اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل التبكير إلى الجمعة للشيخ : عائض القرني


فضل التبكير إلى الجمعة - (للشيخ : عائض القرني)
قبل أن يبدأ الشيح حفظه الله بشرح أحد الأحاديث في صحيح البخاري في فضل الجمعة ، بدأ بنبذة تعريفية عن أحد الصحابة وهو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وذكر بعضاً من مناقبه وسيرته، وما الذي يجب علينا تجاه ما حصل بين الصحابة من فتنة.ثم ذكر الحديث وشرح ألفاظه ومعانيه، وأبان ما فيه من مسائل وأحكام وفوائد عجيبة وهامة يحتاجها كل مسلم وبالأخص طالب العلم.
سيرة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،،وإنها لمسيرة طيبة مع الإمام البخاري، وإنه لسفرٌ سعيد إن شاء الله تعالى مع هذا الإمام الحبر الذي نفع الله به الأمة، ورفع كتابه، وجعله من أعظم كتب أهل الإسلام بعد كتاب الله عز وجل، ولا زلنا في كتاب الجمعة من صحيحه، وقبل أن نتكلم عن أبواب هذا الدرس، أو عن القضايا الواردة فيه، يجمل أن نتكلم عن يسر بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا في هذه الليلة، معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه، وما اختير معاوية إلا لأن مبغضيه كثيرون في الأمة، وهم الرافضة من الشيعة، فهم يلعنونه على منابرهم، وفي محاريبهم، وليس هذا بمعتقد أهل السنة والجماعة، فإن معتقد أهل السنة والجماعة أن نترضى عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه منهاج السنة: إن الرافضة ليس لهم حظٌ في الفيء لأن الله ذكر أهل الفيء فقال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] فمن أراد الله والدار الآخرة، فليعتقد اعتقاد أهل السنة والجماعة.
 مناقب معاوية رضي الله عنه
أسلم مع أبيه، وأخذه صلى الله عليه وسلم كاتباً من كُتَّاب الوحي، وانظر كيف استأمنه صلى الله عليه وسلم ليكتب وحي السماء نزل من عند الله تبارك وتعالى، فهو من الكتبة، ومن أصهاره صلى الله عليه وسلم، فقد تزوج أخته رملة، فهو خالنا، وخال كل مؤمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فحيا به من خالٍ بار، ومن كاتب للوحي أمينِ.يقول ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم: {ادع لي معاوية فقد نزل عليَّ شيء من الوحي يكتب لي، فذهب أحدهم فأتى فإذا بـمعاوية يأكل في بيته، فدعاه، قال: تعال فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوك، قال: إني ما انتهيت من أكلي، فعاد فصبر صلى الله عليه وسلم قليلاً، فرد الرسول ثانيةً، فقال معاوية: ما انتهيت من غدائي، فصبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فرده ثالثة، فلما أخبر الرسول قال صلى الله عليه وسلم: لماذا لا يأتي؟ لا أشبع الله بطنه} وهذه من مناقبه. قال ابن كثير هذا منقبة وليست مثلبة كما تقول الرافضة، بل هي منقبة كبرى، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال من على المنبر: {اللهم ما من عبدٍ مسلمٍ سببته، أو شتمته، أو ضربته فاجعلها كفارة له ورحمةً عندك} فهي له رحمة وكفارة عند الله عز وجل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليه، وبالفعل وقع ما دعا عليه صلى الله عليه وسلم فكان لا يشبع أبداً، يقول: إني أجزم لنفسي أنني آكل ولا أشبع، ولكنني أعلل نفسي حتى يأتي الموت.