اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حاجة الصحوة إلى العلم الشرعي للشيخ : عائض القرني


حاجة الصحوة إلى العلم الشرعي - (للشيخ : عائض القرني)
إن الدين الإسلامي دين حضارة وعلم، وقد امتدح الله العلم والعلماء، ورفع شأنهم في كتابه الكريم ؛ وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما أحوج الأمة في هذا الزمان وهي تعيش زمن الصحوة المباركة الإسلامية إلى العلم الشرعي، ما أحوجها أن ترجع إلى سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين والعلماء الكبار لتعرف أهمية العلم وفضله، وأسباب زيادته، وبركته، وفوائده، ومسائله العويصة، لكي تبلغه للناس وتقيم به الأسر والمجتمعات.
فضل العلم والعلماء في القرآن
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ياأهل الصحوة، وسلام الله عليكم يا أهل الإقبال على الله، وسلام الله عليكم يا من في أرضهم نبتت بذرة تجديد التوحيد.يا رياض الخير قد جئت وفي جعبتي أبها بلقياك تسامى حلفت لا تشرب الماء ولا تأكل الزاد ولا تلقى مناما أو ترى الأحباب في نجد فإن لم تجدهم صار ممساها حراماً فسلام الله أهديه لكم يا رجال الفضل في نجد الخزامى أنا قد أحببتكم في الله ما كان قلبي في سواه مستهاما
 العلم قرين الإيمان والفهم والتعقل
والله عز وجل ذكر أهل العلم في القرآن، فقرنهم بالإيمان، فقال: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ [الروم:56] فقرن الله الإيمان بالعلم، وأتى الله عز وجل بالعلم في مقام الشهوات لما ذكر قارون عندما خرج على قومه في زينته، قال أهل الدنيا، أهل الجهل، أهل المادة: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] فماذا قال أهل العلم، قال: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ [القصص:80] خافوا من الله، استحيوا من عذاب الله، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80] فانظر كيف وقفوا هناك في موقف الشبهات، ووقفوا هنا في موقف الشهوات.والله عز وجل ذكر أهل العلم في القرآن بالفهم والتعقل والتثبت والتؤدة فقال: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] ما يفهم العبر ولا يفهم النصائح إلا أهل العلم، وذكرهم الله بالحفظ في كتابه فمدحهم فقال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49]. في صدروهم كأنها مسطَّرة ومكتوبة، لأنهم وعوها، فانظر إلى هذا الشرف العظيم، والله عز وجل دائماً يذكر العلم في معرض إرسال الرسل، حتى لما ذكر الله الكلاب، ميز الكلب المعلم عن الكلب الجاهل، قال: مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] فجعل الكلب المعلم إذا صاد فصيده حلال بشروط، وأما الكلب الجاهل فصيده لا يجوز، لأنه ما درس، وما تخرج في مدرسة، وما عنده شهادة. وميز الله حتى في البهائم ما منـ ها يعلم عن باغ ومغتشم ولذلك احتاج الإنسان إلى أن يورد هذه النصوص بما تردد في الساحة وسوف نأتي إليه في العنصر الرابع من تقليل شأن العلم، ومن تهوين شأن العلماء في بعض الأوساط، ومن الدعوة إلى الانطلاق، وترك البيوت والمكتبات والحلق، وأن الأمة غارقة في حمأة آسنة، وأن الإنقاذ لا يتأتى لها من الركود وإنما يتأتى لها من الانطلاق، فكان لزاماً علينا أن نورد هذه الآيات، والله يقول لرسول الدعوة عليه الصلاة والسلام: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].قال الإمام البخاري في الصحيح في كتاب العلم: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، حياك الله أيها الإمام البخاري، ولا فض فوك، وما أحسن ما دبجت ووشحت ونسقت!وصدق حين بدأ بالعلم قبل القول والعمل، فرسالة بلا علم جهل، وتعليم للناس بلا فهم ضلال، ودعوة بلا قال الله قال رسوله عليه الصلاة والسلام خسارة وتباب، فوجب على الدعاة، وأهل الصحوة، والمقبلين على الله أن يتعلموا، ثم ينطلقوا، وأن ينطلقوا يتعلموا حتى يلقوا الله عز وجل، واسمع إلى رسول الهدى عليه الصلاة والسلام الذي فجر الكلمة الصادقة في الأمة، والذي جاء إلى أمة الصحراء، الأمة المسكينة، التي ما تعرف حتى بناء البيوت، ولا تسقيف المنازل، ولا الخياطة والنساجة، الأمة الجاهلة، الأمة الأمية التي أحياها الله برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم. إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها وأمدها مدداً وأعلى شانها وأزال شانئها وأصلح بالها والله يمتن على الأمة الأمية الجاهلة التي ما سجدت في عمرها لله، وما عرفت الوضوء بالماء، وما عرفت أن تقول لا إله إلا الله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] إي والله، ضلال لا يعلمه إلا الله، ضلال الخرافات، ضلال الشركيات، ضلال الجهل والتخلف، ضلال التبعية والتقليد، ضلال الذلة والصغار لأمم الأرض، فلما أتى صلى الله عليه وسلم ماذا فعل: هل قال للناس إنكم بحاجة إلى مصانع أو صوامع للغلال أو الحبوب، أومنتجات، أو مشروبات، أو مأكولات؟نعم. كلهم بحاجة إلى هذه الأمور، لكنها ذرة في مسألة، وفي رسالته التي جاء من أجلها صلى الله عليه وسلم، أعرض عن هذه تماماً وتركهم في بيوت الطين، يركبون الحمير والجمال، ويأخذون الماء على ظهورهم في القرب، ويأكلون خبز الشعير، لكنه عقد الندوات والحلقات، وأرسل العلم في الدنيا، ليحرر الإنسان من جهل الخرافة، لأنه إذا تعلم فسوف يفجر الدنيا، وسوف يوجه البشرية إلى بر الأمان والسلام.
