اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة طه [6] للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة طه [6] - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
حينما كان موسى عليه السلام في ميقات ربه في جبل الطور غائباً عن بني إسرائيل وكان قد استخلف عليهم أخاه هارون، استغل السامري هذه الفرصة فصنع لبني إسرائيل عجلاً من ذهب له خوار، وأمرهم أن يعبدوه فعبدوه من دون الله تعالى، وقالوا: إنه إلههم وإله موسى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولما رجع موسى أنكر عليهم وعاتب أخاه، ثم حاور السامري في هذا الأمر، وقال له: اذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس، أي: لا أحد يقترب منك ولا تقترب من أحد، ثم أمر الله بني إسرائيل بالتوبة إليه، وبعد ذلك ذكر الله تعالى ما سيكون في الأرض من دمار شامل عند قيام الساعة، فإذا قامت الساعة جازى الله المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم، ولا يظلم ربك أحداً.
افتتان بني إسرائيل بالسامري وعبادتهم للعجل في غياب موسى
الحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله رب الأرض والسماوات وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أتم الله به النبوة وختم الله به الرسالة، صلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصاحبه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فما زلنا -معشر الأحبة- في تفسير قول الله جل وعلا في سورة طه: فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه:86] . وهذا الخبر مفرح على ما قبله، وهو أن موسى عليه الصلاة والسلام أخبره الله جل وعلا وهو عند جبل الطور بأن قومه قد فتنوا من بعده، وأنهم عبدوا العجل بناءً على أمر أو إشارة أو دلالة من السامري ، وحتى يكون المنهج واضحاً فإن بعض الآيات في القرآن يحسن ذكر إجمالها، والإنسان إذا فقه مجمل القضية يستطيع بعد ذلك أن يفك ألفاظ القرآن.وعلى هذا فقول الله جل وعلا: فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه:86] إلى قوله تبارك وتعالى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه:98] إنما هو حدث تاريخي جملته عبادة بني إسرائيل للعجل، وسوف يمر معنا قوله تعالى: يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [طه:94]، على لسان هارون، وقول السامري : (بصرت بما لم يبصروا به) وغير ذلك، ولذلك إذا كان الإنسان لم يفقه القضية أصلاً والقصة جملة فلن يستطيع أن يفهمها كحروف حتى يستوعب القضية أياً كانت.لذلك سأسرد القصة مستغنياً بها عن قضية فك الآيات آية آية، إنما على إيحاء القرآن من القرآن نفسه نأخذ القصة، ونحاول أن نستعين ببعض المعطيات التاريخية قدر الإمكان، مع التحرز عن أن الغيب لا يدرك بالعقل، فما سكت الله عنه غيباً لا نستطيع أن نقتحمه نحن بتأويلاتنا العقلية، فهذا أمر يجب التحرز منه.
 محاورة موسى للسامري
وبعد أن تأكد موسى أن الأمر ما زال في قبضته، وأن بني إسرائيل لم تتفرق؛ رجع إلى السامري يحاكمه فقال له: (ما خطبك يا سامري )؟ يسأله، فقال السامري ما ذكرناه من أنه قبض قبضة وأنه جمع وما إلى ذلك.وموسى معروف بحدته، وقد مر كثيراً ونحن ندرس القرآن والسنة حدة موسى في ذات الله، ومنها ما حصل منه مع الخضر، ومنها الموقف الذي بين أيدينا من مجازاته لأخيه، لكنه قال للسامري : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ [طه:97]، قال أهل العلم جملة في معناها: أن الله جل وعلا حكم على هذا الرجل الضال بأن لا يكون فيه أنس مع الغير، فيستوحش من الناس، ولا يكونون مخالطين له، وأنه يبقى ما بقي من حياته يعيش طريداً شريداً لا يأنس بالخلق، هذا جملة ما قالوه.وبعض الناس من المتأخرين ممن لهم دراية بالتاريخ -والوجه الذي اتكئوا عليه صحيح، لكن لا يلزم من الوجه الذي اتكئوا عليه إذا كان صحيحاً أن تكون النتيجة صحيحة؛ لأنني أقول دائماً: إن قضية الغيب تبقى غيباً- فقالوا: إن الله جل وعلا أراد أن يبقي على حياة السامري ، ولهذا لم يعنفه موسى، بل قال: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ [طه:97]، والسابقون كانوا يقولون: إن الموعد هو يوم القيامة، لكن هذا فيه نظر؛ لأن هذا موعد لا يختص بـالسامري وحده، فقالوا إن القضية قضية الدجال، وإن السامري هو الدجال، وإن الله أذن له أن يبقى ويعيش ولم يسلط عليه عبده موسى حتى تبقى حياته، فإذا بقيت حياته فإن الموعد الذي لن يخلف هو وقت خروجه للناس، ثم وقت هلاكه على يد عيسى ابن مريم .أقول معقباً والعلم عند الله: هذا القول له حظ كبير من النظر، لكن من الصعب تبنيه والجزم به؛ لعدم وجود ما يدعمه من الأثر، لكن أقول: إن العقلية التي تنتبه لمثل هذا عقلية مؤهلة لأن تنظر في كلام الله، وهذا من العلم الذي تجري فيه أقدام العلماء .. هذا أمر.الأمر الثاني: هذا يسمى من مليح القول لا من متين العلم، هذه جملة ما ذكره الله جل وعلا عن السامري .
