اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ساعة الصفر للشيخ : عائض القرني


ساعة الصفر - (للشيخ : عائض القرني)
غزوة الأحزاب من أعظم غزوات المسلمين، فيها تجمع أحزاب الكفر لاستئصال شوكة المسلمين والقضاء على دينهم، ولقد بلغ حال الصحابة فيها مبلغاً حرجاً حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وفي هذه الغزوة مواقف عظيمة، وأحداث جسيمة أظهرت ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فتصفح هذه المادة لترى هذه الأحداث عن قرب، وتأخذ منها الدروس والعبر.
من أحداث غزوة الأحزاب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.ومع حادثٍ آخر، وموقف آخر من مواقف الرسالة الخالدة؛ التي أتى بها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، ومع الإمام البخاري وهو يتحدث لنا عن غزوة الأحزاب، تلك الغزوة كما قال بعض العلماء العصريين: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو والصحابة في هذه الغزوة درجة الصفر، أي: أن فيها انتهت الآمال، وانقطعت الحبال، إلا حبل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى؛ حتى يقول الله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب:10-11].
 إصابة سعد بن معاذ وحكمه في بني قريظة ووفاته رضي الله عنه
أما سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه فله الموقف المشهور يوم الخندق، وإن ننس كل موقف فلن ننسى موقفه. فالشاب الذي بلغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً، أما ثلاثون فكانت في الجاهلية، وأما سبعٌ ففي الإسلام، لكنها سبع سنوات تعادل سبعة قرون، لأنه لا يجوز لك بعد أن تهتدي إلا أن تجعل كل دقيقة لله عز وجل، فبعد سبع سنوات جعله الله شهيداً يهتز له عرش الرحمن، حتى يقول بعض المفكرين: بعض الناس يعيش في الإسلام سنة لكنها خيرٌ عند الله من ألف سنة.عاش فلما أصبح في هذا السن نزل ليشارك في الخندق وينزل بدرعٍ عليه، فلما تصاول الفريقان أرسل ابن عرقة أحد المشركين سهماً، فوقع في ذارع سعد بن معاذ صاحب الخطب والمواقف المشهودة التي لا تنسى أبد الدهر، أسكن الله تلك العظام الجنة، وسقاه من الحوض المورود، وحشرنا معه وإياكم أجمعين.فوقع سهم في ذراعه فقال ذاك الكافر: خذها وأنا ابن عرقة، فقال سعد بن معاذ: عرق الله وجهك في النار، وعاد رضي الله عنه وأرضاه وذراعه يسيل بالدم وتقبل منه صلى الله عليه وسلم هذه الهدية التي رفعها إلى الله وهي نفسه، لأنه وقع السهم في الأكحل، والأكحل عند العرب من أصعب المناطق التي إذا ضربها السهم فإن معناه الموت والقتل، وكان يرتجز لما ضرب بالسهم ويقول: لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل ما أجمل الموت إذا الموت نزل فيأتي ويسيل دمه قطرة قطرة وجاماً بعد جام، ودفعة بعد دفعة، لكنه يسيل مسكاً أذفر، يلقى الله عز وجل الريح ريح المسك واللون لون الدم. فيضرب له صلى الله عليه وسلم خيمةً في المسجد وينـزله فيها ليمرضه من قريب، ويأتيه ويزوره في تلك الليالي ودمه يسيل، وسعد يلتفت إلى القبلة ويرفع يده ويقول: اللهم إن كنت أبقيت حرباً لقريش مع رسولك عليه الصلاة والسلام فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب فتوفني في هذه الساعة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.ثم يستمر الحال به، ويزوره عليه الصلاة والسلام، وبينما يفتح صلى الله عليه وسلم قريظة قال: من ترضون أن يكون حكماً بيني وبينكم؟ فقالوا: نرضى بـسعد بن معاذ؛ لأنه كان حليفهم في الجاهلية، وظنوا أنه سوف يداهنهم ويحابيهم، وظنوا أن الصداقة مكانها، ولكن ما دروا أن الأحداث تغيرت، وأن القلوب غير تلك القلوب. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: اذهبوا إلى سعد وأتوا به، فذهبوا إليه فأركبوه على حمار، وكان رجلاً طويلاً، وجهه كالبدر ليلة أربعة عشر، وعليه مطارف -كلما لبس لباساً أثقله وأغرقه من دم ذراعه، فأخذوا يركبونه وحوله صف من الأنصار، وعن يمينه صف وعن يساره صف، ويقودون الحمار ويقولون: يا أبا عمرو! تلطف بحلفائك، أي: حاول أن تشفع لهم، أو مثل هذا الكلام الطائش، فيقول: والله لا تأخذني بالله لومة لائم، فلما وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أيرضى بحكمي من هنا؟ احترام للرسول صلى الله عليه وسلم، قال: نعم. وقال: أترضون بحكمي؟ -يقول: لأبناء القردة والخنازير- قالوا: نعم. فيلتفت ويقول: أحكم فيهم -يا رسول الله- بأن تقتل مقاتلتهم -كل من حمل السلاح يعدم إعداماً- وأن تسبى ذراريهم، وأن تؤخذ أموالهم، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: {فوالذي نفسي بيده لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات!}.هذا هو حكم الله في أعداء الله، وقتلة الأنبياء والرسل.أخذوا صحيفة الرسول صلى الله عليه وسلم -المعاهدة- يوم دخل المدينة ووقعها فوقعوها: أنه إذا اعتُدي على المدينة أو على أي حيٍ من أحياء المدينة أن يكونوا يداً واحدة، أو على أي حيٍ من أحياء اليهود أن يقوموا يداً واحداً، فأتوا إلى هذه الصحيفة فشقوها، وتفلوا فيها، وداسها بعضهم بأرجله، وقالوا: تنفع محمداً صحيفته، ودخلوا مع أعدائه في حلفٍ وحزبٍ ائتلافي ليهاجموا المدينة فما جزاؤهم إلا هذا.وعاد سعد وقام السيف يجزر في أعداء الله حتى ارتفع النهار، وقتل سبعمائة ملك من ملوكهم في الخندق، وسُبيتْ ذراريهم وأُخذتْ أموالهم، وعاد سعد فيسيل جرحه، ويعود صلى الله عليه وسلم سعداً وهو في آخر رمق، وهو يتلفت إلى الحياة وهي زهيدة في عينه، ذهبها لا ينفع، وفضتها لا تجدي، لا مناصب، ولا دور ولا قصور، وإنما الدور والراحة العميمة في الجنة، ويودعه صلى الله عليه وسلم وهو في الرمق الأخير، قالت عائشة: {فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد كنت أنظر من صائر الباب، فأعرف بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من بكاء عمر من بكاء أبي بكر}.وأخذ أبو بكر -كما في سير النبلاء للذهبي - يقول: [[واكسر ظهراه عليك يا سعد! واكسر ظهراه عليك يا سعد]] لأنه هو القائد الشهير في الأنصار، فلما ارتفعت روحه قال في الألفاظ الأخيرة: جزاك الله يا رسول الله، عن الإسلام خير الجزاء، لقد لقينا ما وعدنا ربنا حقاً. ثم توفي فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له.لعمرك ما الرزية فقدُ مالٍ ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد شهمٍ يموت بموته بشرٌ كثير ويقول صلى الله عليه وسلم: أتدرون ماذا حدث لموت سعد؟ قالوا: لا والله، قال: {والذي نفسي بيده لقد اهتز عرش الله لموت سعد} وفي بعض الروايات لما توفي سعد اهتز عرش الله لموته، فأخذت الملائكة بأقطاب العرش يقولون: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]. وأخذ حسان يترنم بمرثية عظيمة وهو من شعراء الأنصار يقول:وما اهتز عرش الله من موت هالكٍ سمعنا به إلا لسعد أبي عمر ويحضر صلى الله عليه وسلم مراسيم تشييع الجنازة والدفن، ويكفكف ثيابه، فيقولون: ما لك يا رسول الله؟! قال: {والله ما أرى شبراً في الأرض إلا وفيه ملك، والله لقد شيع سعداً سبعون ألف ملك من ملائكة السماء} ويستحق هذا الفارس البطل الشاب الذي بذل مهجته في سبيل الله، فهنيئاً لأولئك النفر: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-171].ويعود أبو سفيان، وتعود غطفان وقريش، ويُسحق بنو قريظة سحقاً تاماً، وتنتصر: لا إله إلا الله، وترتفع كما كانت دائماً وأبداً. إن هذا الدين لن يموت، إنه يمرض ولكنه لا يموت، وإنَّ أصحابه يمرضون ولكن لا يموتون، وسوف ينتصر -بإذن الله- مهما طالت الأزمان.
