اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الاعتصام بالكتاب والسنة للشيخ : عائض القرني


الاعتصام بالكتاب والسنة - (للشيخ : عائض القرني)
الاعتصام بالكتاب والسنة طريق واحد يوصل إلى الجنة، ومن حاد عنهما أو عن أحدهما خاب وخسر في الدنيا والآخرة، وقد دلت الأدلة والآثار على تلازمهما معاً ووجوب الاعتصام والتمسك بهما، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التقديم على قول الله وقول رسوله.
الحث على اتباع الكتاب والسنة
الحمد لله الهادي، والصلاة والسلام على خيرة الحواضر والبوادي، أفصح من تكلم بالنوادي، ما هطلت الغوادي، وما صارت بذكره الأفئدة من كل مسلم إلى شريعته حادي.سلام الله عليكم ورحمته وبركاته:ولما جلسنا مجلساً طله الندى جميلاً وبستاناً من الحب دانيا أثار لنا طيب المكان وحسنه منىً فتمنينا فكنت الأمانيا وأمانينا معكم هذه الليلة أن يجمعنا الله بكم في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم يتقبل الله منا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.وعنوان هذه المحاضرة: الاعتصام بالكتاب والسنة... وهذا موضوع خطير وكبير، أما خطورته فلأنه يتعرض لضربات من أهل البدع والضلال على مر العصور والدهور والأعوام والأيام، وأما كونه كبيراً فلأنه شغل كثيراً من علماء الإسلام حتى خصصوه بالتأليف، وكتبوا فيه مجلدات، وكانت مجالسهم تدار فيها مواضيع مسألة الاعتصام بالكتاب والسنة.وفي هذا الموضوع ثلاثة عناصر: العنصر الأول: الحث على اتباع الكتاب والسنة.العنصر الثاني: حرص السلف الصالح على الاقتداء بسنته صلى الله عليه وسلم.العنصر الثالث: النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والتكلف والتعمق والتنطع، ووجوب الاكتفاء بالكتاب والسنة.فإلى هذا الحديث الشائق الذي بكم يشوق، وإلى هذا المجلس الرائد الذي بكم يرود؛ نتكلم عن مسائل هذا الموضوع سائلين المولى أن يثبتنا وإياكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.إن الله يمدح الذين يتمسكون بالكتاب والسنة، وسر أصالة هذه الأمة وعمقها وتوجهها هو الكتاب والسنة.. ولذلك عندما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مكتفين بثقافة محدودة مضبوطة معينة؛ كانوا مرشدين مسددين مهديين، فلما كثرت الثقافات على القرون التي بعدهم، ودخلت البدع، وترجمت كثير من المقالات والكتب؛ دخل الزيف والدخن والدخل، ويظن كثير من الناس أن كثرة الثقافات الغريبة الوافدة بركة ونور، ولم يعلموا أنه تدهور وتورط للأمة إذا صدفت عن كتاب الله عز وجل.
 أقسام الناس في تلقي الكتاب والسنة
قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى عند البخاري ومسلم: {مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث} ولم يقل صلى الله عليه وسلم: مثل المطر؛ لأن المطر إذا أطلق غالباً أطلق على العذاب، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [النمل:58] ولماذا قال: (مثل ما بعثني) ولم يقل: أرسلني؛ لأنه إذا ذكر المعتقد في الغالب ذكر البعث، وإذا ذكرت العبادات التفصيلية ذكر الإرسال. وقال: (مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم) فذكر العلم والهدى، مع أن العلم يشمل الهدى والهدى يشمل العلم؛ لأن الهدى هنا هو العمل، والعلم هو القول: واليهود أهل قول بلا عمل، والنصارى أهل عمل بلا اقتداء؛ ولذلك غضب الله على من تعلم ولم يعمل، وأضل الله من عمل بلا علم، قال الله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].فالرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين الطريقتين فقال: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً} قال القرطبي: إنما شبه صلى الله عليه وسلم -وهذا في فتح الباري - إنما شبه صلى الله عليه وسلم الوحي بالغيث بجامع وجه الشبه وهو الصفاء، والأمر الثاني أن الأرض تحتاج إلى الغيث، فحاجة القلوب إلى الوحي كحاجة الأرض إلى الغيث بل أحوج.. ولذلك قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد:16-17].ثم عُلم من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قسم الناس ثلاثة أصناف:قال: {فكان منها أرض طيبة نقية، قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أرض حبست الماء؛ فنفع الله بها الناس؛ فسقوا وزرعوا، وكان منها أرض إنما هي أجادب، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من نفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} وقد سبق شرح هذا الحديث، وشاهدنا منه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الناس ثلاثة أقسام: قسم استفاد وأفاد، وقسم استفاد ولم يؤثر، وقسم لا استفاد ولم يؤثر، وإنما هو كالخشب المسندة لا تعي ولا تعقل.فقل للعيون الرمد للشمس أعين تراها بحق في مغيب ومطلعِ وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأبصارها لا تستفيق ولا تعي أما ابن مسعود رضي الله عنه -كما في صحيح البخاري - يفتتح كلامه بقوله: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. فالهدي عمل، والحديث قولٌ، فجمعت طريقته صلى الله عليه وسلم فصارت قولاً مهدياً مسدداً، وعملاً مرضياً متقرباً به إلى الله تبارك وتعالى.
