اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من آداب النبوة (4) للشيخ : عائض القرني


من آداب النبوة (4) - (للشيخ : عائض القرني)
تواصلاً مع آداب النبوة, يتكلم الشيخ في هذه المادة عن آداب التبسم والضحك.وإذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم أساساً لهذه المادة, فقد قامت على هذا الأساس فوائد أخرى كثيرة يحتاجها المسلم, كأنواع الضحك, وأنواع البكاء, معرجاً على فضائل بعض الصحابة.وتظل الآداب النبوية هي الينبوع الصافي الذي لا ينضب, تمدُّ البشرية عبر العصور بأروع وأجل الأخلاق التي عرفها التاريخ, ومن شمولها لكل جوانب الحياة أنها تعالج موضوعاً دقيقاً كالضحك والبكاء.
الضحك والبكاء
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.هذا حديث المصطفى صلوا عليه وسلموا هذا الرحيق المجتنى فيه الشفا والبلسم بعد الكتاب هو النجاة فبالهدى فاستعصموا تجد البخاري روضة أما الغدير فـمسلم من كان هذا هديه لا لن تراه جهنم ما نزال مع البخاري رحمه الله في كتاب الأدب، وهو يشنف الأسماع ويثلج الصدور بكتابه, فهو يدبجه تدبيجاً, ويوشحه توشيحاً.يقول: (باب التبسم والضحك) فما هو حد التبسم؟ وما هو حد الضحك؟ وما هو المحمود منه؟ وما هو المذموم؟ وما هو الذي وردت به السنة؟وكأني ببعضكم يقول: حتى الضحك والتبسم لا بد فيه من حلال وحرام، ومن دليل وتعليل؟! فنقول: إنها أمة تتلقى وحياً من فوق سبع سماوات، وإن نبيها صلى الله عليه وسلم يؤدبها في الحركات والسكنات، حتى في الضحك والبكاء، فهي أمة ليست مسيرة من البشر، إنما تُسَيَّر بوحي من السماء.قال: (باب التبسم والضحك) وسوف يورد كلاماً عند هذا، يقول: وقالت فاطمة عليها السلام: [[أسر إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فضحكت]] وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [[إن الله هو أضحك وأبكى]].وقبل هذا اعلموا أن الضحك فيه شيء مذموم وفيه شيء ممدوح، وهو أقسام، والبكاء أقسام، وفيه مذموم وفيه ممدوح.
 الضحك والبكاء من الأمور الجبلية
وقال ابن عباس: [[إن الله هو أضحك وأبكى]] أيُّ إشراقٍ هذا الفهم لـابن عباس! وأي عقلية هذه العقلية الضخمة الكبرى! يستدل على أن الضحك والبكاء من أمر الله الجبلي؛ لأن غلاة الصوفية قالوا: لا تضحك، وإذا ضحكت فاستغفر. وقد ذكر ابن الجوزي وبعض المحدثين أن أحدهم كان محدثاً، ولكنه كان شرس الخلق، لا يتبسم، ولا يضحك، ولا يداعب، فكان عابساً أبداً، فإذا سمع خشخشة الأوراق طوى دفاتره وذهب إلى بيته، فجلس في مجلس، فأتى طالب من الطلاب يريد أن يعطس، والعطاس من أمر الله عز وجل وقضاء منه وقدر، فأراد أن يعطس، فتذكر الشيخ، والشيخ ينزعج من أي شيء، إذا سمع الإبرة قام، وقال لتلاميذه: والله الذي لا إله إلا هو، إن تحرك متحرك منكم لا أسمعكم حديثاً هذا اليوم. فأتاه هذا الطالب فما استطاع فكتم أنفاسه، فتجمع العطاس كله دفعة واحدة فعطس، فقال لزملائه أمام شيخه: أنحن جالسون أمام رب العالمين؟ فضحك الشيخ، وهذه ذكرها ابن الجوزي وغيره.فالمقصود أن بعض الهدي يخالف هديه صلى الله عليه وسلم، ولا يعرض الكلام والبضاعة والسيرة إلا على سيرة محمد صلى الله عليه وسلم.فإذا سمعت عن الإمام أحمد، أو مالك، أو الشافعي، أو أبي حنيفة -على جلالتهم- أي أمر فاعرضه على محمد صلى الله عليه وسلم، فإن وافقه فبها ونعمت، وإن عارض وخالف تركناه.قالت فاطمة: [[أسر إلي النبي صلى الله عليه وسلم فضحكت]] ولم يذكر البكاء؛ لأنه يريد أن يستدل على التبسم والضحك. وقال ابن عباس: [[إن الله هو أضحك وأبكى]] أما يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم:43] فمن الذي خلق الضحك والبكاء إلا الله عز وجل، ولذلك يقول أحد العلماء: في كتابنا علم نفس، علم النفس يذكر الضحك وأسبابه ودوافعه وعلاماته وآثاره، والبكاء وأحواله، لكن الله عز وجل اختصر هذا كله بقوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم:43] فهو الذي يضحك وهو الذي يبكي، لكن الإنسان يقتصر في هذه الأمور على حسب السنة.