الفوائد المستنبطة من قصة بني إسرائيل مع السامري وعبادتهم للعجل
ثمة فوائد يجب استنباطها من هذا الحدث التاريخي الذي مر به بنو إسرائيل:أولها وأعظمها: أن الله إذا أراد ضلالة أحد غشي على بصره وحرمه من استعمال عقله، وإلا فإنه من المحال أن يقال: إن قوماً ينجيهم الله، ويرون البحر يبساً، وتمشي أقدامهم عليه، ثم بعد هذا كله يأتون إلى عجل له خوار يعبدونه من دون الله، هذا من أعظم الدلائل على أن المسألة لا ترجع إلى العقل، وإنما هي هداية من الله ونور يضعه الله جل وعلا في قلب من يشاء.الأمر الثاني: أن الناس الذين ينصر الله بهم دينه تختلف مشاربهم وقدراتهم، فموسى فيه الغضب والحدة، وقد نفعت الدين نفعاً عظيماً، وهارون عليه السلام كان فيه شيء من اللين والرفق، وقد نفعت الدين نفعاً عظيماً، كما كان في الفاروق والصديق رضي الله تعالى عنهما، فإن الصديق كان فيه لين، والفاروق كان فيه شدة، ولما كان الصديق رضي الله عنه يستشير الناس في أمر الفاروق وكانوا يخشون من شدته فكان يقول لهم: إن الذي دفعه إلى هذا أنه يجد في ليناً في ذات الله.والمقصود: عندما تحاكم شخصين فلا تنظر من هذه الزاوية الضيقة فتقول: إن فلاناً قوي في ذات الله جبار، وتتهم الآخر بالضعف، لكن الدين ينصر بالشخص الضعيف كما ينصر بالشخص القوي، وأحياناً نحتاج إلى الحدة والغضب، وأحياناً نحتاج إلى الحلم واللين، وأحياناً نحتاج إلى دعاء ذلك الرجل العاجز، وأحياناً نحتاج إلى حلم الحليم، وأحياناً نحتاج إلى استنباط الفقيه، فالدين من حيث الجملة ينصره الله جل وعلا بهؤلاء كلهم، كما نصر الله دينه بنبييه موسى وهارون رغم اختلاف شخصيتهما اختلافاً كثيراً.الأمر الثالث: وهذا مر معنا عرضاً: أن الإنسان لا يحاول أن يصادم أصحاب الرئاسات، وأن المركب الواحد لا يحتمل أكثر من قائد، ولا بد للعاقل أن يتغاضى عن أمور إذا أراد للمركب أن تسير، لكن الإلحاح على المطالب والإصرار على الزعامة، والتنافس في الدنيا، هذا هو الذي يذهب المركب الإسلامي ويجعله عرضة للغرق.لكن من جعل الله جل وعلا بغيته ورضوان الله جل وعلا غايته، هان عليه كل ذلك في سبيل إعلاء دين الرب تبارك وتعالى، لكنه كذلك ينبغي أن يعلم أن دين الله جل وعلا أجل وأعظم من أن يتخذ غرضاً للدنيا.الأمر الرابع: أن الذنوب والخطايا التي تكون للعبد -ولا بد منها- يجب أن توظف توظيفاً صحيحاً، فلا يأتينك أحد ينتهز فيك ماضيك وبعض خطاياك فيوظفك فيما يشاء وما يبتغي وما يريد من باب أن ذلك كفارة لما قد عملت، وإنما الإنسان يعلم أن الذنوب والمعاصي ليس لها إلا التوبة، وقد مر معنا قوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]. هذا جملة ما يمكن أن يقال عن قصة موسى مع السامري ، وعبادة العجل من أعظم ما اقترفه بني إسرائيل، ولهذا أمرهم الله جل وعلا بالتوبة، وجعل توبتهم أن اقتلوا أنفسكم.