رسول الله يتحدث عن فضل العلم
يقول عليه الصلاة والسلام وهو يتحدث عن رسالته -وهذا العنصر الثاني- كما روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث - انظر إلى اختيار الغيث ودون المطر_ أصاب أرضاً فكان منها طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب حبست الماء -وفي رواية أمسكت الماء- فسقوا وزرعوا، وكان منها أرض إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك كمثل من نفعه الله بما أرسلني به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) يقول عليه الصلاة والسلام يا أهل الصحوة! يا أيتها الأمة الخالدة! يا أمة لا إله إلا الله! يا من حمل مشاعر الخير للبشرية! مثل ما بعثني الله به إليكم كمثل الغيث ولم يقل المطر.بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا فلماذا لم يقل المطر؟ قال بعض أهل العلم: لأن المطر غالباً استخدم في القرآن في مواطن العذاب، قال تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [الشعراء:173] قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف:24] فعدل عن المطر وأتي بالغيث. ثم هناك خاصية أخرى: لأن الغيث فيه غوث للأرض، وكذلك العلم فيه غوث للقلوب. وهناك خاصية ثالثة ذكرها القرطبي وغيره: "أن العلم صاف من السماء ما شابته الفلسفة والمنطق، كالغيث الذي نزل رحباً من السماء ما داخله الكدر ولا الطين" وهذا معنى بديع، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: رسالتي والعلم الذي جئت به قال الله وقال رسوله، هذا العلم أتى كالغيث أصاب أرضاً.
 الحث على التعلم
الرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين من حديث معاوية خال المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه: {من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين} إي والله، فمن يريد الله أن يرفع رأسه وأن ينير بصيرته وأن يعظم شأنه يفقهه في الدين.ومفهوم المخالفة في الحديث: أن من لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، وهل يحسد على شيء في الدنيا؟ إن كان يحسد على شيء في الدنيا فليحسد على العلم، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين برواتين مختلفتين عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم: {لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار} وفي رواية أخرى {رجل آتاه الله الحكمة فهو يتعلمها ويعلمها الناس}.والرسول عليه الصلاة والسلام يقف للأمة ويقول:{من سلك طريقاً يتلمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة} فقم يا طالب العلم، وقم يا أيها الشاب، وقم أيها المتجه في ركب الصحوة واجلس في حلق الذكر، وزاحم العلماء بالركب، فإن الملائكة تظلك بأجنحتها، وتضع لك الأجنحة رضاً بما تصنع، وطريقك ميسور مسهل إلى الجنة. وقل لـبلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصلياً توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا ويقول عليه الصلاة والسلام: {بلغو عني ولو آية} رواه مسلم وغيره، يقول: (بلغوا عني) والبلاغ لا يأتي إلا بالعلم، فالله الله ولو آية، الله الله ولو حديث، ليكون لك موقف يوم القيامة، لتشرب من الحوض المورود الذي طوله شهر وعرضه شهر، وعدد آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وأول ما يشرب منه من بلغ الرسالة إلى الناس. والرسول عليه الصلاة والسلام يتحدث عن العلم فيثني عليه كثيراً فيقول: {الدنيا معلونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم}رواه الترمذي وابن ماجة بسندين حسنين، ويقول عليه الصلاة والسلام: {إن معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، وحتى النملة في جحرها} هذا الحديث رواه الترمذي وغيره وسنده حسن.إلى أحاديث أخرى يستفيض فيها صلى الله عليه وسلم في ذكر العلماء وطلبة العلم، وهو يقول في حديث أبي الدرداء عند الترمذي:{من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة} ثم يقول عليه الصلاة والسلام: {وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يخلفوا درهماً ولا ديناراً، وإنما خلفوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر} رواه الترمذي وغيره بأسانيد حسنة. ويدعو صلى الله عليه وسلم إلى التعليم، فيقول: في حديث علي رضى الله عنه المتفق عليه: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم} فهداية الرجل الواحد إنما هو بالعلم. ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين أن الجود منزلة الكرم، ثم قال: وأعظم الجود الجود بالعلم، فالجود بالعلم هو أعظم من الجود بالوقت وبالجاه وبالمال، وإنما يجود من تعلم وعلم الناس، والرسول عليه الصلاة والسلام إنما بعث معلماً، وهذا الحديث في سنده نظر، ولكن رسالته تشهد بذلك عليه الصلاة والسلام، وأنه إنما بعث ليعلم الناس، وأن مهمته التعليم عليه أفضل الصلاة والسلام: {فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين}ومن يرد الله به خيراً يوجهه إلى الكتاب والسنة، ومن يرد الله به خيراً يقوده إلى العلم الشرعي، ليعيش هذه الصحوة المباركة.
صور من حياة السلف مع العلم
أما العنصر الثالث: كيف عاش علماء السلف العلم الشرعي، وكيف تفانوا في طلبه، وكيف أفنوا الأعمار في تحصيله، معاذ سيد العلماء الذي ورد عنه صلى الله عليه وسلم بأسانيد حسنة أنه قال: (قائد العلماء إلى الجنة معاذ بن جبل، يأتي أمام العلماء يوم القيامة برتوة) والرتوة: رمية بحجر، هذا العالم الكبير، والمجتهد المطلق أبو عبد الرحمن يقول وقد حضرته سكرات الموت، واقترب الوعد وأتاه اليقين، يقول وهو يلتفت إلى سقف منزله وهو يناجي رب العزة سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: [[اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار ولا لجري الأنهار، ولا لرفع القصور، ولا لعمارة الدور، إنما كنت أحب الحياة لثلاث]] حياك الله يا أبا عبد الرحمن فما هذه الثلاث؟ ما هذه الهمم العالية؟ ما هذه الروح المتوقدة؟ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا قال: [[لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، وتعفير وجهي في التراب -ساجداً لله- وصيام الهواجر]] رفع الله منزلتك في الجنة، فما أعظم رسالتك للناس يوم تركت هذه الكلمات! يقول: يارب إنك تعلم أني لم أكن أحب الحياة، لغرس الأشجار ولا لجري الأنهار ولا رفع القصور ولا عمارة الدور. خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا وهل الثروة إلا التحصيل؟! وهل الثروة إلا العلم النافع؟! وهل الثروة إلا النور والمعرفة التي تقودك إلى الله عز وجل، لا شيء من الدنيا ولذائذها، يقول بعض أهل العلم: ذقنا اللذائذ وتمرسنا في الشهوات فما رأينا ألذ ولا أشهى من العلم، حتى يقول الألبيري الأندلسي:فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا جعلت المال فوق العلم جهلاً لعمرك في القضية ما عدلتا وبينهما بنص الوحي بون ستعلمه إذا طه قرأتا يأتي سعيد بن المسيب رضي الله عنه وأرضاه وهو يتوجه لطلب العلم فيقول: [[الحمد لله، سافرت ثلاثة أيام لطلب حديث واحد من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام]] سافر ثلاثة أيام بلياليهن حتى وصل إلى ذاك الحديث، ونحن في حارتنا وفي منازلنا، تطرح علينا آلاف الأحاديث من طلبة العلم ومن العلماء، ونقول: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، نريد أن نعيش الصحوة، ولا يمكننا أن نتعلم الحديث، بل يوجد في بيوت الكثير منا آلاف الأحاديث في المجلدات، حتى يقول الشوكاني في أدب الطلب ومنتهى الإرب: إن الاجتهاد تسهل في هذا العصر ما لم يتسهل في عصر سبق. وهذا صحيح عقلاً وحساً وحالاً وشهوداً وحضوراً، فإن الاجتهاد تسهل لوجود هذه الكتب ووجود العلماء وطلبة العلم، وتلاقح الأفكار، وتسهيل المواصلات، وطبع الكتب، واستخراجها من المخطوطات وغيرها، فكيف يتوانى الشاب في طلب العلم بعد هذا الجهد، وروى البخاري تعليقاً عن جابر رضي الله عنه وأرضاه: أنه سافر شهراً كاملاً في حديث واحد، رحم الله تلك العظام، شهراً كاملاً في طلب حديث واحد إلى عبد الله بن أنيس في العريش في مصر، ركب من المدينة، وجدَّ في السير، وأجاع بطنه، وأظمأ كبده، وأخذ كلال السفر ومشقة الغربة عن أهله، ووحشة الفراق، حتى وصل إلى عبد الله بن أنيس أحد الصحابة، فطرق عليه الباب في الظهيرة، فخرج الصحابي، فرأى الصحابي الكبير فعانقه وحياه، فقال: ادخل قال: ما أنا بداخل، قال: من أين أتيت؟ قال من مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: تريد ماذا؟ قال: أريد حديثاً سمعته من فلان حدثني أنك حدثته، قال: ادخل الآن أنت جئت من سفر، قال: ما أريد أن يكون خروجي وهجرتي إلا لله، فأعطاه الحديث ثم عاد إلى المدينة في شهر كامل.حتى يقول الشعبي لأحد رواته، وهو رجل من خراسان: خذ هذه الثلاث، وأخبره بثلاث خصال في حديث أبي موسى في البخاري، قال: خذ هذه الثلاث فوالله الذي لا إله إلا هو! لقد كان يرحل في أقل منها إلى نواحي الأقطار أو الأمصار.الإمام أحمد رحل آلالف الفراسخ، حتى قال بعض العلماء: لو حسبت المدة التي رحلها الإمام أحمد وكانت بالمساحة لطوقت الدنيا، رحل إلى اليمن إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني، الراوية الكبير الشهير من رجال البخاري ومسلم، فلما أراد أن يرحل إلى اليمن قال لـإسحاق بن راهوية، فقال إسحاق بن راهوية:نعم أنا صاحبك، فلما وصل إلى الحرم وطاف بالبيت، وأراد العمرة، وإذا هم بالعلم النجم عبد الرزاق وهو يطوف، فقال إسحاق: يا أبا عبد الله، هذا عبد الرزاق مكننا الله منه، وأراحنا من السفر إليه، قال الإمام أحمد: لا آخذ منه هاهنا حديثاً واحداً، لأنني خرجت لوجه الله، وهجرتي لله، فأريد أن آخذ منه الحديث في صنعاء اليمن، لا بد من صنعاء ولو طال السفر.وعاد عبد الرزاق وما تلقى منه الإمام أحمد حديثاً واحداً، فلما وصل عبد الرزاق بحفظ الله ورعايته إلى مستقره في صنعاء، خرج الإمام أحمد إمام أهل السنة، صاحب الأسمال البالية، والجسم النحيل، بالزهد والإقبال على الله، شيخ كبير لكنه يقود الدنيا لـأهل السنة، ويوجه مسار التاريخ ليكون التاريخ لله، وتكون الأرض لله، وتكون السماء والتراب لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فذهب بمحبرته حتى قال له بعض المتنطعين الذين إذا تعلموا سنة أو سنتين: كفانا من العلم فقد شبعنا وروينا، يقول له: يا أبا عبد الله، أنت في الستين والمحبرة معك، فقال: نعم. من المحبرة إلى المقبرة، وما أحسنها من كلمة لو كتبت على الجباه وسطرت، وهل العلم إلا حمل المحابر والدفاتر والأقلام، وهل التحصيل إلا ليل ونهار كما فعل الإمام أحمد. فوصل إلى صنعاء اليمن والتقى بـعبد الرزاق، وأخذ منه علماً كثيراً طيباً، وعاد فسجله في المسند، فجزى الله الإمام أحمد خير الجزاء، وجزى الله عبد الرزاق خير الجزاء، وجزى كل من اتجه إلى الرزاق خير الجزاء. ولذلك أتى غلاة الصوفية -كما يقول ابن القيم - فقالوا: نحن نطلب علمنا من الرزاق لا من عبد الرزاق.غلاة الصوفية يقولون: نطلب علمنا من الرزاق مباشرة، نطلبها من الرزاق لا من عبد الرزاق.فنزل عليهم ابن القيم فأباد حججهم، حتى تركها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، يقول من ضمن كلامه: والله والذي لا إله إلا هو! لولا عبد الرزاق وأمثال عبد الرزاق ما عرفتم الرزاق، من أين يعرف الله عز وجل إلا عن طريق الرسل المبلغين، وطرق الرسل عليه الصلاة والسلام، من طريق ابن المديني ويحي بن معين وعبد الرزاق وأبي حاتم وأبي زرعة والبخاري وأبي داود وأولئك الملأ العظام. دخل سهل بن عبد الله التستري -كما ذكر ذلك الذهبي - على أبي داود صاحب السنن، وحيا الله أبا داود، ولقد أحسن كل الإحسان بسننه حين قربها للناس، فهل من قارئ لـسنن أبي داود، وهل من متدبر لها، التي يقول عنها ابن القيم: أصبحت سنن أبي داود حكماً بين أهل الإسلام، وموطناً من الحجج في مواطن الخصام، إليها يتحاكم المتحاكمون، وبحكمه يرضى المنصفون.دخل سهل أحد القلوب الحية على أبي داود فقال: يا أبا داود! إني أريدك في طلب تلبيه لي، قال ماهو طلبك؟ قال: أن تخرج لي لسانك، قال لماذا؟ قال أقبلها، لأنها طالما قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامتنع أبو داود ولكن سامح ولبى الإصرار من سهل، فقبل لسانه لأنها ترددت بالأحاديث.