سافر مع الرسول صلى الله عليه وسلم -وكان من دهاة العرب ودهاة العرب في كتب التاريخ أربعة: معاوية، وزياد ابن أبيه، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة - فلما سافر مع الرسول عليه الصلاة والسلام، طلب صلى الله عليه وسلم منه مقراضاً يقرض ويقلم أظفاره صلى الله عليه وسلم، فقلم أظفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقصٍ عنده، فكان له الشرف أن يقلم أظفار الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهذه في سير أعلام النبلاء وفي كتب التواريخ، فلما انتهى من تقليم أظافر المصطفى صلى الله عليه وسلم جمعها وحفظها، وجعلها في مكانٍ عنده طيلة حياته، فلما تولى الخلافة أغلق عليها في صندوقٍ محكم، ولما أتته الوفاة واليقين نزل من على سرير الملك رضي الله عنه وأرضاه، وبكى طويلاً، وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم قال لمن اقترب منه من وزرائه: ما عندي كلمة أحاج لنفسي بها عند الله إلا: لا إله إلا الله، فإذا أنا مت فعليكم بهذا الديوان فافتحوه وخذوا أظفار رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعوها في أنفي وفي عيني لعل الله يرحمني بها، وبالفعل -وهذا من محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم- وضعوها في أنفه وعينيه.يقول ضرار بن الحارث الصدائي أحد أهل العراق من جيش علي بن أبي طالب: دخلت على معاوية وهو خليفة بعدما قتل أبو الحسن رضي الله عنه وأرضاه، فعرف إني من جيش علي فقال: يا ضرار! حدثني عن علي بن أبي طالب، قال: فتحرجت أن أحدثه لأنهما تقاتلا، فقلت: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: عزمت عليك إلا حدثتني عن علي فإني أحب الحديث عنه، قال ضرار: أما إن سألتني يا أمير المؤمنين فوالله! لقد صاحبت علياً فوجدته عابداً عالماً زاهداً، والله لقد رأيته في الليل الدامس -أي المظلم- يقبض على لحيته بيديه وهو يقول: يا دنيا يا دنية طلقتك ثلاثاً، زادك حقير، وعمرك قصير، وسفرك طويل، آه من قلة الزادِ وبعد السفر ولقاء الموت، فبكى معاوية حتى تغير على جلسائه وسالت بالدموع لحيته، ثم قال: رحم الله أبا الحسن، ثم قال: صدق الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].وقال شفيٌ الأصبحي: {دخلت على معاوية رضي الله عنه وهو على سرير الملك فقال: حدثني يا شفي! حديثاً يلذ لي ويطيب، قلت: حدثني أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ماذا حدثك؟ قلت: قال لي: أول من تسعر بهم النار ثلاثة، بعالمٍ، وجوادٍ، وشجاع، يؤتى بالعالم -نعوذ بالله من ذلك المنافق- فيقول الله له: أما علمتك العلم؟ قال: بلى. قال: أما لقنتك الحكمة؟ قال: بلى، قال: أما فقهتك في الدين؟ قال: بلى، قال: فماذا فعلت؟ والله أعلم به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال: تعلمت وعلمت فيك الجاهل، قال: كذبت! وتقول الملائكة: كذبت! ثم يقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم، وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه حتى يلقى في النار، -نسأل الله العافية والنجاة- ثم يؤتى بالجواد، فيقول الله: ألم أربعك؟ ألم أسودك؟ ألم أخولك مالاً؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا فعلت؟ والله أعلم به، قال: أنفقته في سبيلك، وأطعمت الجائع وكسوت العاري، وآتيت المسكين، فيقول الله: كذبت! وتقول الملائكة: كذبت! ثم يقول الله: إنما فعلت ليقال جواد، وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يرمى في النار، ثم يؤتى بالشجاع فيفعل به كما فعل بالاثنين، فلما سمع معاوية الحديث نزل من على سريره وبكى ورفع البساط ومرغ وجهه بالتراب وهو يبكي ويقول: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]}.ومن مدائحه في السنة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له كما صح في ذلك الحديث: {اللهم علمه الحساب وقه العذاب} فهو مدعوٌ له بأن يقيه ربه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عذابه يوم يبعث الله الأولين والآخرين.