اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشباب وأدب الاختلاف للشيخ : عائض القرني


الشباب وأدب الاختلاف - (للشيخ : عائض القرني)
الاختلاف سنة من سنن الله في هذا الكون، وهذا الخلاف يختلف باختلاف الأشخاص، ولكن أي خلاف له آداب، وله أسباب، فيا ترى ما هي هذه الأسباب؟! وما هي هذه الآداب التي تفتقر إليها الجماعات والأفراد اليوم؟وهل الأئمة الأربعة كانوا يتعصبون لأقوالهم ولآرائهم؟للإجابة عن هذه الأسئلة ستجدها في هذا الدرس.
أسباب الاختلاف
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.عنوان هذا الدرس: الشباب وأدب الاختلاف:-الشباب وأدب الاختلاف هو مجال هذا البحث في هذه الليلة، وسوف يكون بإذن المولى سُبحَانَهُ وَتَعَالى دروس تخص الشباب؛ كدرس الشباب والهمة العالية، الشباب والتأثير، الشباب والعزلة، الشباب والعلماء، نتكلم عن حديث من أحاديثه عليه الصلاة والسلام، فمنها: سنة الله في الاختلاف سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ومنها أسباب الاختلاف: البغي، الحسد، الكبر، التعصب للأشخاص والمناهج، ضيق الأفق، فساد التصور وضعفه، إلزام مالا يلزم، غلبة العاطفة على العقل، حب الخلاف لذاته، عدم التثبت من الأقوال والأفعال.أما أدب الاختلاف فمنها: 1/ سماع الحجة والرأي الآخر.2/ إيراد الدليل. 3/ الهدوء في الرد.4/ ذكر جوانب الاتفاق قبل الاختلاف. 5/ التواضع في الرد. 6/ تحديد الخلاف.7/ التحاكم إلى أصحاب الأهلية في الحكم. 8/ الرد إلى الله ورسوله في المسائل الشرعية. 9/ تجنب النيل من الأشخاص والتشفي بهم.10/ ترك الإزعاج ورفع الصوت والتهويل.11/ معرفة أنواع الاختلاف أهو تضاد أم تنوع؟12/ عذر المخالفين في أمور الشريعة.13/ قصد الحق وطلبه.14/ الإنصاف مع العدو ومع القريب.15/ ثم بعض القضايا حول هذا المنهج والله الموقف إلى سواء السبيل.اعلموا -حفظكم الله- أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يقول: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119] قال بعض العلماء: وللاختلاف خلقهم، وبعضهم ألف في ذلك كتاباً يرى أن من سر خلق الخليقة الخلاف والذي يظهر أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى خلق الخلق للعبادة -وهو الصحيح- فإن الله يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فخلقهم للعبادة لا للاختلاف، لكن من سننه سُبحَانَهُ وَتَعَالى في الكون، أنه ميَّز بين الأطعمة والأمزجة والألوان والمطعومات والمشروبات والأفكار، فجعل الحلو والحامض، والظلمة والنور، والليل والنهار، وجعل الحار والبارد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد:4] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى في الأيام: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] وجعل سُبحَانَهُ وَتَعَالى من آياته التي تثبت تدبيره للكون سُبحَانَهُ وَتَعَالى وبديع صنعه، اختلاف الألسنة والألوان، فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى خالف بين ألسنة الناس ونطقهم وألوانهم، فتبارك الله أحسن الخالقين، فسبحان الذي يغير ولا يتغير.إذاً فلابد أن يقع الاختلاف في الكون، ولا بد أن يقع في المجتمع الصغير، بدأ من الأسرة ثم القرية ثم المدينة ثم الشعب ثم الأمة ثم المعمورة، فلا بد أن يقف الإنسان أمام سنة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى في الاختلاف.ما هو موقف الشاب المسلم المقبل على الله عز وجل لأننا في مرحلة كثر فيها المتجهون إلى الله، وكثر الجيل الذي عرف طريقه إلى القبلة، وعرف اتجاهه والحمد لله. كل البرايا على أصنامها عكفت وقومنا عند باب الله قد عكفوا في كفك الشهم من حبل الهدى طرف على الصراط وفي أرواحنا طرف فقائدنا هو محمد عليه الصلاة والسلام، وبيتنا المسجد، ومطلبنا الجنة، وطريقنا الصراط المستقيم، ودستورنا وحي من السماء، وشيوخنا: أبو بكر وعمر وشاعرنا حسان، ومفتينا معاذ.ماذا تريدون؟! يريدون وجهه:(دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء، وترعى الشجر حتى يلقاها ربها) وهذه هي أمانة الجيل وهم في مرحلة يريدون فيها تنظير بعض المسائل؛ ليتجهوا إلى الله عز وجل وإلا فالعودة إلى الله فرضت نفسها على مستوى العالم، فكان لهذه القضية أهمية أوجبت على الدعاة أن يتكلموا عنها عن مسألة الاختلاف؛ لأنه يكثر التشاجر والردود والغضب والانفعالات التي إذا أعدتها إلى أصولها لا تجد لها مبرراً.
