اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عوامل محبة الله للشيخ : عائض القرني


عوامل محبة الله - (للشيخ : عائض القرني)
إن محبة الله غاية كل مسلم ولا تكون محبة الله للعبد إلا بأمور منها: قراءة القرآن، فمن قرأه وتدبره وفهم معانيه وعمل بما فيه؛ كان له عاملاً من عوامل المحبة الإلهية .ومن عوامل المحبة قيام الليل، والخوف من الله، ومن سعى وأخلص ليكون محبوباً عند الله بلغه الله ذلك وجعله من أحبابه .
كيف تكون محبة الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]اللهم صلِّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل المذكور في التوراة والإنجيل. اللهم صلِّ وسلم على معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الأبرار، أيها الأخيار: سلام الله عليكم ورحمته الله وبركاته.وبعـد:ففي مجلسٍ من مجالس الإيمان، وفي روضة من رياض اليقين، نتعلم فيها كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، نعيش لحظة من لحظات العمر، بل من أغلى ساعات العمر، لأن العبد إذا لم يعش مثل هذه الساعات مات قلبه، والقلب إنما غذاؤه آيات الله وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وموضوعنا هذه الليلة: موضوع (عوامل محبة الله عز وجل). كيف تحصل على محبة الله؟ كيف تنال رضوان الله تعالى؟ كيف تكون عبداً لله عز وجل؟ إن أعظم المطالب في الإسلام أن تكون حبيباً لله، وأن تكون قريباً منه، وأن تكون من أحبابه وأوليائه. ولذلك جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الولاية قسمين: المقتصد والسابق بالخيرات، ففي الحديث المتفق عليه عند الشيخين البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) وهذا الحديث هو حديث الولاية، شرحه الأئمة في كتبهم وهو من أعظم الأحاديث في الإسلام، وللإمام الشوكاني شرحٌ عجيب عليه في كتاب قطر الولي في شرح حديث الولي، وشيخ الإسلام ابن تيمية يتعرض لهذا الحديث ويقول كلاماً ما معناه: قسم الحديث المؤمنين إلى قسمين: مقتصدٌ وسابق بالخيرات، فالمقتصد: هو الذي يؤدي الفرائض، وهي أعظم ما يؤدى من حقوق الله عز وجل على العبد، والسابق بالخيرات: هو الذي يتقرب بالنوافل إلى الله تبارك وتعالى.ولذلك يرى -رحمه الله رحمة واسعة- أن الآية التي تقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] يرى أن كل هذه الأصناف يدخلون الجنة، وعند الترمذي بسندٍ فيه نظر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] قال: كل هؤلاء الأصناف في الجنة) وهذا الحديث من حديث عائشة رضي الله عنها في الترمذي كما أسلفت، والخلاف بين أهل العلم هل الأصناف الثلاثة الظالم والمقتصد والسابق يدخلون الجنة؟ والذي عليه التحقيق -إن شاء الله- من كلام الأئمة أنهم في الجنة، وهذه بشرى لنا لأننا نعد أنفسنا من الظالمين لأنفسهم. قال مسروق لـعائشة رضي الله عنها وأرضاها كما في طريق الهجرتين [[يا أماه! لأنها أمٌ للمؤمنين، من هم السابقون بالخيرات؟ قالت: السابقون بالخيرات من مضى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمقتصدون من لحقوهم أو من تبعوهم بإحسان -أو كما قالت- والظالم لنفسه أنا وأنت]] وهذا تواضعٌ منها رضي الله عنها وأرضاها.