أيضاً جاء في حديث أم حرام بنت ملحان أن الجيش الذين يركبون ثبج البحر مغفور لهم، وكان هو قائد هذا الجيش، قالت أم حرام بنت ملحان هي امرأة واسمها أم حرام وهذا الحديث في المغازي كما في صحيح البخاري، قالت: {دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهي عجوز والرسول صلى الله عليه وسلم كان يزور العجائز والأطفال والمساكين- فدخل عليها صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام قالت: فلما جلس صلى الله عليه وسلم نام على فراشٍ عندي، قال: فأخذ صلى الله عليه وسلم عرقه يتصبب من جبينه الطاهر، وكان إذا نام صلى الله عليه وسلم أخذ عرقه يتدفق -وهذه من خصائصه أن عرقه في الشتاء وفي الصيف يتدفق بكثرة كأنه الدر أو كأنه الجمان، أو كأنه اللؤلؤ المنظوم- قالت: فأخذت قارورة وأخذت أسلت عرقه وأضعه في هذه القارورة، فوالله إنه لأحسن رائحة من المسك الأذفر، ووالله لقد بقي في بيتنا -تقول أم حرام - فترة طويلة، كلما مرض مريض أخذت قطرة من هذا العرق فوضعته في ماء وغسلت المريض فشفي بإذن الله} وكانت رائحة بيتها تفوح في المدينة وتتضوع.أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره كما المسك ما كررته يتضوع رقاق النعال طيباً حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب قالت: {ثم نام صلى الله عليه وسلم فاستيقظ في تلك النومة وهو يضحك، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك! قال: أضحك أنني رأيت قوماً من أمتي يركبون ثبج البحر كالملوك على الأسرة}. هو في المدينة معه ثلة من الناس والدين لم ينتشر ففرح صلى الله عليه وسلم أن يرى الأمة المكبرة، المهللة، الموحدة وهي تفتح بلاد الله، ويراهم يعبرون البحار، ينشرون لا إله إلا الله في أصقاع الأرض، فقالت أم حرام: {يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنتِ منهم، ثم نام صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو يضحك ثانيةً، فقالت: قلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟ أضحك الله سنك! قال: رأيت قوماً من أمتي غزاةً في سبيل الله، قالت: ادع الله أن يجعلني منهم -تريد هذا كذلك- فقال: أنتِ من الأولين} لأنها سوف تستشهد أو تموت فلا يمكن أن تتكرر، وقد وقع هذا، فكان معاوية بن أبي سفيان قائد هذا الجيش وهذه الكتائب التي عبرت على موج البحر تؤدي رسالة الله في الأرض.كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا فلما خرجت مع معاوية رضي الله عنه وعنها وكانت هي زوجة عبادة بن الصامت، فخرجت مع الجيش لغزو القسطنطينية ثم عادوا، فتوفيت وهي في السفينة، ودفنت هناك.ففرح صلى الله عليه وسلم بالمنام الذي قائده معاوية رضي الله عنه وأرضاه.ومع أنه كان داهيةً من دهاة الناس، لكنه ضرب أروع الأمثلة في الأناه والحلم، وكان يصفح ويكظم غيظه، ولا يؤاخذ بالزلة، بل يعفو ويتجاوز، تولى أمر الأمة رضي الله عنه وأرضاه فكان سديد الرأي، طيب السيرة، دخل عليه الأحنف بن قيس التميمي، سيد بني تميم فلما دخل عليه قال له معاوية: أنسيت يا أحنف! يوم الجمل ويوم صفين -يعني مع علي - فقال الأحنف وكان رجلاً شجاعاً: يا معاوية! إن السيوف التي قاتلناك بها في أغمادها في بيوتنا، وإن القلوب التي أبغضناك بها في صدورنا فإن عدت عدنا، فاحمر وجهه وسكت، فلما دخل إيوانه قالت ابنته: يا أبتاه! من هذا الأعرابي الجلف الذي يكلمك بهذا الكلام الغليظ وأنت لا ترد عليه؟ قال: هذا الأحنف بن قيس، هذا الذي إذا غضب غضب معه عشرة ألف سيف من بني تميم، لا يسألونه فيما غضب، وإنما يقولون: غضبت زبراء، وزبراء جارية للأحنف، فيسمون الأحنف زبراء، فيقول: لو أنني أغضبته سوف يغضب معه عشرة ألف سيف.والأحنف بن قيس كان من أجود وأحلم العرب، مع أنه كان هزيلاً أحنفاً يمشي على رجلٍ واحدة مهلهل الشعر، لكن كله عقلٌ وحكمة وذكاء ودهاء، فـمعاوية صفح عنه وكظم غيظه.في يوم من الأيام، قال وهو يتمازح مع عمرو بن العاص: أيُّنا الأدهى أنا أم أنت؟ فقال عمرو بن العاص: أنا أدهى منك، قال: ولمَ؟ قال: أخرج من عندك في المجلس، فقال معاوية: اخرجوا، فخرجوا، فقال عمرو: ادنُ مني أحدثك، فاقترب منه معاوية، فقال عمرو: وهل معنا أحد حتى تدنو مني!وهذه القصة مذكورة في عيون الأخبار وفي غيره.