غزوة بني قريظة
وينتهي صلى الله عليه وسلم من المعركة ويعود من الخندق، والغبار قد عبأ ثيابه صلى الله عليه وسلم وقد أشعث رأسه، فيدخل إلى المغتسل، ويخلع درعه وثيابه ويغتسل بالماء صلى الله عليه وسلم، فيأتيه جبريل ويقول: يا رسول الله! تضع الدرع من عليك والسلاح! والله ما وضعت الملائكة الدروع من عليها والسلاح، وإنها تريد بني قريظة؛ لأنهم خانوا العهد، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس! لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) وهم قريب من المدينة، فيخرجون في كتائب، ويخرج جبريل في أول الكتائب عليه السلام، والغبار ينقاد من على رأسه، قال أحد الصحابة: مر بنا رجلٌ كأنه دحية الكلبي، والغبار على رأسه وعليه عمامة بيضاء، فقال عليه الصلاة والسلام: هل رأيتم أحداً مر من هذا المكان، قلنا: نعم يا رسول الله! رأينا دحية الكلبي، فتبسم وقال: ليس ذاك بـدحية الكلبي ولكنه جبريل، ذهب بالملائكة إلى بني قريظة، فوصل عليه الصلاة والسلام، فلما اقترب من بني قريظة، قال: يا إخوان القردة والخنازير! انزلوا عليكم لعنة الله، قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت فحاشاً، اسمع التلطف ما أحسنه، وهم قبل ليلة كانوا يزعزعون المدينة ويزلزلونها، ويشعلون النار، فأخذ عليه الصلاة والسلام يحرق أشجارهم، وأخذ يضيق الحصار عليهم.
 قصة أبي لبابة
وفي الأخير قالوا: أرسل لنا رجلاً، فقال: من يخرج إليهم؟ قال أبو لبابة: أنا، فقال صلى الله عليه وسلم: اصعد لهم في الحصون، فصعد إليهم وكان حليفاً لهم، فلما رأوه بكوا بكاءً شديداً وتنابحوا في وجهه كالكلاب، وأخذوا يقدمون الأطفال والجواري في وجهه، ويقولون: أترضى بأن يذبح هؤلاء؟ بماذا تنصحنا؟ أتنصحنا أن ننزل لمحمد أم تنصحنا أن نبقى في حصوننا؟ فقال: كذا، (يشير بيده إلى رقبته) يقول: إذا نزلتم فسوف يذبحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الإشارة تكفي عن الكلام. فينزل رضي الله عنه وأرضاه وقد أساء وعلم أنه قد أساء، فيذهب ولا يمر بالرسول عليه صلى الله عليه وسلم ولا بالصحابة، ولكن يذهب إلى المسجد فيأتي إلى سارية من سواري مسجده عليه الصلاة والسلام، فيربط نفسه بالسارية ويبكي ويقول: والله الذي لا إله إلا هو لا أفك نفسي ولا أحل الحبل حتى يحله الرسول صلى الله عليه وسلم، لقد خنت الله ورسوله، وبالفعل هذه خيانة، فيسمع عليه الصلاة والسلام ويقول: أين أبو لبابة؟ ما عاد إلينا، قالوا: حدث من أمره كذا وكذا، فيقول عليه الصلاة والسلام: وأنا والذي نفسي بيده لا أحله حتى يتوب الله عليه. لأنه هو الذي أساء، فلما أنزلهم صلى الله عليه وسلم وذبحهم توجه إلى المدينة ونزل فيها وأخذ الصحابة يمرون على أبي لبابة وهو يبكي بكاءً مراً، وكلما اقترب منه رجل ليحل الحبل أبى قال: لا. حتى يحله الرسول صلى الله عليه وسلم، فينزل الله توبته من فوق سبع سماوات، ويغفر له ذنبه، ويقوم عليه الصلاة والسلام فيفك الحبل بيده، فيقوم وقد فرح بتوبة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بتوبته.هذه أحداث الأحزاب والخندق، وإن شئت فألحق معها بني قريظة وما حدث فيها، وفي هذه القصة مسائل:
المسائل المهمة في غزوة الأحزاب

 كرامات الأولياء وخرافات الدجالين
ومنها أن الملائكة شاركت في المعركة وهذا عضد للرسول صلى الله عليه وسلم وأنها كرامات لأولياء الله لا تنقطع أبد الدهر، سواءً في عهد الصحابة أو في عهدنا، فإذا سمعتم بالكرامات فلا تكذبوها.ولكن كذلك لا نشرك في سماع الكرامات، وذلك كأن تأتينا كل يوم عجوز تحدثنا: أنها رأت ملائكة تنـزل من السماء، وأنها صلت على سطح بيتها، أو كذا فنقول: ما شاء الله صدقتي، لأن الملائكة شاركت في بني قريظة! فنحن نؤمن بالكرامة، لكن إذا ثبتت بأسانيد، وكانت لا تخالف القواعد الشرعية.وهنا خطبٌ عجيب وكذبٌ صراح: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] يقول الكاتب: إخواني المسلمين، أخواتي المسلمات فرصة: فتاة عمرها ثلاث عشرة سنة مرضت مرضاً شديداً وعجز الأطباء في علاجها، وفي ذات ليله اشتد عليها المرض وبكت المسكينة حتى غالبها النوم، ورأت في منامها: بأن السيدة زينب رضي الله عنها وأرضاها وضعت في فمها قطرات، وبعد أن استيقظت من النوم وجدت نفسها أنها قد شفيت من مرضها تماماً، وطلبت منها السيدة زينب رضي الله عنها: أن تكتب هذا الرواية مرةً واحدة، لا أدري في أبها أو في خارج أبها على المسلمين والمسلمات لينظروا في قدرة الله تبارك وتعالى، وعند توزيع النسخة وجدت الآتي: النسخة الأولى: وصلت إلى يد فقير، كتبها ووزعها على الناس وبعد مضي ثلاثة عشر يوماً أغناه الله عز وجل، بعد ما كتبها ووزعها، ووصلت إلى يد عامل أهمل في كتابتها ثلاثة عشر يوماً ففقد عمله، أي فصل من العمل بقرار رجعي.النسخة الثالثة: وصلت إلى يد غنيٍ رفض كتابتها وتوزيعها وبعد ثلاثة عشر يوماً افتقر، فنرجو إبلاغ الإخوة بها ونشرها بين الناس. وأنا ما قرأتها، إلا لفائدة أن تعرفوا أنها كذب، لكن لتأتي بأخبار غيرها، فهذه المنشورات كثرت في الناس، ووجد قبل أسابيع وهي قبل أشهر ووزعت قبل سنوات الكتابة من خادم المسجد النبوي أحمد، أو الحرمين، أو الحرم المكي، وقال فيها كلاماً طويلاً، وهذا كذب صراح ولم يحدث هناك شيء وليس للمسجد خادمٌ كما قال بعض أهل العلم اسمه أحمد، وإنما دجلٌ وتضليل على أمة الله، وقصدهم إشغالهم عن العلم، وهؤلاء إما مخرفون، وإما أناس مستهزئون بالدين، وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم. فإياكم وإياهم! لا يغرونكم عن دينكم، والغرائب هذه كثرت في هذا الزمن، كل إنسان يحدث بغريبة ويجلعها كرامة، والذي يلاحظ أن الغرائب والعجائب أمور، منها ما هو قدح في الدين، وهذا أتى على يد المشعوذين والمسمعين والكهنة والعرافين -قاتلهم الله أنى يأفكون- نصبوا أنفسهم دجاجلة في كل قرية، الواحد منهم يدعي علم الغيب، حتى سمعنا في قرية قريبة أن فيها امرأة دجالة أفاكةٌ أثيمة، أنها تقول: تعلم الغيب وتعلم البلاد التي فيها ماء، والآبار التي فيها، فيأتيها الناس ويقولون: نحن من الأرض الفلانية، فتقول: فيها ماء وفيها كذا، واحفر ثلاثة عشر متراً أو خمسة عشر متراً وسوف تجد الماء.