 علم السلف وعلاقته بالخشية والعمل
إذا علم ذلك فقد كانت حياة الصحابة علماً موصولاً بتقوى الله عز وجل؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فالذي لا يخشى الله ليس بعالم، ولو تعلم مهما تعلم، والله تعالى أنَّبَ كثيراً من العلماء الذين ما نفعهم علمهم في القرآن، فقال لـبلعام بن باعوراء اليهودي الإسرائيلي أخو القرد والخنزير، لما أخذ الآيات فما نفعته في الحياة: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].وقال لبني إسرائيل وهو يصفهم بأردى الأوصاف يوم حملوا الكتب في صدورهم وحفظوها: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] وقل لي بالله ماذا يستفيد الحمار إذا حملت على ظهره فتح الباري ورياض الصالحين وبلوغ المرام والمغني؟!هذا كبني إسرائيل وأمثالهم من هذه الأمة، نعوذ بالله أن نكون من ذاك الصنف، لأن ابن تيمية يقول في اقتضاء الصراط المستقيم لما ذكر قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: {لتتبعن سُنَنَ من كان قبلكم حذو القذة بالقذة...} الحديث، قال: وسوف يقع في هذه الأمة ما وقع في الأمم قبلها؛ فإنه وُجد في هذه الأمة عباد -أو كما قال- يعبدون الله بالجهل، ففيهم مثل من النصارى الذين قال الله فيهم: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27] ووجد في طلبة العلم اليوم من فعل مثل ما فعل اليهود، تعلموا العلم فلم يعملوا به فقال الله فيهم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13] قال سفيان بن عيينة: [[من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى]] ونعوذ بالله من كلا الصنفين، نعوذ بالله من عالم فاسق، ونعوذ بالله من عابد جاهل، لأن العابد الجاهل سريع الدخول في البدع والخرافات، والعالم الفاسق سريع الدخول في الشهوات والنزوات، فالخوف على هذا من الشهوات، والخوف على ذاك من الشبهات.إذا علم هذا فكان واجبنا التعلم كما فعل سلفننا الصالح، والعلم إنما هو من الله عز وجل، يقول جل ذكره: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] فالذي يعلم هو الله، والذي يفهم هو الله، وكلما اتقاه العبد كلما علمه وفهمه، انظر لـابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة وهو يمرغ وجهه بالتراب -كما في ترجمته- ويقول وهو شاب في العاشرة من عمره يا أبناء العشرين ويا أبناء الثلاثين والأربعين، يمرغ وجهه في التراب ويقول: " يا معلم إبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] وإبراهيم يقول: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ [مريم:43] فيقول ابن تيمية: " يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني" فعلمه معلم إبراهيم، وفهمه مفهم سليمان، علماً وفهماً صادقين خالصين استخدمهما في نصرة لا إله إلا الله، ولذلك فجر طاقة في المعمورة، حتى نكس التاريخ وقاده وراءه حتى أصبح التاريخ لـابن تيمية، يقول أحد المستشرقين فيما اطلعت عليه: وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض -يعني: دنميت- فجر بعضها ابن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر إلى الآن، حتى يقول المزي: "ما وجد قبله بخمسمائة سنة مثله" وكأنه يقال: وحتى الآن ما وجد مثله، ولا نغلو فيه فنقول: ليس بمعصوم، ولكنه رجل صالح، وعلامة جهبذ، وإنسان أراد أن يقود الأمة، وصحوة في عصره على قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم. أيوب بن أبي تميمة السختياني أحد رجال الكتب الستة، يخرج من بيته -وهو من العلماء العاملين- إلى أهل السوق، فيرون في وجهه لمعان النضرة والنور والبهاء والإقبال على وجهه، فيذكرون الله: لا إله إلا الله، ذكرَّهم المنظر بذكر الله عز وجل، وهو ممن إذا رؤوا ذكر الله عز وجل.أيوب هذا كانت تصيبه الرقة والبكاء من خشية الله، فإذا بكى مثَّ أنفه كأن به زكام، ومابه من زكام ولكنه البكاء، يقول عنه ابن الجوزي وهو يتحدث عنه في صيد الخاطر:أفدي ظباء فلاة ما عرفن به مضغ الكلام ولا نسج الحواجيب يقول: تعيش أيها المصلح يومَ ماعرفت النقاق والرياء إذا بكيت من خشية الله مثت أنفك كأنك مزكوماً، وأنت لست مزكوماً، وإنما زكامك خشية، ورقة وإقبال على الله عز وجل.أيوب بن أبي تميمة السختياني ورد عن مالك، أنه قال: "ما كنت أظن أن في أهل العراق خيراً حتى رأيت أيوب بن أبي تميمة السختياني سلم على الرسول عليه الصلاة والسلام في قبره، ثم بكى حتى كادت أضلاعه تختلف".لأن الإمام مالك يقول في الرواية عن أهل العراق أنزلوهم منزل أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وورد عنه أنه قال: يخرج الحديث عندنا من المدينة شبراً، ويعود من عندهم ذراعاً، لكن لما رأى هذا الصنف والطراز الممتاز رجع عن كلامه، حتى الإمام الذهبي في السير يقول للإمام مالك: "رحمك الله! بل في أهل العراق العلماء والجهابذة والصادقون" أو كما قال، كـسفيان الثوري وقتادة بن دعامة السدوسي وعلقمة وإبراهيم النخعي وإبراهيم التيمي.الشاهد أن هؤلاء العلماء كانوا نوراً يسري على الأرض، فتعلموا العلم ووجهوه للناس، عبد الغني المقدسي رحمه الله كان يدرس الحديث فإذا بدأ في الحديث لا يسمع كلامه من كثرة بكائه، وكان يقول: "وهل العلم إلا الخشية من الله".ويذكر الخطيب البغدادي صاحب كتاب اقتضاء العلم العمل: أن أحد العلماء توفي، فرؤي في المنام فقالوا ما فعل الله بك، قال: " ذهبت تلك الشطحات وذهبت تلك العلوم - علوم عرضية ليست علوم شريعة - وبقيت لنا سورة الفاتحة كنا نعلمها العجائز في قريتنا".