اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سفينة النجاة للشيخ : عائض القرني


سفينة النجاة - (للشيخ : عائض القرني)
النبي صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة لنا، ومن رحمته بنا أنه ترك لنا كنزاً من الوصايا، ومن أهم الوصايا التقوى، وهي رأس كل حسنة وقربة، وفي هذا الدرس تحدث الشيخ حول عدد من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم وأولها التقوى، وفيها من القصص والعبر ما يشفي الفؤاد.
مع قائد السفينة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أيها الإخوة الفضلاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 مدح قائد سفينة النجاة
قبل أن أبدأ في شرح سفينة النجاة، نظمت قصيدة، وهي من آخر القصائد لحبيب قلبي عليه الصلاة والسلام، ولأعظم إنسان أتشرف به وتتشرفون به، ولأعظم رجل جمعنا من أجل مبادئه في هذا المكان، وللمعصوم عليه الصلاة والسلام الذي أرسل بالضياء وبالنور، والذي أسجدنا لله وعبدنا لربنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، عنوان القصيدة: تاريخنا أنت، قلت فيها:من أجل عينيك يروى الشعر والزجلناديت فيك رجال الصيد يا رجلعساك ترضى وكل الناس غاضبةفدتك هامات من شيكت له الحللعيب لغيرك أبياتي أرصعهاوخيبة إن سرت في غيرك السبلوبسمة منك تكفيني وواطربيفما أبالي أجاد الناس أم بخلوانشيدة أنا في كف الهوى نسجتمن لحن داود في الأحشاء تشتعلدم ودمع وأحلام مسهدة وأنهر من هيام في الهوى عسلذقت الصبابة في كأس الهوى عجلاًللعاشقين فصاحت مقلتي بجل طرحت في عتبات الغار ملحمتيوالغار يعرف من حلوه وارتحلواغار الهدى وعيون الدهر رانيةتغازل الفجر طاب الحب والغزلغار وفي مقلتيه كل أمنيةأملودة تتهادى عندها الأسلفالليل فجر وآيات الهدى حللوالمشرفية عند الغار ترتجلواللوح يروي أحاديثاً مرتلةوالبيد تسجع في أسماعها الحجلنعم أنا الغار في أرجائه ولدتعقيدتي وشبابي فيه مكتملفيه اليتيم أبو الأيتام مرتجفوالوحي يهتف والأملاك ترتجلاقرأ ولو كنت أمياً فمحبرةفي راحتيك مداد النور ينهملاقرأ ودفترك الدنيا وما حملتواكتب على هامة الصحرا: أنا الأملاقرأ وأوراقك الأجيال قاطبةأوراق غيرك يمحوها إذا غسلوااقرأ وأصحابك الأقلام خط بهموثيقة النصر يروي متنها الأزلهرقت في الغار كأس النوم فاغتسلتبك الدياجي وقام الليل يرتجلوصغت صوت الهدى يسري فراعدهيزلزل البغي والأصنام تقتتلوالمشرفيات في غار المنى صقلتبكف خالد لم يفلل لها نفلأسقيتها من سلاف النور وانتضيتباسم الهدى وعليها الموت منسدلجردتها في هوى بدر يلاعبهاعشاقها من كرام فيه قد قتلواتراقصت أنفس الكفار من جزعيوم الكريهة والطغيان مبتذلأعداؤك الفدم شادوا الأرض من ذهبوفي صحاف من الإبريز قد أكلوامتّ ودرعك مرهون على شظفمن الشعير وأبقى رهنك الأجللأن فيك حديث اليتم أعذبهحتى دعيت أبا الأيتام يا بطلتاريخنا أنت لا نرضى به بدلاًلو أن تاريخ أمجاد الورى بدلومنك صحوتنا الكبرى متوجةبصوتك العذب يحدى السادة النبلصلت عليك دموع الحب في لهفوعانقتك شفاه الروح والقبلوباكرتك تحيات معطرةفي نفحة من عليل المسك تحتفلكأن زاكيها أنفاسك ائتلفتفي الطيب من طيبك المأهول يتصلتغدو إلى طيبة الآمال سافرة يغني عن الكحل في أجفانها الكحلإلى رياضك في قبر ثويت بهفيه الهداية والتاريخ والدولبكر القوافي أساحت دمعها خجلاًتشكو إلى الله هذا الجيل ما فعلواجيل أماتوا أمانيهم فما نظرتإلى رحاب العلا الأجفان والمقلعدوهم سير الأضواء في فلكله عطارد والمريخ أو زحلبساطه الريح والأمواج تحملهفسل أبوللّو حصان تلك أم جملونحن من نحن إلا أنت ما فعلتيا أحمدي أمة أودى بها الخلل
التقوى سفينة النجاة
انتهت القصيدة، وأبدأ في الدرس، سفينة النجاة، إنها شرح لحديثه عليه الصلاة والسلام وهو يوصي صاحبين من أصحابه، يوصي أبا ذر ويوصي معاذ بن جبل فيما رواه الترمذي وأحمد والدارمي والحاكم والطبراني في الكبير والصغير وأبو نعيم في الحلية، والحديث حسن، ومن أهل العلم من صححه.عن أبي ذر وعن معاذ بن جبل رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) مرة روي الحديث عن أبي ذر ومرة عن معاذ، وهذا الحديث أصل من أصول الدين وقاعدة كبرى من قواعد الملة، وفيه ثلاث ركائز: تقوى الله، والدواء هو: أتبع السيئة الحسنة تمحها، ولما انتهى من حق الله على الإنسان ثلث بحق الناس على الإنسان فقال: وخالق الناس بخلق حسن.
 وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالتقوى
أما وصيته عليه الصلاة والسلام بالتقوى فإنه أوصى بها في أكثر من ثلاثين حديثاً، فقال لـأبي ذر: {أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله} رواه ابن حبان في صحيحه، وقال عند أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي سعيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: {أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام}.وقد امتثل معاذ هذه الوصية منه عليه الصلاة والسلام، فقد ذهب إلى اليمن فلم يأخذ من مال المسلمين لا قليلاً ولا كثيراً، فلما عاد إلى المدينة قالت له زوجته: أما أخذت مالاً نفعتنا به. قال: إن عليَّ ضاغطاً. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم، يقصد المراقبة والمحاسبة. كأن رقيباً منك يرعى مسامعي وآخر يرعى مسمعي وجناني ورأيت في ترجمة رجل من بني إسرائيل أنه اختفى في غابة، فأراد أن يفعل معصية، فقال: لا يراني أحد ولا يعلم بي أحد، فسمع هاتفاً يقول: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].وأوصى بعض الصالحين ابنه قال: أريد سفراً. فقال له: اتق الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، فهو لا تخفى عليه خافية، سبحان الله العلي العظيم! هذا محمد صلى الله عليه وسلم في بيته الطيني في المدينة تدخل عليه خولة بنت ثعلبة، فتشكو إليه زوجها والله فوق سبع سماوات يخبره بشكواها، ولم تسمع عائشة مع أنها كانت قريبة منهم؛ فيقول الله عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة:1] فهذا هو اللطيف الخبير القريب الذي يرى ويسمع ويبصر.أحد العباد اسمه حبيب أبو محمد: كان يبيع ويشتري فكان يبيع الدرهم بالدرهمين -وهذا ربا لكنه ناسك جاهل- فمر بالصبيان فقالوا: أنت حبيب المرابي؟! قال: سبحانك يا رب! فضحتنا أمام الناس! قال: فتاب إلى الله عز وجل من الربا، وسأل أهل العلم ثم تصدق بأمواله، فعاد إلى الصبيان فقالوا: مرحباً بك يا عابد يا أبا محمد. قال: سبحانك! أنت الذي تمدح وأنت الذي تذم! وهذا كلام جيد ويوصف به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فإن مدحه زين وذمه شين.أتى بنو تميم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الظهر، وطرقوا بابه قالوا: اخرج إلينا يا أبا القاسم؛ فإن مدحنا زين وذمنا شين. يقولون: نحن إذا مدحنا مدحنا واحذر ذمنا، وحاول أن تكسب مدحنا، قال عليه الصلاة والسلام: {ذلكم هو الله} الذي مدحه زين هو الله، والذي ذمه شين هو الله، فقال الله: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات:4] وإلا فالمادح حقيقة هو الله، فإذا أثنى الله على العبد بواسطة قلوب العباد فالعبد ممدوح وإذا ذم العبد بواسطة قلوب العباد فالعبد مذموم مسبوب؛ ولذلك يقال في بعضهم آلاف القصائد وهو مذموم عند الله، ويهجى بعضهم بآلاف القصائد وهو ممدوح عند الله، فالحب من عنده والبغض من عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يأتي الحب والبغض من السماء، ولا يأتيان من الأرض.
