اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة تأملات قرآنية [4] للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


سلسلة تأملات قرآنية [4] - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
في آيات القرآن يذكر الله تعالى طرفاً مما يتعلق بأهل الكتاب، فقد ذكر تعالى أخلاق بعض اليهود في أداء الأمانة، وقول بعضهم الكذب على الله تعالى، كما ذكر تعالى الرد على النصارى في دعواهم ربوبية عيسى عليه السلام.كما ذكر تعالى في آيات القرآن أخذه العهد على النبيين في إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إن ظهر بينهم، وتلك منقبة له صلى الله عليه وسلم فهو حظنا من النبيين، ونحن حظه من الأمم.
تسمية السور
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:ففي هذا الدرس -يسر الله إتمامه- نواصل تفسير كتاب ربنا جل وعلا واقفين عند قول الله جل وعلا في سورة آل عمران: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:75] إلى قوله جل وعلا: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].إن سورة آل عمران سورة مدنية، وإن من أساليب تسمية سور القرآن تسمية الشيء باسم بعضه، وهذا أمر كانت العرب تستخدمه في كثير من الأمور، فسميت سورة البقرة بسورة البقرة لأنه جاء ذكر قصة البقرة فيها، وسميت سورة آل عمران بسورة آل عمران لأن الله جل وعلا ذكر فيها عمران وآله.وعلى هذا يقاس كثير مما في كتاب الله جل وعلا، وهو ظاهر بين، وإنما الخلاف بين العلماء في كون تسمية سور القرآن كانت من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أصحابه أو من غيرهم. والذي يظهر -والله جل وعلا أعلم- أن تسمية سور القرآن تسمية توقيفية، بمعنى أن الصحابة سموها بإشارة وأمر وإرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم.
 

بيان علة كثرة ذكر أهل الكتاب في سورة آل عمران
وقد تكلمت سورة آل عمران كثيراً عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وسبب ذلك أمران:الأمر الأول: قدوم وفد نصارى نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما حصل بينه وبينهم من مجادلة انتهت إلى الإقرار بالصلح بينهما، فكانت تلك الأسئلة التي طرحها وفد نجران سبباً في كثير من آيات سورة آل عمران.الأمر الثاني: ما كان من أحداث من أهل الكتاب من اليهود المجاورين للنبي عليه الصلاة والسلام في المدينة فكان القرآن ينزل ليبين كثيراً من أمورهم ومعايبهم وما يكون بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من أحداث فجل ما في السورة من ذكر أهل الكتاب كان هذا سببه. وفي السورة آيات أخر لا علاقة لها بأهل الكتاب، كذكر أحداث غزوة بدر وغزوة أحد وغيرهما مما هو معروف في مظانه، ولعل الله جل وعلا أن ييسر شرحها.
 

تفسير قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك...)
أما الآية التي بين أيدينا فإن الله يقول: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران:75].إن حب المال أمر مفطور في النفوس، قال سبحانه: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20]، وقال جل وعلا عن بني آدم: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8]، والأمانة في إنفاذها وفي إعطائها لا علاقة لها بالإيمان والكفر إلا شيئاً يسيراً، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كذب أعداء الله -يقصد اليهود- كل أمور الجاهلية تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر)، فلو قدر أن لأحد من الناس أمانة عندك وكان فاجراً فإن فجوره لا يمنعك من تأدية الأمانة إليه، فكونه كافراً أو فاجراً أو فاسقاً لا علاقة له بأحقية الأمانة التي له عندك.
 دلالة الآية على وجوب أداء الأمانات إلى أهلها
الفائدة الثالثة: أنه يجب تأدية الأمانات إلى أهلها، فالدين شأنه عظيم عند الله تبارك وتعالى، ومن يستدن ليأكل أموال الناس فإن الله جل وعلا يضيعه كما يريد هو أن يضيع أموال خلقه، ومن استدان ليسد ثغرة، وإنما منعه العجز عن رد الدين فهذا يسدد الله جل وعلا عنه ولا يأثم.وكيف نعرف أن فلاناً يستدين من أجل تضييع أموال الناس أو من أجل الرد؟ هذا يظهر من طبيعة المعاملة، فلو أن إنساناً تاجراً احتاج إلى مائة ألف ثم اقترض من رجل ما مائة ألف وقامت تجارته ثم انكسرت، ثم لم يبق في يديه إلا أموال يسيرة كألف أو ألفين أو ثلاثة، فجاء فاشترى بالألف أو الألفين شيئاً لبيته فلا نقول له: يجب عليك أن تسدد المائة الألف؛ لأن هذه الألف والخمسمائة ريال مثلاً لا تنفع صاحبها الأول وإنما تنفع الرجل في بيته؛ لأن المبلغ زائد عن قدرة هذا المستدين.ولكن إذا كان الإنسان ينفق في شيء زائد عن حاجته بمقدار أكثر أو أقل مما هو مستدين له فإنه يدخل في من لم يف بحق الأمانة بينه وبين الناس.وأداء الديون من أهم الأمور، فالشهادة يُرفع بها كل إثم إلا الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أخبرني به جبريل آنفا) فهذا يبين أن الأمانات بين الناس شأنها عظيم، ومن حاول وجاهد في تأدية الدين عن نفسه أدى الله جل وعلا عنه وأعانه ربه تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب...)
