اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , النفوس التي هاجرت إلى الله للشيخ : عائض القرني


النفوس التي هاجرت إلى الله - (للشيخ : عائض القرني)
استعرض الشيخ وفقه الله سيرة معركة أحد مجلياً فيها بعض المواقف البطولية التي أبرزت بجلاء شجاعة الصحابة الكرام وإقدامهم وتضحيتهم، وحبهم وفدائهم للرسول صلى الله عليه وسلم.ومستخلصاً في نهاية درسه نتفاً من الفوائد المستنبطة من تلك الغزوة.
معركة أحد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.صلى الله على النعمة المهداة، والعطية المسداة، أفصح من نطق بالضاد، ورفع علم العباد.صلى الله على باني دولة الإسلام، وهادم دولة الأصنام، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد:فإننا في هذا الدرس سوف نعرض بإذن الله موقعة أحد، حيث المهُج التي سافرت إلى الله، والأرواح التي هاجرت إلى الحي القيوم، حيث المواقف الخالدة التي لا تنسى أبد الدهر، حيث البيعة المجيدة التي بايع فيها المهاجرون والأنصار ربهم تبارك وتعالى، فما نكصوا وما تأخروا، ويشترك القرآن مع الحديث النبوي في هذه الموقعة لينتقل القرآن بنا إلى معركة أحد، يصور لنا المعركة والقتل في سبيل الله والشهادة والثبات، ثم ثمرة النصر أو الهزيمة.ولنكن ونستمع إلى الإمام البخاري وهو يصل إلى كتاب الغزوات، ويواصل مسيره في نقل الأحداث بأسانيد كنجوم السماء.من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري يقول رحمه الله تعالى في كتاب المغازي: باب غزوة أحد، ثم ساق بسنده إلى البراء بن عازب رضي الله عنه وأرضاه قال: (لما حضرنا معركة أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر على الرماة رجلاً من أصحابه -اسمه عبد الله- قال: فلما بدأنا المعركة فر المشركون، حتى إني لأرى خدم سوق نسائهم يصعدن في الجبل، قال: فلما رأى الرماة هذا الفرار؛ نزلوا إلى الغنائم، وقد خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت الهزيمة، فالتجأنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدناه جالساً ومعه أبو بكر وعمر، وإذا بـأبي سفيان ينادي: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلم يجبه أحد، فقال: أين أبو بكر؟ فلم يجبه أحد، فقال: أين عمر؟ فلم يجبه أحد، قال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم -أو فقدتموهم كما في بعض الروايات- فقام عمر لما آنس هذه الغضبة لله عز وجل في نفسه فقال: لا والله لقد أبقى لك الله ما يسوءك يا عدو الله، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وأنا عمر، فقال أبو سفيان: اعل هبل -وهبل صنم لهم يعبدونه من دون الله- فقال عليه الصلاة والسلام: ردوا عليه، فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل.فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم -يعني هناك صنم آخر اسمه العزى وليس لكم عزى- فقال صلى الله عليه وسلم: ردوا عليه، قالوا: وماذا نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم فقالوها، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والحرب سجال، فقال صلى الله عليه وسلم -أو قال بعض أصحابه-: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) أو كما قال البراء والله أعلم.والقرآن ينتقل بنا في سورة آل عمران من الآية العشرين والمائة إلى قبل أواخر السورة ليعرض لنا تلك المشاهد الحية، ومعركة أحد تصل إلى روح المؤمن وتلامس قلبه، وتحدث شغاف روحه، وهي معركة حية في ضمير الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،وفيها صور عجيبة، ومن يقرأ أواخر سورة آل عمران بتدبر؛ يجد العجب العجاب.يقول الله عز وجل وهو يتحدث عن تلك الأحداث والوقائع للرسول عليه الصلاة والسلام: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:121-122] ثم يقول جل ذكره: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:123-128] وهذه ست آيات من أربعين آية أو ما يقارب الخمسين تتحدث عن معركة أحد.
 خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أحد
ثم قام صلى الله عليه وسلم فاستنفر الناس، وسأل عن أقرب طريق يخرج منها من المسجد النبوي الشريف إلى جبل أحد -وكلكم يعرف جبل أحد - وأراد صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً أقرب ما بين نقطتين ليختصر الوقت، وليناجز أعداء الله في مكانهم الذي نزلوا فيه، ثم خرج عليه الصلاة والسلام واقتحم مزارع رجال هناك؛ لأن الطرق سوف تبعدهم وسوف تشتت الكتائب والجيش، ففتحت له مزرعة من النخيل لرجل من المنافقين أعمى القلب والبصر، يدعي الإسلام ظاهراً ولكنه منافق.دخل عليه الصلاة والسلام مزرعته، ودخلت الجيوش بعده من الصحابة، وقوامهم ألف مقاتل، فلما رأى الرجل ذاك قال: يا محمد! -ينادي الرسول صلى الله عليه وسلم- لا تدخل مزرعتي؛ فإني لا أبيح لك ذلك، ثم أخذ حفنة من التراب، وقال: والله لو كنت أعلم أنها لا تصيب إلا وجه الرسول صلى الله عليه وسلم لرميت بها وجهه، فغضب الصحابة وتقدم إليه رجل من الأنصار بقوسه فضربه حتى أدماه، وأراد الآخر أن يقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: اتركوه، هذا رجل أعمى الله قلبه وأعمى بصره.ووصل صلى الله عليه وسلم إلى جبل الرماة، ولكن في الطريق أتى النفاق العائر، وأتى الفشل والهزيمة في قلوب الذين ما أخلصوا وصدقوا مع الله، والذي لا يصدق في أيام الرخاء لا يصدق في أيام الشدة، فانعزل عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة مقاتل، أي: بثلث الجيش، فقد كانوا ألفاً، فظل يوسوس لهم كالشيطان ويمنيهم، ويقول: خالفوا رأيي وخرجوا من المدينة، والرأي أن نقاتل في المدينة، ولو أطاعوني ما خرجوا، فاستمع له بعض الناس، وقد قال تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة:47].وكادت فئتان اثنتان هما بني سلمة وقبيلة بني حارثة أن تسمعا وتفشلا، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [آل عمران:122] همت كتيبتان أن تتراجعا من المعركة: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا [آل عمران:122] فالله هو الذي عصم وسلم، قال جابر وكان من بني سلمه: نزلت هذه الآية فينا، وما أحب أنها لم تكن نـزلت لأن الله يقول فينا: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122].كادوا يستمعون لكلام هذا المجرم الآثم، وكادوا يعودون من الطريق إلى المدينة ولكن الله سلَّم وعصم، فتوجهوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام، ونزل عليه الصلاة والسلام عند جبل الرماة وأسند ظهره، ورأى كفار قريش تمور في وجوههم الضلالة وتغلي قلوبهم بالبغي، وكانوا تعاقدوا وتعاهدوا ألا يفروا في المعركة أبداً.وأتى أبو سفيان قبل المعركة -وهو قائد نحرير نسأل الله أن يغفر له ذنوبه فقد أسلم- وكانت الراية عند بني عبد الدار، وهم أسرة مجيدة عندهم مفاتيح الكعبة، وعندهم اللواء دائماً، فإذا كانت معركة مع قريش سلموا لهم الراية، فأراد أن يحمسهم على المعركة، ويضريهم على القتال، فقال: يا بني عبد الدار! أعطونا اللواء، قالوا: ولم؟ قال: لأنكم أخذتم اللواء يوم بدر فهزمنا، فاليوم نخاف أن نهزم، فسلموا لنا اللواء، فهموا أن يقتلوه فحال بينهم الناس،وقالوا: كيف نسلم إليك اللواء؟ لأنهم ورثوه كابراً عن كابر.