اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حياة شيخ الإسلام ابن تيمية للشيخ : عائض القرني


حياة شيخ الإسلام ابن تيمية - (للشيخ : عائض القرني)
لقد أخرج الله لهذه الأمة رجالاً يجددون لهذه الأمة أمر دينها، فينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية.والمتأمل في سيرته في مجال الدعوة، والعلم والتأليف، والتدريس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ومحاربة البدع، يعجب أشد العجب من هذه الشخصية الفذة كيف جمعت تلك الأوصاف.
ثلاثة أمور مهمة تتعلق بالعلم والدعوة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أيها الجمع المبارك الكريم: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. سلام الله عليكم يوم اجتمعتم على ذكر الله.. وسلام الله عليكم يوم تعلقت قلوبكم لمرضاة الله.. وسلام الله عليكم يوم أتيتم لتسمعون دعاة الله، وتراجم أئمة هذا الدين الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.معنا اليوم إمام عملاق، وجهبذ قدير، وعظيم في هذا الدين.. معنا مجدد من المجددين، وزاهد من الزاهدين، وعابد من العابدين، وعالم من العاملين بعلمهم.. معنا ابن تيمية، وينبغي أن تعرفوا ابن تيمية معرفة واسعة مكثفة.اسمه: أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن تيمية الحراني.ولد سنة (666هـ) وتوفي سنة (728هـ).وقبل أن نبدأ في ترجمة الرجل أبين لكم ثلاثة أمور لا بد أن تعرفوها:الأمر الأول: العلماء هم الدعاة والدعاة هم العلماء؛ فلا علم إلا بدعوة ولا دعوة إلا بعلم، يقول الله تبارك وتعالى مندداً ببني إسرائيل حينما توقف علماؤهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:63] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187].الأمر الثاني: زكاة العلم نشره؛ فعلم لا ينشر بين الناس ولا ينفق منه كنزٌ مشئوم على صاحبه.. يقول أبو إسحاق الألبيري، يوصي ابنه بطلب العلم، ويمدح العلم، ثم يوصيه بنشره فيقول: هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضاربَ من أردنا وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شدتا الأمر الثالث: تهاون العلماء بالدعوة هزيمة للأمة؛ فما تأخرت أمة الإسلام ولا انهزمت ولا انحصرت إلا بسبب تهاون بعض العلماء عن إبلاغ دعوة الله، وعدم جلوس العلماء مع الأمة وتفهيمها، والله تبارك وتعالى يقول: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:175-176].معنى الآية: مثل هذا العالم الذي ما نفع نفسه وما نفع الأمة كمثل الكلب، والكلب يلهث ويمد لسانه دائماً وأبداً، سواء أكان في الظل أم في الشمس سيَّان، فهذا السيء المشئوم سواء تعلم أو لم يتعلم فحاله حاله لم يتغير.
 

مؤهلات ابن تيمية في مجال الدعوة
ابن تيمية ولد في بيتٍ ملتزم عابدٍ زاهد يريد وجه الله والدار الآخرة، ونشأ على هذه الحياة.بعضنا الآن عمره عشرون سنة ولا يعرف كيف يشتري الخبز من الفرن، والبعض عمره عشرون أو ثلاثون سنة وما يعرف البدهيات في هذا الدين؛ إنما هو سبهلل أخبل.وهذا عمره ثمان سنوات ويمرغ وجهه في التراب مع الفجر، ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.. ويبكي.انظر إلى مستقبل هذا الذي يدعو دائماً، وينيب إلى الله ويمرغ وجهه في التراب، فعلَّمه معلم إبراهيم وفهمه مفهم سليمان، وأعطاه علماً لا كعلم بعض الناس، وفهماً لا كفهم بعض الناس.. علم اخترق به ما يقارب عشرة قرون، وأمضاه هذا العلم حتى أصبح مجدداً لمئات السنوات.يقول مستشرق فرنسي وهو يترجم لـابن تيمية ويأخذ كلامه في التربية وعلم النفس: ابن تيمية وضع ألغاماً في الأرض، فجر بعضها ابن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر. ومؤهلاته في مجال الدعوة خمسة مؤهلات:
 معرفة الواقع عند ابن تيمية
المؤهل السادس من مؤهلات ابن تيمية رحمه الله في عالم الدعوة: معرفته لواقعه وحال عصره.وبعض الناس يعيش هذا العصر وهو يعيش في القرن الثالث، عقله وفكره ومعرفته في القرن الثالث، لكن ابن تيمية يعيش في القرن السابع؛ ويعرف مشاكل العصر ومتطلباته، وماذا يريد منه أبناء العصر، ولذلك عرف الكتاب والسنة، وعرف هذا الدين، ثم أتى يتكلم إلى الناس بواقع العصر. واقرءوا إن شئتم كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم، الذي سماه محمد حامد الفقي: القنبلة الذرية.. لا. ما صنعه اليهود والنصارى.. هذا الكتاب ينبغي أن يقرأ وأن يكرر وأن تحفظ منه جمل؛ فإنه كتاب ألفه ابن تيمية بعد أن بلغ النضوج والنبوغ مبلغه في ذهنه، فألف هذا الكتاب وهاجم فيه الجاهلية التي عاشرها، وعراها وفضحها.واقرءوا -إن شئتم- السياسة الشرعية؛ لتعرفوا مدى فهم هذا الرجل للدين.ومعرفته لواقعه وحال عصره؛ أفاده ذلك حيث كان يضع الدواء على الداء، ويضع الأمور في نصابها، فقد حلَّ كثيراً من مشكلات عصره، وصحح كثيراً من الأخطاء التي عاشها في عصره، وعالج كثيراً من الأمراض التي رآها في عصره.