ثم قال الله سبحانه في الآية التي تليها: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:78].المناسبة بين الآيتين السابقة واللاحقة أن الآية السابقة بيان للمعايب المالية في الخيانة عند اليهود، وأما الآية التي بعدها بيان للمعايب الدينية في عقائدهم.قال الله جل وعلا: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ [آل عمران:78] اللي: هو الميل، تقول: لوى فلان يد فلان، أي: أمالها، فقوله تعالى: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ [آل عمران:78]، أي: يحرفون كلام الله لفظاً ومعنىً، وينطقونه على هيئة من يغررك أنه من كلام الله.وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران:78] اللام للتعليل، والفعل بعدها منصوب وعلامته نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وأصل الكلام (تحسبونه) بالنون، فحذفت النون لدخول لام التعليل.قال تعالى: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران:78] (ما) هنا نافية، قال تعالى: وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:78] والمعنى: أنهم لم يكتفوا بأنهم يحرفون في الكلم حتى يلبسوا على الناس في أن ما يقولونه من عند الله، بل زادوا على ذلك إثماً، فلم يكفيهم التلميح وإنما لجئوا إلى التصريح وصرحوا كفراً وكذباً بأن ما يقولونه من عند الله، وهم يعلمون يقيناً بأنه ليس من عند الله.قال سبحانه: وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:78]، أي: يفعلون ما يفعلون من كذب وخداع وتمويه على الناس وهم يعلمون حقيقة أنهم يأتون الباطل بعينه، فلا يرتدعون، وهذه نعت مما نعت الله جل وعلا به اليهود.فتحصل من الآيتين عيبان: الأول مالي، والثاني ديني.
 دلالة الآية على وجوب أداء الأمانات إلى أهلها
الفائدة الثالثة: أنه يجب تأدية الأمانات إلى أهلها، فالدين شأنه عظيم عند الله تبارك وتعالى، ومن يستدن ليأكل أموال الناس فإن الله جل وعلا يضيعه كما يريد هو أن يضيع أموال خلقه، ومن استدان ليسد ثغرة، وإنما منعه العجز عن رد الدين فهذا يسدد الله جل وعلا عنه ولا يأثم.وكيف نعرف أن فلاناً يستدين من أجل تضييع أموال الناس أو من أجل الرد؟ هذا يظهر من طبيعة المعاملة، فلو أن إنساناً تاجراً احتاج إلى مائة ألف ثم اقترض من رجل ما مائة ألف وقامت تجارته ثم انكسرت، ثم لم يبق في يديه إلا أموال يسيرة كألف أو ألفين أو ثلاثة، فجاء فاشترى بالألف أو الألفين شيئاً لبيته فلا نقول له: يجب عليك أن تسدد المائة الألف؛ لأن هذه الألف والخمسمائة ريال مثلاً لا تنفع صاحبها الأول وإنما تنفع الرجل في بيته؛ لأن المبلغ زائد عن قدرة هذا المستدين.ولكن إذا كان الإنسان ينفق في شيء زائد عن حاجته بمقدار أكثر أو أقل مما هو مستدين له فإنه يدخل في من لم يف بحق الأمانة بينه وبين الناس.وأداء الديون من أهم الأمور، فالشهادة يُرفع بها كل إثم إلا الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أخبرني به جبريل آنفا) فهذا يبين أن الأمانات بين الناس شأنها عظيم، ومن حاول وجاهد في تأدية الدين عن نفسه أدى الله جل وعلا عنه وأعانه ربه تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً...)