 محاورة موسى للسامري
وبعد أن تأكد موسى أن الأمر ما زال في قبضته، وأن بني إسرائيل لم تتفرق؛ رجع إلى السامري يحاكمه فقال له: (ما خطبك يا سامري )؟ يسأله، فقال السامري ما ذكرناه من أنه قبض قبضة وأنه جمع وما إلى ذلك.وموسى معروف بحدته، وقد مر كثيراً ونحن ندرس القرآن والسنة حدة موسى في ذات الله، ومنها ما حصل منه مع الخضر، ومنها الموقف الذي بين أيدينا من مجازاته لأخيه، لكنه قال للسامري : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ [طه:97]، قال أهل العلم جملة في معناها: أن الله جل وعلا حكم على هذا الرجل الضال بأن لا يكون فيه أنس مع الغير، فيستوحش من الناس، ولا يكونون مخالطين له، وأنه يبقى ما بقي من حياته يعيش طريداً شريداً لا يأنس بالخلق، هذا جملة ما قالوه.وبعض الناس من المتأخرين ممن لهم دراية بالتاريخ -والوجه الذي اتكئوا عليه صحيح، لكن لا يلزم من الوجه الذي اتكئوا عليه إذا كان صحيحاً أن تكون النتيجة صحيحة؛ لأنني أقول دائماً: إن قضية الغيب تبقى غيباً- فقالوا: إن الله جل وعلا أراد أن يبقي على حياة السامري ، ولهذا لم يعنفه موسى، بل قال: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ [طه:97]، والسابقون كانوا يقولون: إن الموعد هو يوم القيامة، لكن هذا فيه نظر؛ لأن هذا موعد لا يختص بـالسامري وحده، فقالوا إن القضية قضية الدجال، وإن السامري هو الدجال، وإن الله أذن له أن يبقى ويعيش ولم يسلط عليه عبده موسى حتى تبقى حياته، فإذا بقيت حياته فإن الموعد الذي لن يخلف هو وقت خروجه للناس، ثم وقت هلاكه على يد عيسى ابن مريم .أقول معقباً والعلم عند الله: هذا القول له حظ كبير من النظر، لكن من الصعب تبنيه والجزم به؛ لعدم وجود ما يدعمه من الأثر، لكن أقول: إن العقلية التي تنتبه لمثل هذا عقلية مؤهلة لأن تنظر في كلام الله، وهذا من العلم الذي تجري فيه أقدام العلماء .. هذا أمر.الأمر الثاني: هذا يسمى من مليح القول لا من متين العلم، هذه جملة ما ذكره الله جل وعلا عن السامري .
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال ... لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً)
ثم قال الله جل وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:106-107]، هذه إحدى آيات السؤال في كلام ربنا الكبير المتعال, وآيات السؤال متعددة في القرآن وقد جاءت في القرآن المكي والقرآن المدني، وقد أفرد لها الشيخ عطية محمد سالم كتاباً خاصاً أسماه: آيات السؤال والجواب في آيات الكتاب، فمنها ما يتعلق بالتشريع كالسؤال عن المحيض، والسؤال عن أموال اليتامى، والسؤال عن الأهلة، والسؤال عن الخمر، ومنها ما يتعلق بالأمور الغيبية وما سيقع كهذه الآية: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ، وكقوله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف:187]، وبكل أجابه الله.قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:105]، الجبال خلق من خلق الله عظيمة الهيئة، ولأنها عظيمة الهيئة فقد لفت الله الأنظار إليها فقال: وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية:19]، والله تبارك وتعالى إذا استقر في الأذهان عظمة شيء يربطه بعظمته، فأين ربط الله عظمة الجبال بعظمته؟ ربطها لما تكلم عن إنكار نسبة الولد إليه فقال: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم:87-91].فهي على عظمتها تخر إذا بلغها أن أحداً من الخلق زعم أن لله صاحبة أو ولداً، فربطها جل وعلا بعظمته .. ثم لعظيم خلقتها بين الله جل وعلا أنها من جملة من يعبده فقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44] وهذا عموم، ثم ذكر لها خصوصاً فقال: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ [ص:18]، ذكر جل وعلا تسخيرها لداود عليه السلام أنها تسبح معه صلوات الله وسلامه عليه .. فهذا من جملة كيف يربطها الله جل وعلا بذاته العلية.كذلك استقر في الأذهان أن الجبال شيء عظيم حتى في اللغة، فمن أراد أن يمدح أحداً شبهه بالجبل، يقول الفرزدق في رده على جرير : فادفع بكفك إن أردت بناءناثهلان ذا الهضبات هل يتحلحليقول له: إذا أردت أن تهدم ما بناه أجدادي فإن صنيعك كمن يأتي إلى كهلان -وهو جبل عظيم كبير في الحجاز- يريد هدمه أو تحريكه بيده، وهو لن يستطيع، فمقام أجدادي وما دونوه مثل هذا الجبل.