ولذلك يقول ابن تيمية وهو يتحدث عن المأمون: "إن الله لا يغفل عنه، فسوف يسأله الله عز وجل عن العلم المنطقي والفلسفي الذي أدخله على المسلمين".هل نحن بحاجة إلى علم المنطق والكلام والفلسفة؟لا. بل نحن بحاجة إلى علم أتى كالغيث من السماء، أتى من فوق سبع سماوات إلى قلوبنا، نروي به الظمأ، ونحيي به القلوب، ولذلك كان من هدي السلف الصالح العمل. ابن المبارك رحمه الله يقول وهو يقرأ في كتاب الزهد الذي ألفه -المطبوع المحقق- وما أصبحنا ننظر إلا من رحم الله إلا إلى الغلاف، وجودة الطبع والتحقيق، ومن خرج الحاشية والفهرسة، كان يفتحه أمام الناس، فيخور كما يخور الثور من البكاء، هذا عبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه الذي يقول لطلبة العلم.لا ينفع العلم قبل الموت صاحبه قوم به سألوا الرجعى فما رجعوا يقول: اليوم ينفعك العلم، ولا ينفعك غداً، متى تعمل بعلمك إذا ما عملت به اليوم. تلميذ أبو إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين قدموه إلى السلطان، وكان السلطان فيه شبه في العقيدة، فقالوا هذا قام بحرب السلطان الخراساني، فأتوا بهذا التلميذ فقال له السلطان: قل لا إله إلا الله. قال: يا أيها السلطان أتعلمني أنت لا إله إلا الله، أما أنا فقد تعلمتها من الفطرة، وقد رضعتها من الصغر، ولا إله إلا الله أموت من أجلها الآن. قال: لماذا لا تتجهز بعمل صالح قبل أن أقتلك الآن. قال: إن سيدي - يقصد شيخه أبا إسماعيل الهروي - قال لي:" إن الدابة لا تعلف الشعير إذا أردت أن تصعد بها العقبة" تريد أن تصعد بالدابة العقبة من الصباح فتعلفها لتسمن، ومتى يمكنها أن تسمن؟ يقول: إذا لم أدخر من العمل الصالح قبل هذا الموقف فلا ينفعني، يوم يكون السيف على رأسي والموت أمامي، وقد نمت في جفن الردى، فأنا كالدابة تترك حتى إذا أراد صاحبها أن يصعد بها في العقبة أعطيت الشعير لتسمن، ولن تسمن في ساعة ونصف. ولذلك إذا لم نأخذ هذا العلم تطبيقاً من الآن فإننا لن نسمن به، ونخاف -نعوذ بالله- أن نعذب به عذاباً أليماً، حتى ورد عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه كما في كتاب الزهد للإمام أحمد أنه قال: [[ويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وويل لمن عمل ولم يعلم مرة واحدة]] أو كما قال.
البركة في العلم وثماره
فإذا عرف ذلك، فإن من تعلم العلم فإن عليه مسئولية عظيمة الله أعلم بها، وإنما شاهدنا كيف عاش السلف، يوم يأتي الإمام أحمد رحمه الله فيكفي أن يمر بالسوق ليلقي دروساً فيها من الاقتداء والخشية والانصياع لأمر الله عز وجل، ومن توجيه الناس إلى الله تعالى الشيء الكثير.يأتي ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة فيؤسس مدرسة التقوى ويبث العقيدة بسلوكه وتطبيقه، ويقول ويكرر: إن من عمل بعلمه أورثه الله علم مالم يعلم، وهذا بعض أهل العلم يرفعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فسبحان الله! ما أجلَّ فائدة من عمل بعلمه، وسبحان الله! ما أعظم خسارة من لم يعمل بعلمه، إذا علم ذلك فإن واجبنا نحو هذا العلم أن نعمل به، فالعلم لا يبارك فيه إلا بثلاثة أمور:-الأول: الإخلاص.الثاني: العمل.الثالث: التبليغ.فالأمر الأول: أن نخلص في طلبه وفي تحصيله، والأمر الثاني: أن نعمل به، والأمر الثالث: أن نعلمه الناس، فإذا حصل هذا فهي الأمور الثلاثة التي تمكن العلم.
 علم السلف وعلاقته بالخشية والعمل
إذا علم ذلك فقد كانت حياة الصحابة علماً موصولاً بتقوى الله عز وجل؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فالذي لا يخشى الله ليس بعالم، ولو تعلم مهما تعلم، والله تعالى أنَّبَ كثيراً من العلماء الذين ما نفعهم علمهم في القرآن، فقال لـبلعام بن باعوراء اليهودي الإسرائيلي أخو القرد والخنزير، لما أخذ الآيات فما نفعته في الحياة: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].وقال لبني إسرائيل وهو يصفهم بأردى الأوصاف يوم حملوا الكتب في صدورهم وحفظوها: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] وقل لي بالله ماذا يستفيد الحمار إذا حملت على ظهره فتح الباري ورياض الصالحين وبلوغ المرام والمغني؟!هذا كبني إسرائيل وأمثالهم من هذه الأمة، نعوذ بالله أن نكون من ذاك الصنف، لأن ابن تيمية يقول في اقتضاء الصراط المستقيم لما ذكر قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: {لتتبعن سُنَنَ من كان قبلكم حذو القذة بالقذة...} الحديث، قال: وسوف يقع في هذه الأمة ما وقع في الأمم قبلها؛ فإنه وُجد في هذه الأمة عباد -أو كما قال- يعبدون الله بالجهل، ففيهم مثل من النصارى الذين قال الله فيهم: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27] ووجد في طلبة العلم اليوم من فعل مثل ما فعل اليهود، تعلموا العلم فلم يعملوا به فقال الله فيهم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13] قال سفيان بن عيينة: [[من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى]] ونعوذ بالله من كلا الصنفين، نعوذ بالله من عالم فاسق، ونعوذ بالله من عابد جاهل، لأن العابد الجاهل سريع الدخول في البدع والخرافات، والعالم الفاسق سريع الدخول في الشهوات والنزوات، فالخوف على هذا من الشهوات، والخوف على ذاك من الشبهات.