ثم قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:77].إن الناس يتعاملون بالمال، فحب الدنيا العاجل يدفع البعض -والعياذ بالله- إلى أن يحلف كذباً حتى ينال شيئاً من حطام الدنيا الزائل، وهذا أكثر ما يكون في التجار، وهو -وإن كان في اليهود أظهر- ليس مختصاً بهم وحدهم، وإنما يكون في كل صاحب سلعة في الغالب يريد أن ينفقها، ويكون في غير أصحاب السلع.والمعنى: أن الحلف بالله شيء عظيم، وإعطاء العهد بالله تبارك وتعالى شيء أعظم، فإذا كان الإنسان يبيع هذين -العهد والحلف بالله- من أجل أن يشتري شيئا من الدنيا يعلم أنه زائل كذباً وميناً وزوراً فقد توعده الله جل وعلا بروادع وزواجر عدة، من أهمها أن الله جل وعلا لا يجعل له في الآخرة حظاً ولا نصيباً، وهذا معنى قول الله: لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ [آل عمران:77]، فالخلاق هنا بمعنى: الحظ والنصيب، فلا حظ لهم ولا نصيب وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ [آل عمران:77]، وهذا -والعياذ بالله- منتهى الحرمان وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:77]، وهذا أشد وَلا يُزَكِّيهِمْ [آل عمران:77]، أي: ولا يطهرهم، وتطهير الله لعباده يكون بغفران ذنوبهم وستر معايبهم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:77].
 ذكر أنواع اليمين
ويتحصل من هذا فقهياً ما يلي:أن الأيمان ثلاث: يمين لغو تجري على ألسنة الناس لا يتعمدونها ولا يقصدونها، فهذه قال الله جل وعلا عنها: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ [البقرة:225]، يقول الرجل: بلى والله، كلا والله، اجلس والله، فهذه تجري على اللسان دون أن يتعمدها العبد، فهذه سماها الله لغواً، وأخبر جل وعلا أنه لا يؤاخذ عليها.اليمين الثانية: تسمى اليمين المنعقدة، وهي التي قال الله جل وعلا عنها: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:225]، وهذه تكون في الأمور المستقبلية، بحيث تقسم على أن تفعل أو لا تفعل، أو تترك أو لا تترك، فهذه إن وقعت على خلاف ما قلت يلزم منها كفارة اليمين، وكفارة اليمين واحدة من ثلاث على التخيير: تحرير رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن أعتق رقبة أو أطعم عشرة مساكين أو كسا إنساناً ما يكفيه لأن تقام بلباسه الصلاة فقد كفر يمينه، وهذه الثلاث على التخيير، فإن لم يستطع أن يحرر رقبة، ولم يستطع أن يطعم عشرة مساكين، ولم يستطع أن يكسوهم ينتقل في حالة العجز عن هذه الثلاثة بالتخيير إلى الصيام، والمشهور عند العامة أن الصيام مواز لهذه الثلاث، وهذا خطأ، فإن هذه الثلاث على التخيير، قال الله جل وعلا: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [المائدة:89] أي: واحداً من هذه الثلاثة فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]، فلا ينتقل إلى الصيام إلا إذا عجز عن واحدة من هذه الثلاث.اليمين الثالثة: اليمين التي يحلفها الإنسان على شيء قد مضى، فيحلف على شيء لم يكن على أنه كان، وعلى شيء قد كان على أنه لم يكن، وهذه تسمى يميناً غموساً؛ لأنها من كبائر الذنوب، ولم يجعل الله جل وعلا لها كفارة، فتسمى يميناً غموساً ويميناً فاجرة، ويلزم منها التوبة النصوح والتخلص من المظالم والأوبة إلى الله جل وعلا، قال صلى الله عليه وسلم -كما عند الستة من حديث عبد الله بن مسعود -: (من حلف على يمين فاجرة وهو كاذب ليقتطع مال امرئ مسلم لقي الله جل وعلا وهو عليه غضبان)، عياذاً بالله، وكفى بالمرء إثماً أن يلقى الله جل وعلا وهو عليه غضبان.وبالاستقراء -أي: بالنظر في أحوال الناس- عبر التاريخ علم أن كل من يحلف على يمين كاذبة يعاقبه الله جل وعلا قبل أن يموت، خاصةً إذا كان في قسمه وأيمانه مضرة على إنسان مسلم، كشهادة الزور التي تودي بأخيه المسلم وتضره به في الدنيا، فهذه اليمين تبقى ملتحقة به وينتقم الله جل وعلا منه -كما عليه دل الاستقراء- قبل أن يموت.فـسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان أحد العشرة المبشرين، فبعثه عمر رضي الله عنه أميراً على الكوفة، فمكث فيها ما شاء الله ثم جاء وفد من الكوفة فسألهم عمر عن سعد ، فكأن بعضهم ألمح على أنه لا يريده، فبعث عمر رضي الله عنه -وكان حاكماً عادلاً- من يسمى في أيامنا هذه بلجنة تقصي الحقائق، فجاءت هذه اللجنة إلى الكوفة فأخذت تسأل الناس عن سعد في المساجد فيأتون المسجد فيقولون كيف أميركم سعد ؟ فيدلي الناس بإجاباتهم، حتى دخلوا مسجدا لبني عبس الذين سكنوا الكوفة، فلما سألوهم عن سعد قام رجل فقال: أما وقد سألتنا عنه فإنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية وقال كلمة أخرى يذكر عيوباً في سعد ، وكان سعد حاضراً مع اللجنة، فلما سمعه سعد وكان يعلم أنه كاذب وقد حلف، قال: اللهم إن كان عبدك هذا قد قال ما قال كذباً ورياءً فأطل عمره وعرضه للفتن. فعاش هذا الرجل ما شاء الله له أن يعيش حتى طال عمره وأصبح رجلاً أبيض الحواجب مع بياض الشعر وسقط حاجباه على عينيه من شدة الهرم وكبر السن، وفي هذه السن التي يعقل فيها كل ذي خبل كان يقف في شوارع الكوفة وأحيائها وأسواقها يتعرض للنساء ويغمزهن ويلمزهن، وهو قد تجاوز المائة، فإذا قال له الناس: اتق الله! يقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد . فلا يجد في نفسه قدرة على أن يمتنع عن هذا. وموضع الشاهد أن اليمين الفاجرة من أعظم ما حرمه الله ومن كبائر الذنوب، وقد دلت الآية عليها: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:77].
تفسير قوله تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول...)
ثم قال سبحانه: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79].هذا عود على بدء، فقد قلنا: إن آية المباهلة نزلت بسبب وفد نصارى نجران، وقلنا: إن وفد نصارى نجران كانوا يقولون: إن المسيح ابن الله، فيعبد كما يعبد الله حسب زعمهم.فهنا يقول الله جل وعلا رداً عليهم: إنه لا يمكن أن يقع ولا ينبغي أن يقع أن الله جل وعلا يعطي بشراً الحكم -أي: الحكمة والكتاب- المنزل ويجعله نبياً ثم يقول هذا العبد للناس: اجعلوني رباً من دون الله. فهذا لا يمكن أن يقع شرعاً ولا قدراً، لسبب يسير، وهو أن الله أعلم حيث يجعل رسالته. فهؤلاء الأنبياء علم الله جل وعلا قبل أن يبعثهم ما في قلوبهم، ولذلك لا يمكن أن يقع منهم خلاف ما أراد الله جل وعلا أن يكونوا عليه، لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية القدرية، فكل الناس في هذا سواء، ولكن لا يقع ذلك منهم شرعاً ولا قدراً، ولذلك قال الله: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:79]، فإن قيل: فما الذي يقوله؟! والجواب: وَلَكِنْ أي: الذي يقع والذي يقوله النبي: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79].
 بيان معنى الرباني
وكلمة (رباني) نسبة إلى الرب، وزعم بعض العرب أنها لفظ غير عربي، وأنها غير مسموعة في لغة العرب، الأكثرون على أنها عربية.وقد اختلف العلماء في معنى (ربانيين)، وجميع ألفاظ العلماء تدل على معنى متقارب، ومجملها أن يقال: إن الرباني هو العالم الفقيه الذي يستطيع أن يسوس الناس بعقل وحكمة ويربي طلبته على صغار العلم قبل كباره، فإن جمع الإنسان هذا كله قدر له أن يكون من الربانيين في العلم.والحوادث المعاصرة ميزت كثيراً من الربانيين عن غيرهم، فالربانيون من العلماء لا يلقون الناس في المهالك، وقد بين الشاطبي رحمه الله تعالى في (الاعتصام) وفي (الموافقات) -وهما كتابان في التأصيل العلمي- بين كثيراً في معنى الربانية، وتكلم عما ينبغي أن يكون عليه العالم الحق الذي يسوس الناس في أيام الفتن، فالعالم الذي يسوس الناس في أيام الفتن لا يهمه أن يجيب على السؤال، وإنما يهمه أن ينظر في المآل قبل أن يتكلم، فينظر إلى مآل قوله ومآل فتواه وعاقبتها على عامة الناس قبل أن يتفوه بها، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم في دين الله جل وعلا، وتلك منازل الكل يطلبها، وقليل من يحصل عليها، بلغنا الله وإياكم إياها.قال تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79] الباء في الحالتين سببية، والمعنى: بما أنكم رزقتم الكتاب تعلمونه وتدرسونه وتدرِّسونه فإنه ينبغي عليكم أن تكونوا ربانيين وأنتم تسوسون الناس.