فوقفوا هناك، ونزل عليه الصلاة والسلام ورأى أن ذاك الرجل الداهية والعسكري الفارِه أبو سفيان قد غلب على المكان، وهو مخطط جهبذ علمته التجارب، فأخذ جبل أحد وهو الجبل الذي يضرب به صلى الله عليه وسلم الأمثال في الحديث، ويقول: مثل جبل أحد، ويقول: {جبل أحد جبل يحبنا ونحبه} فأخذ أبو سفيان الجبل وراء ظهره ليحمي ظهره وظهر الجيش، وسبق إلى المكان، فتلفت صلى الله عليه وسلم فلم يجد إلا الصحراء وراءه، وفي الأخير وجد الجبل الصغير جبل الرماة، فتمركز فيه صلى الله عليه وسلم، واختار خمسين مقاتلاً من أصحابه، وقال: أميركم عبد الله بن جبير، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل إذا رأيتموهم اقتربوا، ولو رأيتم الطير تتخطفنا فلا تنـزلوا من الجبل أبداً حتى نهاية المعركة، هذا رأيه صلى الله عليه وسلم، وهو من أحسن الآراء.وأتى عبد الله بن جبير فلبس أكفانه لأنه صدق مع الله، وهو أمير الخمسين ووقف على رأس الجبل، وأتى صلى الله عليه وسلم قبل المعركة فسل سيفاً بيده، وقال: {من يأخذ هذا؟ -هذه جائزة المعركة، وهذه هي المباراة العظيمة التي تمتحن فيها القلوب والأرواح إلى الله عز وجل- فكل الأيادي امتدت إلى أخذ السيف، فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأحجمت الأيادي لأن الحق صعب، وهم لا يدرون ما تحت هذه الكلمة، فقال أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به أعداء الله حتى ينحني، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إياه ثم أخرج لفافة حمراء فلف بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت} ومعنى هذه العصابة: خطر ممنوع الاقتراب، أي: أن هذا هو الموت فمن أراد أن يقترب فهذا الموت أحمر.فأخذها ثم أخذ يتبختر ويمشي أمام صفوف القرشيين، وقد آتاه الله بسطة في الجسم، فقد كان كالأسد. فجرد حسامك من غمده فليس له اليوم أن يغمدا ثم أخذ يختال أمام الكفار كأنه يقول: من كان في رأسه حب لم يطحن فسوف أطحنه هذا اليوم، ثم اقترب رضي الله عنه وهو ينشد ويزمجر بنداء الموت ويقول:أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم اليوم في الكيول أضرب بسيف الله والرسول يقول: أنا الذي عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أقف في آخر الصفوف، عاهدته بين النخل، وسوف أضرب بسيف الله وسيف الرسول، وسوف ترون ماذا أصنع، قال الزبير بن العوام: فتتبعته أنظر ماذا سوف يفعل؟ فوالله لقد رأيته يضرب بها هام الأعداء فينزلها في الأرض.فعليه فصل الرءوس وعلى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يقسم التركة.. يعطي الجدة السدس، ويعطي البنت النصف.
مواقف بطولية لبعض الصحابة
نشبت المعركة في أحد واستمر حزب الله وأولياؤه يتقربون، ولكل واحد من الصحابة المشاهير موقف في المعركة:
 تكفين الشهداء ودفنهم
وانتهت المعركة ومر الرسول صلى الله عليه وسلم، والتفت فوجد الشهداء صرعى، وكأن لسان حالهم يقول: إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكمُ ألمُ فوقف صلى الله عليه وسلم وألقى كلمته الخالدة ومنها: {أنا شهيد عليكم يوم القيامة أنكم شهداء} ثم أمر بهم أن يكفنوا في ثيابهم وألا يغسلوا وأن يدفنوا، ولم يصلِّ عليهم صلى الله عليه وسلم، فأتوا يكفنون مصعباً، فما وجدوا إلا نمرة -قطعة قماش ثوب صغير- إذا غطوا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطوا بها رأسه وأن يجعلوا على رجليه من الإذخر، لكنه سيجلس إن شاء الله على أرائك عند الملك سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وعلى فرش من إستبرق، وفي خير عميم عند الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من نور وحبور.