 عدم التثبت سبب للخلاف
السبب العاشر: عدم التثبت من الأقوال والأفعال: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] كثير من الناس الآن يبني أحكامه على غير معرفة الرأي الآخر، سمع أن داعية قال كذا وكذا فقام على المنبر بخطبة يرد عليه، فيظهر له بعد الخطبة أنه ما قالها، قال: أخبرني فلان عن فلان، سند إسرائيلي معضل.وبعضهم يسمع طرف الخبر، ويقوم يبني عليه ويرد ويكتب ويدرب ويعلم وليس كذلك، أهل السنة إذا بلغهم الخبر تثبتوا من صاحبه وراسلوه، ماذا تريد؟ وما مقصدك؟ أما أن تسمع الخبر وتلقيه على عواهنه.والخطورة التي يعيشها شبابنا اليوم خطورة الشائعات، تجد الآن الشائعة تخرج شبراً وتعود إليك ذراعاً أو متراً أو باعاً، تخرج كلمة ثم تنتشر وتنتشر فلا تعود إليك إلا وهي حبل كبير من المصائب فالناس يحبون الشائعات، تعطيها جارك فيزيد عليها كلمتين، والجار يسلمها جاره بثلاث كلمات وهكذا تدور في الحارة فلا تخرج من الحارة إلا وهي محاضرة. من الأحاديث يقول الإمام مالك يخرج الحديث من عندنا من المدينة شبراً ويعود من العراق ذراعاً، وهذا مثل كثير من المبتدعة، فإنهم يأخذون الحديث من صحيح البخاري ثم يزيدون عليه ثلاثة أضعاف الحديث، فالمسلم دائماً يتثبت، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36] فوصيتي لإخواني إذا سمعوا خبراً من رجل أو من داعية أو من طالب علم أو من مسئول، أن يتثبتوا منه شخصياً، وأن يتأكدوا حتى لا يكونوا عرضة للتهم وبالمجازفة، ولا للنبز بالعجلة والطيش.
