اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الطامة الكبرى للشيخ : عائض القرني


الطامة الكبرى - (للشيخ : عائض القرني)
إن الله تعالى خلق الخلق في هذه الدنيا ليبتليهم، وليرى أعمالهم، فهذه الدنيا دار ابتلاء واختبار وامتحان.ثم جعل الله بعد ذلك يوماً يحاسب فيه كل نفس بما عملت وبما صنعت، وذلك هو يوم القيامة.وفي ذلك اليوم يجد كل إنسان ما قدم من عمل. فلا ينفع مال ولا منصب ولا جاه ولا نسب، ولكن من تزود في هذه الدنيا فهو الفائز.
إنكار المشركين ليوم المعاد
الحمد لله رب العالمين، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم من معلم أنار الله به أفكار البشرية، ونَّور به أفئدة الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان.أمَّا بَعْد:أيها الناس.. لم يكن لنا تاريخ قبل الإسلام ولم يكن لنا نور ولم تكن لنا معرفة ولا ثقافة، كنا نعيش لكن بلا هداية وبلا حبل يصلنا بالله عز وجل، حتى بعث الله فينا هذا الرسول صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] فعلمنا وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وفهمنا وأدبنا ورقى بنا عليه الصلاة والسلام.إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها عنوان هذا الدرس: الطامة الكبرى.الطامة الكبرى في القرآن والسنة: هي يوم القيامة، يوم العرض الأكبر على الله، وهي القضايا الكبرى التي عالجها عليه الصلاة والسلام للوثنيين من العرب، الذين فهموا كل شيء إلا الطامة الكبرى، وعرفوا كل شيء إلا الطامة الكبرى، وما استعدوا أن يتنازلوا أبداً ليفهموا اليوم الآخر الذي أتى به عليه الصلاة والسلام.فهموا كل الجزئيات إلا قضيتين اثنتين: قضية الألوهية: توحيد الباري تبارك وتعالى في العبادة والتوجه، وقضية اليوم الآخر فقد أنكروها تماماً وقَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [المؤمنون:82] وهذا استنكار منهم، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى وهو يعالج هذه القضية ويدمغ أدمغتهم بهذه الأساسية الكبرى في الإسلام: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].
 القرآن يتحدث عن اليوم الآخر
تعال إلى القرآن وهو يتحدث عن اليوم الآخر الذي ينبغي أن نعيشه في حياتنا، يقول ابن كثير في كتابه البداية: مر عمر رضي الله عنه وأرضاه فسمع أبي بن كعب يقرأ بالناس قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [الصافات:24-25] فوضع الدرة من يده ووقع على الأرض وحمل إلى بيته ومرض شهراً كاملاً يعودونه لا يدرون مرضه! هذا أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه. وقال الذهبي في المجلد التاسع من سير أعلام النبلاء: عن ابن وهب وقد ألف كتاب أهوال يوم القيامة، فأتى يقرؤه على الناس فسقط مغشياً عليه ثلاثة أيام ثم مات في اليوم الرابع! فهذا عبد الله بن وهب عالم مصر، وهو من رواة الصحيحين، محدث شهير جهبذ كبير، يروي مائة ألف حديث، قال عنه الإمام أحمد: ما رأينا أعبد منه. هذا الرجل سقط مغشياً عليه بعد أن ألف كتابه أهوال يوم القيامة فنسأل الله عز وجل أن يسهل علينا وعليكم أهوال يوم القيامة.إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي عملتم وكل في الكتاب مرتب وماذا كسبتم في شباب وصحة وفي عُمُرٍ أنفاسكم فيه تكتب فيا ليت شعري ما نقول وما الذي نجيب به إذ ذاك والأمر أصعب إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب يقول تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281] وتنكير اليوم تعظيم له، ولم يضفه ولم يعرفه بأل وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].من ميزة هذا اليوم أنه اليوم الذي يعود الخلق فيه إلى الله، وهذا أسلوب القرآن كلما أراد أن يذكر اليوم الآخر ذكر الرجعة؛ لأننا بدأنا من هناك وسنعود إلى هناك يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] والله يقول: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى [الأنعام:94].يقول بعض المفسرين: سبب نزول هذه الآية أن أبا جهل عليه غضب الله يقول: يزعم محمد أن لربه تسعة عشر من الملائكة أنا أكفيكم بعشرة وأنتم اكفوني بتسعة..! فقال الله عز وجل: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى [الأنعام:94] وقيل هذه القصة سبب لقوله تعالى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30] ثم قال: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [المدثر:31].وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى راداً على من قال: يأتي بحشمه وجنوده وأبنائه إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95]. مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور هذه القصيدة قالها الواسطي لـنور الدين محمود زنكي سلطان الشام، وكان قد عمل مهرجاناً جمع فيه الجيوش في دمشق فلما اجتمع الناس وظهرت الزينة واستعرض الجيش، خرج عليه الزاهد الواسطي فألقى عليه هذه القصيدة قالوا: فأغمي عليه من البكاء وسقط مغشياً عليه حتى رش بالماء..! يقول فيها:مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إن قيل نور الدين جاء مسلماً فاحذر بأن تأتي وما لك نور حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور
الطامة الكبرى وتباين الناس فيها
أيها المسلمون: يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] هذه هي الطامة الكبرى، وليوم القيامة أسماء منها: الغاشية والزلزلة والقارعة والطامة الكبرى والصآخة والحآقة، وغيرها من الأسماء يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] قال سيد قطب: نعرض مجردين مكشوفي السرائر والضمائر، الجسم مكشوف، والتاريخ مكشوف، والسجل مكشوف لله رب العالمين؛ فنسأل الله أن يسترنا وإياكم يوم الفضائح، وأن يغفر لنا ولكم الزلات، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.
