اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحب إكسير الحياة للشيخ : عائض القرني


الحب إكسير الحياة - (للشيخ : عائض القرني)
صحيح البخاري من أعظم دواوين السنة، ولأنه أصحها فقد أقبل عليه العلماء بالشرح والاعتناء، والشيخ هنا يدلي بشرح بعض الأحاديث التي تذكر أهمية التمسك بالسنة، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، والتسليم لأمره، وأهمية محبته.
الإيمان حياة الروح
إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، والصلاة والسلام على رسول الهدى وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.أجلس في هذا المكان معتذراً من جلوسي مكان الشيخ الأستاذ الداعية سعيد بن مسفر، وأنا أدري أن هذا المكان والفراغ لا يحل فيه إلا هو، ولسان حالي يقول:لعمر أبيك مـا نسب المعلى إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرت وصوح نبتها رُعيَ الهشيم وليس في ذلك لشيء؛ فطلبة العلم بعضهم ينوب عن بعض، وكذلك الدعاة، ولكن هذا الشيخ سبقنا في الدعوة بسنوات، والهذلي يقول:ولو قبل مبكاها بكيت صبابةً لكنت شفيت النفس قبل التندم ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت الفضل للمتقدم فلا بد أن نعرف كل صاحب فضل بتقدمه وسابقيته في الإسلام وفي الهجرة وفي الدعوة وفي الجهاد، وهذا لنعرف للأشخاص وزناً وقيمة.
 ترجمة رجال السند
أولها: من هو قتادة وأنس، وما مقصودنا أن نترجم ترجمة كما هو المعهود في الوفيات، وماذا أكل العالم وشرب؟ وماذا أفطر وتغدى؟ كم عنده من الأولاد والبنات؟ يقول محمد إقبال كما في روائع إقبال للندوي:-إن هذه التراجم تميت القلوب، وفيها فوائد لكن إذا بقيت المسارات على هذه المسارات أن تسجل بهذه الأمور المحددة، فليس في الأمة انبعاث ولا روح. قتادة بن دعامة السدوسي مولى من الموالي من حفاظ الكوفة الكبار، جلس عند سعيد بن المسيب شهراً كاملاً، فقال لـابن المسيب: أسمعني ماذا تحفظ من القرآن؟ قال: خذ مصحفك، قال ابن المسيب: فوالله لقد تلا علي سورة البقرة ما أسقط حرفاً واحداً وما رددته في كلمة، فقال ابن المسيب: حفظك يا قتادة كالسحر. ولكن من طرفة الذهبي في سير أعلام النبلاء يقول: أقام قتادة عند سعيد بن المسيب ثلاثة أيام، وكان سعيد رجلاً فقيراً، قال: يا أعمى! اخرج أفقرتني. وهذا وارد لأن دخل سعيد بن المسيب كان سهلاً بسيطاً، عشرين درهماً في الشهر من زيت يتمول به، وهو سيد التابعين، وكلمته تهتز لها الخلافة في دمشق، ولكنه ما رضي أن يتمندل به وأن يباع في سوق المزاد، فرضي بالزيت وكسر الخبر كما قال الزبيري:خذوا كل دنياكم واتركـوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا يقول الذهبي في ترجمة قتادة: كان فيه شيء من البدع، أي: التشيع اليسير، قال: ولكنها منغمرة في بحار حسناته، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث.بعض الناس له سيئات بسيطة لكنها منغمرة في بحار حسناته، فلا ننسى هذه البحار ونأتي إلى السيئات فنبينها للناس.أين الحسنات أين قدم الصدق، أين البذل والعطاء، إن الناس يقومون بميزان الله قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه فالمقصود أن هذا الرجل كان قدرياً، لكن لا يضره بحمد لله، روى عنه البخاري ومسلم، وكان حافظاً جهبذاً متقياً لله عز وجل من أكابر المفسرين.مولى لكن ما اعترف محمد عليه الصلاة والسلام بالتفرقة العنصرية في دستوره كما قالها نابليون وهتلر أعداء الإنسان وقتلة الإنسان.الموالي علماء وقادات الأمة، وبلال قصره في الجنة كالربابة البيضاء، وأما أبو لهب ففي نار ذات لهب، لأن هذا تلعق بالنسب فانقطع من حبل الله، وذاك أتى من الحبشة بمفتاح (لا إله إلا الله) ففتحت له الجنة، قال عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]] ولو طلب من عمر أن يقول هذه الكلمة في الجاهلية ما قالها ولو قطع رأسه، ما كان ينظر إلى بلال، لكن لما دخل القرآن قلبه قال هذه الكلمة.