آداب الخلاف
آداب الخلاف: إذا اختلفت مع رجل فهناك آداب لا بد أن تراعيها معه:
 من آداب الخلاف الإنصاف
الخامس عشر: الإنصاف مع العدو ومع القريب، بعض الناس إذا خاصم فجر، وإذا خالف لا يرعى ذمة ولا عهداً، فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جعل ميزاناً للمناظرة والمجادلة والاختلاف مع القريب والبعيد مع العدو، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] فمن العدل أن تذكر كل ما فيه من شيء طيب حتى الكافر، تجد بعض الناس يغضب إذا قلت الدول الكافرة الغربية غلبتنا في مسألة تنظيم الحياة، وهذا أمر معلوم، يقول: لا تقل هكذا، استغفر، تب إلى الله، كيف يغلبنا وهو كافر يعني تعصب، تقول: غلبونا في العمران، يقول: لا الحضارات من عندنا، تقول: صنعوا الميكرفون، يقول: لا أجدادنا بدءوا في الصناعة قبلهم، الساعة، الطائرة يقول: لا، لا، لا: هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا [يوسف:65] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8].الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن أحد ملوك فارس كان عادلاً ويقال فيه أثر وفيه ضعف: {ولدت في حكم الملك العادل} العادل هذا هو: من ملوك فارس، كان عادلاً وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أربع خصال منها: {أكثر الناس أحلاماً} تجد عندهم سعة صدر للحوار، ولو أن بعض الدول الإسلامية أفضل عند الله منهم، لكن ليس علامة المسلم أن يكون متفوقاً في كل مسألة، تجد الكافر أحياناً أحلم من المسلم، لا يعني أنه أحسن، لكن: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] تجد الكافر أحياناً أكثر تبسماً من بعض المسلمين وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].تجد بعض الناس إذا خاصم تعدى وظلم، قال تعالى: إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] ويتكلم بجهل ويدمر حسنات الآخر، ومع القريب تجد بعض الناس يذب عنه ولو كان خطؤه كالشمس: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا تذكر له رجلاً لكن لا يرتاح إليه، قال: ليس بصحيح وفي عقله شيء، وما أرتاح له أنا، تقول: علمه، يقول: فيه نظر أعرف أموراً ما تعرفها أنت، تذكر له قريبة أو صديقه، يقول: سبحان الله! إمام من الأئمة فريد العصر وهو ما يساوي شيئاً، لا إله إلا الله، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135] فلا القريب تحملك قرابتك له أن تحمل له منزلة فوق منـزلته، ولا البعيد العدو تحملك عداوتك له أن تضعه عن منـزلته، بل الحق: العدل (كونوا شهداء).ومنها: بعض الناس يطمس حسنات الناس فإذا خالف إنساناً في قضية نسي حسناته، نسي الحسنات كل الحسنات، يقول الشاعر:وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع فتجد بعض الناس إذا أخطأ رجل خطأ، خطؤه خطأ كبير لا يغتفر، وبعضهم إذا أتى بخطأ كالجبل كان صغيراً، وبعض الناس ترى له حسنات تنغمر سيئاته بحسناته، يقول صلى الله عليه وسلم: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث} بعض الناس عنده من الفضل والمكانة الشيء الكثير، فهذا تنغمر فيه السيئات ولا يضر لكن بعض الناس السيئة تظهر عليه؛ لأنه سيئ، يقول الذهبي في ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي الأمير السفاح، يقول: له حسنات منغمرة في بحار سيئاته، وذكر قتادة بن دعامة السدوسي الراوي قال: كان فيه تشيع يسير وكان رأساً في القراءة، رأساً في العبادة، رأساً في الزهد، رأساً في الحديث، رأساً في التفسير {وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث} ويقول بشار بن برد: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه وقال أبو تمام: تريد مبرأ لا عيب فيه وهل عود يفوح بلا دخان هل هناك عود ولو كان من العود الممتاز يفوح بدون دخان على الجمر، لا، لا بد من دخان، ويقول النابغة الذبياني أمام النعمان بن المنذر:ولست بمستبق أخاً لا تلومه على شعثٍ أي الرجال المهذب المعنى: هل تستطيع أن توجد رجلاً ليس فيه عيب ولا تصبر على عيبه؟ أي الرجال المهذب؟من لك بالمهذب الصافي الذي لا يجد العيب إليه مرتقى هذا ما يمكن.يا أيها الإخوة! اذكروا الناس بحسناتهم وإذا ذكر لك رجل فاذكر ما به من مكارم.كان ابن المبارك رحمه الله إذا ذكر له بعض أحبابه وأصدقائه، قال: هل يوجد مثل فلان؟ كان كريماً، ويأتي بمناقبه وينسى سلبياته، وهذا من أحسن ما يكون! لكن بعض الناس كما يقول ابن تيمية وقد نقلها الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب المأمول، قال: بعض الناس مثل الذباب لا يقع إلا على الجرح.فهو يحب العيوب وينصب على السيئات، وبعض الناس مثل الخنزير -والعياذ بالله- يقول ابن القيم في مدارج السالكين تصف له أهل الفضل أهل الخير فيأبى، فإذا جئت في مذمة فيهم انطلق مثل السهم، فيقول ابن القيم: الآن الخنزير ما يأكل أفضل الفضلات، يأكل أقبح الفضلات؛ فضالات الناس، والعياذ بالله.