مكفرات الذنوب
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) معنى ذلك: أنك إذا قدحت في مسمى التقوى الذي أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن عليك بالعلاج. قال علي فيما ذكره الغزالي في الإحياء: عجباً لكم! عندكم الداء والدواء. قالوا: ما هو الدواء والداء؟ قال: الداء الذنوب والدواء الاستغفار، ونحن عندنا دواء لكننا ما استخدمناه، صرف من صيدلية محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتعالج به إلا الربانيون الذين كلما عثروا ومرضوا عرضوا أنفسهم على محمد صلى الله عليه وسلم فعالجهم.إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
 فوائد الاستغفار
والاستغفار فيه فوائد منها: أن المستغفر لا يهلك، قال جعفر الصادق وهو إمام وقد وأخطأ الذي قال: إنه رأس الماسونية في العالم، بل هو إمام معتبر مزكى سماه أهل العلم الصادق، وقد قال هذا كاتب إسلامي غفر الله له ولا أذكر اسمه؛ يقول جعفر الصادق: لو نزلت صاعقة من السماء لأصابت الناس جميعاً إلا المستغفر: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].قال أهل العلم: ومن أراد المتاع الحسن فعليه بالاستغفار؛ قال تعالى: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3] هذا من الاستغفار، والاستغفار ليس كما يراه بعض الناس أن يستغفر الله باللسان ويفعل باليد الفواحش؛ كمن يسرق من السوق، ويسحب الغرض وهو يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وكمن يشرب الخمر والكأس بيده ويقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. فهذا كذاب، واستغفاره يحتاج إلى استغفار.رأى علي بن أبي طالب رجلاً يستغفر الله وقلبه في واد آخر فقال: [[استغفارك هذا يحتاج إلى استغفار]] وقال أحد الصالحين: أستغفر الله من قولي أستغفر الله، وعلى كل حال لابد من التقوى.ومن الاستغفار أن تستحضر في قلبك أنك تقول: أستغفر الله، قال بعض أهل العلم: وقد تكون أستغفر الله غيبة، فقد دخل أحد الناس الواشين النمامين على أحد السلاطين فقال السلطان لهذا الواشي: ما رأيك بفلان؟ قال: أستغفر الله؛ قصده النكاية بذاك، فهي غيبة، وعليه وزرها، وما قصده أستغفر الله من الذنوب بل قصده أن يقول: انتبه له.وقد يكون الدعاء غيبة، فيكون سيئة، كقولهم إذا ذكر أحد الناس: هدانا الله وإياه؛ فإنك اغتبته، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام في فتاويه، ولكم أن تراجعوا ذلك.ثم التوبة وأمرها آخر وسوف يأتي في ذلك تفصيل قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17] قال أبو العالية وهو من أئمة أهل السنة: من عصى الله فهو جاهل. ولذلك يغفر لمن عصى الله ثم تاب وأناب.
مسائل في التوبة

 التوبة من الصغائر والكبائر وفضول المباحات
تجب التوبة من الصغائر والكبائر من الذنوب والخطايا، بل قال بعض أهل العلم: يتاب من الكبائر والصغائر وفضول المباحات.ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم:{إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة} كما روي في صحيح مسلم؟ قال بعضهم: الغين: غشاء يقع على القلب؛ ليس من الذنوب، ولكن من كثرة مخالطة الناس، فلصفائه صلى الله عليه وسلم وتقواه ظهر الغين عليه، أما نحن فغانت ورانت، وطبعت وأصبحت كالجبال؛ لأن الثوب الأبيض تظهر فيه النقاط، أما الثوب الأسود فلو طليته بالقار لما ظهر عليه شيء.يا بن الذين سما كسرى لجمعهم فجللوا وجهه قاراً بذي قار والمستجير بـعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار قيل لـابن الجوزي: الأحسن عندنا الاستغفار أم التسبيح؟ قال: الثوب الوسخ لابد له من الغسل قبل الطيب. فالتسبيح مثل الطيب وأما الغسل فهو الاستغفار، فنحن نحتاج إلى غسل واستغفار ولا بأس أن نسبح.