عن أنس خادم الرسول صلى الله عليه وسلم، وله هذا الشرف العظيم، وأيامه ثلاثة، يقول: يوم لا أنساه في حياتي، وهو يوم: قدم المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة، فو الله الذي لا إله إلا هو ما كنت أظن أن أحداً يبكي من شدة الفرح، حتى رأيت الأنصار يبكون من شدة الفرح بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام.طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني واليوم الثاني: يوم أتت به أمه هدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه أم سليم لها قصر في الجنة كالربابة البيضاء، يقول صلى الله عليه وسلم: {دخلت الجنة البارحة فرأيت الرميصاء} والرميصاء هي أم سليم، زوجة أبي طلحة، تزوجها على الإسلام، فإنها اشترطت عليه أن يُسلم فأسلم، فكان مهرها أعظم مهر في تاريخ البشرية، ولما أتى صلى الله عليه وسلم أتت بـأنس فغسلته وألبسته ثيابه وعطَّرته، وقدَّمته إلى سيد البشر صلى الله عليه وسلم، قالت: يخدمك يا رسول الله ادع الله له، قال: اللهم أطل عمره، وكثَّر ماله وولده، واغفر ذنبه، فأما عمره فطال حتى نيف على المائة، لكنه عمر مبارك، لا كأعمار بعض الناس يقضيها مائة لكنها في لهو وهذر ومذر لا تجدي في ميزان الحق، إن لم ترفع به في ميزان الباطل.وأما ماله فكثر، وكانت مزرعته في البصرة تنبت في السنة مرتين، والنخلة لا تطلع إلا مرة واحدة، كان شذى ريح المسك يهب على البصرة، فقحطت هذه المزرعة فجلس بجانبها يستغفر، قالوا: مالك؟ قال: يقول الله عز وجل على لسان نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً [نوح:10-11] فنـزل الغيث مدراراً على مزرعته، وما أصابت قطرة خارج المزرعة. وأما غفران الذنب؛ فهي دعوته صلى الله عليه وسلم عند الله، خدم المصطفى صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، قال: والله ما قال لي في شيء فعلته: لم فعلته؟ ولا في شيء لم أفعله: لمَ لم تفعله؟ وأي خلق هذا الخلق؟!وأما يومه الثالث: فيوم فارق المصطفى صلى الله عليه وسلم وودعه، وقال: {صلينا الظهر يوم الخميس، فرفع رسول صلى الله عليه وسلم ستار غرفته، فرأينا وجهه كأنه ورقة مصحف، فما رأيت وجهه بعد تلك المرة إلى الآن} ولكن سوف يراه يوم القيامة إن شاء الله:بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
حكم استخدام كلمة الويل ونحوها
رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يسوق بدنة -وهي الناقة- وتطلق تـَّجوزاً على الجمل، والرسول عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح رآه في طريق الحج يسوق البدنة، فقال: اركبها، وهل عند الناس أو عند العرب أن يركب الرجل ناقته أو جمله، ليس بحرام وهم مجمعون على ذلك في جاهليتهم وإسلامهم، لكن هنا كلام مقدر معناه: بدنه أهداها للحج، والناس أول الإسلام تحرجوا من أن يهدي أحدهم للحج أو لله عز وجل ثم يستخدم هذا الشيء، كالناقة والجمل، كيف يركبها وقد أهداها؟! فقال عليه الصلاة والسلام: (اركبها) فتحرج الرجل، أي ورع هذا يتورع والرسول صلى الله عليه وسلم أفتاه؟!في السيرة أن أعرابياً أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: سعيت قبل أن أطوف، لأن الأصل الطواف قبل السعي، وعند أبي داود بسند جيد عن أسامة بن شريك: قال رجل: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، قال: افعل ولا حرج. فذهب يتأكد من عمر رضي الله عنه، فسأله، قال: افعل ولا حرج، قال: صدقت، قال: ولم؟ قال سألت الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبرني كما أخبرتني. قال: خررت من يديك، تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تسألني؟! إن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قال وأفتى وإذا سن فمن يتأمل وراء السنة فقد جاوز السنة، ولذلك ما أتى إنسان يتأمل عند السنة ويتعمق إلا خرج من السنة، فبعض الناس يخرجون في الطول، وبعضهم يخرجون في العرض، إما رجل كسلان متبذل، مل من لباس السنة فخلع التاج فلا يستطيع، وأخذ يستهزئ، وإما إنسان تَّربى بها وظن أنه لا سني في الأرض إلا هو، فزاد وعمقه الشيطان فخرج منها، وأحسنهم من اعتدل واقتصد وسار على منهجه صلى الله عليه وسلم.