الخلاف في الفروع يقبل فيه العذر
وتجد من إساءة الأدب في الخلاف: التعميم في الأحكام، يقول: القبيلة الفلانية كلهم حمقى، والقبيلة الفلانية كلهم بخلاء، والقرية الفلانية كلهم جبناء، سبحان الله! لماذا هذا التعميم؟ التعميم عرضة للخطأ، ولا يجوز للمسلم أن يعمم إلا ما عمم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأجد في بعض الشباب يقول: الجامعة الفلانية ما تخرج إلا كسالى سبحان الله! عقليتك الجبارة حكمت على جامعة بأسرها ونحن نعرف فيها فطناء، يقال له: لماذا لم تدخل القسم الفلاني؟ يقول لك: دخلت فوجدتهم أبلد من البلداء، يا درة الزمان ويا قبة الفلك. ومنها: التعالي في الخطاب تجد الإنسان إذا جادل أو كتب أو رد ولو كان طويلباً، يقول: قلنا وكتبنا ونبهنا، ولنا رد عظيم، وهو الذي نختاره، وهذا الذي يعجبنا؛ سبحان الله! وعمره خمس عشرة سنة، تجده يستطرد أحياناً في الحلقة الصغيرة مع الشباب، ويقول: والذي تطمئن إليه نفسي -ويضرب فخذه- بعد طول بحث وتأمل أن هذه المسألة كذا، وكذا وكنت أرى قبل سنوات هذه المسألة ثم بدا لي! كم عمرك حتى ترى قبل سنوات؟! فالتعالي في الخطاب من العجب وهو مذهب علماء الكلام والمناطقة، أما أهل السنة فهم متواضعون، أتى رجل يمدح ابن تيمية، قال ابن تيمية: أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي يقول ابن تيمية: هكذا كان أبي وجدي فقراء مساكين، وكان يقول ابن تيمية في قصيدة فقرية له:أنا الفقير إلى رب السماوات أنا المسيكين في مجموع حالاتي وإذا مدح قال بيده هكذا: لسنا بشيء، ولولا الله ما عندنا شيء، وما لنا شيء، الفضل لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لكن تجد بعض الناس دائماً يحب تفخيم نفسه، يختم بنفسه حيث يقول: فضيلة الشيخ ويوقع، وإذا اتصل بالهاتف يقول: معكم الشيخ فلان، والناس العقلاء يستصغرونها، وتجده أحياناً يتفاخر بالمشيخة فتجد عليه عمامة وسط الناس، لكن يريد أن يبرز العمامة والنظارات وعكاز ومسبحة وبالسواك باليسرى ويتنحنح ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويظهر لك كأنه العز بن عبد السلام.أخي المسلم: كُنْ غبراء الناس، البس مثلما يلبس الناس، لا بأس أن تنزل منـزلتك، إذا كنت عالماً جليلاً أو سلطاناً مقسطاً عادلاً، أو شيخاً موجهاً، أن تنـزل منـزلتك؛ لأن النـزول عن المنزلة فيه شيء من الإسفاف، والتعالي على المنزلة كبر حتى تجد بعض الناس يتواضع تواضعاً بهيتاً ما هو صحيح، تجده في القرن الخامس عشر يحمل الحطب في السوق، تقول له: ما هذا، يقول لك: دعني أتواضع لله، لكن المسلم يكون وقوراً هادئاً، والحركات ليس مسئولاً عنها الإسلام.