 

عوامل محبة الله عز وجل
وعوامل محبة الله عز وجل تحصل بأمور، من أعظمها وأكثرها نفعاً، وأجلها فائدة وقربى وزلفى من الله عز وجل، القرآن الكريم، وهذه المناسبة مناسبة القرآن، ومع طلبة كتاب الله عز وجل، لأنه الكتاب العظيم الذي وصى به صلى الله عليه وسلم، فلا نجاح للأمة ولا فلاح إلا بتلاوته وتدبره، ويوم ترى الأمة تعرض عن القرآن، وتأخذ عوضاً عن القرآن يرميها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى بالجدل، وعند أبي داود بسندٍ حسن: (ما أعرض قومٌ عن كتاب الله إلا أوتوا الجدل) وهو من حديث ابن عمرو مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم.فتعيش الأمة سخيفة التقاويم والمبادئ والتعاليم يوم تعرض عن القرآن والسنة، تكون مجالسها عقيمة لا فائدة فيها ولا نفع، ولا عائد يعود عليها في دنياها ولا في أخراها، والأمة التي تتلقى ثقافتها من غير القرآن، أمةٌ لا عقل لها ولا تدبير ولا مجد، ولذلك بالاستقراء من حياة السلف الصالح والقرون المفضلة، لما عكفوا على الكتاب وعلى السنة كانوا أجدر العصور وأخلصها وأصدقها وأمجدها عبادةً وزهداً وإقبالاً على الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ولما أعرضنا -إلا من رحم الله- عن القرآن ماتت قلوبنا، وفقدنا ذاك النور والإشعاع والإقبال على الله عز وجل. والرسول صلى الله عليه وسلم أتى ليعلم القرآن: وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ [النمل:92] فهو فمهمته أن يتلو القرآن على الناس، ولذلك منع في أول عصره، وحياته عليه الصلاة والسلام -الحياة الدعوية وحياة الرسالة- كتابة الحديث، لئلا يتشاغل الناس بالحديث عن القرآن.فتعالوا نرى حياة الصحابة مع القرآن، كيف عاشوا مع القرآن؟ وكيف تألقوا مع القرآن؟ وكيف عملوا بالقرآن؟ وكيف حولوا حياتهم مع القرآن؟ في صحيح مسلم عن سعد بن هشام بن عامر رضي الله عنه وعن أبيه وجده، فأبوه وجده من الأنصار الذين شهدوا بدراً وأحداً.تلك المكارم لاقعبان من لبن شيبا بماء فعاد بعد أبوالا إذا افتخر المفتخر فليفتخر ببلائه في الإسلام، وبقدمه في خدمة الدين، وفي رفع لا إله إلا الله، أما الذي يفتخر بنسبه وأسرته وعراقته ومنصبه وجاهه ووظيفته، فهذه افتخارات فرعون وأبنائه وأذنابه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. دخل ثلاثة من الشباب على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وهو الزاهد العابد وخليفة الإسلام، فقال: [[من أنتم؟ قال: أحدهم أنا ابن الأمير فلان بن فلان على الكوفة، فسكت عمر وأشاح بوجهه، وقال للآخر: من أنت؟ قال: أنا ابن فلان الذي كان في جيش الوليد قائداً، وقال الثالث: أنا ابن قتادة بن النعمان الذي حضر أحداً فقلعت عينه فسالت على خده فردها صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال الفتى: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد ]] فدمعت عينا عمر بن عبد العزيز وقال: حياك الله وبياك.تلك المكارم لاقعبان من لبن شيبا بماء فعاد بعد أبوالا
 تأثر الصحابة بالقرآن
وكان فضل الصحابة كما أسلفت على قدر قربهم من القرآن، وكانوا أكثر الناس تأثراً بالقرآن وحياةً مع القرآن، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة عمر أنه مرض من آية حتى عاده الصحابة منها، وفي بعض الروايات أن هذه الآية هي قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:24-26] فكتاب الله عز وجل مطالبه عظيمة، ولا يمكن أن يحب العبد الله عز وجل حتى يحب القرآن، ولذلك قال ابن مسعود: [[لا يسأل أحدكم عن حبه لله ولكن ليسأل نفسه عن حبه للقرآن]] فأنت كلما أحببت القرآن، كلما أحببت الله، وبقدر حبك للقرآن تكون محبتك لله تعالى.وفي الصحيح أن أسيد بن حضير رضي الله وأرضاه، وهو محضر الكتائب وأحد الأعلام من بني عبد الأشهل، قام يقرأ سورة الكهف، فأخذت فرسه تجول في رباطها وفي آخيتها، فقطع صلاته وأخذ ابنه يحيى؛ لأن الفرس كادت أن تطأه بحوافرها ثم نظر فإذا ظلة على رأسه، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {وقد رأيتها؟ قال: نعم. قال: والذي نفسي بيده، إنها الملائكة نزلت لسماع قراءتك، ولو قرأت لأصبحت الملائكة يراها الناس لا تتوارى عنهم}. وهذا حديث في الصحيح بنحو هذا اللفظ. ليل الصحابة كان مع القرآن ولما ذهبت ليالينا بغير القرآن في السمر الذي لا ينفع، والقيل والقال، وفي الجدل المقيت الذي لا يقربنا من الله، والذي لا ينفعنا في الدنيا ولا في الآخرة إلا من رحم الله، وهذا عند الأخيار، أما عند الأشرار فنعوذ بالله من ذلك، فهي ليالٍ حمراء فلا تسأل عنها وليالي معصية، يشهدون الله على فجورهم وخبثهم وغلتهم وقلتهم، ثم يمضي عليهم الليل الذي كان من أسعد الأوقات عند السلف.