ويقول آخر: كنا جبالاً في الجبال وربماسرنا على موج البحار بحارافقوله: في الجبال: هي الجبال المعروفة، وكنا جبالاً أي: ثابتين راسخين، ويقول حسان :شماريخ رضوى عزةً وتكرما ورضوى جبال ما بين المدينة والعيص بعد ما تنتهي من ينبع النخل تأتيك على شمالك، وقد رأيتها عالية شاهقة جداً، وهي كالشماريخ تماماً وكأن حسان يرسمها رسماً ولا يصفها وصفاً. والمقصود: أن الجبل استقر في الأذهان علو هيئته، ولهذا لما ربطه الله بعظمته وفتن الناس به أراد الله أن يبين إلى ماذا سيصير في النهاية، وقد جرت سنة الله في خلقه كما قال عليه الصلاة والسلام في ذلك القعود الذي سبق ناقته: (حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه)، والعامة يقولون: كل شيء له سبع، أي: له آفة تذهب هيبته.فبعض طلبة العلم مثلاً يفتن بعالم فيريك الله ضعفه في جانب معين، والبخاري رحمة الله تعالى عليه لما ذكر أحد علماء الحديث قال: ما استصغرت نفسي إلا بين يديه، وهذا الذي استصغر نفسه البخاري بين يديه يقيناً أنه استصغر نفسه مع غيره، فالله لا يجعل لأحد كمالاً مطلقاً.فالعامة يقولون: إن لكل شيء سبع، أي: آفة غالبة، ويقولون: إن سبع الجبال الليل؛ لأن الجبل على عظمته وارتفاعه لا يرى في الليل، فكأنه غير موجود، فيجعلون الليل آفة أو سبعاً على الجبال في كلامهم العادي. يقول رب العالمين: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ، بدهياً أن يسأل القرشيون نبينهم عن هذه الجبال العظيمة، قال تعالى: فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ، وهذا إخبار بالنهاية لا إخبار بالبداية؛ لأن الجبال قد ذكرت في القرآن على مراحل عديدة، يقول الله: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:3]، وقال: فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:6]، وقال: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88]، فذكر لها أحوالاً وأطواراً، لكن هنا حتى ينتهي الأمر فذلك الشيء الشامخ لا يذهب إلا بالنسف وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا أي: الجبال قَاعًا صَفْصَفًا ، والقاع: بقعة من الوادي المعروفة لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا [طه:107] أي: لا ترى في هذه البقعة ميلاً، وَلا أَمْتًا ، الأمت على الصحيح: النتوء الشيء الظاهر الذي ينتأ في الجسد.فهذه الجبال من شدة أنها نسفت حتى حجارة منها ملساء اجتمعت بعضها على بعض فتكون شيئاً ناتئاً في الأرض لا يوجد ولا يبقى شيء.
 محاورة موسى للسامري
وبعد أن تأكد موسى أن الأمر ما زال في قبضته، وأن بني إسرائيل لم تتفرق؛ رجع إلى السامري يحاكمه فقال له: (ما خطبك يا سامري )؟ يسأله، فقال السامري ما ذكرناه من أنه قبض قبضة وأنه جمع وما إلى ذلك.وموسى معروف بحدته، وقد مر كثيراً ونحن ندرس القرآن والسنة حدة موسى في ذات الله، ومنها ما حصل منه مع الخضر، ومنها الموقف الذي بين أيدينا من مجازاته لأخيه، لكنه قال للسامري : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ [طه:97]، قال أهل العلم جملة في معناها: أن الله جل وعلا حكم على هذا الرجل الضال بأن لا يكون فيه أنس مع الغير، فيستوحش من الناس، ولا يكونون مخالطين له، وأنه يبقى ما بقي من حياته يعيش طريداً شريداً لا يأنس بالخلق، هذا جملة ما قالوه.وبعض الناس من المتأخرين ممن لهم دراية بالتاريخ -والوجه الذي اتكئوا عليه صحيح، لكن لا يلزم من الوجه الذي اتكئوا عليه إذا كان صحيحاً أن تكون النتيجة صحيحة؛ لأنني أقول دائماً: إن قضية الغيب تبقى غيباً- فقالوا: إن الله جل وعلا أراد أن يبقي على حياة السامري ، ولهذا لم يعنفه موسى، بل قال: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ [طه:97]، والسابقون كانوا يقولون: إن الموعد هو يوم القيامة، لكن هذا فيه نظر؛ لأن هذا موعد لا يختص بـالسامري وحده، فقالوا إن القضية قضية الدجال، وإن السامري هو الدجال، وإن الله أذن له أن يبقى ويعيش ولم يسلط عليه عبده موسى حتى تبقى حياته، فإذا بقيت حياته فإن الموعد الذي لن يخلف هو وقت خروجه للناس، ثم وقت هلاكه على يد عيسى ابن مريم .أقول معقباً والعلم عند الله: هذا القول له حظ كبير من النظر، لكن من الصعب تبنيه والجزم به؛ لعدم وجود ما يدعمه من الأثر، لكن أقول: إن العقلية التي تنتبه لمثل هذا عقلية مؤهلة لأن تنظر في كلام الله، وهذا من العلم الذي تجري فيه أقدام العلماء .. هذا أمر.الأمر الثاني: هذا يسمى من مليح القول لا من متين العلم، هذه جملة ما ذكره الله جل وعلا عن السامري .