حرص السلف على الاقتداء بسنته صلى الله عليه وسلم
العنصر الثاني: حرص السلف الصالح على الاقتداء بسنته صلى الله عليه وسلم.
 بعض الأمثلة على كثرة السؤال
أتى أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم -وهذا من باب التعدي على الكتاب والسنة- فربط ناقته في وادي وأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: أين ناقتي يا رسول الله؟ -ومن أدرى الرسول عنك وعن ناقتك؟! وهل بعث صلى الله عليه وسلم ليخبرك بناقتك وزوجتك وأطفالك؟!- فسكت صلى الله عليه وسلم، فقال: {أين ناقتي يا رسول الله؟ -هو يريد أن يسلم ويعرف هل الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب أم لا، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم، وسكت الأعرابي، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يستهديه ويتألف قلبه- فقال: ناقتك في الوادي الفلاني مربوطة بشجرة سلم -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله}.وأورد ابن كثير أثراً في كتاب الشمائل، يقول: {أتى أعرابي يبيع ضباً في السوق -رأس ماله الضب هذا- فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوه -الرسول صلى الله عليه وسلم يستغل المناسبات في سوق عكاظ، وفي المجمع والنادي ومكان التجمع، فهو داعية يجوب كل مكان -قال: يا أعرابي! إني رسول الله إلى الناس، أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. قال: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله. قال: من أرسلك؟ قال: الله. قال: والله لا أسلم لك حتى يسلم لك هذا الضب. قال: فإن أسلم الضب أتسلم؟ قال: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: يا ضب! أتشهد أني رسول الله؟ قال الضب: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله} والحديث في سنده نظر، لكن أورده البيهقي في الدلائل، وابن كثير في الشمائل.أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل لكن على كل حال؛ إنما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتألف قلب هذا الرجل حين قال: ناقتك مربوطة... وإلا فهو عليه الصلاة والسلام ليس مسئولاً عن هذه الأسئلة.وفي صحيح البخاري، قال أنس: {سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكثروا عليه؛ فغضب؛ فجلس، فقال أبو حذافة: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك فلان. فجلس عمر على ركبتيه لما رأى غضب الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً} وإنما غضب صلى الله عليه وسلم من كثرة الأسئلة التي ليس لها داعي، وإنما هي من باب التقدم على الكتاب والسنة، فأنزل الله في ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة:101] فاسكتوا حتى يأتي القرآن والسنة، ثم سيبين لكم الأمر، ولا تتقدموا بين يدي الله ورسوله.قال الدارمي: ثبت بسند صحيح عن عمر أن عمرو بن العاص أتى إليه، فقال: يا أمير المؤمنين! معي في الجيش رجل يأتي إلينا فيسألنا، قال عمر: عن ماذا يسألكم؟ قال: يقول: يقول الله عز وجل: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً [الذاريات:1] قال عمر: هيه. قال: ويقول: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات:1] قال عمر: هيه. قال: ويقول: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1] قال عمر: هيه. قال: فيقول الرجل: كيف يقول الله هناك (والذاريات) وهنا (والمرسلات) وهناك (والنازعات)؟ فأنصت عمر، وقال: علي بالرجل، يا عمرو بن العاص! لا يفوت الرجل، والذي نفسي بيده! لئن فات الرجل ليمسنك مني عقوبة.. عمر ما عليه من أحد كبير أو صغير، ما يحميه من العدل حامي.. فذهب عمرو وأتى بالرجل، وقد تهيأ له عمر بضيافة ما بعدها ضيافة، فهيأ له عراجين النخل، ورشها بالماء لتليق بجسمه أحسن، فقال عمر: أنت الرجل الذي يقول كيت وكيت، قال: نعم يا أمير المؤمنين، وما أردت إلا الخير. سبحان الله! ما أحسن هذا الخير! قال: ابطحوه أرضاً، فاعتلاه أمير المؤمنين، ثم ضربه وجهاً لبطن من نية وإخلاص لله عز وجل، يحتسب أجره على الله، فأغمي على الرجل فقال: رشوه بالماء، فرشوه بالماء فأفاق ولسان حاله يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله! قال عمر: ادنوه، فأدنوه فبطحه، قال: رشوه بالماء، فرشوه فأصبح، ومرة ثالثة... فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد دوائي فقد برئت والله.. انتهى المرض، علاج ما بعده علاج في غرفة عمليات عمر! ثم قال: احملوه إلى الجيش ولا يكلمه أحد. فحجزوا عنه الكلام، وأضربوا عن الحديث معه سنة كاملة، وبعد سنة قالوا: يا أمير المؤمنين! صلح حاله، أصبح مستقيماً على أمر الله. قال: اتركوه يحدث الناس.هذا التقيد بالكتاب والسنة: أما أن يتلاعب الإنسان ويأتي يخرص تخريصات، ويضلل الأمة، ويشوه معالم الكتاب والسنة بحجة الثقافة العامة فلا.. هذه قداسة.. وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] هذا دين خالد لا يقبل اللبس، ولذلك جاء في الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {لا يزال الناس يسألون، حتى يقولوا: هذا الله، فمن خلق الله؟!} ومن وجد هذا في نفسه فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يعبث بالكتاب والسنة، فإن معنى ذلك فتح الباب لكل مهرج وموسوس ومهلوس والعياذ بالله.وفي السير في ترجمة عمر: أن رجلاً أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله سؤالاً وقال: {يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف. قال صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج} وهذا الحديث متنه في سنن أبي داود عن أسامة بن شريك قال: {يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف. فقال صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج، فأتى الرجل إلى عمر وقال: يا عمر! سعيت قبل أن أطوف. قال: افعل ولا حرج. قال: صدقت، سألت الرسول صلى الله عليه وسلم قبل قليل فقال لي مثل ما قلت. فقال عمر: خررت من يديك، تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تسألني} ولو كان في غير حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لأدبه عمر تأديباً يردعه وأمثاله، وهذا فتح الباب للهلوسة والتخرص في دين الله.
مسائل في الاعتصام بالكتاب والسنة ومحاربة البدع
من المسائل التي بقيت: أن أبا بكر رضي الله عنه قال في خطبة خطبها: [[يا أيها الناس! إني متبع ولست بمبتدع]].ومن المسائل التي تهمنا أيضاً: أن عداوة إبليس تصل بالعبد إلى الشرك، فإن لم يستطع فإلى البدعة، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية في الغالب يتاب منها، والبدعة في الغالب لا يتاب منها، وهذا الكلام ينسب لـسفيان بن عيينة: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية".
 أصناف أهل البدع
ومما أريد أن أشير إليه في هذا المجلس أن المبتدعة أصناف: منهم مبتدع كافر ببدعته، لكن يسمى ويطلق عليه مبتدع، كما يكفر بعض الناس الذين قالوا بنقص القرآن، أو لعنوا عائشة، أو لعنوا الشيخين، وتبرءوا منهما، أو قالوا: إن جبريل خان الرسالة، فهؤلاء يكفرون بهذه المقالات.. وقد يفسق الرجل بالبدعة، فيبقى فاسقاً على بدعته؛ فيدخل النار على الأجناس لا على الأشخاص، لكن لا ندري هل يخلد أم لا، فإذا كان موحداً فلا يخلد.. وعلى كلٍ يصبح فاسقاً ببدعته، وهناك بدع طفيفة وبدع كبيرة، فالبدع الكبيرة مثل: بدع الخوارج والرافضة، والبدع الطفيفة مثل: بدع الأحكام العملية، كالأذكار والتسبيح، وهذه لها مباحث، وإنما مقصود الكلام: الاعتصام بالكتاب والسنة.