حديث عظيم في فضل الجمعة
يقول البخاري رحمه الله: باب فضل الجمعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) وفي هذا الحديث عدة مسائل:
 العلاقة بين التبكير والجلوس في الصف الأول
وهنا ملاحظة مهمة يكثر الاستفسار عنها، وهي أنه ليس مقصود التبكير هنا الجلوس في الصف الأول، وأجر الصف الأول فيه أحاديث أخرى في فضله: لكن مقصود التبكير هنا أن يحرص الإنسان على الفضل، فإنه قد يأتي في ساعة متقدمة فيكون في الصف الثالث لامتلاء الصفين الأولين وذلك لحرص الناس على التبكير، وقد يأتي في الساعة الخامسة ويصلي في الصف الأول، كما في بعض القرى حيث يدخلون مع دخول الخطيب، فهذا من تكاسلهم وبعدهم عن السنة، فهذا يختلف باختلاف الناس، إنما المقصود من الحديث الحرص على التبكير، لا الحرص على الصف الأول.ومن الأدلة أيضاً التي استدل بها الإمام مالك على أن الرواح بعد الزوال قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] لكنه لا يقتضي أن يكون السعي بعد النداء، لأن الله عز وجل في آياتٍ كثيرة قدم الطلب على العمل،كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98] وليس معنى الآية أنه إذا قرأ خمس آيات فإنه يختمها بـأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال أهل العلم: المعنى إذا أردت أن تقرأ فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فحمل الجمهور الآية أي تعالوا واقبلوا حتى تسمعوا نداء الله عز وجل، أو تبقى الآية على عمومها، ولكن معناها ألا تشتغلوا بتجارة إذا سمعتم نداءها وهذا للمتخلفين، أي: هذا هو الحد الأدنى، وهو خاص بالمنشغلين أما أن يبقى الناس إلى الساعة الأخيرة ثم يقول لهم إذا سمعتم النداء فتعالوا فليس كذلك. ثم العمل يفسر النص، فإن الصحابة كانوا يبادرون من الساعة الأولى، وما كانوا ينتظرون النداء، بل قال ابن القيم في زاد المعاد: إن الناس كانوا يجتمعون في عهده صلى الله عليه وسلم، فإذا دخل عليه الصلاة والسلام أذن بلال.والمقصود أنه يؤذن وهم موجودون، أما أن يبقوا ثم يأتوا بعد الأذان فهذا ليس بمعروف، والإمام مالك استدل بهذه الآية كما بينا، لكن أكثر استدلاله باللغة (من راح).
مسائل هامة في أحكام يوم الجمعة

 ساعة الاستجابة وحكم الصلاة بعد العصر
هنا أيضاً مسألة يستشكلها كثير من طلبة العلم وهي على القول بأن ساعة الاستجابة تكون بعد العصر، فكيف نجمع بينها وبين الحديث الذي رواه أبو هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {هي آخر ساعةٍ من يوم الجمعة، ما من مسلمٍ قائمٍ يصلي يدعو الله عز وجل إلا...} فكيف يصلي في تلك الساعة؟! وهذا استشكل على أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وذهب إلى عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه، وأخبره الخبر، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من ساعات الجمعة، وهي بعد العصر، فقال له أبو هريرة فكيف يقول صلى الله عليه وسلم: يصلي، وقد منعنا من الصلاة في هذا الوقت، قال: أما علمت أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من كان ينتظر الصلاة فهو في صلاة} وهذا الحديث رواه أبو هريرة، لكن ما استطاع أن يتذكر هذا الحديث في هذه القضية.فمعنى ذلك أنه إذا انتظر صلاة المغرب وكان يدعو فهو في صلاة، لكن من دخل بعد صلاة العصر، من يوم الجمعة وكان قصده الدعاء والاستغفار فله أن يصلي ركعتين تحية المسجد لحديث أبي قتادة في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: {من دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} فهذا عامٌ وهي من ذوات الأسباب التي تصلى في أوقات النهي فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، ولكن إن دخل بقصد التنفل فلا يصلي، لأنه يقول صلى الله عليه وسلم: {لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها بصلاة} فهذا كأنه متحرٍ؛ لأنه دخل ليصلي، لكن دخل يدعو الله، ويستغفر ويقرأ القرآن، أو دخل ينتظر صلاة المغرب فعليه أن يصلي ركعتين، وينتظر صلاة المغرب وذلك مع تحية المسجد التي هي من ذوات الأسباب، وهذا كله إذا كان في المسجد، أما في بيته فلا يصلي شيئاً، لأن الحديث علق صلاة الركعتين بدخول المسجد والجلوس فيه، فهو خاص به.