وقليلٌ من يعيش منا مع القرآن، وقليل منا من يتأثر بالقرآن ويحيي ليله بتلاوته. فكان عليه الصلاة والسلام لا يفوته ورده من الليل مع القرآن، وقد سئلت عائشة عن قراءته صلى الله عليه وسلم قالت: {ربما أسر وربما جهر} كل ذلك يفعله عليه الصلاة والسلام. وفي تلك الليلة التي رواها ابن عباس وهي في صحيح البخاري قال: {بت عند خالتي ميمونة فأتى عليه الصلاة والسلام فدخل البيت بعد صلاة العشاء، ونمت في عرض الوسادة، قال: نام الغُليم؟ قالت: نام، فأتى صلى الله عليه وسلم إلى الفراش فدعا وذكر الله ثم نام، قال: حتى سمعت غطيطه، وعند البخاري خطيطه، والخطيطة صوت يحدثه النائم إذا استغرق في النوم -ثم استيقظ صلى الله عليه وسلم -وما نام ابن عباس - فلما استيقظ عليه الصلاة والسلام أخذ يعرك النوم من عينه ويقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] حتى أكمل العشر الآيات، ثم قام عليه الصلاة والسلام فخرج خارج البيت فلحقه ابن عباس بماء في إناء، ووضعه عند الباب، وعاد صلى الله عليه وسلم وقال: من وضع لي هذا الماء؟ -يسائل نفسه- وابن عباس يحفظ الكلمات التي قيلت في تلك الليلة- ثم قال عليه الصلاة والسلام: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} فكانت هذه أبرك ليلة من ليالي ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه وأرضاهما. وأتى صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة فقال: {اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض وما فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض وما فيهن، ولك الحمد أنت ملك الأرض والسموات، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت} ثم قام يصلي عليه الصلاة والسلام فأتى ابن عباس يصلي معه صلى الله عليه وسلم في ليلة طويلة، وكان يقوم صلى الله عليه وسلم بالقرآن طويلاً.يقول ابن مسعود: قام صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي فقمت معه فقرأ حتى هممت بأمر سوء، قالوا: ما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأن أدعه.وقال حذيفة: {صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فافتتح سورة البقرة، قلت: يركع عند المائة، فقرأ، قلت: يختمها ثم يركع، فقرأ وافتتح النساء فقرأها فقلت: يختمها فافتتح سورة آل عمران، فقرأها، إذا مر بآية تسبيح سبح، أو آية رحمة سأل أو آية عذاب تعوذ} فهذه صلاته صلى الله عليه وسلم.
عوامل القرب من الله
ومن الأسباب التي تقرب العبد من الله تبارك وتعالى:
 التفكر في آيات الله
ومن الأسباب التي تعين على محبته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: التفكر في آيات الله، قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] فكلما نظرت في شيء دلك على الله.وفي كل شيءٍ له آية تدل على أنه واحدٌ فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد ففي كل لمحة ونظرة وشجرة وفي كل زهرةٍ وجبلٍ، وفي كل تل آية من آيات الله، لكننا لا نتفكر، فكم من آية نمر عليها ولا نعتبر، إلا من وفقه الله في التفكر: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20] فالتفكر من أعظم ما يقودك إلى عبادة الله عز وجل، وهذه عبادة الصالحين الذين يتفكرون في الآيات البينات، ويتفكرون في المخلوقات، وفي عجيب صنع رب الأرض والسماوات، فيعودون بإيمانٍ ويقين، وحبذا لو جعلنا رحلاتنا ونزهاتنا الكثيرة في التفكر في آيات الله، لا يمر الإنسان بالشجرة إلا وكأنها تكلمه وتدله على الله الذي لا إله إلا هو في كل شيء، فهذا عاملٌ كبير ينبغي ألا يفوت المؤمن، ولابد من استصحابه دائماً وأبداً، ومن أحسن ما يتفكر فيه العبد ويتدبر آيات الله الكونية والشرعية.قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا والنحل قل للنحل يا طير البوادي من الذي بالشهد قد حلاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله: كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا فالحمد لله العظيم لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاكا فكل آية تدل على الله عز وجل، فلينتبه لها المسلم.