طرق الاعتصام بالكتاب والسنة
والسؤال المطروح: ما هي طريقتنا للاعتصام بالكتاب والسنة؟هناك ثلاثة طرق:
 تبليغ الكتاب والسنة للناس
ومن أمور الاعتصام بالكتاب والسنة: تبليغ الكتاب والسنة للناس، قال عليه الصلاة والسلام: {بلغوا عني ولو آية} وهي أمور سهلة، وفي سنن أبي داود عن عبد خير قال: أتى علي بن أبي طالب فصلى بنا، ثم خرج إلى الرحبة، فأتى بماء فتوضأ، ثم قال للناس: {هكذا رأيت رسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ} وتطبيق الوضوء للناس سنة، وتعليم هذه الأمور، لأنه قد يلقي الإنسان محاضرات ولكن ليس فيها امتثال ولا تطبيق ولا روح فلا تنفع، بينما لو طبق مسألة كأن يصلي أمام الناس، أو يتوضأ أمامهم، كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام بأصحابه؛ لكان أجدى وأنفع، وهذا هو الأمر المطلوب في تبليغ السنة، وهو اليسر في تبليغها للناس، وهذا عهد من الله وميثاق أخذه على طلبة العلم، قال الله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160] هذا باب الاعتصام بالكتاب والسنة، وأحسن من كتب عن هذا الموضوع لمن أراد أن يتوسع: الشاطبي في كتاب الاعتصام، وشيخ الإسلام في المجلد العاشر والحادي عشر، ومجلد الجهاد في الفتاوى، وابن القيم في زاد المعاد، والإمام البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، والقرطبي، وغيرهم من أهل العلم الذين كتبوا كتابات طيبة ومفيدة يحسن الرجوع إليها.ولكن قد ترد بعض الأسئلة، مثل من يقول فعل بعض الصحابة أفعالاً ما فعلها صلى الله عليه وسلم؟وهذا سؤال مطروح، وقد ناقشه الشوكاني في إرشاد الفحول، وغيره من العلماء، والفعل إذا فعله الصحابي وقد خالف الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا لا يلتفت إليه أبداً، وإذا فعل الصحابي فعلاً ودل عليه عموم؛ فإن هذا أمر اجتهادي من الصحابي قد يخطئ وقد يصيب، وإذا فعل الصحابي فعلاً وفعل صحابي آخر فعلاً ولم يتضح وجه السنة من فعليهما فهو أمر كذلك اجتهادي، ولكن على كل حال؛ الشوكاني وأبو زهرة لا يأخذون باجتهاد الصحابي إذا كان له اجتهاد خاص، مثل أقوال ابن عباس التي ينفصل بها في الفتيا، وهذا له مبحث، ولكن أريد أن أبين أن بعض الشواذ من أفعال الصحابة لا يقتدى بها، مثل: أن ابن عمر كان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي، ومثل ما جاء أن ابن مسعود كان يصلي وسط الصف، يجعل جماعة عن يمينه وأخرى عن يساره ويكون الإمام في الوسط. ويطبق بين كفيه في الركوع ويجعلهما بين ركبتيه ومثل: أن أبا هريرة كان يتوضأ إلى المنكب أو إلى الإبط، وهذا لم يفعله صلى الله عليه وسلم... إلى غير ذلك من الأفعال التي شذت من بعض الصحابة، فهذه لا يلتفت إليها، وندعو لهم، ونقول: هم مأجورون على كل حال، ولكن الرسول هو القدوة، ولا بد لأفعالهم من أدلة من الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن أفعاله صلى الله عليه وسلم لا تفتقر إلى أدلة؛ لأنها دليل بذاتها.وربما نسمع في الأسئلة ما خفي علينا في هذا الدرس، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 كيف نرد على الغزالي في نقده لشباب الصحوة
السؤال: الغزالي تعرض لشباب الصحوة ببعض الأمور النقدية، فكيف نرد عليه؟