تفسير قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم ... فلا يخاف ظلماً ولا هضماً)
ثم قال الله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111]، وجوه من؟ وجوه الخلائق كلها وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ، وقد قال بعض أهل العلم: إن الحي القيوم اسمان متلازمان هما اسم الله الأعظم، وقد ورد هذا الاسم الكريم المتلازم في القرآن ثلاث مرات، ورد في صدر آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، وورد في فاتحة آل عمرانالم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:1-2]، وورد في هذه الآية الكريمة التي بين أيدينا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111]، وقد قال جمع غير قليل من أئمة الدين: أنه اسم الله الأعظم، والعلم عند الله.وقوله: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ، الظلم إذا قاله الناس اليوم ينصرف إلى الجبروت وإلى سلب أموال الناس، وهذا حق؛ لكن إياك أن تصرفه في هذا الموقف صرفاً أولياً يتعلق بالناس؛ لأن هذا ينافي أصلاً فهمك للقرآن؛ لأن الله جل وعلا محال أن يذكر هذه المقدمة في العظمة كلها .. وخشعت الأصوات للرحمن، ولا شفاعة إلا لمن أذن له الرحمن، وعنت الوجوه للحي القيوم، ثم يتلكم عن قضية أن عبداً ظلم عبداً، لكن لا يوجد ظلم أعظم من أن تجعل لله نداً وقد خلقك، فأول ما يصرف قوله: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا إلى أهل الإشراك. ثم قال الله: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112]، (وَمَنْ يَعْمَلْ) شرطية مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فالإيمان متلازم مع العمل الصالح، وقد يعمل الإنسان عملاً صالحاً من حيث الجملة لكنه غير مؤمن، كما يصنع بعض الغربيين الكفرة من الرفق بالحيوان، أو من قضية إغاثة الملهوف؛ فهذا لا ينفع يوم القيامة. وقوله: فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا ، لا يخاف ظلماً؛ لأن الله جل وعلا نزه نفسه عن الظلم، وقد جاء في الخبر الصحيح عن علي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك، قال: فقلنا يا رسول الله! مم تضحك؟ قال: أضحك من مجادلة العبد ربه، فإنه يقول يوم القيامة: يا رب! لا أقبل إلا شاهداً من نفسي، فيختم على لسانه فتشهد عليه جوارحه، فإذا شهدت عليه جوارحه خلي بينه وبين الكلام، فيقول: سحقاً لكن وبعداً فعنكن كنت أناضل)، أي: عنكن كنت أدافع.قال بعض أهل العلم: حتى جوارحه التي كانت له في الدنيا عوناً على المعصية لما رأت يوم القيامة كانت شاهداً عليه عند ربه، فجوارحه قدمت عظمة الله على علاقتها بصاحبها، ولهذا قال الله جل وعلا: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65].وقد اختلف العلماء في السبب الذي من أجله يختم على الأفواه، فقال بعض أهل الفضل وينسب هذا إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن السبب أنهم ينطقون بكلمة الكذب، قال الله جل وعلا عنهم أنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23]، فإذا قالوها يختم على أفواههم، وذكرت أسباب أخرى في أن الله جل وعلا يختم على أفواههم، فقيل: إن شهادة غير الناطق من الجوارح أعظم من شهادة الناطق، أي: من شهادة جارحة اللسان، وقيل غير ذلك.يقول الله جل وعلا: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا ، فلا يزاد عليه ما لم يعمله، ولا ينقص منه ما قد عمله، فالظلم هنا يفسر بالزيادة، وقد فسرناه بالزيادة ليقابل كلمة (هضماً) وهو النقص.