 التعريض والكناية
فلما أخذ أنجشة يحدو أخذت الإبل تسرع بالنساء (والقوارير) كنى بها عن النساء صلى الله عليه وسلم تلطفاً، وهذا من حكمة الرجل الأريب، ألا يظهر الأسماء دائماً في المجالس، أنت يا فلان كيف حال ابنتك فاطمة؟ وحال ابنتك زينب؟ وأختك أروى؟! لأن هذه إظهارها، هي وجدت في السيرة والسنة لاننكر هذا وقد اشتهرت عالمات صحابيات لكن للظروف والاحتياطات وضع الحكمة في مكانها. أحد العقلاء وأظنه ابن هرثمة القائد دخل على الخليفة المهدي، وكانت امرأته اسمها الخيزران وهي جارية، وكان بيد هذا القائد العظيم خيزران، والخيزران هذا شجر يؤخذ منه الرماح كما يقول زهير:وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ويغرس إلا في مغارسه النخل فدخل وبيده خيزران، فقال له الخليفة: ماذا؟ قال: هذا شجر يؤخذ منه الرماح، هو يعرف أنها خيزران، لكن كنى، فأعطاه جائزة وشكره على هذا، ومن الأدب أن يقال: كريمة فلان، قريبة فلان، وإلا إذا ورد للحاجة فلا بأس بإظهار الاسم.
فوائد من حديث أنجشة
قال عليه الصلاة والسلام: (رويدك بالقوارير) أي: رفقاً بها لا تنشد كثيراً، فتهرول الجمال، فتسقط القوارير من على الجمال، قال أهل العلم في هذا الحديث، مناح ثلاث:
 معنى: رويدك بالقوارير
والمنحى الثاني: معنى {رويدك بالقوارير} أي: لا تسقطهن من على الجمال كما ذكرت، وقيل: رويدك بالقوارير، أي: احذر أن تقترب منهن فإنهن فتنة. السباعي الداعية السوري، ذهب إلى مكان من الأمكنة في البلاد الإسلامية، فقام يتكلم، فقامت امرأة من آخر الحفل -وبينه وبينهن حجاب، وأظنه عرف أنها سمينة بدينة- فقالت: مالك يا أيها المحاضر أنت لا ترفق بنا والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {رفقاً بالقوارير}. فقال وكان لماعاً ذكياً: نعم الرسول عليه الصلاة والسلام يقول لـأنجشة رويداً بالقوارير، لكن لو رآكن قال: رويداً بالبراميل، وهذا معروف! فقامت مرة ثانية وقالت: كيف يقول صلى الله عليه وسلم: إنهن ناقصات عقل ودين، ومنا المسئولات والوزيرات والمرشدات. فقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: في عهده وفي فترته: إنهن ناقصات عقل ودين، وأما أنتم فلا عقل ولا دين، لكن ما زال للخير بقية إن شاء الله، وفي المجتمعات من يحمل هذا العبء، ذكوراً وإناثاً بحوله وقوته.