الجواب: أولاً: الغزالي سبق في الدرس الماضي أن وقفنا معه دقائق، والرجل هذا مفكر مسلم لا ينكر ذلك ولا يدفع، وقد رد عليه كثير من طلبة العلم والمشايخ والعلماء، ومن أحسن الردود: رد الشيخ سلمان العودة عليه في الكتاب والمطبوع الموجود في الأسواق وفي الأشرطة، ورد الطحان بمقالة لكنها سهلة يسيرة، إنما أشار إلى بعض الجمل، ورد بعض الإخوة كالشيخ عبد الوهاب بن ناصر بشريط مجيد في هذا الباب، ورد بعض المحاضرين ممن أعرفهم بردود مكتوبة يريدون طبعها، ولكن على كل حال الرجل سحب على وجهه وقفاه حتى ما يدري أين القبلة، لأنه أراد أن يفتح باباً فما أغلق عليه، والحقيقة أن الأمور والمسائل التي لوحظت عليه -كما مر معنا- وقد ذكرت من بعض المسائل: تقديم العقل على النقل، والتردي في الأسماء والصفات، والحجاب وما قال فيه، ورد الأحاديث الصحيحة بالرأي، والاستهزاء بشباب الصحوة والمستقيمين وما في حكمها، وعباراته النابية التي لا تليق به، وقوله أن المرأة تشارك في الحكم والبرلمان إلى غير ذلك.أما مسألة أهل الصحوة فإنه بمناسبة أو بغير مناسبة يأتي إلى اللحى والثياب، حتى إن أحد المشايخ أوقفه في مكة وقال: أسألك بالله يا الغزالي هل سألناك وناقشناك في اللحى؟ قال: لا ما ناقشتموني، قال: نسألك بالله هل الرسول صلى الله عليه وسلم كان مربياً للحيته وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ قال: نعم. قال: نسألك بالله هل الأصل التربية أو عدمها؟ قال: الأصل التربية. قال: نسألك بالله الذي يدعو إلى الأصل هو المصيب أو الذي يدعو إلى غير الأصل؟ قال: المصيب هو الذي يدعو إلى الأصل. فلذلك ما أدري هل أتاه موقف اعتراضي مع بعض الشباب، أو ضرب في مكان، أو نزل من سيارة، أو طرد من مطعم، فأخذ يأخذ على الشباب دائماً ويقول: أهل تطرف وأهل تزمت.والحمد لله انظروا إليهم ما أحسن أخلاقهم! وما أحسن سيماء الإيمان في وجوههم! ملئوا الدنيا بالقرآن والإيمان والفهم، أيريد الغزالي أن يتخلى الشباب عن السنة؟! يريد أن يطبق الشباب مثله في السنة؟ أن يقول: صوت هذا المقرئ كصوت فيروز! أو يريد أن يسهر الشباب على شادية -إن كانت تابت تاب الله عليها- أو يريد أن يكون وردهم ورد أم كلثوم؟! أو أم يحلقوا لحاهم حتى لا يعرف هل أتوا من مكة أو من باريس أو من واشنطن؟! أو يسربلوا ثيابهم حتى نقول: الإسلام يتطور مع الزمن وليس فيه تعقيد ولا تزمت! هذا ليس بصحيح، ونسأل الله أن يهديه سواء السبيل، فإنه لو أبصر ما أبصرنا وما عشنا مع إخواننا وشبابنا شباب الصحوة لرأى ما يثلج الصدر ويرفع الرأس.لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضبا عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا شاب يقوم الليل، ويصوم النهار، ويبر والديه، وينشر الدعوة، أهذا ينتقد عليه؟! لماذا لا توجه هذه التهم لأهل العربدة، ومروجي المخدرات، وباعة المجلات الخليعات، وأهل الصفير والزفير والشهيق والتشجيع، الذين كسروا على رءوسنا الشجر والزجاج والنوافذ؟! لماذا لا يرد عليهم؟! أما هؤلاء الشباب فلا يعقل.وقد تكرر هذا السؤال كثيراً، وكلمني بعض الإخوة في مثل هذه القضية لكن ما نريد أن نثير على الناس، وقد أتاه ما يكفيه، والذي نسأل الله أن يغفر لنا وله، وأن يتجاوز عنه، وإنه يدعى وإنا ندعوه أن يكتب كتاباً، أو يقول مقولة يتبرأ فيها مما فعل فقد أخطأ، والله هو المحاسب والموعد، فإنه قد أخطأ كثيراً مع شباب الإسلام، نسأل الله لنا وله المغفرة؛ لأن الرجل له حسنات، ونحن أمرنا أن نكون شهداء على الناس، وأن نكون عادلين في الحكم، ولا يحملنا شنآن الأقوام على التشفي بأعراضهم، فله حسنات، ومن حسناته أنه رد على الشيوعيين في وقت ما كان ينبس أحد من الناس بكلمة، وقام على كثير من الطغاة كـعبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأمثالهما فشلحهم على المنابر تشليحاً، ومنها: أنه وجه الفكر وأتى بدرر من بنيات فكره فتح الله فيها عليه، ومنها: أن الرجل لا ينكر أنه مفسر وخطيب ومتكلم، لكن ما كل من قصد شيئاً أصاب فيه، ولا كل من أراد أمراً يترك لهذا الأمر؛ حتى يقوَّم بالكتاب والسنة.وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الاعتصام بالكتاب والسنة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net