 مواقف من جحود المشركين
خرج عليه الصلاة والسلام -والحديث صحيح- وإذا بكفار قريش جلوس في المسجد الحرام، ومنهم: أبو جهل، فقال عليه الصلاة والسلام: قولوا لا إله إلا الله. فقال أبو جهل: أقسم باللات والعزى لا أؤمن لك حتى تشق لي هذا القمر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أفئن شققته بإذن الله تؤمنون؟ قالوا: نعم. فدعا الله أن يشق له القمر، فشق الله له القمر فلقتين، فقال لهم: آمنوا. فنفضوا ثيابهم وقاموا يقولون: سحرنا محمد سحرنا محمد. ولذلك من أسلوب السخرية بهم يوم العرض الأكبر يعرض الله لهم النار ويقول: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15] أهذا سحر مثل القمر أو غير ذلك؟ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:16].فيقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى معلقاً على هذا الموقف: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:1-3].يقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2] وفي الآية قضايا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ولم يقل يا أيها الذين آمنوا؛ لأن الخطاب عام يدخل فيه كل من كان إنساناً، فهو للمؤمنين ولغيرهم. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [الحج:2] والمرضعة هي التي ترضع في التو والحال ابنها وطفلها وتضعه على ثديها ثم تقوم الساعة؛ فلا تدري من الهول فيقع الطفل في الأرض ولا تدري أنه وقع على الأرض..! وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى [الحج:2] قالوا: سكارى من الخوف الشديد ومن هول الأمر وليس من الخمر، أي لم يسكروا من الخمر وإنما من هول ما رأوا، فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت.قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وهو يتحدث عن أصناف من المشركين الذين أعرضوا عن اليوم الآخر وكذبوا به وتولوا عنه واستهزءوا بالبعث بعد الموت وهم ثلاثة: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأبو جهل. أما الوليد بن المغيرة فرزقه الله عشرة أبناء منهم خالد بن الوليد سيف الله المسلول: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الروم:19] فالميت هو الوليد والحي هو خالد، حي بالإيمان، وكان خالد قبل الإسلام ميتاً، كان ميتاً يوم ما عرف لا إله إلا الله، ولم ير النور حتى هداه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] فلما رأى النور وأبصر الضياء وعرف لا إله إلا الله أصبح حسنة من حسنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاض في الجاهلية وفي الإسلام مائة معركة ما هزم في معركة واحدة!! تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها و خالد في سبيل الله مشعلها و خالد في سبيل الله مذكيها ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها وأبوه كفر بالله، وأعرض عن لا إله إلا الله، وكان ليله غناء وزنا وشرب خمر وربا وتخلفاً عن فرائض الله، ونهاره سفكاً وسلباً وتكذيباً، قال الله حاكياً عنه:: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [المدثر:11-17] قال أهل العلم: "صعودا" جبل في النار -نعوذ بالله منه- يصعد فيه المعذب مائة عام فإذا قارب أن ينهي رأس الجبل سقط على أم رأسه في وسط جهنم ثم عاد من جديد.أما العاص بن وائل فقد كان له سيوف يصقلها عند خباب بن الأرت وخباب عبد ومولى وكلنا عبيد لله، ولكن خباب أصبح منارة من منارات الإسلام.بلال وخباب وسلمان من أهل الجنة، وأبو جهل والعاص وأبو لهب من جثث جهنم، فهذه الأنساب ألغاها محمد صلى الله عليه وسلم إذا كانت تمييزاً عنصرياً، وإذا كانت استعراضاً للأسر.فذهب خباب بن الأرت إلى العاص بن وائل فقال: أعطني أجرة السيوف التي صقلتها. قال: أتؤمن باليوم الآخر؟ - يستهزئ به- قال: نعم أؤمن. فذاك يؤمن باليوم الآخر وهذا لا يؤمن، قال: فإذاً دعني، فإذا بعثني الله وإياك في اليوم الآخر سوف أقضيك هناك فعندي أموال وأولاد؛ فأنزل الله رداً عليه: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً [مريم:77-80] فهذه قضية العاص بن وائل المجرم، الذي كفر باليوم الآخر، وهو صاحب العظم الذي حته أمام الرسول صلى الله عليه وسلم.ويقول أبو جهل: يا معشر قريش.. لا يهمكم -محمد عليه الصلاة والسلام- يتوعدكم بالزقوم يوم القيامة، أتدرون ما الزقوم؟ قالوا: ما ندري! قال: الزقوم: التمر والسمن. فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:43-49] يقول -سخرية به- ذق هذا الزقوم سواء كان تمراً أو سمناً، وفسره أنت كما تريد وكما تتصور فوالذي لا إله إلا هو لتذوقنه؛ لأنك كنت عزيزاً بجاهليتك وكفرك في قومك.