 محاورة موسى للسامري
وبعد أن تأكد موسى أن الأمر ما زال في قبضته، وأن بني إسرائيل لم تتفرق؛ رجع إلى السامري يحاكمه فقال له: (ما خطبك يا سامري )؟ يسأله، فقال السامري ما ذكرناه من أنه قبض قبضة وأنه جمع وما إلى ذلك.وموسى معروف بحدته، وقد مر كثيراً ونحن ندرس القرآن والسنة حدة موسى في ذات الله، ومنها ما حصل منه مع الخضر، ومنها الموقف الذي بين أيدينا من مجازاته لأخيه، لكنه قال للسامري : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ [طه:97]، قال أهل العلم جملة في معناها: أن الله جل وعلا حكم على هذا الرجل الضال بأن لا يكون فيه أنس مع الغير، فيستوحش من الناس، ولا يكونون مخالطين له، وأنه يبقى ما بقي من حياته يعيش طريداً شريداً لا يأنس بالخلق، هذا جملة ما قالوه.وبعض الناس من المتأخرين ممن لهم دراية بالتاريخ -والوجه الذي اتكئوا عليه صحيح، لكن لا يلزم من الوجه الذي اتكئوا عليه إذا كان صحيحاً أن تكون النتيجة صحيحة؛ لأنني أقول دائماً: إن قضية الغيب تبقى غيباً- فقالوا: إن الله جل وعلا أراد أن يبقي على حياة السامري ، ولهذا لم يعنفه موسى، بل قال: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ [طه:97]، والسابقون كانوا يقولون: إن الموعد هو يوم القيامة، لكن هذا فيه نظر؛ لأن هذا موعد لا يختص بـالسامري وحده، فقالوا إن القضية قضية الدجال، وإن السامري هو الدجال، وإن الله أذن له أن يبقى ويعيش ولم يسلط عليه عبده موسى حتى تبقى حياته، فإذا بقيت حياته فإن الموعد الذي لن يخلف هو وقت خروجه للناس، ثم وقت هلاكه على يد عيسى ابن مريم .أقول معقباً والعلم عند الله: هذا القول له حظ كبير من النظر، لكن من الصعب تبنيه والجزم به؛ لعدم وجود ما يدعمه من الأثر، لكن أقول: إن العقلية التي تنتبه لمثل هذا عقلية مؤهلة لأن تنظر في كلام الله، وهذا من العلم الذي تجري فيه أقدام العلماء .. هذا أمر.الأمر الثاني: هذا يسمى من مليح القول لا من متين العلم، هذه جملة ما ذكره الله جل وعلا عن السامري .
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً ... وقل رب زدني علماً)
قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه:113]، (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، أي: بلسان عربي مبين كما هو معلوم، وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ ، والوعيد يقابله الوعد، والوعد يكون في الخير ويكون في الشر، والوعيد لا ينصرف إلا للشر.وقول الله جل وعلا: وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ أي: أن تخويف الله جل وعلا لعباده لم يأخذ منهجاً واحداً، وإنما أخذ عدة طرائق، فتارة يذكر الله أفراداً أهلكهم كالنمرود وقارون، وتارة يذكر أمماً أبادها كقوم ثمود وقوم عاد، وتارة يذكر الله جل وعلا إخباره بما أعد لأهل معصيته .. وغير ذلك مما صرف الله جل وعلا فيه من الوعيد كل ذلك تذكرة للعباد، وتبصره للحاضر والباد، قال سبحانه: وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ، أي: لعل هذا التصريف يكون سبباً في عودتهم إلى ربهم جل وعلا.ولما كانت الأمور لا يمكن أن تكون إلا بمشيئة الواحد القهار قال جل وعلا بعدها: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، وهذه من أعظم آيات القرآن ثناءً على الله تعالى، وقد قالها الله هنا، وقالها جل وعلا في آخر سورة المؤمنون، وقالها في غير موضع .. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ أي: عما يصفه الواصفون ممن انتقصوا ربهم جل وعلا.لكن يستثنى من هذا ما وصف الله به عباده الصالحون، فوصف العباد الصالحين لربهم غير داخل في هذا الحكم.