ما جاء في ضحك النبي صلى الله عليه وسلم
ثم قال البخاري: حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله..وهو الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، وقصة عجيبة في تاريخ الإسلام، وثوب جديد ما لبس إلى الآن، إذا أردت أن تعرف العالم الحق العابد الزاهد المجاهد الغني المنفق، فهو عبد الله بن المبارك. قال: أخبرنا معمر.. معمر بن راشد اليمني، شيخ عبد الرزاق.. قال: أخبرني الزهري.. علامة الدنيا وحافظها، أملى أربعمائة حديث على الخليفة سليمان بن عبد الملك، فأراد أن يختبره بعد سنة، فقال: ضاعت مني تلك الدفاتر التي فيها الأحاديث فتعال فأملها علي, فأملاها؛ قالوا: فو الله ما خرم حرفاً واحداً، وهي أربعمائة حديث.وكان في جيبه زبيب, فقد كان يأكل زبيباً دائماً؛ لأنه يرى أنه يقوي الذاكرة، والباذنجان يفسد الذاكرة فانتبهوا، لكن نخاف أن نغيظ بعض التجار في الباذنجان، وقد حمل الباذنجان بعض التجار إلى أن وضعوا حديثاً في فضل بيع الباذنجان، وفضل أكله، يقول بعض الكتبة في كتب الموضوعات: إذا أفلست البضاعة ونشبت في حلقه وضع حديثاً عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.أحدهم كان عنده ديك عرضه في كل سوق، كلما أصبح الصباح وهو بهذا الديك يعرضه للباعة ليشتروه، فما اشتراه أحد، وقد أكل عليه الدهر وشرب، فوضع حديثاً في فضل الديك، قال: إن الله عز وجل يبعث الديك يوم القيامة له ريشة من زبرجد، ونونية من المرجان، يسبح الله عز وجل لصاحبه، وبكل شعرة من شعراته حسنة في الجنة. فاشترى المساكين الديك, والوضاعون لهم مذاهب وأصناف، لكن ذكرت هذا من باب التزجية أو الاستطراد.قال: عن عروة.. وهو عروة بن الزبير، ابن حواري الرسول صلى الله عليه وسلم، وأسرة آل الزبير أسرة مجيدة ضاربة في أعماق التاريخ، وعروة عالم عابد زاهد مبتلى، رفع الله درجته، وهو من العلماء الذين ينبغي أن ندرسهم في الفصول، وأن نعرضهم في الحلقات، بدلاً من بعض النماذج التي لا تصلح أن تدرس، النماذج التي أتت من بلاد الغرب والشرق، فهؤلاء يعرضون ليكونوا نماذج تربوية للشباب.
 ضحك النبي من أصحابه بعد حصار الطائف
وعن عبد الله بن عمر، قال: {لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالطائف قال: إنا قافلون غداً إن شاء الله} فقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نبرح حتى نفتحها، أي: لا نسير من هنا حتى نفتح حصون الطائف؛ لأنه حاصر الطائف صلى الله عليه وسلم وطال الحصار، وفي الأخير اضطر بعض جيشه صلى الله عليه وسلم وكتائبه أن تقتحم بعض الأسوار، ولكن لم ينفع، ولم ينزل العدو من الحصون، فقال عليه الصلاة والسلام: {نرتحل غداً إن شاء الله} فقالوا: لا نبرح حتى نفتح حصون الطائف، فقال صلى الله عليه وسلم: {فاغدوا على القتال} أي: قاتلوا غداً، قال: فغدوا فقاتلوا قتالاً شديداً، وكثر فيهم الجراحات، وأصابهم جراح ورمي بالأسهم، وبالنبال، وبالحجارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنا قافلون غداً إن شاء الله} بعد الجراح والرمي؛ فسكتوا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: ذاقوا الأمرين من اليوم الأول، فأصبح أدنى شيء يمكن أن يسيرهم إلى المدينة المنورة.قال الحميدي: حدثنا سفيان بالخبر كله، والحميدي هو: عبد الله بن الزبير شيخ البخاري، ليس الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، وسفيان هنا هو: سفيان بن عيينة، حدثهم بالخبر كله، إنما الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحك من الصحابة، وهذا يسمى ضحك ملاطفة، حيث لاطفهم صلى الله عليه وسلم في ذلك.
رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وحلمه العظيم

 حديث في بيان حلم النبي صلى الله عليه وسلم وصبره
ثم ينتقل بنا البخاري في روضة أخرى، يقول أبو الحسن الندوي وهو يتكلم عن البخاري: يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظرا كلما نظرت في صحيح البخاري نقلك من روضة إلى روضة، فكأنه يعطيك العلم مجاناً وهو الواقع، قال: عن أنس بن مالك قال: {كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه بردٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه -يستخدم جذب وجبذ كذا في العربية- بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء}.وبيان الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمشي في سكة من سكك المدينة وعليه بردٌ، والبرد أشبه شيء بالفرو الغليظ، بردٌ نجراني غليظ الحاشية، أي: حاشيته ليست خفيفة لطيفة، فأتى أعرابي، وانظر ماذا يفعل بالرسول صلى الله عليه وسلم! فاقترب من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاء من البادية، لا عنده أدبٌ، ولا علمٌ، ولا فهمٌ، فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه، ثم جبذه جبذة شديدة، يجبذ معلم الخلق صلى الله عليه وسلم، ثم ليته سكت، أو قال: عفواً أو سامحني، بل قال: أعطني من مال الله الذي عندك، وفي بعض الروايات: لا من مال أبيك ولا من مال أمك.ما هو الداعي لهذا الكلام؟ ولماذا هذا التصرف؟ إنه من قلة معرفة قدره صلى الله عليه وسلم، وإلا لو أتى وسلم وتبسم، وقال: يا رسول الله! أعطني من مال الله، أعطني أعطاك الله؛ لكان خيراً له، لكن ضربٌ ومعاندة وكلام غليظ، ولو كان غير الرسول صلى الله عليه وسلم، لقال: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، لا نراه ولا يرى الشمس أبداً، ولا رئيت إلا بطون أقدامه في الجو.فلما جبذه، التفت إليه فضحك صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما التفت إليه وهو ساكت، التفت إليه وهو يضحك.. أي مرب هذا المربي؟! وأي مرسل هذا المرسل؟! وأي معلم هذا المعلم عليه أفضل الصلاة والسلام؟ إن الذي لا يتعلم من سيرته سوف يبقى حقيراً صغيراً في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولن يكون عنده من الفهم ولا من المعرفة صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [البقرة:19] الأعمى هو الذي لم يتجه إلى سيرته ولا إلى سنته، والأصم هو الذي ما سمع هديه ولا أحاديثه ولا عمل بها؛ فليفهم هذا.قال: فأمر له صلى الله عليه وسلم بعطاء، ولو أنه أدبه، أو أنكر عليه، أو شدد عليه لذهب داعي السوء إلى قومه، وقال: احذروا لا تسلموا، أنا ذهبت إلى هذا الرسول ففعل بي كذا وكذا، ولكن عاد إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا جميعاً.
تبسمه لجرير بن عبد الله رضي الله عنه
وعن جرير قال: [[ما رآني النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسم]] وهو جرير بن عبد الله البجلي، سيد بجيله، قبيلة من قبائل الجنوب، وهو يوسف هذه الأمة، إذ كان من أجمل الناس، حتى كان عمر يخاف عليه العين، يقول: أنت يوسف هذه الأمة، كان ربما غطى وجهه أحياناً خوفاً من العين أو الافتتان، أسلم وهو شاب، ودعا له صلى الله عليه وسلم بالتثبيت، وشارك في حروب القادسية وأخذ سيفه، وقال: يا بجيلة! قاتلوا هذا اليوم، فوالله الذي لا إله إلا هو لا يفر أحدٌ منكم من المعركة إلا قتلته بهذا السيف، فاختاروا أن تموتوا شهداء في المعركة، أو أن تفروا وأقتلكم وقد ارتددتم على أدباركم. فكان الواحد منهم يأتي ويقاتل، ويرى الفيلة مقبلة، وكانت فيلة فارس أحدثت دوياً عجيباً وصراخاً هائلاً في جيش المسلمين، حتى قتلت من قبيلة أسد في لحظات خمسمائة رجل.فيل عظيم أخذ يتعبط في المسلمين، والعرب لا تعرف الفيلة، ولا تربت معها، لا تعرف إلا الخيل والحمير، ليست من سلاحها ولا من منتوجاتها، فكانت أشجع القبائل بجيلة؛ لأن جريراً واقف لهم بالمرصاد، ما يفر بجلي إلا ضربه بالسيف، فيقول شاعرهم، يريد أن يفر، فرأى جريراً واقفاً بالسيف فرجع يقاتل ويقول: لولا جرير هلكت بجيله نعم الفتى وبئست القبيله قال المؤرخون: بل نعم الفتى ونعمت القبيلة، جزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء، وبعد ثلاثة أيام دخلوا في إيوان كسرى، إيوان العمالة والضلالة، الذي عشعش فيه البغي والظلم، فدكدكوه، وأنزلوه، وسحبوه، وأقاموا لا إله إلا الله هناك، فهؤلاء هم القوم.
