اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دروس من سورة طه للشيخ : عائض القرني


دروس من سورة طه - (للشيخ : عائض القرني)
تناول الشيخ قصة موسى عليه السلام من سورة (طه) ذاكراً بعضاً من صفات موسى عليه السلام.وعرض قصة النداء لموسى في الطور وما وقع فيها من معجزة العصا واليد وإرساله إلى فرعون تأييد الله له بهارون، وتذكيره سبحانه لموسى بما أنعم الله عليه من قبل.وتحدث عما وقع بين موسى وفرعون، مبيناً حفظ الله لموسى عليه السلام وتسديده في جوابه لفرعون.
وقفات مع موسى عليه السلام
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكـر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالميـن نذيراً، الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريـكٌ في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، كسر الله به ظهور الأكاسرة، وقصر بدعوته آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني وما لي حيلةٌ إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضلٍِ ومنِّ يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني أيها الكرام: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.حديثنا عن موسى عليه السلام، وعن دعوته الهائلة التي طرقت العالم، وعن قصصه العجيبة، وموسى عليه السلام له قطاع كبير في القرآن حتى قال بعض العلماء من السلف الصالح: كاد القرآن أن يكون لموسى، ما تكاد تقرأ سورةً إلا وتسمع قول الله يقرع أذنيك، ويصادف قلبك: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى [هود:96] وموسى عليه السلام كانت دعوتـه على المستويات جدلية علمية، وعملية ميدانية، وحربية عسكرية، وموسى عليه السلام ذكر -كما أسلفت- في القرآن كثيراً، وذكر في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم طويلاً.صح عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لما قرأ سورة الكهف مع قصة موسى والخضر، وانتهت القصة بقول الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78] قال صلى الله عليه وسلم:(رحم الله موسى! لوددنا أنه انتظر حتى يقص علينا من خبرهما).
 بداية نبوته عليه السلام
قال تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [طه:9] هل أتاك يا محمد هذا الحديث المذهل العجيب الذي سمعت به الدنيا، وأنصت له الدهر، وتناقلته الركبان، وروته الأجيال جيلاً بعد جيل؟ إِذْ رَأى نَاراً [طه:10] أتى بأهله بعد أن رعى الغنم عشر سنوات، وكانت امرأته في المخاض، فأظلم عليه الليل، ومعه قطيع من الغنم، والأنبياء كلهم عليهم السلام رعوا الغنم؛ لأن من يرعى الغنم يجد دربة وحلماً وتجربة لرعي الأمم -ولذلك رعى رسولنا صلى الله عليه وسلم عن الغنم- فأظلم على موسى الليل، وكان في تلك الليلة - كما ذكر ابن كثير - سحاب ومطر وبرق ورعد، وأراد أن يشعل ناراً يستدفئ بها هو وأهله، ويوقد بها طعامه، لكن لم توقد النار، أتى بالحجارة يقرع حجراً بحجرٍ، فما قدحت ناراً لحكمة أرادها الله.راعي غنم ليس في مخيلته أن يكون نبياً من الأنبياء، ورسولاً من الرسل، ومن أولي العزم الخمسة، فلما أظلم عليه الليل رأى ناراً تلمع في طرف وادٍ بعيدٍ، فاستبشر، وقال: هذه النار إما أن أجد منها قبساً آتي به إليكم لتستدفئوا، ونتعشى على النار، وإما أن أجد خبراً من الأخبار لعل صاحب هذه النار يهديني الطريق، لكن وجد من يهديه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ووجد من يهديه إلى لا إله إلا الله، إلى الطريق المستقيم الذي إذا لم يهتد إليه العبد فوالله لن يهتدي أبداً، والذي إذا لم يسترشد به العبد فوالله لـن يرشد أبداً، والذي إذا لم يستكف به العبـد، فوالله لا يكفـى أبداً، والذي إذا لم يحتم به العبد، فلن يحتمي أبداً، فذهب وإذا بالنار غير النار، فلما اقترب منها، سمع هاتفاً يهتف.وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى [طه:9-11] سبحان الله! من يعرف موسى في الصحراء؟! ومن هو موسى حتى يعرف عند القبائل الصحراوية والبادية؟! ومن هذا الذي يعرفه، وهو ليس له قرابة ولا رحم ولا أخوال ولا أبناء عم في الصحراء؟ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه:11-12] سبحان الله! الله يعرِّف موسى به، ما أعظم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى! وموسى يعرف الله بآياته وأسمائه وصفاته وصنعه في الخلق، سبحان الله!وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه الواحد فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه:12] لماذا يخلع نعليه؟ وما هو السر في خلع النعلين؟ قال أبو ذر وأبو أيوب وعلي بن أبي طالب ثلاثتهم قالوا: [[كانت الحذاء من جلد حمار، والوادي مقدس لتكليم الله عز وجل]] سبحان من يشرف بقعةً على بقعة، وإنساناً على إنسان، وبلداً على بلد، وزمناً على زمن، مكة الحرم قطعة أرض بين جبال سود، لا حدائق غناء، ولا بساتين وارفة الظلال، ولا أنهاراً، ومع ذلك شرفها الله على بقاع العالمين، ومحمد عبد من العباد من لحم ودم وعصب وعظم شرفه الله على الناس، ويوم عرفة ساعات ودقائق ولحظات وأمنيات جعلها الله أعظم الأيام من أيام السنة، ويوم الجمعة كذلك يوم من أيام الله جعل الله له ميزة.إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه:12] اليوم تقدس الأودية، الليلة حدث عظيم في حياتك يا موسى، هذه الأوقات سوف تعيشها مع الله، وسوف تجد من الله- عز وجل- كلاماً عجيباً إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:12-13].أنت اليوم يا راعي الغنم مختار لتكون رسولاً، أنت اليوم يا راعي الضأن، سوف تبعث إلى الطاغوت الأكبر إلى شيخ الضلالة فرعون تدعوه إلى لا إله إلا الله، أنت يا من يهش على غنمه بعصاه سوف يكون لك ذكر في القرآن والتوراة والإنجيل، وسوف تكون نبياً من الأنبياء، أنا اخترتك ما زكاك أحد لدي، وأنا عرفتك وما توسط لك أحد من الناس، ولا شفع لك أحد من البشر، من الذي يعلم المزكى من غيره إلا الله! فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32] الصور صور، والبشر بشر، والناس ناس، لكن القلوب يعلمها الله.جاء عند ابن كثير: أن الله قال له: أتدري يا موسى لماذا اخترتك؟ قال: لا أدري يا رب، قال: نظرت في قلوب العباد، فوجدت قلبك أكثر قلوب العباد تواضعاً لي، سبحان الله! موسى كان أعظم الناس تواضعاً لله، أثر عنه أنه ما جلس مع أحد من الناس إلا ظن أن جليسه أعظم منه وأعلى وأحسن، لكن أين حالنا من هذا الصنف؟ ربما يظن أحدنا أنه خير من في المسجد -نعوذ بالله من الغرور، والعجب، ونعوذ بالله من التيه والانقطاع من حبل الله- لأن من يركب رأسه في الضلالة والفجور والمعصية، ثم يظن أنه من خير الناس، هذا رجل مخذول محروم، أصابه خذلان وحرمان من طاعة الله عز وجل.
وصايا الله لموسى
قال الله تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:13] هذا سر من أسرار الله، معنا كلام عجيب، ورسالة خالدة، رسالة نستوصيك بها، فاستمع ولا تتحرك وسوف تلقى علماً جماً، ونفعاً عظيماً، وسوف تلقى كنزاً ثميناً فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:13].