  الأئمة الأربعة والصحابة لا يتعصبون
وذكر عن أبي حنيفة أنه قال: إذا خالف قولي السنة فاضربوا بقولي عرض الحائط، وكان الشافعي يقول: إذا رأيتموني عرفت الدليل وقلت بخلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب، ويؤثر أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وكان الإمام أحمد يقول: دع عنك رأي سفيان ورأي الأوزاعي وهؤلاء الأئمة ورأي مالك وخذا من حيث أخذ القوم، يعني من الكتاب والسنة.كان الإمام مالك يقول: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام؛ لأنه معصوم، فكانوا يتواضعون ولا يريدون أن يصروا على أخطائهم لو تجلت لهم وإلا فقد ظهر لبعضهم الخطأ فعاد.وهكذا الصحابة، كان عمر ينبه على كثير من المسائل رضي الله عنه وأرضاه فيعود وسوف أذكر لكم أمثلة من ذلك.طرق أبو موسى على عمر رضي الله عنه وأرضاه الباب واستأذن ثلاثاً فلم يأذن له عمر، فانقلب أبو موسى راجعاً ففتح عمر الباب فرأى أبا موسى مولياً فدعاه فأجاب، قال: مالك؟ قال: يقول عليه الصلاة والسلام: {إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع} فظن عمر أنه استحضر هذا الحديث -وعمر لم يسمع بهذا الحديث من قبل- قال: [[والله لتأتيني بمن يشهد لك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث أو ليكونن لي ولك شأن، فذهب أبو موسى خائفاً وجلاً إلى مجلس الأنصار وقال: أنقذوني من عمر تلوت له هذا الحديث فقال: ائتني بشاهد، قال له الأنصار: والله لا يأتي معك إلا أصغرنا قم يا أبا سعيد! إلى عمر، فقال: أشهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله، فعاد عمر رضي الله عنه إلى القول بهذا الحديث]] وغيرها كثير من القضايا، ولا يلزم من المجتهد أن يكون عالماً بكل الشريعة ولا يزال طالب العلم مستفيداً والمسلم عارفاً ما أراد الحق، ويلتمس الحق ويستفيد من كل قوم،والمتكبر أجهل الناس، ولذلك تحرم منه الفائدة ويحرم منه الحق؛ لأن الله يقول: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً [الأعراف:146] فالمتكبر مصروف عن الهداية. من صور التكبر: أن كثيراً من الناس لا يحضر مجالس الذكر ولا المحاضرات؛ لأن المتكلم أصغر منه سناً، وأقل علماً، وقد ولد قبله بأربعين سنة، ولد في الحرب العالمية الأولى، وهو ولد بعد الحرب العالمية الثانية، فتجده ممنوعاً من الفائدة، والذين يحضرون يستفيدون وهو لا يستفيد، وإذا سمع كلمة صد عنها وقال: ليست صحيحة، همه المعارضة؛ لأنه تكبر فهو من أجهل الناس، والعرب تسمي المتكبر احمق، وهو الخطر الداهم الذي يهدد كثيراً من الناس إن لم يتداركوا أنفسهم.