 حديث في بيان حلم النبي صلى الله عليه وسلم وصبره
ثم ينتقل بنا البخاري في روضة أخرى، يقول أبو الحسن الندوي وهو يتكلم عن البخاري: يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظرا كلما نظرت في صحيح البخاري نقلك من روضة إلى روضة، فكأنه يعطيك العلم مجاناً وهو الواقع، قال: عن أنس بن مالك قال: {كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه بردٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه -يستخدم جذب وجبذ كذا في العربية- بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء}.وبيان الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمشي في سكة من سكك المدينة وعليه بردٌ، والبرد أشبه شيء بالفرو الغليظ، بردٌ نجراني غليظ الحاشية، أي: حاشيته ليست خفيفة لطيفة، فأتى أعرابي، وانظر ماذا يفعل بالرسول صلى الله عليه وسلم! فاقترب من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاء من البادية، لا عنده أدبٌ، ولا علمٌ، ولا فهمٌ، فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه، ثم جبذه جبذة شديدة، يجبذ معلم الخلق صلى الله عليه وسلم، ثم ليته سكت، أو قال: عفواً أو سامحني، بل قال: أعطني من مال الله الذي عندك، وفي بعض الروايات: لا من مال أبيك ولا من مال أمك.ما هو الداعي لهذا الكلام؟ ولماذا هذا التصرف؟ إنه من قلة معرفة قدره صلى الله عليه وسلم، وإلا لو أتى وسلم وتبسم، وقال: يا رسول الله! أعطني من مال الله، أعطني أعطاك الله؛ لكان خيراً له، لكن ضربٌ ومعاندة وكلام غليظ، ولو كان غير الرسول صلى الله عليه وسلم، لقال: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، لا نراه ولا يرى الشمس أبداً، ولا رئيت إلا بطون أقدامه في الجو.فلما جبذه، التفت إليه فضحك صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما التفت إليه وهو ساكت، التفت إليه وهو يضحك.. أي مرب هذا المربي؟! وأي مرسل هذا المرسل؟! وأي معلم هذا المعلم عليه أفضل الصلاة والسلام؟ إن الذي لا يتعلم من سيرته سوف يبقى حقيراً صغيراً في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولن يكون عنده من الفهم ولا من المعرفة صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [البقرة:19] الأعمى هو الذي لم يتجه إلى سيرته ولا إلى سنته، والأصم هو الذي ما سمع هديه ولا أحاديثه ولا عمل بها؛ فليفهم هذا.قال: فأمر له صلى الله عليه وسلم بعطاء، ولو أنه أدبه، أو أنكر عليه، أو شدد عليه لذهب داعي السوء إلى قومه، وقال: احذروا لا تسلموا، أنا ذهبت إلى هذا الرسول ففعل بي كذا وكذا، ولكن عاد إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا جميعاً.
الأسئلة

 الحكمة من قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم على أبي
السؤال: ما الحكمة من قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم سورة البينة على أبي بن كعب؟ وما الغاية منها؟الجواب: الذي أعلمه -والله أعلم- أن من الحكم التي قد تظهر: أن أبي بن كعب سيد القراء، وأنه معتمد في القراءة، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليه القراءة، ليكون معتمداً ومعروفاً ومشهوراً بالقراءة، ولذلك سمي بعدها سيد القراء.الأمر الثاني: أن أبي بن كعب صاحب علم وعنده فهم واعتناء بالقرآن، فالرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يعرض عليه هذا الأمر؛ لأنه من تخصصه ومن سيرته.الأمر الثالث: قد تكون كرامة أكرم الله بها أبياً واختصه من بين الناس، فإن لله عز وجل فضلاً يختص به من يشاء: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة:105]. وفي الختام: أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والرشد والنصر، والإلهام والتسديد، والعون والتأييد، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من آداب النبوة (4) للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net