 الصلاة ثانياً
يقول الله عز وجل: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] فيا دعاة الإسلام! ويا أخيار حملة لا إله إلا الله في الإسلام! يا أهل البيوت الذين يريدون تربيتها على الإسلام! يا من حمل في قلبه حب الإسلام! أقم الصلاة لذكري.. إن أول زاد المسلمين الصلاة.لذكري قيل: إذا ذكرتني في أي وقت فأقم الصلاة، وقال بعض أهل العلم: أقم الصلاة لذكري، إذا نمت عن الصلاة، ثم قمت وذكرتها، فأدها، لحديث أبي قتادة في الصحيحين مرفوعاً إليـه صلى الله عليه وسلم: {من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك} وقيل: أقم الصلاة لذكري، أي: لإقامة ذكري، أي: أن تقيم الصلاة لتذكرني في الصلاة، لا تذكر غيري، لا مالاً، ولا ولداً، ولا منصباً، ولا تراثاً، وإنما لذكر الله عز وجل. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] قال ابن تيمية: هذه الآية أخطأ فيها طائفة من أهل العلم، ومعناها الصحيح: أن للصلاة منفعتين:الأولى: منفعة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.والثانية: أن فيها يقام ذكر الله.وإقامة ذكر الله في الصلاة أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر.فعلم الله موسى التوحيد، ثم دله على العبادة، ثم أوصاه بالصلاة، والآن يتحدث له عن اليوم الآخر إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15]. يا موسى! إن هناك يوماً يجمع الله فيه الأولين والآخرين.. يا موسى! إن هناك حساباً.. يا موسى! إن هناك يوماً يجعل الولدان شيباً.. يا موسى! إن هناك يوماً يعض الظالم فيه على يديه.. يا موسى! إن هناك يوماً تنسف فيه الجبال نفساً إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [طه:15] قيل: أكاد أظهرها من باب التضاد، وقيل: أكاد أخفيها على ظاهرها لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15] لا إله إلا الله ما أعظمه من يوم! ولا إله إلا الله ما أخطره من لقاء! يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضرٍ يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمنٍ وفي دعةٍ فما سقطنا لأن الحافظ الله إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:15-16] يا موسى! لا يصدنك عن لقاء الله جلساء السوء، فإن في المجتمع من يصدك عن موعود الله، وفي الناس من يأخذك عن الطريق المستقيم، جلساء السوء يحببون لك الأغنية الماجنة، والمجلة الخليعة، والنظرة الآثمة، وأكل الربا، والزنا، والفجور، وشهادة الزور، والغيبة والنميمة؛ فاحذرهم.فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:16].بعض الناس اتبع هواه، ركب رأسه كالثور، له قلب لكن لا يعقل، له سمع لكن لا يسمع، له بصر لكن لا يبصر به، فسبحان من يهدي ويضل!
مؤانسة الله لموسى وتأييده بالمعجزات
واسمع الآن إلى المؤانسة، موسى الذي يظهر من القصة أنه خاف، سبحان الله! ترك امرأته وأطفاله مع غنم، في صحراء قاحلة مدوية ما فيها إلا الذئب.عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصَوِّت إنسان فكدت أطير فهو كأنه خائف فأراد الله أن يؤانسه فبماذا يؤانسه؟ يحدثه عن أموره، ولذلك يقول الأسدي، وهو يمدح نفسه:أؤانس ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القِرى ولكنما وجه الكريم خصيب يقول: من كرمي أني أحادث ضيفي وهو على راحلته قبل أن ينزل حتى لا يخاف، فلا أكشِّر في وجهه، لا أسكت فيخاف مني الضيف، بل أهش وأبش وأتبسم، وأسأله عن أحواله وأهله وأسرته، كما قال زهير في مدح الأول:تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله فالله أراد أن يؤانس موسى، وفي الصحيح: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ربما ربَّت على أكتاف بعض أصحابه، وفي سنن أبي داود بسند صحيح: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ يد معاذ رضي الله عنه وأرضاه فشبك يده بيده) وصح كذلك أنه ضرب في صدر أبي بن كعب، وفي صدر جرير بن عبد الله البجلي ليؤانسهم، فالله أراد مؤانسة موسى، والله يعلم ما في يمين موسى لأنه هو الذي خلق العصا، وهو الذي صنعها سُبحَانَهُ وَتَعَالى.قال: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17].سبحان الله! الله لا يعرف العصا! جل الله! بل يعرف العصا، ومن حمل العصا، والشجرة التي أنبتت العصـا، والكافر الذي سوف يذهب إليه موسى بالعصا.. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17].وموسى تلطف، قال: ما دام ربي حليماً كريماً يسأل حتى عن العصا، فهو قريب إليَّ سُبحَانَهُ وَتَعَالى، كان الجواب في العربية أن يقول: عصا.لكن يقولون: موسى وجد راحةً في الجواب، وفي كتب التفسير كـابن كثير وابن جرير وغيرهما: أن موسى إذا كلم الله وجد على وجهه النور أربعين يوماً يسطع على وجهه مِن نوره سُبحَانَهُ وَتَعَالى، قال: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17] كان يكفي أن يقول: عصا، لكنه ارتاح للجواب ففصل الخطاب.. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18] كان يكفي أن يقول: عصا، لكنه ارتاح، وانطلق في المقال، وأعجبه الحال، قال: هي عصاي يا رب، أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى، وتكلف بعض المفسرين أن يقولوا: إنها كانت تضيء له في الليل، لكن ما أتى بهذا أثر إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم، إنما هذه إسرائيليات، ويكفي أن نقف مع القرآن.