إذا علم هذا فكان واجبنا التعلم كما فعل سلفننا الصالح، والعلم إنما هو من الله عز وجل، يقول جل ذكره: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] فالذي يعلم هو الله، والذي يفهم هو الله، وكلما اتقاه العبد كلما علمه وفهمه، انظر لـابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة وهو يمرغ وجهه بالتراب -كما في ترجمته- ويقول وهو شاب في العاشرة من عمره يا أبناء العشرين ويا أبناء الثلاثين والأربعين، يمرغ وجهه في التراب ويقول: " يا معلم إبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] وإبراهيم يقول: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ [مريم:43] فيقول ابن تيمية: " يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني" فعلمه معلم إبراهيم، وفهمه مفهم سليمان، علماً وفهماً صادقين خالصين استخدمهما في نصرة لا إله إلا الله، ولذلك فجر طاقة في المعمورة، حتى نكس التاريخ وقاده وراءه حتى أصبح التاريخ لـابن تيمية، يقول أحد المستشرقين فيما اطلعت عليه: وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض -يعني: دنميت- فجر بعضها ابن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر إلى الآن، حتى يقول المزي: "ما وجد قبله بخمسمائة سنة مثله" وكأنه يقال: وحتى الآن ما وجد مثله، ولا نغلو فيه فنقول: ليس بمعصوم، ولكنه رجل صالح، وعلامة جهبذ، وإنسان أراد أن يقود الأمة، وصحوة في عصره على قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم. أيوب بن أبي تميمة السختياني أحد رجال الكتب الستة، يخرج من بيته -وهو من العلماء العاملين- إلى أهل السوق، فيرون في وجهه لمعان النضرة والنور والبهاء والإقبال على وجهه، فيذكرون الله: لا إله إلا الله، ذكرَّهم المنظر بذكر الله عز وجل، وهو ممن إذا رؤوا ذكر الله عز وجل.أيوب هذا كانت تصيبه الرقة والبكاء من خشية الله، فإذا بكى مثَّ أنفه كأن به زكام، ومابه من زكام ولكنه البكاء، يقول عنه ابن الجوزي وهو يتحدث عنه في صيد الخاطر:أفدي ظباء فلاة ما عرفن به مضغ الكلام ولا نسج الحواجيب يقول: تعيش أيها المصلح يومَ ماعرفت النقاق والرياء إذا بكيت من خشية الله مثت أنفك كأنك مزكوماً، وأنت لست مزكوماً، وإنما زكامك خشية، ورقة وإقبال على الله عز وجل.أيوب بن أبي تميمة السختياني ورد عن مالك، أنه قال: "ما كنت أظن أن في أهل العراق خيراً حتى رأيت أيوب بن أبي تميمة السختياني سلم على الرسول عليه الصلاة والسلام في قبره، ثم بكى حتى كادت أضلاعه تختلف".لأن الإمام مالك يقول في الرواية عن أهل العراق أنزلوهم منزل أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وورد عنه أنه قال: يخرج الحديث عندنا من المدينة شبراً، ويعود من عندهم ذراعاً، لكن لما رأى هذا الصنف والطراز الممتاز رجع عن كلامه، حتى الإمام الذهبي في السير يقول للإمام مالك: "رحمك الله! بل في أهل العراق العلماء والجهابذة والصادقون" أو كما قال، كـسفيان الثوري وقتادة بن دعامة السدوسي وعلقمة وإبراهيم النخعي وإبراهيم التيمي.الشاهد أن هؤلاء العلماء كانوا نوراً يسري على الأرض، فتعلموا العلم ووجهوه للناس، عبد الغني المقدسي رحمه الله كان يدرس الحديث فإذا بدأ في الحديث لا يسمع كلامه من كثرة بكائه، وكان يقول: "وهل العلم إلا الخشية من الله".ويذكر الخطيب البغدادي صاحب كتاب اقتضاء العلم العمل: أن أحد العلماء توفي، فرؤي في المنام فقالوا ما فعل الله بك، قال: " ذهبت تلك الشطحات وذهبت تلك العلوم - علوم عرضية ليست علوم شريعة - وبقيت لنا سورة الفاتحة كنا نعلمها العجائز في قريتنا".ولذلك يقول ابن تيمية وهو يتحدث عن المأمون: "إن الله لا يغفل عنه، فسوف يسأله الله عز وجل عن العلم المنطقي والفلسفي الذي أدخله على المسلمين".هل نحن بحاجة إلى علم المنطق والكلام والفلسفة؟لا. بل نحن بحاجة إلى علم أتى كالغيث من السماء، أتى من فوق سبع سماوات إلى قلوبنا، نروي به الظمأ، ونحيي به القلوب، ولذلك كان من هدي السلف الصالح العمل. ابن المبارك رحمه الله يقول وهو يقرأ في كتاب الزهد الذي ألفه -المطبوع المحقق- وما أصبحنا ننظر إلا من رحم الله إلا إلى الغلاف، وجودة الطبع والتحقيق، ومن خرج الحاشية والفهرسة، كان يفتحه أمام الناس، فيخور كما يخور الثور من البكاء، هذا عبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه الذي يقول لطلبة العلم.لا ينفع العلم قبل الموت صاحبه قوم به سألوا الرجعى فما رجعوا يقول: اليوم ينفعك العلم، ولا ينفعك غداً، متى تعمل بعلمك إذا ما عملت به اليوم. تلميذ أبو إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين قدموه إلى السلطان، وكان السلطان فيه شبه في العقيدة، فقالوا هذا قام بحرب السلطان الخراساني، فأتوا بهذا التلميذ فقال له السلطان: قل لا إله إلا الله. قال: يا أيها السلطان أتعلمني أنت لا إله إلا الله، أما أنا فقد تعلمتها من الفطرة، وقد رضعتها من الصغر، ولا إله إلا الله أموت من أجلها الآن. قال: لماذا لا تتجهز بعمل صالح قبل أن أقتلك الآن. قال: إن سيدي - يقصد شيخه أبا إسماعيل الهروي - قال لي:" إن الدابة لا تعلف الشعير إذا أردت أن تصعد بها العقبة" تريد أن تصعد بالدابة العقبة من الصباح فتعلفها لتسمن، ومتى يمكنها أن تسمن؟ يقول: إذا لم أدخر من العمل الصالح قبل هذا الموقف فلا ينفعني، يوم يكون السيف على رأسي والموت أمامي، وقد نمت في جفن الردى، فأنا كالدابة تترك حتى إذا أراد صاحبها أن يصعد بها في العقبة أعطيت الشعير لتسمن، ولن تسمن في ساعة ونصف. ولذلك إذا لم نأخذ هذا العلم تطبيقاً من الآن فإننا لن نسمن به، ونخاف -نعوذ بالله- أن نعذب به عذاباً أليماً، حتى ورد عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه كما في كتاب الزهد للإمام أحمد أنه قال: [[ويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وويل لمن عمل ولم يعلم مرة واحدة]] أو كما قال.