ثم قال الله لنبيه: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه:114]، فقد كان جبريل يملي على نبينا صلى الله عليه وسلم القرآن، فكان لهذا القرآن حلاوة في قلب النبي وكان يخاف أن يتفلت فيسرع في الاستجابة لجبريل، فأخبره الله جل وعلا هنا وأخبره في سورة القيامة إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ [القيامة:17] أي: في صدرك وَقُرْآنَهُ [القيامة:17] أي: في قراءته عليك، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:19] أي: تأويله سيأتيك ظاهراً بيناً في الدنيا والآخرة.قال الله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، وقد مر معنا أن كلمة (رب) إذا جاءت بصيغة دعاء فلا تكون ملازمة للياء، لكن (زدني) جاءت بالياء وهي ياء المخاطب، وأصل الفعل (زد)، والنون يسميها العرب: نون الوقاية، ويقولون: إن الفعل لا يقبل الكسر، وياء المخاطبة لابد لما التحق بها أن يكون مكسوراً، فلو تكلمت عن كتاب ونسبته إلى نفسك فتقول: هذا كتابي، فالباء لحقها الكسر لاتصالها بالياء، سواء كانت في محل جر أو لم تكن في محل حر، فالياء قوية لا تقبل لما يلتصق بها إلا أن يكون مكسوراً، والكسر من خصائص الأسماء، لكنه ليس من خصائص الأفعال، فلما التصق الفعل بالياء احتاروا فلا الياء ترضى أن تقبل معها أحداً غير مكسور، ولا الفعل يرضى بأن يكون مكسوراً، فجاءوا بهذه النون فجعلوها بين الاثنين -وهذه فائدة نحوية- وسموها: نون الوقاية، ويقصدون من تسميتها نون الوقاية: أنها وقت الفعل من الكسر. هذا العلاقة النحوية.أما العلاقة العامة فإن الله يقول لخير خلقه: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ، والعلم هو نور وفضل من الله جل وعلا محض، وله شروط تتعلق بالآخرة، وهذا ليس مجال كلام فيه؛ لأن كل امرئ حسيب نفسه، سواء أراد بالعلم وجه الله أو لم يرد به وجه الله، لكن العلم حتى يملكه الإنسان لا بد فيه من أمور: الأمر الأول: عدم التفريط في علوم الآلة، وهذا أهم مقتضيات العلم؛ لأن من فقد علم الآلة لم يصل إلى مبتغاه، فلابد من عدم التفريط في علوم الآية مع -وهذا مهم- مع عدم الإغراق في علوم الآلة؛ لأنها وسيلة وليست غاية.الأمر الثاني: عدم احتقار أي شخص أن تأخذ عنه علماً من حيث المعلومة نفسها، فإجلالك لغيرك يبنى عليه أمور عدة، أما قبولك للمعلومة فليس له علاقة بذات الشخص، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي هريرة: (صدقك وهو كذوب)، فأقره على المعلومة التي منحها إياه الجني أن من قرأ آية الكرسي لا يزال عليها من الله حافظ، مع أن القائل جني سراق، لكن لا علاقة لنا بالقائل، بل العلاقة لنا -وهذه مهمة جداً- بقضية المعلومة.ومن شروط تحصيل العلم: أن العلم يجمع، بمعنى: أنه لا بد من مراحل حتى يصل الإنسان إلى كثير من بغيته لا إلى كل بغيته، قال الإمام الشافعي : وصحبة أستاذ وطول زمانفلا يمكن أن يطير أحد قبل أن يريش، فيأخذ الإنسان العلم على تؤدة وعلى مهل، ولا بد في العلم من المراجعة؛ لأن علم الأنبياء وحي لا يحتاجون فيه إلى مراجعة، أما نحن معشر المتعلمين فلا بد فيه من المراجعة والمدارسة والمذاكرة والعرض حتى يثبت في القلب والعقل.وهنا فائدة: يقولون: إن المأمون -سابع خلفاء بني العباس- قال لـأبي علي المنقري : يا أبا علي ! فيك كثرة عيوب، قال: وما هي؟ قال: إنك تلحن في كلامك، وتكسر الشعر ولا تقيمه -هذه اثنتان- ولا تجيد الكتابة، فقال: يا أمير المؤمنين! أما اللحن فربما سبق لساني منه شيء، وأما الكتابة والشعر فلا حاجة لي بهما؛ فإني رأيت الله نزه نبيه عن الكتابة ونزه نبيه عن الشعر، فقال المأمون : يا أبا علي ! كنت أظن فيك ثلاثة عيوب فإذا هي أربعة، الثلاثة التي ذكرت وجهلك، ثم قال له: يا جاهل! إن عدم فهم الشعر وعدم القراءة والكتابة في حق النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة حتى لا يشككن أحد في وحيه الذي أعطاه الله إياه، أما في غيره فهي في حقه منقصة -أي: عدم فهمه للشعر أو عدم إجادته للقراءة والكتابة- لأن الإنسان إذا كان لا يفقه الشعر ولا يجيد القراءة والكتابة