وهذه المرأة يعينها الجن في الخبر، وغيرها من الدجالين يعينونها، فيعطونها كلمة فتزيد عليها مائة كذبة، وهؤلاء من أتاهم وصدقهم بما قالوا؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أتاهم فلم يصدقهم، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة.وأما غيرهم من الذين يستدلون بعلامات، كرؤية الصخور والعروق في الأرض والشجر، فهذا لا بأس إن شاء الله؛ لأن لهم مقداراً من الرؤية، ولهم أحاسيس في التربة أعطاهم إياها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا بأس باستخدامهم وبالاستعانة بهم في البحث عن الماء، أما الذين يدعون ولا يأتون ولا يحضرون فهؤلاء كذبة ودجلة على شرع الله، فينتبه لذاك المنشور وينتبه لهذا.وقد أكثروا الكذب في دين الله، وانتشر بين الناس أن زينباً رضي الله عنها وأرضاها لها كرامات حتى بعد موتها، والإنسان إذا مات لا يصبح له أثر، والرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته لا يحل ولا يحرم، ومن رآه في المنام فكأنما رآه عليه الصلاة والسلام، لأن الشيطان لا يتمثل بصورته الحقيقية، فهو عليه الصلاة والسلام إذا رُئي فهي بشرى للرائي أو تحذير له، فإن بعض الناس قد يراها فيكون بشرى له، وبعضهم يراه قد يكون تحذيراً له، يقول: انتبه، إنك مجرم، وإنك مسرف على نفسك، تب إلى الله عز وجل. وانتشر بين الناس حتى سمعنا أن بعضهم إذا عرك عينه أو دخل في عينه شيء قال: يا فاطمة بنت النبي، إن كان دقيقاً فدقدقيه، وإن كان شديداً فأخرجيه أو كما قال وهذا كذب! فإنه استعان بها وهي ميتة لا تنفع ولا تضر رضي الله عنها وأرضاها، حتى نسبوا من الأباطيل على علي بن أبي طالب ما سمعت بأذني من أحدهم أنه قال: أتينا من البلد الفلاني وفيه نهر جارٍ يجري، قلت: سبحان الله! قال: مر علي بن أبي طالب على هذا النهر، فرأى تلك الصخور، ورأى أهل الأراضي ما عندهم ماء، فضرب برمحه في الصخرة فخرج النهر، فرددت عليه وقلت: هذا كذب، قال: لا، نعوذ بالله، قاله العلماء والناس، وأنا أشهد أنه صحيح.فالمقصود أن بعض الأساطير والخرافات ترسخ في قلوب الناس، وما علاجها إلا العلم الشرعي، وإني أدعو إخواني جميعاً إلى التفقه في الدين، وإلى نشر العلم في القرى، وفي البوادي، وفي الصحاري، فإننا والحمد لله نعيش الصحوة، لكن الصحوة التي لا تكون على قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى المصحف وصحيح البخاري وصحيح مسلم، صحوة مشكوكٌ فيها.