وسائل الدعوة عند ابن تيمية
وسوف نتكلم هنا عن وسائل دعوة ابن تيمية، ووسائل دعوة ابن تيمية ثلاث وسائل:
 تفاعل ابن تيمية مع قضايا الناس
ومن وسائله في إبلاغ الدعوة: اللقاء مع الناس،.. ولقاؤه مع الناس على ثلاث طوائف:التقى مع العلماء، والتقى مع السلاطين، والتقى مع عامة الناس.فأما العلماء: فكان يلتقي معهم ويخرج وهو أذكى وأقوى من في المجلس، وقد جُمع له قاضي قضاة الحنابلة في الشام، وعالم الشافعية ابن الزملكاني، وعالم المالكية الأخنائي، وعالم الأحناف؛ فاجتمعوا في المجلس، وبدأ كل واحد يتكلم، وابن تيمية ساكت، فلما انتهى الأربعة، عاد ابن تيمية يعيد الشريط من أوله، فقال للمالكي: أما أنت فتقول كذا وكذا، وقد أخطأت في كذا وكذا، وفي كتابكم كذا خطأ كذا... حتى انبهر الناس.. ثم أتى إلى الحنفي وقال: أخطأت في كذا وكذا وكذا.. ثم أتى إلى الشافعي، ثم الحنبلي -وهو في الأصول حنبلي- وفي الأخير كان الناس يهللون ويكبرون ويقولون: فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [الأعراف:119].وأما مع السلاطين: فإنه -كما أسلفت لكم- دخل على سلطان الشام وتهدده مرات كثيرة.. بلا سيف، ولا رمح، ولا جيش، ولا جند، ولا شيء، لكن عنده قلب كبير؛ قلبٌ فيه نور وعلم وهداية، وقلبٌ فيه نصيحة وشجاعة ويتحدث ذاك، وعنده الجنود والحرس والجيوش، وهو يرتجف وابن تيمية صامد كالجبل، حتى اضطره إلى أن ينازل التتر.. وكلم قائد المغول فارتجف من شيخ الإسلام، وقال له -وهو لا زال كافراً-: ادع لنا. فرفع ابن تيمية يديه وقال: اللهم إن كان هذا العبد يريد ما عندك فوفقه بهدايتك، وإن كان غير ذلك فاعم بصره واطمس بصيرته.. وذاك يقول: آمين آمين.. ما يدري ما يقول.أما الطائفة الثالثة فهم عامية الناس:ولما دخل السجن -لا أدخلكم الله السجن- حوله إلى روضة من رياض الجنة.. قرآن وحديث.. صحيح البخاري وصحيح مسلم، فأصبح الناس في السجن ملتحين، والسواك في أفواههم، ويسبحون، ويهللون، فقاد السجن حتى أحياه وأصبح روضة.. وقد تحدث ابن القيم عن موقفه في السجن، وكذلك صاحب العقود الدرية ابن عبد الهادي.أما في المسجد: فكان يجلس يوم الجمعة بعد الفجر يفسر القرآن، وقيل عنه: أنه بقي في تفسير سورة نوح خمس عشرة سنة، كان يفسر كل جمعة، وما كان ينتهي من المجلس حتى يرتفع النهار، وحضر مجلسه بعض أهل العلم، وقالوا: لما حضرت المجلس أغلق ابن تيمية عينيه، ثم بدأ يندفع في الكلام، فوالله لكأن القرآن أمام عينيه، وكأن الحديث أمام عينيه، يأخذ منه ما شاء ويترك ما شاء، ووالله لقد استفاد من في المجلس؛ من الصوفية، والفلاسفة، ومن أهل أصول الفقه، والفقهاء، وأهل العقيدة، حتى انبهر الناس، ثم فتح عينه وختم المجلس، ثم اعتذر إلى الجلوس، وسلم عليهم يميناً ويساراً.وأما في السوق: فكان يخرج إذا ارتفع النهار ومعه تلاميذه ومحبوه، فيأتي إلى أصحاب المعاصي فيؤدبهم، ويأتي إلى من يشهد الزور ومعه عصا ويأمر تلاميذه أن يجلدوه وهو يعد، حتى ينتهي السوق وقد حاسب المخالفين، ثم يعود إلى هناك.. حتى أصبح يحرك التاريخ.أما في المعركة: فقد أسلفت لكم عن شجاعته في المعركة، وبذله وعطائه.