تفسير قوله تعالى: (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً...)
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:80]، الواو هنا عاطفة على الصحيح، والمعنى: أن هذا النبي يقول لقومه: إن الله لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، ذلك أن لب دعوة الرسل هي إقامة التوحيد، فلو جاء نبي وطلب من الناس أن يعبدوا الملائكة ويعبدوا النبيين لخالف هذا جوهر الرسالة التي بعث من أجلها، فما أنزل الله الكتب ولا بعث الله الرسل ولا نصب الله الموازين ولا أقام البراهين إلا ليعبد وحده دون سواه، فهذا كان بدهياً أن الأنبياء والمرسلين يأمرون الناس بأن يفروا من العبودية إلى أن يعبدوا الله جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه.والناس إذا علموا الكتاب وعلموا الحكمة تحركت الفطرة التي في أنفسهم وأصبحت مقبلة على الله، فكيف يعقل من هذا النبي بعد أن أسلم الناس وأصبحوا مقبلين على ربهم جل وعلا أن يطلب منهم أن يعبدوا الملائكة أو أن يعبدوا النبيين؟! فهذا لا يمكن أن يقع، كما قال الله: مَا كَانَ [آل عمران:79] أي: ما ينبغي ولا يمكن أن يقع مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:79-80].
 بيان معنى الرباني
وكلمة (رباني) نسبة إلى الرب، وزعم بعض العرب أنها لفظ غير عربي، وأنها غير مسموعة في لغة العرب، الأكثرون على أنها عربية.وقد اختلف العلماء في معنى (ربانيين)، وجميع ألفاظ العلماء تدل على معنى متقارب، ومجملها أن يقال: إن الرباني هو العالم الفقيه الذي يستطيع أن يسوس الناس بعقل وحكمة ويربي طلبته على صغار العلم قبل كباره، فإن جمع الإنسان هذا كله قدر له أن يكون من الربانيين في العلم.والحوادث المعاصرة ميزت كثيراً من الربانيين عن غيرهم، فالربانيون من العلماء لا يلقون الناس في المهالك، وقد بين الشاطبي رحمه الله تعالى في (الاعتصام) وفي (الموافقات) -وهما كتابان في التأصيل العلمي- بين كثيراً في معنى الربانية، وتكلم عما ينبغي أن يكون عليه العالم الحق الذي يسوس الناس في أيام الفتن، فالعالم الذي يسوس الناس في أيام الفتن لا يهمه أن يجيب على السؤال، وإنما يهمه أن ينظر في المآل قبل أن يتكلم، فينظر إلى مآل قوله ومآل فتواه وعاقبتها على عامة الناس قبل أن يتفوه بها، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم في دين الله جل وعلا، وتلك منازل الكل يطلبها، وقليل من يحصل عليها، بلغنا الله وإياكم إياها.قال تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79] الباء في الحالتين سببية، والمعنى: بما أنكم رزقتم الكتاب تعلمونه وتدرسونه وتدرِّسونه فإنه ينبغي عليكم أن تكونوا ربانيين وأنتم تسوسون الناس.
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين...)
ثم قال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].اختلف العلماء في تفسير هذه الآية فانقسموا إلى فريقين: فريق يرى -وهم الأقل من العلماء- أن هذه الآية شاملة لجميع الأنبياء، والمعنى عندهم أن الله جل وعلا بعث النبيين بغاية واحدة هي عبادته سبحانه، فيأخذ الله جل وعلا من كل نبي أن يبين هذا للناس وأن يُعينه مَنْ بعده على هذا الطريق. والأكثرون من العلماء -وهو المحفوظ المنقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - أن هذه الآية منقبة لنبينا صلى الله عليه وسلم، فيصبح معنى الآية أن هناك ميثاقاً، وهناك من أخذ الميثاق، وهناك من أُخذ عليهم الميثاق.فأما الذي أخذ الميثاق فهو الرب جل وعلا، وهذا واضح في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ [آل عمران:81]، والذين أخذ منهم الميثاق هم النبيون وأتباعهم، وإنما ذكر الله النبيين؛ لأن الأنبياء رءوس الناس والذي أخذه الله منهم هو متى ظهر نبينا صلى الله عليه وسلم في زمانهم وجب عليهم أن يتبعوه، كما قال تعالى: ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ [آل عمران:81] والمقصود به نبينا صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران:81]، والإصر بمعنى: العهد قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].