 تذكيره بنعم الله عليه
ثم أخذ الله عز وجل يعيده لتاريخه، ولسجله الأول، ولأيامه الأولى، فقال: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى [طه:37] يا موسى! لا تنس نعم الله ومننه عليك. إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:38-39]. فيها مسائل: وهي قصة طويلة، لما ولد موسى ولد في العام الذي يقتل فيه فرعون أطفال بني إسرائيل، وكان موسى إسرائيلياً من بني إسرائيل، فخافت أمه أن يقتله فرعون، فجعلته في ألواح من خشب -تابوت- وربطت هذه الألواح، وأنزلـت التابوت في اليّم، قيل: في نهر النيل، وربطت الخيط في بيتها، فإذا ذهب حرس فرعون، سحبت التابوت وأرضعته، فإذا اقتربوا أنزلته، وربطت الحبل في بيتها.ومرة من المرات ذهب جنود فرعون -الذين يبحثـون أطفال- فسحبت الحبل، فانقطع الحبل من التابوت فأتى الحبل بلا تابوت فخرجت وقلبها يكاد يطير، وأصبح فارغاً كاد يخرج من بين جنبيها، ونظرت في اليمّ فلم تجده، وساقه اليم -بإذن الله- حتى أدخله في مزرعة وبستان فرعون في القصر، تفر به أمـه من أن يلاحـق، فيقع في قبضة المجرم، وأتت جواري فرعون، فرأين التابوت، ففتح فوجدوه غلامـاً من بني إسرائيل، فأرادوا ذبحه، فتدخلت آسية عليها السلام.. وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] قال أهل الأثر: ما رآك أحد إلا أحبك، سبحان الله! وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39].إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه:40] لما وضع عند فرعون، أرادوا إرضاعه ليتبناه فرعون، فأرادوا أن يربوه، فعرضوه على كل ثدي، فأبى أن يرتضع، قالت أخته -وكانت قريبة من قصر فرعون-: أتريدون أن أدلكم على أهل بيت يرضعونه لكم؟ قالوا: نعم، فذهبت إلى أمه وقالت: وجدت امرأة ترضعه، فلما وضعوه على ثديها رضع بإذن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فأصبح فرعون يدفع الأجرة لأم موسى على إرضاعه زيادةً على ذلك! إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40].ثم قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لا تنس يا موسى، لا تظن أنا نسينا وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [طه:40] حميناك، ورعيناك، وكفلناك، وآويناك، وأشبعناك، وسقيناك، فتذكر نعمة الله عز وجل وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [طه:40] عشر سنوات؛ لأنه قال: ثمان سنوات، أو عشر، قال ابن عباس: [[قضى أجملهما وأحسنهما وأكملهما]] فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه:40] أي: جئت بقضاء من الله وقدر، وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41] ربيتك لتكون رسولاً لي تبلغ دعوتي.
أمر الله لموسى وأخيه بالدعوة
ثم قال تعالى: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه:42] الآن يقول: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه:42] وفي أول السورة يقول: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24] ولكنه قال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي [طه:29] ولذلك قال هنا: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه:42] أصبح أخوه نبياً من الأنبياء.
