأ لنا الصفحات وتكتب مجلداً في هذه الوصية؛ لأن ابن تيمية إذا نسي نفسه ذكر من العلم الكثير وكتب في المسألة الواحدة مجلداً كاملاً.وقد أتاه يهودي بثمانية أبيات ينتقد فيها الشريعة وكان ذلك بعد صلاة الظهر، فقرأ ابن تيمية الأبيات، ثم لف الورقة وجعلها في جيبه، ثم أخرج دفتراً كبيراً وكتب فيه مائتين وأربعين بيتاً، وهي موجودة. يقول الذهبي: كانت عين ابن تيمية كاللسانين الناطقين من الذكاء والعبقرية، حتى يقول شاعر اليمن في ابن تيمية:وقاد ذهنٍ إذا سالت قريحته يكاد يُخشى عليه من تلهُبِهِ فيقول السائل: يا ابن تيمية اختصر لنا في الإجابة، فالرجل مسافر وعالم ويريد أن يعود، فاكتب كلاماً بسيطاً قال: "والله تعالى يحفظه" -يعني يحفظ ابن تيمية - "والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته" فأجاب ابن تيمية فقال:"الحمد لله رب العالمين" -لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ورد عنه أنه قال: (كلُ أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله، فهو أبتر) وفي لفظٍ: (بذكر الله) وفي لفظٍ: (باسم الله) وقد ضعفت بعض الروايات لكن في مجموعها تصل إلى درجة الحسن، فهو دائماً يستفتح بحمد الواحد الأحد، وهي مناسبة جيدة، فإنه يحمد الله على نعمة العلم والفهم، ونعمة الفقه في الدين.ومن هديه عليه الصلاة والسلام في الخطب -كما مر معنا- أنه كان يستفتحها بالحمد لله، والرسائل بالبسملة، فكأن ابن تيمية يخطب الآن بقلمه فيقول الحمد لله رب العالمين، ويقف ويضع نقطة.أما الوصية: فسوف يفصلها شيخ الإسلام كما وردت في السؤال يقول:الوصية الأولى: أوصني لصلاح ديني ودنياي. الوصية الثانية: أرشدني إلى كتاب أقرأ فيه، يكون عليه اعتمادي في علم الحديث.الوصية الثالثة: نبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات.الوصية الرابعة: أرشدني إلى أفضل المكاسب التي أستغلها في كسب رزقي، أو ما يدر علي الخير من المكاسب.
  ما يعتمد من الكتب في العلوم
قال شيخ الإسلام وهو يواصل وصيته وجوابه على سؤال السائل، في الفقرة الرابعة عن كتاب مفيد في علم الحديث، وفي العلوم الشرعية، "وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم فهذا بابٌ واسع، وهو أيضاً يختلف باختلاف الناس في البلاد" فقد يتيسر له في البلاد من العمل أو من طريقه ومذهبه ما لا يتيسر له في بلدٍ آخر، "لكن جماع الخير أن يستعين العبد بربه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، في تلقي العلم الموروث عن معلم الخير عليه الصلاة والسلام"، وأقول: العلم صراحةً هو علم الكتاب والسنة الذي تنجو به في الآخرة، ولكن للإنسان أن يكون له حدٌ أدنى من هذا العلم، ينفع به نفسه، ولا يعذر معتذرٌ بتخصصه أو بعمله، فلا بد أن يأخذ ما تقوم به عبادته، ليلقى الله وقد عبده على بصيرة.قال: "وأما وصف الكتب والمصنفين فقد سمع منا في أثناء المذاكرة ما يسره الله"، يقول: ربما سمعت في أثناء الدروس منا ما يسره الله، وما في الكتب المصنفة المبوبة مثل كتاب محمد بن إسماعيل البخاري -لله دره، وما أحسن ذاك الكتاب- لكن هو وحده لا يقوم بأصول العلم، ولا يقوم بتمام المقصود للمتبحر في أبواب العلم إذ لابد من معرفة أحاديث أخر" فلابد أن تطلع على السنن، والمسانيد، وخاصةً مسند الإمام أحمد الذي جمع الستة إلا القليل وزاد، وهو كتابٌ عظيم، وبحرٌ واسع، ودرٌ وجوهر.قال: "ولا يقوم بتمام المقصود للمتبحر في أبواب العلم، إذ لابد من معرفة أحاديث أخر، وكلام أهل العلم وأهل الفقه في الأمور التي يختص بها بعض العلماء، وقد أوعبت الأمة -يعني أكثرت في كل فنٍ من فنون العلم إيعاباً- فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرةً وضلالاً" بعض الناس عنده مكتبة في بيته ملء المجلس، ولا يصلي الفجر جماعة، وبعضهم عنده مكتبة، ويعصي والديه، وبعضهم عنده مكتبة ويرتكب الكبائر: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176].وليس العلم بالكثرة، لكن العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، فرأس العلم خشية الله، ومن قام بأمور الإسلام فهو العالم، قال: ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرةً وضلالاً، القرآن وهو القرآن قال الله عز وجل: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً [فصلت:44] يقول: المنافق إذا قرأ القرآن يزداد عمى، مثل الناظر الأعشى إذا نظر إلى الشمس، لا تستطيع عيونه أن تثبت في الشمس، لكن صاحب البصيرة، يزيده الله بالكتب وسماع الأشرطة، والجلوس في مجالس أهل الفضل والعلم والمحاضرات والدروس بصيرة ونوراً ويزيده أجراً ومثوبة.