التزود من الصالحات هو النجاة يوم الطامة الكبرى
تزود للذي لابد منه فإن الموت ميقات العباد أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد والزاد: العمل الصالح، وأجمع الصالحون على أنه لا أعظم من تقوى الله عز وجل وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] قال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور: أجمل بيت قالته العربالخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد وسوف يرى الناس بماذا تهيئوا وماذا حصلوا وماذا جمعوا يوم يجمعهم الله عز وجل، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان -وهذا الكلام هو كلام يليق بجلاله سُبحَانَهُ وَتَعَالى- فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار فاتقوا النار ولو بشق تمرة). وذكر عليه الصلاة والسلام أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وهذا يوم الطامة الكبرى: عالم وجواد وشجاع. يقول الله للعالم: أما علمك الله العلم؟ قال: بلى. قال: فماذا فعلت فيه؟ -والله أعلم- قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقال: إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل؛ خذوه إلى النار. ثم يقال للجواد كذلك وللشجاع كذلك. وهذا مصداق قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] وقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] فأول الزاد الإخلاص: أن تقصد الله بالعمل، وأن تحذر من الرياء والسمعة كما قال تعالى: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف:29] وقال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3].وعند مسلم عن جابر قوله عليه الصلاة والسلام: (يقول الله عز وجل: من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان له خالصاً كما قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] قيل: أي: أصوبه وأخلصه، ومعنى أخلصه: أن يكون خالصاً لوجه الله، وأصوبه: أن يكون متابعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فأول شرط: الإخلاص لوجه الله. والشرط الثاني: أن يكون إمامك في العمل محمداً صلى الله عليه وسلم، فلا تتبع غيره ولا تقتدي بسواه، ولا تبتدع من عندك شيئاً فإن المحدثات لا يقبلها الله عز وجل ولا رسوله عليه الصلاة والسلام قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ [الكهف:110] وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4] ويقول عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).إذاً فعليك أن تتعلم العلم الشرعي وهو الشرط الثاني من شروط القبول لتنجو من الخسارة والخذلان والعياذ بالله.ومنها: أن تكثر من السجود، روى مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: (كنت أبيت مع رسول صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذاك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) وعند مسلم عن ثوبان: (فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة).
 مواقف السلف في التزود للآخرة
أتدرون كم كان الإمام أحمد يصلي من غير الفرائض؟ يقول الذهبي وابن كثير وصاحب الحلية وهو شبه إجماع بين أهل السير: كان يصلي من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة، وهو إمام أهل السنة والجماعة وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] قال ابنه عبد الله: فلما جلد أبي كان يصلي مائة وخمسين ركعة. رحم الله الإمام أحمد وجمعنا به في دار كرامته فهو إمام أهل السنة والجماعة، ذاك الرجل الذي وقف في وجه الباطل حتى نصره الله نصراً مؤزراً ما سمع التاريخ بمثله..!سئل ابن تيمية في المجلد العاشر من الفتاوي: ما هو أفضل عمل بعد الفرائض؟ -سأله أبو القاسم المغربي - فأجاب بجواب عظيم وقال: أما أفضل الأعمال بعد الفرائض فما أعلم أفضل من ذكر الله عز وجل. وهو شبه إجماع بين أهل العلم، وهذا الذكر هو أسهل الأعمال وأيسرها وأنفعها للعبد أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ودل عليه القرآن والسنة والأثر قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41].ويقول عليه الصلاة والسلام عند أحمد وأهل السنن: {ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذكر الله} فهو أفضل الأعمال.فناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متا وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا والذكر يكون بالتهليل والتسبيح والتحميد والاستغفار والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعظم الذكر تلاوة القرآن.