ويتاب من التقصير؛ فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يرفع رسوله صلى الله عليه وسلم دائماً منزلة بعد منزلة، فكانوا يقولون: إنه كان دائماً يستغفر من المنزلة السابقة التي كان فيها عليه الصلاة والسلام.وهناك نكتة ذكرها صاحب الوابل الصيب: في مسألة من دخل الخلاء ثم خرج وقال: غفرانك! وفي الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {غفرانك!}. فما هو السر؟الجواب: لأهل العلم رأيان:الرأي الأول: غفرانك بسبب التقصير في تركنا التسبيح في أثناء قضاء الحاجة، انظر إلى أولياء الله حتى في أثناء قضاء الحاجة لما سكتوا استغفروا لأنهم قصروا!والرأي الثاني: قيل: غفرانك لأننا ما أدينا شكر النعمة، أطعمتنا وأخرجت الطعام ولو بقي الطعام لقتلنا.قصص التائبين كثيرة ولا أعيدها فقد تكررت في دروس ومحاضرات، ومنها: من قتل مائة نفس فغفر الله له، وكثير من الشباب يعرضون رسائلهم حول موضوع التوبة، ومنهم من يقول: أنا ليس لي توبة، أنا ما تركت خطأً إلا ارتكبته، وتأتي رسائل محترقة ملتهبة، فنقول: أأنت أكثر جرماً ممن قتل مائة نفس معصومة وتاب الله عليه؟ ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم تبت إلى الله غفر الله لك، ومن أحرق نفسه غفر الله له لأنه خاف لقاء الله عز وجل. وهنا كثير من الناس يسأل عن الذي يتوب ثم يعود، وقد تعرضت لها فيما سبق قبل كلمات، فأنا أرى أنه يتوب دائماً فسوف يكفر عنه الذنب إذا صدق، فإذا عاد من جديد فقد طويت الصفحة الماضية، وافتتح سجل جديد، فكأن الذي انصرم قد فات، وأمامه ذنب جديد، فيتوب منه.
مخاطر في طريق التائبين
من الخطورات التي تواجه التائبين والعابدين والعائدين إلى الله: الأولى: تعاظم الذنب؛ فإن بعضهم يحبط نفسه ويصاب بإحباط، ويظن أن الله لا يغفر له أبداً، فيترك التوبة، حتى إن بعضهم ترك العودة إلى الله والعودة والإنابة والتوبة بسبب أنه قال: لا يمكن أن يغفر الله لي، وقد ظن بالله ظن السوء؛ فالله يغفر سبحانه، وهذا إحباط من الشيطان.الثاني: التسويف؛ فإن بعضهم يسوف فإذا قلت له: تب، قال: سوف أتوب وسوف أفعل إذا تخرجت، إذا كمل شبابي، إذا حصنت نفسي بزواج وإذا وإذا... فتأتيه سكرات الموت، ويقبضه ملك الموت، فيعود إلى الله خاسراً نادماً.الثالث: تزيين الشيطان والرفقة؛ فإن الشيطان يزين لصاحب المعصية معصيته قال تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر:8].ورفقة السوء يزينون؛ وعلى سبيل المثال فإن كثيراً ممن وقع في شرب الدخان إنما هو بالتزيين من الرفقة السيئة، يقول: يا أخي! لا يضرك تدخن الليلة وما هي إلا سيجارة، وتب إلى لله، وهي من المؤانسة، وأنت جرب فإذا لم تعجبك فتب إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وحتى في القرآن ما سمعنا بآية تنص على تحريم الدخان، ورأينا كثيراً من الناس يشربون الدخان، والدخان يزيل الهموم، والغموم، فيأتونه من هذه المداخل حتى يتورط في شرب الدخان، ثم يجرونه إلى المعاصي واحدة تلو الأخرى، فجلساء السوء أعدى من الجرب.
 أعمال تكفر الذنوب
أيها الإخوة: وردت أحاديث كثيرة في الأعمال المكفرة للسيئات كما في الصحيحين: {من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقد من ذنبه} {من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} وفي الصحيحين: {من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه} وفي مسلم: {إن الإسلام يهدم ما قبله، وإن التوبة تجب ما قبلها} وفي الصحيحين: {من قال: سبحان الله وبحمده في يومه مائة مرة؛ حطت ذنوبه ولو كانت كزبد البحر}.
حقوق العباد
ثم قال عليه الصلاة والسلام في الركن الثالث من هذه الوصية: ( وخالق الناس بخلق حسن) فلما انتهى من حقوق الله عز وجل على عباده ذكر حقوق الناس عليه قال: ( وخالق الناس بخلق حسن).