 بيان معنى قوله تعالى (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)
يقول تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:81-82].قوله تعالى: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:82] معناه أنه بعد أن بين الله الحجج وأوضح الله تلك الطرائق وأقام الله جل وعلا تلك البراهين إذا جاء من الناس من أعرض وتولى ولم يقبل نداء الله تعالى له فلا ريب في أنه من الفاسقين. وقد قلنا في درس سابق: إن الفسق ينقسم إلى قسمين: فسق يخرج من الملة، كقول الله: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا [السجدة:18]، وفسق غير مخرج من الملة، كما قال الله جل وعلا: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:7]، ومن القواعد العلمية أن العطف يقتضي المغايرة، والله عطف الكفر والفسوق والعصيان بعضها على بعض، فدل على أن الكفر غير الفسوق والفسوق غير العصيان.
تفسير قوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون...)
ثم قال سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران:83] الهمزة للاستفهام، والاستفهام هنا استفهام إنكاري، والمعنى: كيف يبغون ديناً غير دين الله؟! فمن عرف هذه الحجج وعرف هذه البراهين واستبانت له لا يمكن أن يقبل دينا غير دين الله تبارك وتعالى.ثم ذكر الله جل وعلا ما يدلهم على أنه ينبغي أن يعبدوا الله فقال: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83]، اللام هنا للملكية، والملك قسمان: ملك حقيقي وملك صوري، وما يجري في الدنيا اليوم هو ملك صوري، وأما الملك الحقيقي فهو لله، فما تملكه اليوم إما أن تذهب عنه وإما أن يذهب عنك، ولذلك قال الله جل وعلا: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان:26]، مع أن الملك يومئذ واليوم لله، وقال الله جل وعلا في آخر الانفطار: وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:19]، ولا شك في أن الأمر كل يوم لله، ولكنه المقصود أن ملك الصورة يغيب ويذهب يومها.
 بيان معنى قوله تعالى (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرها...)
وقوله تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83]، أي: انقاد وخضع واستسلم لله تبارك وتعالى (طَوْعًا وَكَرْهًا)، هذا من الأضداد، ويسميه البلاغيون طباقاً، فإذا جاءت الكلمتان متضادان سمي البلاغيون ذلك طباقاً، ومنه الليل النهار، وقوله: (طوعاً) معرف، وكذلك كرهاً، ونفرق بين (كَرهاً) بفتح الكاف و(كُرهاً) بضم الكاف بأن الكَره هو المشقة الخارجة عنك التي لا تريدها، أي: الأمر الذي تجبر عليه وأنت لا تريده. وأما (الكُره) -بضم الكاف- فهو المشقة التي تريدها رغم أن فيها مشقة؛ لأن فيها منفعة رغم مشقتها. وبالأمثال يتضح الحال، فالكره جاء في مثل قول لله تبارك وتعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83]، وقول الله تبارك وتعالى: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19]، أي: وهن غير راضيات.وأما (الكُره) فإن الله كتب الحمل على بنات حواء ، وقال سبحانه وتعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا [الأحقاف:15]، فمشقة التي تأتي للمرأة مشقة مرغوبة، فما من امرأة إلا وهي تريد أن تلد وتحمل، فهي مشقة مرغوبة، ولذلك عبر الله جل وعلا عنها بالكُره. قال الله جل وعلا عن الجهاد في سبيله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، بضم الكاف، والجهاد فيه مشقة؛ لأنه فيه ذهاب أرواح وذهاب أبدان وذهاب أموال، وينال الناس فيه من العناء والمشقة الشيء العظيم، ولكن ما فيه من أجر وما يتعلق به من ثواب وما ينال المسلم به من قربات عند الله يجعله محبوباً إلى النفوس، ولذلك عبر الله جل وعلا عنه بضم الكاف.ثم بين سبحانه وتعالى دلالة ملكه وعظيم عطائه فقال جل ذكره: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83]، أي: أن مآبهم ومردهم إلى الله تبارك وتعالى، وهذه آية من مثاني القرآن سيأتي عنها الحديث تفصيلاً.هذا ما أردنا بيانه، ونسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة تأملات قرآنية [4] للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net