وأتوا إلى حمزة فوجدوه ممثلاً به، فما وجدوا ما يغطوه إلا شيئاً يسيراً؛ لأنهم تركوا الدنيا وأعرضوا عنها وطلبوا ما عند الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الإبل قد توجهت بالشهداء إلى المدينة، فنادى: {ردوا الشهداء وادفنوهم في مصارعهم فإنها تشهد لهم} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فنادوا في الجمال وقد أوشكت تدخل المدينة، وعادت محملة والأسى واللوعة يعلو قلوب كثير من الناس، والبكاء يرتفع، والرسول صلى الله عليه وسلم يهدئ من روع الناس، ويدخل السكينة بكلماته الباردة على القلوب، فعادوا فدفنوهم في أماكنهم، ودفنوا حمزة هناك ومعه بقية السبعين. قال جابر: دفن مع آخر فلم تطب نفسي بذلك، فنقلته بعد ست وأربعين سنة، فوالله ما تغير منه شيء إلا شيئاً في أذنه من طين، من خرم جرح في أذنه من المعركة قال: فحملته وما تغير منه شيء وإن ريحه ريح المسك، بعد ست وأربعين سنة، وأنزلوا في منازلهم رضي الله عنهم.أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عاد متوجهاً إلى المدينة عليه السكينة والوقار؛ قال تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:165-166] توجه عليه الصلاة والسلام وسمع البكاء في بعض دور الأنصار، ولكنه لم يجد من يبكي على حمزة، فقال: {لكن حمزة لا بواكي له} فتأثر الأنصار وأرادوا أن يشاركوا الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في البكاء على قريبه وعمه.وإن أولى الموالي أن تواليه عند السرور الذي واساك في الحزن إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن فأمر سعد بن معاذ نساء بني عبد الأشهل أن يبكين على حمزة.
بعض الفوائد من غزوة أحد
ولقد تكلم سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن أحداث المعركة، وعن الذين تخلفوا عنها، وعمن استشهد في المعركة.وسوف نأخذ من هذه الغزوة ومن هذا الدرس فوائد:
 النعاس في الخوف والحرب نعمة
ومنها: أن النعاس في الخوف والحرب نعمة، وفي الصلاة ومجالس الذكر غفلة، ففي معركة أحد لما أراد الله أن يمن على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة، أصابهم نعاس حتى سقط سيف أبي طلحة من يده كما قال أنس قال تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال:11] أي: سكينة وهدوءاً، وراحة لقلوبكم، فهو في الخوف والحرب أمنةٌ وهدوءٌ من الله، ولكنه في الصلاة وفي مجالس الذكر من الشيطان.ومن تمام ثبات قلب المؤمن أن ينعس في المعركة، ومشاهير الشجعان في الإسلام كانوا ينعسون وسط المعركة علامة على قوة قلوبهم، وقد ذكر ابن كثير عن شبيب بن يزيد الخارجي البطل الكبير وهو من قوادهم ما سمع بأشجع منه بعد الصحابة، يقول ابن كثير في البداية والنهاية: كان في ستين رجلاً يلقى ثلاثة آلاف فيهزمهم، وكان ينعس قبيل المعركة على بغلته، وهذا من شجاعة قلبه ومن حماسته ينعس والصفوف أمامه، حتى إن زوجته واسمها غزالة، دخلت الكوفة، فأرهبت الكوفة كلها، والحجاج كان أمير الكوفة في عهدها، فلما دخلت من باب الكوفة الشرقي خرج هو من الغربي، فدخلت بعمود في يديها تضرب باب الإمارة وتقول للحجاج: اخرج يا عدو الله، ثم ارتقت المنبر منبر الجامع، فخطبت خطبة، فيقول أحد المسلمين للحجاج: يا ذليل تقتل علماء المسلمين وتقتل ضعفاء المسلمين، ولما أتت غزالة الخارجية هربت منها.أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى أم كان قلبك في جناحي طائر ونسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لنا ولكم الهداية، ونسأله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يتولانا في الدارين، وأن يفقهنا في دينه، وأن يسدد خطانا.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , النفوس التي هاجرت إلى الله للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net