ويا أيها الإخوة! أنا أدري أن مثل هذه المجامع العامة، قد يقول قائل: لو جلست في بيتي وقرأت بنفسي، ولخصتُ وخرجت وحققت لكان أنفع لي، فأقول: قد يكون هذا، لكنك لن تنال الأجور إلا بالجلوس في هذه المجالس بغض النظر عن هذه الفائدة المباشرة.أولاً: يذكرك الله فيمن عنده.ثانياً: يباهي بك ملائكته.ثالثاً: تغشاك السكينة، وتحفك الرحمة، وتنزل عليك الملائكة.رابعاً: في آخر المجلس، يقول الله لمن جلس على ذكره: {قوموا مغفوراً لكم فقد أرضيتموني ورضيت عنكم}.وأنا أطلب من الإخوة الكرام.. وأنا أعرف أنكم صفوة الناس، والجالسون أمامي هم الزبدة من المجتمع، والله يحفظ العباد والبلاد بكم وبأمثالكم، فأقول لكل أخٍ يريد الله والدار الآخرة، إذا أراد حضور محاضرة، أو درس، لأي طالبٍ أو داعية أن يأخذ معه أخاً آخر، فقط أن يدعوه في محاضرة واحدة لأنه قد يستقيم منهجه ويهتدي، ويكفي الأخ أن يحضر وينظر إلى هذه الوجوه، وهذا الجمع، فيتحول مسار حياته، وبعض الشباب كان مدمن مخدرات، وأخذه بعض الشباب، وحضروا به بعض المحاضرات واهتدى، وأصبح عبداً لله، فكل واحد عليه أن يأتي بواحد فقط وتذكروا دائماً: {لأن يهدي بك الله رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم}.يعني أدعه إلى درس أو محاضرة، ثم أدعه إلى العشاء عندك، تكون هذه ضريبة إن استطعت ذلك، وإن لم تستطع، فالله المستعان: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَه [البقرة:286].قال: ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرةً وضلالاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي لبيد الأنصاري: {أوليس التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؟ فماذا تغني عنهم؟} هذا الحديث عند أحمد بسندٍ صحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام {نظر في السماء وقال: هذا أوان قبض العلم} قال أبو لبيد الأنصاري: {يا رسول الله! كيف يقبض العلم؟!! والله لنقرئن القرآن أبناءنا، وليقرئنه أبناؤنا أبناءهم، قال: ثكلتك أمك يا زياد! كنتُ أظنك أفقه رجل من أهل المدينة، هذه التوراة، وهذا الإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا نفعتهم..؟!} يعني ما نفعتهم زيادة الكتب، إذا لم تكن بعملٍ صالح، بل إنها لا تكون إلا خيبة وحيرة وضلالاً، وحسابهم على الله.لقد زرت كثيراً من الإخوة، وعند كل واحد منهم مكتبة في بيته، لكنه لا يقرأ إلا اليسير منها، أو ما يستطيع أن يلم بالكثير بها، وهي تبقى معطلة، كأنها مختوم عليها، وابن تيمية يجعل رصد الكتب وتخزينها بلا استفادة من كتمان العلم.افتتحت عندنا مكتبة في المسجد هنا طولها ستة عشر متراً في أربعة تأخذ مئات الكتب والمجلدات، وقلت للناس: من كانت عنده كتب فليوقفها باسمه، وإذا احتاجها في أي يوم فليخرجها، وهي لا تخرج من المكتبة، لكن يستفيد منها شباب الإسلام الذين يدرسون في الصيف، وكلما قرأوا حرفاً كان لك أجر، وكنت أنت المنفق، وكان ميراثاً لك: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له} هذه وصية ابن تيمية رضي الله عنه وأرضاه، ورحمه الله، وجمعنا به في دار الكرامة، وهي من أعظم الوصايا، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن إذا استمع القول اتبع أحسنه.
الأسئلة

 بر الوالدين
السؤال: أمي عصبية المزاج، لا أدري ماذا أفعل بها، كلما بررتها سبتني ودعت عليّ، وأنا أتقرب إليها بكل خير، ولكنها تغضب وتشتعل بسرعة؟الجواب: نسأل الله أولاً أن يلين قلبها لك، وأن يهديها سواء السبيل، وأنت إذا علم الله أنك أوفيت معها وبررتها فلا يؤاخذك، ولو دعت عليك، فإن دعاءها ليس بصحيح، ما دام أنك بار بها، وتخدمها وتقوم بطاعتها، ثم هي تدعو عليك، فالله يعلم أنك صادق، فعليك أن تصدق الله فيها، وأن تحترمها، مهما فعلت بك، ولو ضربتك على وجهك ضرباً، أن تقابلها بالتقبيل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24].وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وصية ابن تيمية للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net