 إرشادهم لأسلوب الخطاب
قال تعالى: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى [طه:48-47] فعلمهما أسلوب الخطاب، وعلمهما كيف يوجهان الكلام، قال لهما:أولاً: أخبراه أنكما رسولان من عند الله.ثانياً: خذا بني إسرائيل من مصر، واذهبوا إلى فلسطين.ثالثاً: سلما على من اتبع الهدى، وهذا من أسلوب الدعوة، ولم يقل: سلما عليه - لا سلمه الله- فإنه ضال، ولم يقل: اتركا السلام، ولكن سلما علَّ في المجلس مؤمناً، وبشراه أن من أسلم لله أدركه السلام.ولذلك في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كتب لـهرقل، فقال: { بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أمَّا بَعْد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين...} الحديث.السلام على من اتبع الهدى: هذا الشاهد، قال: فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى طه:47] قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] الآن دخلا عليه وأصبحا في القصر، ولكن هنا كلام محذوف تقديره: فأتيا وقرعا الباب، والعجيب أن ابن كثير أورد قولاً -نرويه- يقول: بقي موسى عليه السلام وأخوه يترادان ويطلبان الإذن بدخول القصر سنتين من الصباح والمساء، وهذا من الإسرائيليات.وموقفنا من الإسرائيليات ثلاثة مواقف:أما ما كانت في كتابنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فهذا تحصيل حاصل لسنا بحاجة إليها، ونحن في غنية بما عندنا.وأما ما عارض الكتاب والسنة، فنردها ونرمي بها عرض الحائط.وأما ما لم يعارض ما في كتابنا، ولا كان له أي ضرر، فنرويها، كما قال عليه الصلاة والسلام: {وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج}.فأتى موسى وهارون عليهما السلام يستأذنان، وقيل: إن موسى عليه السلام كان يضرب باب القصر الخارجي ودونه باب، ودون الباب باب، ودون السرادق سرادق، فأخذ يضرب الباب بالعصا يستأذن عليه السلام، ما أقوى موسى! وما أشجعه وما أجرأه! فخرج الجنود: ما لك؟ قال: أريد فرعون، لماذا؟ قال: أدعوه إلى الله، قالوا: هو الله، لأن فرعون يقول لهم: ما علمت لكم من إله غيري، ويقول: أنا ربكم الأعلى، ويقول: وهذه الأنهـار تجري من تحتي؛ فأجراهـا الله من فوق رأسـه، فأخذ موسى يطرق، فخرج الجنود، قالوا: ما لك مجنون!، قال: ما أنا مجنون! -لكن عندي طب المجانيـن، عندي علاج للمجانيـن، أكبر مجنون عندكم هنا في القصر أريد علاجه، مجنون لا يعرف الله، لا يعرف طريق الله، ولا يعرف الجنة ولا النار، أخبروا فرعون، قالوا: في الباب مجنون يضرب الباب بعصاه يريد أن ندخله عليك. قال: أدخلوه وهو يريد أن يضحك عليه، فجمع وزراءه، فلما دخل، كان الواجب أن ينتظر فرعون حتى يتكلم موسى، أنت إذا أتاك ضيف أتقول: أخبارنا وأمطارنا وأشعارنا أم تنتظر الضيف يتحدث؟! فلما دخل أراد أن يضحك على موسى، لكن موسى ضحك عليه، وعلى قومه، فموسى عليه السلام معه العصا يتوكأ بها، وبجانبه هارون يترجم له، موسى يعرف بعض الكلمات يقول بعض الكلمات، لكن إذا كثرت الكلمات تولى الترجمة هارون عليه السلام.أتى فرعون يتكلم وقال: فمن ربكما يا موسى؟ الآن السؤال محرج، إن قال موسى عليه السلام: ربي الله فربما وافق ذلك ما في نفس فرعون لأنه يدعي أنه إله، وإن قال له: يا قليل الحياء، يا قليل المروءة، يا قليل الدين هذا سؤال خاطئ! جرح شعوره، والله يقول له: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] وإن قال له: الله الذي خلقك، ربما يزري به أمام الجلوس ويجرح شعوره، لكنه قال: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].قال بعض المفسرين: لله دره من جواب! ما أحسنه! قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] إن كنت أنت الذي أعطيت كل شيء خلقه ثم هديت فأنت إله، وإن كنت لا تخلق ولا تصنع، فلا ندري.