مسائل مهمة
أيها الإخوة الفضلاء: سوف يكون قريباً وقد وعدتكم أن يكون هذا الدرس محاضرة بعنوان تسهيل العقيدة.هناك أمور أريد أن أنبه عليها، أيها الإخوة الفضلاء وهي كالتالي: 1/ مسائل خروج الرجال والنساء، أبواب مخصصة للنساء، لا يجوز للرجال أن يخرجوا منها فهي خاصة بالنساء وهذا من تقوى الله عز وجل. 2/ مسائل الأحذية؛ لأن ديننا دين نظافة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تحدث عن هذا القضايا لأصحابه، هناك أماكن مخصصة للأحذية توضع فيها لكنا فوجئنا بالناس في كل درس يأتون فيضعون أحذيتهم في هذا البهو الذي يصلى فيه كل جمعة ثم يخرجون ويعلمون أنهم قد أساءوا إلى المسجد، والمسجد إنما هو لذكر الله والطاعات.3/ منها أن كثيراً من الإخوة يأتي في غضون الدرس ويتخطى الصفوف حتى يقترب ويتخطى أعناق الرجال فيزاحمهم وهم أقدم منه وأفضل في المكان وأتوا من قبله هذا كذلك ليس وارد.4/ منها أنه إذا أقمنا للصلاة تزاحم الناس على الصف الأول حتى شق بعضهم على بعض وهذا ليس بوارد لكن تفسحوا ولا يضر المسلم أخاه. 5/ منها أن كثيراً من الناس لا يعني كثيراً بهذه الدروس، وهذا للغائب وليس لكم، ويقول: ليس فيها جديد ولا أدري ماذا يريد هو من الجديد وعلى كل حال سوف يكون حقها أكثر من باطلها، وخيرها أكثر من شرها، لكن من المكاسب له أن يحضر وأن يأتي بمن يستطيع من زملائه وإخوانه حتى يستفيدوا لو لم تكن هناك فائدة إلا أن الله تعالى يقول في آخر المجلس انصرفوا مغفوراً لكم، وهذا من أعظم الفوائد وأجل المنافع.
 الدعوة إلى الله أمانة في أعناقكم
ومن المسائل التي أريد أن أنبهكم عليها، وأمامي فضلاء وطلبة علم ودعاة، والمناطق محتاجة والقرى والبوادي وتهامة محتاجة إلى الدعاة، وداعية وحده لا يفعل شيئاً، ويد واحدة لا تصفق، ولكن يحتاج إلى إخوة، وغالب الإخوة أساتذة وطلبة في الجامعات، فعليهم أن ينطلقوا بهذا الدين، قال تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة:122] ولو أن يحتسب المرء مرة في الخميس والجمعة في سبيل دعوة إخوانه إلى القرى فينفعهم ويفيدهم، ويتكلم في المسائل التي تصلحهم، ويعظهم دون استثارات وإثارات، أو مسائل لا داعي لها، أو مسائل ليست من خصوصياتنا، إنما نحدث الناس عن الإيمان والعمل الصالح، وعن البدع والخرافات، ولو أن يأتي مثلاً: رسالة الصلاة أو رسالة الحجاب، أو رسالة التوحيد، أو رسالة ذم الغناء، أو رسالة في اغتنام الوقت، أو رسالة في القبر. فيا أيها الإخوة: الله الله فقد تكلم من قبل سنة؛ بل من قبل سنتين في هذا الموضوع، لكن نرى أن المنطقة لا زالت بحاجة ماسة إلى الدعوة وفي عشرات القرى يسألون الداعية بالله العظيم حتى بالهاتف يسألونه بالله ويعرضونه وجه الله أن ائتي إلينا في محاضرة، ويقول كثير منهم: والله إنها تمر بنا من السنة إلى السنة ما قام داعية في المسجد إلا يوم الجمعة، وإن الخطيب يوم الجمعة يقرأ علينا من كتاب قديم ولا نستفيد منه معلومة، ولا يصحح لنا خطأ ولا ينهانا عن معصية ولا بدعة، فنسألكم بالله..