 أفضل الفضائل
وروى أحمد في المسند والطبراني في الكبير {أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وأن تعطي من حرمك وأن تصفح عمن شتمك} وفيه ضعف.وهذا أفضل الفضائل، فليس من يصل رحمه التي وصلته، فهذا الكل يفعله، حتى عالم الحيوانات، وحتى عالم الكفر. {وتعطي من حرمك} كثير من الناس يعطون من أعطاهم، لكن من حرمك من شيء وأعطيته، فهذا من أخلاق النبوة، وتصفح عمن شتمك.وروى أحمدو أبو داود والنسائيو ابن ماجة وابن حبان {سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما أفضل ما أعطي المسلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: حسن الخلق} وحسن الخلق -أيها الإخوة-: بذل الندى وكف الأذى وبسط الوجه، وعلى المسلم كذلك ألا يحوج الناس لسوء الخلق، فإن بعض الناس من يضطرك إلى أن يسوء خلقك؛ إما بالإلحاح في الطلب أو بعدم معرفة الوقت المناسب، أو يكثر عليك في المسألة، أو أن يدخل عليك بجلافة وبكلام فظ، وعلى كل حال قد غضب عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم لكن أحوج إلى ذلك صلى الله عليه وسلم.هذا ما هو في سفينة النجاة، وإنما سميتها سفينة النجاة؛ لأن من أخذ هذا الحديث وعرفه وعمل به وجعله نصب عينيه نجا في الدنيا والآخرة، فأسأل الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد أن ينجينا وإياكم من مزلات الفتن، وأن يحمينا وإياكم، وألا يجعلنا وإياكم ندامى أو خزايا.نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لنا ولكم الحفظ والرعاية والتوفيق والهداية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 التائب من الغيبة
السؤال: ما موقفنا من الغيبة -وهي حقوق للناس- هل نذهب إلى من اغتابه ونطلب منه السماح؟الجواب: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، والصحيح عدم وجوب الذهاب ويكفي أن تستغفر لمن اغتبته وتندم على ما فعلت، وتذكره بمحاسنه، أما إذا ذهبت إليه فقد تكون الطامة الكبرى؛ فإنك قد تخبره فيقول: والله لا أغفر لك وأطالبك بحقي، خاصة إذا كان من المشاكسين؛ فإن بعضهم يتمنى الخصام في أي مكان، فإذا أظفرته بنفسك أخذك.وأيضاً بعض الناس يتسرع ويؤذي قلوب العباد، فتجد بعضهم يقول: نلت منك في مجلس فادع لي، أي: بدل أن تطلب عفوه يطلب أن تدعو له وتجازيه على أنه نال من عرضك في المجالس، بدل أن يدافع عن عرضك في المجالس وبدل أن يثني على ما أنت فيه، وبدل أن يدعو لك يغتابك ويجرح عرضك ثم يقول: لا تنسني من دعائك..!!وصل رجل إلى محمد بن سيرين فقال: قد اغتبتك فحللني. قال: والله لا أحل لك ما حرم الله. أي: لأن الله يقول: حرام، وأنا أقول: حلال! لا. وأتى رجل إلى الحسن البصري قال: فلان اغتابك. قال: تعال؛ فأتى فقال له: خذ هذا الطبق من الرطب وقل له: أهديت لنا حسناتك ونحن أهدينا لك رطبنا.وهذا درس عملي، حتى قال بعض الصالحين: من أراد أن يغتاب فليغتب والديه حتى إذا أخذ من حسناته، فإنها لن تكون إلا لوالديه؛ لأنهم أقرب الناس إليه، ومسكين بعض الناس يوزع حسناته طيلة الليل والنهار، وبعضهم مثل الشيطان الرجيم لا يشتغل إلا بالصالحين في المجالس: أسمعتم؟ أرأيتم؟ ثم يبدأ بسكاكينه في أعراضهم، فالله حسيبه، والله الذي يكفي عباده الصالحين؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38] فهو المدافع وحده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.مر عامر الشعبي برجل جالس وراء حائط وهو يغتاب عامراً الشعبي فأشرف عليه عامر فقال: هنيئاً مريئاً غير داء مخامر لـعزة من أعراضنا ما استحلت عسى الله أن يغفر، وعسى الله أن يرحم، وعسى الله أن يهدي، وعسى الله أن يسدد، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سفينة النجاة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net