واجب الدعاة
إن الصحوة الحقيقية تبنى على العلم النافع، وعلى الفقه في الدين، أما أن يبقى الناس في البوادي على خرافة وفي المدن على تعاسة، فهذه صحوة مشكوكٌ فيها، فليعلم إن شاء الله أن الأمة بخير، وأن واجبنا أن نجلس للناس، وأن نعلم الناس، ولا يستصغر أحدنا نفسه، بعض الناس يأتيه توجيه من الله وتوفيق ويقول: سوف أجلس للناس وأدرسهم هذا الكتاب، في بادية في قرية في حارة، في مدينة، فيأتي الشيطان اللعين، ولذلك يقول بعض المفكرين من الدعاة: الشيطان ثبت لدينا أن عنده شهادة دكتوراه في علم النفس، إذا أتيت من اليمين أتى بك من اليسار، فإذا صممت أن تجلس للناس جاءك، وقال لك بتلطف: من أنت حتى تجلس؟ أأنت الشيخ ابن باز؟! أأنت ابن عثيمين؟! يا فلان رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، اجلس في بيتك وتفقه في الدين حتى تبلغ أربعين سنة، وإن تخرجت من الثانوية فادخل الجامعة حتى تأخذ الشهادة، وإذا تخرجت من الجامعة فخذ الماجستير، وإذا أخذت الماجستير فخذ الدكتوراه وتصبح أستاذ مشارك حتى يسمع الناس كلامك، وهذه خطة ماسونية، يبقى الإنسان يحضر في بيته، ويكتب مذكرات، ويقابل بين نسخة بولاق ونسخة دار الشروق، والأمة ضائعة وكل إنسان يأتي ويتخرج وعنده العلم حتى والله الذي عنده الكفاءة يستطيع أن يدرس في البوادي عندنا، وليست المسألة بالطنطنة، ضاعت الأمة ونحن نراجع حساباتنا وشهاداتنا ونعلقها براويز في البيوت، والكتب ما شاء الله امتلأ المجلس وملأنا المكتبة من المجلدات والمؤلفات والقصص، وبعد الأربعين يموت الإنسان، وينقل إلى القبر، وما سمع الناس منه شيئاً، ويضيع الناس، ولذلك الأمة ليست بحاجة لكثرة الترف العلمي.يروي الخطيب البغدادي أن الخليل بن أحمد النحوي الذكي الذي بلغ من ذكائه أنه أتى بخمسة عشر بحراً للعروض، رُئي في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: ذهبت بحور العروض والله ما نفعتني شيئاً، وذهب النحو ما نفعني شيئاً، قالوا: ماذا نفعك؟ قال: نفعتني سورة الفاتحة كنت أعلمها لعجائز عندنا في القرية.إن تعليم الفاتحة لبادية من البوادي، أو لعجائز، أو لشيخين كبيرين؛ ضمينٌ أن يرفعك الله عز وجل به حتى تصير كالكوكب الدري في الجنة. ولذلك يأتي يوم القيامة كثير من الناس يحملون شهادة الدكتوراه، فيقول الله: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [الصافات:24-25] فليست المسألة مسألة مظاهر؛ فالشكوى إلى الله عز وجل من حالنا، وما وصلنا إليه، حتى وجدت شركيات في بعض النواحي، وعندنا صور ومستندات وزعت حتى عند كثير من الوجهاء والدعاة والعلماء في هذه المنطقة، صور أناس علقوا شاة بشجرة وهم يتقربون بهذه الشاة إلى هذه الشجرة، وصور أناس علقوا تمائم على القبر، وصور أناس يطوفون بقبر، وهذا موجود في هذه النواحي، فهل بقي أن نجلس في بيوتنا ونقول ما بقي عندنا علم، أصغر واحد، حضر في هذا المجلس يستطيع أن يغطي البوادي والقبائل والقرى، وأن يعلمهم الأمور المهمة في الدين، لأن البوادي والقبائل والناس لا يسألونك عن ابن لهيعة هل هو قوي الرواية أم لا؟ ولا يسألونك عن مستدرك الحاكم، ولا يسألونك عن مدريد وأين تقع، ولا يسألونك عن استراتيجية الدعوة وديكتاتورية المبدأ، وهذه الكلمات الرنانة، إنما يسألونك عن الفاتحة، وعن التحيات، وعن (قل هو الله أحد) وكيف نتوضأ، وكيف نتيمم. شيخ كبير كتب يقول: أنا قدمت من البادية وعندي بعض الناس، قال: وأنا لا أدري إلا اليوم أن الإنسان إذا جامع امرأته يغتسل للجنابة، فكنت أصلي ولا أدري أن عليَّ غسلاً للجنابة، سبحان الله! أربعين أو خمسين سنة يعيشها، ولا يدري أن المجامع يغتسل من الجنابة، ذنب من هذا؟!فالله الله في الدعوة إلى الله، والجلوس للناس وتعليمهم.نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتغمدنا وإياكم برحمته، وأن يرزقنا وإياكم الصدق والإخلاص.. إنه سميع قريب مجيب الدعاء، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 كرامات الأولياء وخرافات الدجالين
ومنها أن الملائكة شاركت في المعركة وهذا عضد للرسول صلى الله عليه وسلم وأنها كرامات لأولياء الله لا تنقطع أبد الدهر، سواءً في عهد الصحابة أو في عهدنا، فإذا سمعتم بالكرامات فلا تكذبوها.ولكن كذلك لا نشرك في سماع الكرامات، وذلك كأن تأتينا كل يوم عجوز تحدثنا: أنها رأت ملائكة تنـزل من السماء، وأنها صلت على سطح بيتها، أو كذا فنقول: ما شاء الله صدقتي، لأن الملائكة شاركت في بني قريظة! فنحن نؤمن بالكرامة، لكن إذا ثبتت بأسانيد، وكانت لا تخالف القواعد الشرعية.وهنا خطبٌ عجيب وكذبٌ صراح: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] يقول الكاتب: إخواني المسلمين، أخواتي المسلمات فرصة: فتاة عمرها ثلاث عشرة سنة مرضت مرضاً شديداً وعجز الأطباء في علاجها، وفي ذات ليله اشتد عليها المرض وبكت المسكينة حتى غالبها النوم، ورأت في منامها: بأن السيدة زينب رضي الله عنها وأرضاها وضعت في فمها قطرات، وبعد أن استيقظت من النوم وجدت نفسها أنها قد شفيت من مرضها تماماً، وطلبت منها السيدة زينب رضي الله عنها: أن تكتب هذا الرواية مرةً واحدة، لا أدري في أبها أو في خارج أبها على المسلمين والمسلمات لينظروا في قدرة الله تبارك وتعالى، وعند توزيع النسخة وجدت الآتي: النسخة الأولى: وصلت إلى يد فقير، كتبها ووزعها على الناس وبعد مضي ثلاثة عشر يوماً أغناه الله عز وجل، بعد ما كتبها ووزعها، ووصلت إلى يد عامل أهمل في كتابتها ثلاثة عشر يوماً ففقد عمله، أي فصل من العمل بقرار رجعي.النسخة الثالثة: وصلت إلى يد غنيٍ رفض كتابتها وتوزيعها وبعد ثلاثة عشر يوماً افتقر، فنرجو إبلاغ الإخوة بها ونشرها بين الناس. وأنا ما قرأتها، إلا لفائدة أن تعرفوا أنها كذب، لكن لتأتي بأخبار غيرها، فهذه المنشورات كثرت في الناس، ووجد قبل أسابيع وهي قبل أشهر ووزعت قبل سنوات الكتابة من خادم المسجد النبوي أحمد، أو الحرمين، أو الحرم المكي، وقال فيها كلاماً طويلاً، وهذا كذب صراح ولم يحدث هناك شيء وليس للمسجد خادمٌ كما قال بعض أهل العلم اسمه أحمد، وإنما دجلٌ وتضليل على أمة الله، وقصدهم إشغالهم عن العلم، وهؤلاء إما مخرفون، وإما أناس مستهزئون بالدين، وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم. فإياكم وإياهم! لا يغرونكم عن دينكم، والغرائب هذه كثرت في هذا الزمن، كل إنسان يحدث بغريبة