فأنا أطرح الأمر بين أيديكم والمهمة مشتركة عندنا جميعاً ولا تخص واحداً عن آخر، أذكر على سبيل المثال في العطلة الصيفية يأتينا أناس من الرياض، من الشرقية، من الغربية من القصيم فيلوموننا على التقصير في الدعوة، ونحن نقول لهم: ونحن زملاء ودعاة والبلاد واحدة فنطالبكم بمثل ما تطلبوننا ادعوا واذهبوا أنتم إلى القرى بأنفسكم وتكلموا، فلا بد من التأثير، غالب القرى منها أناس هنا وأريد أن أحملهم مسئولية قراهم قدر المستطاع، ويقول عليه الصلاة والسلام: {بلغوا عني ولو آية} ويقول صلى الله عليه وسلم: {نضر الله امرأ سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها فربَّ مبلغ أوعى من سامع}. لا يصلح البلاد، ولا يستتب الأمن، ولا يرتاح الناس، ولا يجتمع شمل الأمة، إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والعلم يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: {إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا}.يوجد في القرى كبار السن يكسرون في الفاتحة ولا يجيدون قراءتها، وتجدهم يمسكون الإمامة ويحرمون طلبة العلم الجامعيين، بل بعضهم خريج الشريعة وأصول الدين، وبعضهم داعية متفوق أو طالب علم جدير يمنعه أن يقف على المنبر، ويبقى على الناس في خطبة مكتوبة من مائة سنة لا تعالج الوضع، ولا تتكلم في قضايا الساعة، ولا تصلح شيئاً، فيميت المنبر والمصلين ويميت قلبه، ويتحمل من الله أمانة لا يحملها يوم القيامة، وقد شكا كثير من الطلبة هذا الأمر بل بعض القرى يمنعون الداعية أن يتلكم، ما نريد القديم هذا فقط، يتحدث لهم في قضايا السلطان عبد الحميد فقط ويتلكم لهم عن أشياء مر بها الدهر وأكل عليها وشرب، وإلا فمسائل الشريعة كلها جديدة؛ لكن نحن نريد من يصلح ومن يتلكم بشيء يدخل إلى القلوب، ومن يتلكم عن الحالة الراهنة ثم قضايا الساعة، هذا هو المطلوب. على الإخوة أن يتقوا الله في ذلك وعلى الأئمة من لا يحسن الإمامة أن يتركها لطلبة العلم شريطة أن يتركوا له الراتب؛ لأن مسألة الراتب (خطر ممنوع الاقتراب) ولا يمنع كثير من الشباب إلا من أجله فيكتبون له عهداً وميثاقاً ويشهدون عليه اثنين من كبار الحي بالله العظيم أن الراتب لك ولا نأخذ ريالاً، حينها تستتب الأمور.لا يجوز للمسلم أن يكون سلبياً في حيه ولا في قريته، يذهب ويأتي للتعلم ثم يسأله الله تعالى عن حيه يوم القيامة، لابد أن تكون إيجابياً مؤثراً إذا ما استطعت أن تتكلم اشتر لك مائة شريط وزعها في البيوت، شريط عن العقيدة؛ شريط عن القرآن؛ شريط عن القبر؛ شريط عن الكبائر، يهدي الله بك مائة بيت ويأتون يوم القيامة في ميزان حسناتك، وهذا الإنفاق في أبواب الخير؛ لأن أهل الباطل ينفقون أموالهم وقد قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36].يخبرني أحد الشباب المغنين بعد أن هداه الله قال: صاحب استريو لما نزلت لي أغنية بعت لهذه الأغنية فقط بخمسين ألفاً في أسبوع واحد، وهذا يعني أنها أمة بحاجة إلى مغنين ومطبلين، أمة هوى وعشق وهيام، فكيف ينظر إلى من دفع أمواله بل بعضهم يتهادون هذه الأشرطة من حي إلى حي ومن بلد إلى بلد. الله الله يا أيها الإخوة! في نشر الخير، ونصرة الله عز وجل، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وعد من ينصره بأنه سوف ينصره حيث قال: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51]. فأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وبإذن الله تكون المحاضرة التي عن تسهيل ملبية للحاجة إن وجدت القرى والأماكن النائية حاجة ماسة إلى تبسيط العقيدة، وإيصال العقيدة سهلة ميسرة بدون اختلاف علها أن تكون في الأسبوع القادم.أسأل الله لي ولكم في الأخير التوفيق والمغفرة.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشباب وأدب الاختلاف للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net