وأما بالنسبة لساعة الإجابة فإنها ليست خاصة بمن في المسجد، بل أجرها يكون حتى لمن كان في البيت أو في أي مكان.ولتوضيح هذه المسألة أكثر، أقول: جاء في حديث أبي هريرة الصحيح قال: قال صلى الله عليه وسلم: {لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس} وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: {شهد عندي رجالٌ مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس} وبالمقابل يقول صلى الله عليه وسلم: {من دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} فذاك عام، وهذا خاص، فإن من دخل المسجد عليه ركعتان تحية المسجد، أما العام فإنه لا يصلي الإنسان لا في المسجد، ولا في غيره لقصد الصلاة، بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، فلا يجوز له أن يصلي بقصد الصلاة، فإذا تحرى الصلاة فإنه لا يجوز له ذلك، أما حديث أبي قتادة فإنه على الخصوص من ذوات الأسباب دخل، فتحية المسجد وردت، وإلا فلو لم يصل لكان هناك أمر منه صلى الله عليه وسلم أن يصلي وكان هناك نهي ألا يصلي، فماذا يفعل؟ ولذلك كثير من المالكية كما قال القاضي عياض لا يصلي بعد العصر ولا يصلي بعد الفجر سواءً دخل المسجد أم لم يدخل، والصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم أن عليه أن يصلي ركعتين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالركعتين، وقال: من دخل المسجد، وهذا عام ولم يستثنِ وقتاً من الأوقات، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، ثم إن هناك دليلاً آخر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة، والناس يستمعون لخطبته فدخل: سليك الغطفاني وجلس، لأن استماع الخطبة واجب، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: {أصليت؟ -فقطع الخطبة، والخطبة لا تقطع إلا لأمرٍ مهم وما يقيمه إلا لواجب- قال: أصليت ركعتين؟ قال: لا. قال: فقم فصلِّ ركعتين وأوجز فيهما} فاقتضى أن ركعتي تحية المسجد تجب على الداخل، ولا يجلس حتى يصلي ركعتين.ولعل البعض قد يشكل عليه أمر، وهو أن الأمر هل يدل على الوجوب أم على الندب؟أقول: إن أمره صلى الله عليه وسلم أول ما ينصرف إلى الوجوب، لكن قد تأتي قرائن في الأمر تصرفه إلى غير الوجوب، كقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31] فليس معناه وجوب الأكل والشرب، فهذا أمر، فقد ينصرف بالقرائن وسياق الكلام إلى الندب، لكن الأمر المجرد أول ما يطلق على الصحيح، فإنه يتجه إلى الوجوب، ولكن هناك سياقات مثل قوله صلى الله عليه وسلم: {استاكوا ولا تبقوا قلحاً} فهذا أمر، والذي صرفه عن الوجوب حديث: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء} إذاً مخافة المشقة لم يأمرهم صلى الله عليه وسلم، فليس كل أمر يطلق يدل على الوجوب، فقد يكون للندب. وبمناسبة الكلام عن ساعة الاستجابة ليوم الجمعة، هناك أيضاً ساعة الاستجابة في الليل، فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {ينـزل ربنا في الثلث الأخير من الليل} وفي لفظٍ آخر: {حين يبقى من الليل ثلثه، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له، هل من مستغفرٍ فأغفر له، هل من سائل فأعطيه} قال أهل العلم: الثلث الأخير أي: يقسم الليل إلى ثلاثة أثلاث، وكأن مدته ساعة أو ساعتين قبل الفجر، فإذا أتى ثلث الليل الآخر نزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى نزولاً يليق بجلاله، ولا نكيفه ولا نمثله، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق؛ أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل التبكير إلى الجمعة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net