ويجلعها كرامة، والذي يلاحظ أن الغرائب والعجائب أمور، منها ما هو قدح في الدين، وهذا أتى على يد المشعوذين والمسمعين والكهنة والعرافين -قاتلهم الله أنى يأفكون- نصبوا أنفسهم دجاجلة في كل قرية، الواحد منهم يدعي علم الغيب، حتى سمعنا في قرية قريبة أن فيها امرأة دجالة أفاكةٌ أثيمة، أنها تقول: تعلم الغيب وتعلم البلاد التي فيها ماء، والآبار التي فيها، فيأتيها الناس ويقولون: نحن من الأرض الفلانية، فتقول: فيها ماء وفيها كذا، واحفر ثلاثة عشر متراً أو خمسة عشر متراً وسوف تجد الماء.وهذه المرأة يعينها الجن في الخبر، وغيرها من الدجالين يعينونها، فيعطونها كلمة فتزيد عليها مائة كذبة، وهؤلاء من أتاهم وصدقهم بما قالوا؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أتاهم فلم يصدقهم، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة.وأما غيرهم من الذين يستدلون بعلامات، كرؤية الصخور والعروق في الأرض والشجر، فهذا لا بأس إن شاء الله؛ لأن لهم مقداراً من الرؤية، ولهم أحاسيس في التربة أعطاهم إياها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا بأس باستخدامهم وبالاستعانة بهم في البحث عن الماء، أما الذين يدعون ولا يأتون ولا يحضرون فهؤلاء كذبة ودجلة على شرع الله، فينتبه لذاك المنشور وينتبه لهذا.وقد أكثروا الكذب في دين الله، وانتشر بين الناس أن زينباً رضي الله عنها وأرضاها لها كرامات حتى بعد موتها، والإنسان إذا مات لا يصبح له أثر، والرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته لا يحل ولا يحرم، ومن رآه في المنام فكأنما رآه عليه الصلاة والسلام، لأن الشيطان لا يتمثل بصورته الحقيقية، فهو عليه الصلاة والسلام إذا رُئي فهي بشرى للرائي أو تحذير له، فإن بعض الناس قد يراها فيكون بشرى له، وبعضهم يراه قد يكون تحذيراً له، يقول: انتبه، إنك مجرم، وإنك مسرف على نفسك، تب إلى الله عز وجل. وانتشر بين الناس حتى سمعنا أن بعضهم إذا عرك عينه أو دخل في عينه شيء قال: يا فاطمة بنت النبي، إن كان دقيقاً فدقدقيه، وإن كان شديداً فأخرجيه أو كما قال وهذا كذب! فإنه استعان بها وهي ميتة لا تنفع ولا تضر رضي الله عنها وأرضاها، حتى نسبوا من الأباطيل على علي بن أبي طالب ما سمعت بأذني من أحدهم أنه قال: أتينا من البلد الفلاني وفيه نهر جارٍ يجري، قلت: سبحان الله! قال: مر علي بن أبي طالب على هذا النهر، فرأى تلك الصخور، ورأى أهل الأراضي ما عندهم ماء، فضرب برمحه في الصخرة فخرج النهر، فرددت عليه وقلت: هذا كذب، قال: لا، نعوذ بالله، قاله العلماء والناس، وأنا أشهد أنه صحيح.فالمقصود أن بعض الأساطير والخرافات ترسخ في قلوب الناس، وما علاجها إلا العلم الشرعي، وإني أدعو إخواني جميعاً إلى التفقه في الدين، وإلى نشر العلم في القرى، وفي البوادي، وفي الصحاري، فإننا والحمد لله نعيش الصحوة، لكن الصحوة التي لا تكون على قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى المصحف وصحيح البخاري وصحيح مسلم، صحوة مشكوكٌ فيها.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ساعة الصفر للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net