وأما بالنسبة للذكر الكثير المذكور في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41] فقد قال ابن الصلاح: ذكر الله دائماً هو الذكر الكثير، وقال ابن تيمية: من ذكر الله بالأذكار الشرعية التي علمها معلم الخير عليه الصلاة والسلام فقد ذكر الله كثيراً، وقال ابن عباس: أن تذكر الله في السراء والضراء، والحل والترحال -(أو كما قال)-. وأولى الأقوال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـابن بسر لما قال له: {يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي؛ فدلني على شيء أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله} فالله الله في كثرة الذكر، والله الله في التزود بالصالحات للقاء الله عز وجل.ومما يجعلك تعيش هذه القضية الكبرى (الطامة الكبرى): قصر الأمل، بأن تكون قصير الأمل، وأن تستعد للموت كما مثله الحديث: {كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل} وقال ابن عمر -وبعض المحدثين يرفعونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم-: [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]].يذكرون عن معاذ رضي الله عنه أنه قال: [[والله ما نقلت قدمي من الأرض إلا خشيت ألا أضعها من فجاءة الموت]] -أو كما قال-. وقالوا عن الربيع بن خثيم أنه قال: [[أنا أتحرى الموت مع الأنفاس]]. ولما بلغ سفيان الثوري الستين اشترى كفناً وقال: "حق على المسلم إذا بلغ ستين سنة أن يشتري له كفناً" أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] قالوا: النذير هو الشيب، وقيل محمد، وقيل القرآن، وقيل النذير الموت، ولكن الشيب هو نذير للموتإذا الرجال ولدت أولادها وأخذت أسقامها تعتادها وكثرت من مرض عوادها فهي زروع قد دنا حصادها يقول الإمام أحمد: والله ما وصفت الشباب وفواته إلا بشيء كان في يدي ثم سقطبكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغن البكاء ولا النحيب ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب اللهم تولنا فيمن توليت، واجعل خاتمتنا في مرضاتك وعلى سنة رسولك عليه الصلاة والسلام.
أسباب معينة على التزود للآخرة

 رد المظالم إلى أهلها
ومن أسباب التزود للآخرة: رد المظالم على الناس، وهي المظالم التي أخذت من الأعراض والأموال والحقوق وذلك بأن ترد على أصحابها قبل ألا يكون درهم ولا دينار ولكن حسنات وسيئات، يؤخذ من سيئات الناس وتوضع عليك ويؤخذ من حسناتك وتدفع إلى الناس.. وهذه هي المقاصة عند الله يوم القيامة فلا درهم ولا دينار.صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق؛ لقي الله وهو عليه غضبان قالوا: ولو كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: ولو كان قضيباً من أراك} وهذا الحديث من رواية سعيد بن زيد بن نفيل، وله قصة فقد كانت له مزرعة في العقيق والعقيق ضاحية من ضواحي المدينة فأتت امرأة عجوز فشكته إلى مروان بن الحكم، وقالت: هذا اغتصب أرضي ومزرعتي، والمزرعة له، فدعاه مروان والي المدينة وقال: أتأخذ حقها؟ قال: ما كان لي أن آخذ من حقها شيئاً بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان} ولكن ليس له بينة وكان عليها أن تحلف أو تقسم. فأقسمت العجوز أن الأرض لها فأخذت الأرض. فقال سعيد بن زيد: [[اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في مزرعتها]] فعمي بصرها وذهبت تأخذ ماءً فوقعت في البئر ميتة. وهذه من كرامات الأولياء، والمقصود من هذا أن على العبد أن يرد مظالم الناس التي أخذها من عقار ودار ومال وأعراض بسب أو شتم وأن يستغفر لهم ويتوب من ذلك وأن يستسمحهم قبل العرض الأكبر وقبل الطامة الكبرى.هذه جولة عن هذه القضية التي يجب على الإنسان أن يعيشها صباح مساء، وأن يتأملها وأن يعلمها علم اليقين أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:1-8] اللهم هون علينا السؤال يوم العرض الأكبر، ويسر علينا الوقوف يوم الحشر، وتولنا فيمن توليت.وأسأل الله أن يصلح أحوالنا الظاهرة والباطنة، ونسأله -كذلك- سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يصلح ولاة الأمر وأن يهديهم سواء السبيل، وأن يصلح علماءنا وأمراءنا وقضاتنا وموظفينا، ويصلح أمتنا وبيوتنا وشبابنا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 حكم الإيداع في البنوك
السؤال: ما حكم الإيداع في البنوك؟الجواب: هذا يتكرر كثيراً، الإيداع في البنوك الربوية محرم، وقد أفتى كثير من علمائنا كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: هذا من التعاون على الإثم والعدوان، ولا يجوز الإيداع في هذه البنوك التي تتعامل بالربا، فلا الإستقراض منها ولا الإيداع فيها ولا التعامل معها يجوز؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء}حديث صحيح رواه مسلم عن جابر.وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الطامة الكبرى للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net