خاتمة فيما لقيه ابن تيمية من الصعوبات
أما عن الصعوبات التي لقيها ابن تيمية، فهي تتمثل في الآتي:أولاً: وقوف السلاطين مع خصومه.ثانياً: جرأة وحدة في طبعه رضي الله عنه ورحمه، هكذا خُلق؛ فما كان يلين، بل كان قوياً دائماً، فلو لان لتألف الناس رحمه الله.ثالثاً: خطورة القضايا التي عالجها؛ فكان يتكلم في الأصول ولا يتكلم في الفروع؛ ما كان يتكلم في الحيض، والغسل من الجنابة.. مع أن هذه من العلم وهي مهمة، لكنه كان يتكلم في العقيدة والحاكمية، ويتكلم في قيادة الناس إلى الله، ويتكلم في محاربة الطاغوت الحي قبل الميت.. وهنا طواغيت في الأمة الإسلامية يحكمون بغير ما أنزل الله، وتجد بعض الناس يتكلمون دائماً في القبور، وفي النذر، وفي الكواكب، وفي عبادة الشجر، وهؤلاء هم أكبر الطواغيت.. فهو يتكلم إلى الطاغوت الحي قبل الميت.رابعاً: كثرة الخصوم وتعدد الجبهات.فإلى أين يتوجه ابن تيمية؟ مرة إلى الصوفية، ومرة إلى الفلاسفة، ومرة إلى متعصبة الفقهاء، ومرة يتعرض للمغول من التتر، ومرة يتعرض للظلمة من السلاطين، ومرة إلى جهلة العامة.. ففي كل مكان له كمين. من تلظي لموعه كاد يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى خامساً: الحبس والكبت.فقد حبس وكبتت أنفاسه فما يزداد إلا قوة، كالبركان كلما حبسته انفجر بقوة وعنف.سادساً: الجلد والتشهير.. فقد جلد وشهر به، وتكلم في عرضه في كل مجلس؛ وما زاده الله إلا رفعة.وفي الختام: نجاح منقطع النظير يحققه ابن تيمية في عالم الدعوة، وينتهي إلى أن يُعقد إجماع من قلوب الموحدين في الأمة، ويكون هو رجل الساحة، ورجل الساعة في فترته، ويستمر عطاؤه وبذله حتى هذا الحين، وتحيا كتبه حياة تنفض الغبار عن رءوس الجامدين، وتنفض الجهل عن قلوب الراقدين الغافلين، وتيقظ رءوس اللاهين السادرين.فرحمك الله يـ ابن تيمية، وهنيئاً لك الفردوس -إن شاء الله- ونسأل الله أن يجمعنا بك في مستقر رحمته يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم:8] يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ [الحديد:12].ومن أراد منكم أن يتزود من ترجمة شيخ الإسلام فعليه بـالعقود الدرية في مناقب ابن تيمية لـابن عبد الهادي، والأعلام العلية للبزار، وفي طبقات الحنابلة، وفي معجم الشيوخ للذهبي، وفي الدرر الكامنة لـابن حجر العسقلاني، وترجمته في البدر الطالع للإمام الشوكاني.أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 تفاعل ابن تيمية مع قضايا الناس
ومن وسائله في إبلاغ الدعوة: اللقاء مع الناس،.. ولقاؤه مع الناس على ثلاث طوائف:التقى مع العلماء، والتقى مع السلاطين، والتقى مع عامة الناس.فأما العلماء: فكان يلتقي معهم ويخرج وهو أذكى وأقوى من في المجلس، وقد جُمع له قاضي قضاة الحنابلة في الشام، وعالم الشافعية ابن الزملكاني، وعالم المالكية الأخنائي، وعالم الأحناف؛ فاجتمعوا في المجلس، وبدأ كل واحد يتكلم، وابن تيمية ساكت، فلما انتهى الأربعة، عاد ابن تيمية يعيد الشريط من أوله، فقال للمالكي: أما أنت فتقول كذا وكذا، وقد أخطأت في كذا وكذا، وفي كتابكم كذا خطأ كذا... حتى انبهر الناس.. ثم أتى إلى الحنفي وقال: أخطأت في كذا وكذا وكذا.. ثم أتى إلى الشافعي، ثم الحنبلي -وهو في الأصول حنبلي- وفي الأخير كان الناس يهللون ويكبرون ويقولون: فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [الأعراف:119].