فوائد العلم
للعم فوائد ولو أن ابن القيم يوصلها إلى ما يقارب مائتي فائدة، لكن مجمل الخمس المسارات، أو الخطوط العريضة للعلم تكمن في خمسة أمور، ولو أنها بالتفريع والتقسيم والتجزئة تصل إلى مائتي فائدة.
 رحمة بالكائنات
الفائدة الخامسة: العلم رحمة بالكائنات: فإن أرحم الناس بالناس العلماء، وسيدهم ورسولهم صلى الله عليه وسلم هو الذي أتى بالعلم ولذلك قال الله له: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ولم يقل رحمة للمؤمنين ليخرج الكفار، وإنما قال للعالمين، فهو رحمة للكافر وللمسلم وللحيوانات والعجماوات والطيور والزواحف. أما رحمته للكافر: فإن الكافر لم يعذب والرسول صلى الله عليه وسلم حي، قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] فكنت رحمة لهم وهم كفار.وأما رحمته للمؤمنين: فإن الله رحم به المؤمنين، وكان أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم. وأما رحمته بالحيوانات: فمما علم من أحاديث كثيرة،منها حديث الجمل الذي شكى إليه صلى الله عليه وسلم أن سيده يجيعه ويريد أن يذبحه، فأنقذه بإذن الله رسول الله من الذبح، ورحمة الطائر في حديث ابن مسعود عند أبي داود، يوم أخذ الأنصاري فراخها من العش، فجاءت ترفرف على رأسه كأنها تشكو إليه، حتى يقول بعض الشعراء:- جاءت إليك حمامة مشتاقة تشكو إليك بقلب صب واجف من أخبر الورقاء أن مكانكم حرمٌ وأنك ملجأ للخائف فلما رفرفرت على رأسه فهم صلى الله وعليه وسلم فحوى الخطاب فقال: {من فجع هذه بأفراخها؟ قال رجل: أنا يا رسول الله! فقال: رد عليها أفراخها} فكان رحمة لها، ورحمة للنمل فإنه أبى صلى الله عليه وسلم أن تحرق بالنار، وقال: {لا يعذب بالنار إلا رب النار} فهو رحمة للعالمين.إذاً: فالعلم كشف للشبهات، وكبت للشهوات، وإحياء للأموات، وتجلية للظلمات، ورحمة للكائنات، وهذا مجمع عليه بين علماء الإسلام، إلا من شذ ممن لا يفهم.
واجبنا نحو العلم
أما العنصر الرابع: من عناصر هذه الجلسة وعناصر هذه الكلمة، فهو واجبنا كشباب نعيش الصحوة، وكجيل نتجه ونقبل إلى الله، وقبل أن أتحدث في هذا العنصر أيها الأبرار الأخيار، أحب أن أفهم وأن يفهم معي من أراد أربع مسائل. المسألة الأولى: العلم قبل القول والعمل قال الله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] ومن أراد أن يعمل أو يقول قبل أن يتعلم قد أخطأ سبيل الخير فعليه أن يتعلم ويعمل. المسألة الثانية: الدعوة لا تنفع إلا بعلم، فمن أراد أن يتصدر للناس بالدعوة وليس عنده علم فسوف يخطئ ويضل، وسوف يغوي الناس. المسألة الثالثة: الحماس نبتة ضئيلة، زهرة ربيع تذبل، والعلم بالدليل شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، الحماس، الهيجان، الخطب النارية، المقالات الفكرية إذا بولغ فيها فهي نبتة ضئيلة، كزهرة الربيع تذبل في ثلاثة أشهر، أما العلم بالدليل فإنه: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:24-25].المسألة الرابعة: العلم هو الدليل، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].
 الدعوة إلى الله وطلب العلم
مسألة التثبيط عن الدعوة أو التثبيط عن الجلوس لطلبة العلم، أو عن التدريس موجودة في الأوساط، وهذه سطرها وأملى صحفها الشيطان، يأتي إلى طالب العلم وقد أخذ حداً لا بأس به من العلم وفهم، وفتح الله عليه، فيريد أن يجلس لإخوانه وزملائه، وطلبة العلم في حيه، ليعلمهم الكتاب والسنة، فيأتيه الشيطان ويقول له: استح من الله، كيف تجلس؟ أأنت ابن باز أو ابن عثيمين تتصدر للناس، أما تستحي، من أنت حتى تجلس وتعلم الناس؟! فيقوم طالب العلم ويقول: أستغفر الله وأتوب إليه، اللهم إنك تعلم أني كنت أريد أن أحدث الناس، فقد تبت إلى الله من تحديث الناس، فيبقى الناس جهلة، وهذه خطط الماسونية، لأن الشيطان ماسوني، وهو مؤسس الماسونية، بل كل مبدأ هو الذي ألف الكتب له , وعنده -كما يقول بعض الدعاة- رسالة دكتوراه في علم النفس، فإذا رآك متجهاً في جانب أرصد لك منه، إن رآك تريد العبادة وأنت مجد في طلبها، قال: حياك الله وأهلاً وسهلاً بهذا العابد، الذي ما وجد في الجزيرة أعبد منه، وقال: لا تكتفي أنت بالنوافل، وما دام أن الله نصبك للعبادة فأكثر يقول ابن القيم: يحمل الشيطان بعض الناس على أن يتوضأ ويغترف أربع غرف -للعضو أربع مرات- فلايكفيه ثلاث مرات لأنه من طراز وصنف آخر. ويأتي إلى الداعية الذي يريد الدعوة، ويريد التكلم لينفع الله به في مستواه ويقول: حياك الله، أنت المفتي الأعظم، ومن يؤخرك عن الفتيا وهي سهلة وميسورة، ومن صعب عليك أمر الإفتاء، افت وتوكل على الله، والذي عقد رأس الحبال يحله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فيقحمه في الفتيا. ويأتي إلى الخامل المنكسر في بيته الذي حمله علمه فجلس به في بيته لا يبلغه للناس، قال: ما أورعك وما أزهدك! ما أشد تواضعك ما أحسنك! عليك أن تزيد خمولاً، وأن تنتقل من هذه القرية إلى البادية، لأنها تورث لك شهرة، وإن كان في المدينة أمره أن يخرج إلى القرية؛ لأن العلماء وطلبة العلم والدعاة خناجر مسمومة في نحر إبليس، وما ضرب إبليس بسيوف أشد من ضرب العلماء له، وعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، لأن العابد يصلي الضحى، فإذا انتهى تنفل