هذا هو الجواب، يقول: إن الذي خلق كل شيء، وأعطى كل شيء خلقه وهداه ويسره وجعله سميعاً بصيراً هو ربنا، ولذلك أفحم فرعون بهذا الجواب، وهذا يسمى الجدل في القرآن، ومن ميزات الجدل في القرآن أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستمرون في نقطة واحدة إذا جحدها المجرم، أو أنكرها فتركه، كيف أعطى الله كل شيء خلقه ثم هدى؟ كيف هدى الإنسان، وهدى الحيوانات والعجماوات والطيور والزواحف؟ هدى النحلة إلى خليتها وهي تقطع مئات الأميال، هدى كل شيء، هدى بعض الحيوانات وهي عمياء.نقل ابن الجوزي حول هذه الآية: أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هدى كل مخلوق لكل ما ينفعه في الحياة إلا الكافر، فإنه لم يهتد بهدى الله عز وجل إذا ضل.يقول ابن الجوزي: رأى بعض الصالحين في نخلة حية عمياء وسط نخلة من النخيل، قال: فرأيتها تلتمس الغذاء، فلم تجده وهي في نخلة مرتفعة وعمياء، قال: فرأيت عصفوراً يأتي وينقل لحماً وطعاماً، فإذا اقترب منها، صفر العصفور فرفع منقاره، فوضع اللحم في فيها، أليس هذا من الخلق والهداية؟! وذكر أحد علماء الغرب في كتاب له العلم يدعو إلى الإيمان أو الإنسان لا يقوم وحده " وهو يسمى كريسي موريسون يقول: هناك حيات وثعابين -وهو صحيح- تأتي إذا أرادت أن تبيض في الأنهار وفي البحار التي تتجمد وتصبح ثلجاً، فتهاجر إلى المشرق لتبيض هناك، فإذا فقست بيضها، هاجرت أبناؤها إلى المحيطات تلك، فمن هداها؟ وهناك طيور إذا أدركها موسم الشتاء هاجرت إلى أفريقيا، فإذا انتهى الشتاء في بلادها، قطعت آلاف الأميال وعادت.وهناك الجراد إذا أدركته المجاعة، زحف إلى المزارع التي فيها زرع وأكل وشرب، فمن هداه إلا الله! سبحان الله! الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].الآن بهت فرعون وانهزم، ومال إلى سؤال آخر: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه:51] يا موسى، أين أجدادنا وأجداد أجدادنا والقرون التي سلفت إن كنت صادقاً؟ ما لهم أحوسبوا؟ أعذبوا؟ ماذا كانوا يعبدون؟ ولو كان الجواب من غير موسى، فسوف يقال له: وما دخلك أيها الأحمق؟ وما دخلك أيها الوقح في هذه القضايا؟ لكن لأن الله قال لموسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه:44] فقال بأسلوب بلاغي عجيب: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:52] أنا وإياك لا ندري، لكنها والله في دواوين محفوظة، وفي سجلات مرسومة، وفي دفاتر مكتوبة، لا يضل ربنا مكانها، ولا ينسى علمها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وللحديث بقية لنستفيد من هذه الدروس والعبر.
الأسئلة
وقبل أن ننتهي هنا بعض الأسئلة أحب الإجابة على بعضها.
  أسباب التخلص من قسوة القلب
السؤال: ما هو السبيل للتخلص من قسوة القلب؟الجواب: السبيل للتخلص من قسوة القلب أمور: 1- تقوى الله عز وجل والتوبة إليه وكثرة الاستغفار.2- قراءة القرآن بتدبر.3- قراءة كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم.4- مجالس الخير كهذا المجلس نسأل الله ألا يحرمنا أجره.5- تذكر الموت والقدوم على الله- عز وجل-.6- الجلوس مع الصالحين، وتجنب مجالس الأشرار. 7- ترك المعاصي؛ لأنها سبب في قسوة القلب.8- التقليل من المباحات، يقول ابن القيم: أكثر ما يأتي بقسوة القلب كثرة المباحات، كثرة الضحك، والمزاح، وكثرة الكلام بغير ذكر الله، وكثرة النوم، نسأل الله أن يلين قلوبنا جميعاً.هذا؛ وفي الختام أشكر الله عز وجل على أن وفقنا لهذا المجلس، ثم أشكر القائمين على مركز الدعوة في الجنوب على جهودهم الطيبة، ولا أنسى أن أشكر إمام هذا المسجد فضيلة الشيخ/ أحمد الحواش، وأشكركم على حضوركم، وعلى حسن إصغائكم، وأسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى القبول لنا والإخلاص والصدق؛ إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دروس من سورة طه للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net