وأما مع السلاطين: فإنه -كما أسلفت لكم- دخل على سلطان الشام وتهدده مرات كثيرة.. بلا سيف، ولا رمح، ولا جيش، ولا جند، ولا شيء، لكن عنده قلب كبير؛ قلبٌ فيه نور وعلم وهداية، وقلبٌ فيه نصيحة وشجاعة ويتحدث ذاك، وعنده الجنود والحرس والجيوش، وهو يرتجف وابن تيمية صامد كالجبل، حتى اضطره إلى أن ينازل التتر.. وكلم قائد المغول فارتجف من شيخ الإسلام، وقال له -وهو لا زال كافراً-: ادع لنا. فرفع ابن تيمية يديه وقال: اللهم إن كان هذا العبد يريد ما عندك فوفقه بهدايتك، وإن كان غير ذلك فاعم بصره واطمس بصيرته.. وذاك يقول: آمين آمين.. ما يدري ما يقول.أما الطائفة الثالثة فهم عامية الناس:ولما دخل السجن -لا أدخلكم الله السجن- حوله إلى روضة من رياض الجنة.. قرآن وحديث.. صحيح البخاري وصحيح مسلم، فأصبح الناس في السجن ملتحين، والسواك في أفواههم، ويسبحون، ويهللون، فقاد السجن حتى أحياه وأصبح روضة.. وقد تحدث ابن القيم عن موقفه في السجن، وكذلك صاحب العقود الدرية ابن عبد الهادي.أما في المسجد: فكان يجلس يوم الجمعة بعد الفجر يفسر القرآن، وقيل عنه: أنه بقي في تفسير سورة نوح خمس عشرة سنة، كان يفسر كل جمعة، وما كان ينتهي من المجلس حتى يرتفع النهار، وحضر مجلسه بعض أهل العلم، وقالوا: لما حضرت المجلس أغلق ابن تيمية عينيه، ثم بدأ يندفع في الكلام، فوالله لكأن القرآن أمام عينيه، وكأن الحديث أمام عينيه، يأخذ منه ما شاء ويترك ما شاء، ووالله لقد استفاد من في المجلس؛ من الصوفية، والفلاسفة، ومن أهل أصول الفقه، والفقهاء، وأهل العقيدة، حتى انبهر الناس، ثم فتح عينه وختم المجلس، ثم اعتذر إلى الجلوس، وسلم عليهم يميناً ويساراً.وأما في السوق: فكان يخرج إذا ارتفع النهار ومعه تلاميذه ومحبوه، فيأتي إلى أصحاب المعاصي فيؤدبهم، ويأتي إلى من يشهد الزور ومعه عصا ويأمر تلاميذه أن يجلدوه وهو يعد، حتى ينتهي السوق وقد حاسب المخالفين، ثم يعود إلى هناك.. حتى أصبح يحرك التاريخ.أما في المعركة: فقد أسلفت لكم عن شجاعته في المعركة، وبذله وعطائه.
الأسئلة
.
 السبب في كثرة تأليف ابن تيمية في العقيدة
السؤال: لماذا كانت أكثر مصنفات ابن تيمية في علم العقيدة؟ وهل له كتب في التفسير والفقه والحديث وغير ذلك؟ وما هي؟الجواب: أما سبب كثرة تأليف ابن تيمية في العقائد والأصول؛ فهو لأن الخلاف في الفروع وفي دقائق المسائل أمر سهل، لكن الأصول هي التي يكفر بها الإنسان، ويخرج -نسأل الله السلامة- من الملة فلذلك اعتنى بهذا الجانب. أما في جانب الفقه فقد شرح جزءاً من العمدة في فقه الحنابلة ثم توقف.وأكثر مصنفاته في الفقه في الفتاوى ما يقارب ستة أو سبعة مجلدات، من المجلد الحادي والعشرين فما بعد.وأما الحديث فلم يؤلف كتاباً منظماً على أبواب الحديث، لكنه جمع له في الجزء الثامن عشر من فتاويه في علم المصطلح، رسائل وأسئلة في علم الحديث.. وأكثر مؤلفاته في العقيدة.وأما في التفسير؛ فله أربعة مجلدات في التفسير، حتى يقال عنه: إنه كان يطلع في تفسير الآية على مائة تفسير، وبعدها قد لا يطمئن لبعض التفاسير فيمرغ وجهه في التراب ويبكي ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.. ثم يكتب هو بعد.وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حياة شيخ الإسلام ابن تيمية للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net