للظهر، فإذا انتهى من الصيام أتى في قيام الليل، أما العالم فإنه يحي الأرواح، ويدمر الإلحاد والوثنية في الدنيا، ويقيم منائر الحق، فأنا أدعو نفسي وإياكم أن نجلس لإخواننا جلسات، وهذا أمر ميسور، حتى يقول أحد الأساتذة: نحن المسلمون ليس عندنا أسرار، مبادؤنا تعلن من على المنبر، نعلم الناس لا إله إلا الله والمسح على الخفين والتيمم والوضوء والحيض، وهل في هذا شيء، فهذه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي سنن أبي داود أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جمع أهل الكوفة، فلما اجتمعوا عليه قال لهم: يا أيها الناس! انظروا إليَّ، فنظروا فقام وتوضأ، فلما انتهى قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. أبو الحسن علي بن أبي طالب يتوضأ ويقول للناس: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فهل عز علينا -يا طلبة العلم- أن ندعو الناس في القرى والضواحي، وأن نجلس بين أيديهم، ونتوضأ كما توضأ الرسول عليه الصلاة والسلام، ونقول: هكذا توضأ الرسول عليه الصلاة والسلام، أليس بعلم , والله ربما يكون وضوءك مرة واحدة أمام هجرة من الهجر، أو قرية من القرى، خير من رسائل الدكتوراه التي أخذت أعمارنا في مقابلة نسخة دار الشروق بنسخة بولاق وتحقيق الحاشية، ثم خرجت الأمة إلى أحشى الحواشي، وبعد سنوات ينقل الإنسان برسالته الماجستير والدكتوراه إلى القبر، والأمة تعيش في الظلام الدامس، وأنا أعرف وأنتم تعرفون أن من هؤلاء العلماء، ومن أهل هذه رسائل من نفع الله به الإسلام، ورفع به قيمة الدين في كثير من الأماكن.ولا يعني هذا التهوين من شأنها لكن لا تكون مقصداً ولا تكون هي المبدأ ولا الحل، ولكن الظاهرة التي سمعنا ورأينا من بعض الناس، وعلمنا من هو أعلم منا.. التخاذل عن التعليم وتبليغ الدعوة، وعن الدعوة إلى الله عز وجل حتى تكدست المدن بطلبة العلم أهل التخصص، في الحديث ثلة من الثلل، وفي التفسير ثلة، وفي الفقه ثلة، في كل المستويات والتخصصات، ثم لا تدريس ولا تعليم، فكيف تحيا الأمة.هل الأمة تحيا بفكر؟يأتي شاب عمره ست عشرة سنة أو سبع عشرة سنة، فينظِّر للأمة والشباب تنظِّيراً فكرياً تعبيرياً ويقول: هذه الصحوة وهذا العلم، وليس هذا بالعلم ولا بالصحوة، ولذلك استغل الساحة اليوم أهل الحداثة ممن أخذوا الأقلام وسخروها في هذا المنحنى، غروا الشباب بهذا الموكب، انظر كيف يبذلون لمبادئهم ولأغراضهم ولرموزهم ما لا يبذله الواحد من طلبة العلم، أو عشر معشار مايبذله، يسهر الليل يفكر ما هي الوسيلة التي يكتب بها في أدب الحداثة ويبلغه للناس، وعنده مركب وفي صدره شيء، والله أعلم بنواياه، أما ظاهره من قبله الرحمة، يريد تثقيف الناس وتعليم الناس، وباطنه من قبله العذاب.المقصود أن نعرف كيف يبذل هؤلاء مهجهم وأقلامهم، ويسيلون مداد أقلامهم في خدمة مبادئهم، ونحن إن لم نفعل لذلك نقول ذلك: يا أهل الحديث، ويا أهل التفسير، ويا أهل الفقه، ألا يكون لنا مجال في الساحة؟ ألا يكون لنا قلم يكتب؟ ألا يكون لنا متحدث يتحدث والأبواب والحمد لله ميسرة، والأمور مسهلة؟ بقي أن نجلس وأن نقول لطلبة العلم: قد جلسنا فتعالوا، ما عندنا أعطيناه لكم، وما ليس عندنا فلا نتكلفه: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86] إن علمنا بشيء قلنا: نعلم هذا، وإن جهلناه قلنا: الله أعلم.هذا ما في هذه العجالة وهذا ما أريد أن أقوله لكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته سلاماً كثيراً مباركاً.اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إن نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 الحياء في الدعوة
السؤال: أنا شاب كثير الحياء، وإذا جلست في مجلس وأردت أن أذكرهم بالله تحول شدة الحياء بيني وبين ذلك، ما الحل يا فضيلة الشيخ؟ الجواب: الحياء فيه خير بل كله خير إذا كان في الخير، لكن إذا كان يصدك عن الخير فليس من الخير، يقول صلى الله عليه وسلم: {الحياء خير كله} يعني ما كان في الخير، لكن إذا صدك عن طلب العلم وعن الدعوة فليس فيه خير، يقول مجاهد كما في صحيح البخاري:[[لا يطلب العلم مستكبر ولا مستحي]] فأنا أرى أن تنهي عقدة الحياء من الإخوان أو من الذي يمنعك من الخير وأن تمارس حل هذه العقدة بالتدرج، فتجلس مع أخوين وثلاثة وتتحدث وتطلق لسانك، وتغشى الأندية، وتحاول أن يصلح الله من حالك لإنهاء هذا الأمر والله معك، وإذا علم الله عز وجل أن الحياء أصله الخير تستحي من المعاصي، فأنت مأجور، لكن لا يوصلك كثرة هذا الحياء إلى أن يوقفك عن كثير من الخير، أو من الدعوة إلى الله عز وجل، فهذا ليس بمحمود فأكثر الناس حياء، وأشد الناس حياء، هو كما قال عنه أبو سعيد في الصحيحين: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها} ومع ذلك كان من أشجع الناس في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ وصعود المنابر، والتحدث إلى الأمم والشعوب وتفهيم الأجيال، فلا يمنعك الحياء من الخير. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم وكل مسلم إلى ما يحب ويرضى.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حاجة الصحوة إلى العلم الشرعي للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net