الأسئــلة

 مشكلة عدم التعاون مع رجال الهيئة
السؤال: أنا أخوكم من الرياض أتيت إلى أبها، ورأيت الشباب هنا غير متعاونين مع رجال الهيئة، ويتهربون منها، فأرجو إرشادهم إلى ذلك؟ الجواب: مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تتوقف عليَّ ولا على هيئة، وإنما الأمة مطالبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواءً توظف العبد أو لم يتوظف، فهي وظيفة من رب العالمين سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17]. فمسألة الأمر بالمعروف لا تتوقف على هيئة وإنما الهيئة أكثر مسئولية؛ لأنها أوكلت كثيراً من الناس عن هذا الشيء، فإذا لم تقم بواجبها وأداء حقها أصبحت أكثر ذنباً ومأثمة ومسألة عند الله عز وجل وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان}. فأدعو إخواني في الله إلى الدعوة في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا منكر، وليكن عندهم حصيلة من العلم الذي ينفعون به الناس، ويستصحبون الإخلاص ليدفع بهم الله ويجعل لهم قبولاً، فإن العمل إذا لم يكن فيه إخلاص لم يجعل الله فيه قبولاً، وليكن غرضهم للدعوة للناس باللين، يقول الله لموسى وقد أرسله إلى شيخ الطغاة المتمرد على الله فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] فباللين وبالحكمة ينفع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.أما التعليق بالهيئة فهذا ليس بصحيح، بل كل إنسان مسئول أن يأمر بقدر جهده وطاقته، والشيطان دخل علينا بأمور، يقول: كيف تتصدر للناس؟ وكيف تدعو ولم تتمكن في العلم؟ حتى أصبح كثير من طلبة العلم، يحملون علماً جماً وكثيراً ولكن ما أنفقوا منه، والعلم إذا لم ينفق منه ذهبت بركته، فكثير من القرى فيها كثير من الدعاة وطلبة العلم العدد الضخم ولكن يشكون من الجهل، وأخذتنا هذه المحاضرات الطنانة الرنانة التي نعرضها على الناس، والناس لا يريدون كثرة علم ولا علم تخصص ولا علم سند، بل يريدون أن يعرض الإسلام سهلاً ميسراً كما عرضه الصحابة.وفي سنن أبي داود عن عبد خير وهو من أول الأحاديث في الطهارة: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه يوم أن وصل إلى الكوفة جمع الناس، فلما اجتمعوا قام فتوضأ أمامهم، ولما انتهى قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فهذا هو العلم، تعليم الناس الوضوء، والغسل من الجنابة، والصلاة والحج، فليس هناك ألغاز ولا أحاجي ولا شؤم مدسوس، فهذه هي الدعوة التي يدعى إليها، وهذا هو العلم الذي يريده الناس، وهو علم ميسرٌ ومسهل، وهذا هو علم السلف، لأن امتياز علم السلف باليسر والأصالة والعمق، وأما هذا العلم، أي: الذي يظهر بكلمات لا أثر لها وإنما تبدي الثقافة وتبدي مدى التعمق في الطلب فهذا ليس بصحيح، وهذا ليس له أثر، يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: [[عليكم بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم أخلص الأمة قلوباً وأبرها، وأصدقها لهجة، وأقلها تكلفاً، وأعمقها علماً]] فالعلم هو علم السلف، علم ميسر مسهل، فهل عزيز علينا أن يقوم أحد من الناس فيتوضأ ثم يقول: هكذا وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يصلي للناس كما في حديث سهل، فيقول هكذا صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!إن العلم سهل ميسر، وإننا نحتاج إلى تبليغه للناس، وإن الشباب بحاجة إلى أن يدعوا ليبارك الله في الجهد، خاصة لأن على منطقتنا لائمة، ومسئولية بسبب كثرة الاصطياف، وكثرة الوافدين، وهؤلاء يأتي فيهم مزيجٌ من أهل الخير، ومن غيرهم ممن يحتاجون إلى توعية، وإنا ندعو إخواننا وشبابنا إلى التعاون ورفع كلمة لا إله إلا الله عز وجل، وإلى التأثير في الناس بالحكمة والموعظة الحسنة عل الله أن يبارك في الجهد وأن يصلح الحال، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عوامل محبة الله للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net