أنى له أن يتعلم. فلا بد أن يكون هذا معلوماً، فهي في حق غيره منقصة وفي حقه صلوات الله وسلامه عليه فضيلة، قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت:48]. ومن التكلف أنه قال بعض الناس: إن الرسول كان يعرف يكتب، قيل له: إن الله يقول: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت:48]. قال: ما هي مشكلة كان الرسول يكتب بشماله!! فهذا نوع من العنت حتى يخرج منها، لكن الله أراد نفي الكتابة بالجملة. والمقصود: أن العلم -كما ذكرنا- يحتاج إلى مراجعه، ويحتاج إلى أخذ وعطاء، وكذلك يحتاج العلم -وهذه مهمة جداً- إذا تبنيت رأياً فلا تجلب على خصمك فيه بخيلك ورجلك، فربما تراجعت عن هذا القول ذات يوم، فاترك لنفسك خط رجعة تئوب إليه، إلا في مسائل العقائد؛ لأن العقائد مبنية على اليقينيات، لكن في مسائل الفقه والأخذ والعطاء اجعل لنفسك خط رجعه، فربما مع المدارسة والأخذ والعطاء يتبين لك خلاف الذي توصلت إليه.والكلام في العلم أمره طويل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، فإذا كانت ملائكة الرحمن ترضى عمن خرج قصداً في طلب العلم فهذا دلالة على فضله وسموه في ذاته.لكن إذا جاءنا في الأمور الروحانية الإيمانية فإنه ما أجمل العلم أن يدل على الله! وإنما العلم الخشية، كما قال الحسن البصري رحمه الله، وهو مأخوذ من قول الله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].زادني الله وإياكم تبصرة لما نقول ونسمع، ووفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وألبسني الله وإياكم لباس العافية والتقوى.وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد الله رب العالمين.
 محاورة موسى للسامري
وبعد أن تأكد موسى أن الأمر ما زال في قبضته، وأن بني إسرائيل لم تتفرق؛ رجع إلى السامري يحاكمه فقال له: (ما خطبك يا سامري )؟ يسأله، فقال السامري ما ذكرناه من أنه قبض قبضة وأنه جمع وما إلى ذلك.وموسى معروف بحدته، وقد مر كثيراً ونحن ندرس القرآن والسنة حدة موسى في ذات الله، ومنها ما حصل منه مع الخضر، ومنها الموقف الذي بين أيدينا من مجازاته لأخيه، لكنه قال للسامري : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ [طه:97]، قال أهل العلم جملة في معناها: أن الله جل وعلا حكم على هذا الرجل الضال بأن لا يكون فيه أنس مع الغير، فيستوحش من الناس، ولا يكونون مخالطين له، وأنه يبقى ما بقي من حياته يعيش طريداً شريداً لا يأنس بالخلق، هذا جملة ما قالوه.وبعض الناس من المتأخرين ممن لهم دراية بالتاريخ -والوجه الذي اتكئوا عليه صحيح، لكن لا يلزم من الوجه الذي اتكئوا عليه إذا كان صحيحاً أن تكون النتيجة صحيحة؛ لأنني أقول دائماً: إن قضية الغيب تبقى غيباً- فقالوا: إن الله جل وعلا أراد أن يبقي على حياة السامري ، ولهذا لم يعنفه موسى، بل قال: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ [طه:97]، والسابقون كانوا يقولون: إن الموعد هو يوم القيامة، لكن هذا فيه نظر؛ لأن هذا موعد لا يختص بـالسامري وحده، فقالوا إن القضية قضية الدجال، وإن السامري هو الدجال، وإن الله أذن له أن يبقى ويعيش ولم يسلط عليه عبده موسى حتى تبقى حياته، فإذا بقيت حياته فإن الموعد الذي لن يخلف هو وقت خروجه للناس، ثم وقت هلاكه على يد عيسى ابن مريم .أقول معقباً والعلم عند الله: هذا القول له حظ كبير من النظر، لكن من الصعب تبنيه والجزم به؛ لعدم وجود ما يدعمه من الأثر، لكن أقول: إن العقلية التي تنتبه لمثل هذا عقلية مؤهلة لأن تنظر في كلام الله، وهذا من العلم الذي تجري فيه أقدام العلماء .. هذا أمر.الأمر الثاني: هذا يسمى من مليح القول لا من متين العلم، هذه جملة ما ذكره الله جل وعلا عن السامري .

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة طه [6] للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net