الثناء والتشجيع
وعن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم: فقال (ويلك! قطعت عنق أخيك ثلاثاً، من كان منكم مادحاً لا محالة، فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه) هذا فيه قضية المدح، ما حدها وصفتها؟ وما المطلوب منها والمذموم؟ أما المدح: فهو الإطراء بخصال الخير في الرجل أو في الأجناس والأشخاص، ومدح الله عباده في القرآن لأنه أمر تربوي لا بد منه. والرجل الذي يعيش في بيته دون أن يرسل بعض الكلمات التشجيعية والمدح والإطراء لأبنائه، معناه: أنه يثبط الفضيلة ويطفئ النور في قلوبهم، لا يسمع الطفل والابن دائماً إلا التبكيت والتعنيف، لا يسمع كلمة: يا ذكي، يا أيها المصلي، يا أيها الخيِّر، يا أيها البارع، يا أيها المطيع البار حفظك الله ورعاك! كم فيك من خصال الخير! إن هذه الكلمات كفيلة بأن تؤثر أكثر من الدراسة والتأنيب والصوت، وهذا أمر جعله الله في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.يقول: الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] ويقول: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]. وقد مدح الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
 مدح النبي لبعض أصحابه
الرسول عليهم الصلاة والسلام مدح أناساً في وجوههم؛ أتاه أشج بن عبد القيس مع وفد الأحساء الذين قدموا من البحرين، قال صلى الله عليه وسلم وقد رآه حليماً وقوراً: {إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة، قال: أشيء جبلني الله عليه أم تخلقت به؟ قال: بل جبلك الله عليه، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلق يحبه الله ورسوله} والحديث في صحيح مسلم. فالرسول صلى الله عليه وسلم مدحه بما فيه، والرسول صلى الله عليه وسلم أثنى على كثير من الصحابة، وهذا أمر تربوي. يبقى أبو بكر في حياته يكدح ويكدح لوجه الله، لكن لا يلقى ولو بسمة، لا يلقى ولو ثناء، لا يلقى ولو وساماً من الإطراء أمام الناس، يقول عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر: {لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن} ويقول: {ما واساني أحد بنفسه وماله كما فعل أبو بكر} يقول: {سدوا كل خوخة -وهي الباب المشرف أو النافذة- إلا خوخة أبي بكر} وأثنى عليه، يقول: {أما أنتم بتاركي لي صاحبي} تكلم في عرض أبي بكر في مجلس، فرفع الأمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فأنكره.وقال في عمر: كما في صحيح البخاري {عرض عليَّ الناس وعليهم قمص منها ما يبلغ الثديين ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب، وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال الدين} وقال في البخاري: {أريت في المنام كأني أشرب من لبن حتى رأيت الري يدخل في أظفاري، فأعطيت فضلتي عمر بن الخطاب فشربها، قالوا: ما أولت ذلك يارسول الله؟ قال: العلم} فهو يثني عليه لأنه لا بد من هذه الأمور في المجتمع، ولا بد أن يعرف للمحق حقه، ولا بد أن يبكت الفاجر بفجوره لينتهي. أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {ويلك! قطعت عنق صاحبك} ومعنى قطع عنقه: أي أنه فتنه فلا يفلح بعدها، واغتر وأعجب بنفسه، وقيل معناها: قطع عنقه، أنه قطعه من مواصلة هذا الشيء، لأن بعض الناس يحبط بالمدح إذا أكثر عليه، وبعض الناس إذا قبَّل رأسه ظن أنه بلغ منـزلة الولاية ووصل المطلوب.ألا بلغ الله الحمى من يريده وبلغ أكناف الحمى من يريدها فالناس لهم مطالب ومقاصد، وأعظمهم مطلوباً هو من يرضي الله عز وجل.ابن تيمية الجهبذ، العلامة مجدد ألف سنة، دخل على ابن قطلوبغا السلطان، فقال له: يـابن تيمية! يزعم الناس أنك تريد ملكنا، فضحك ابن تيمية، وقال: ملكك؟! قال: يقولون ذلك، قال: والله ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً. ابن تيمية يريد جنة عرضها السموات والأرض، يريد رضا الله، ولما وضع في القلعة وأغلق الباب عليه، تبسم وتلا: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13].
تقسيم الغنائم واعتراض الخارجي
عن أبي سلمة والضحاك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسماً، قال: فقال: ذو الخويصرة -أي: التميمي - يا رسول الله! اعدل).سبحان الله! يقول لمعلم الخير وأعدل الناس وأتقى الناس: (اعدل) إنها كلمة تنهد منها الجبال، وتتقصم بها الظهور، ويندى منها كل جبين يؤمن بالله واليوم الآخر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ويلك! من يعدل إذا لم أعدل) صدق عليه الصلاة والسلام، أين توجد العدالة إذا لم توجد عنده؟! وأين توجد التقوى والخشية والوضوح والإنصاف إذا لم يكن عنده صلى الله عليه وسلم؟! ما بعد شريعته إلا الظلم والفشل والانهزامية والتقهقر.قال خالد: ائذن لي فأضرب عنقه، قال: (إنا لا نقتل من يصلي، ثم قال: يخرج من ضئضئ هذا رجال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، يخرجون على حين فرقة من الناس، آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، قال: أبو سعيد أشهد إني لسمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أني كنت مع علي حين قاتلهم فالتمس في القتلى، فأتي به على النعت الذي نعت النبي صلى الله عليه وسلم).خلاصة القصة أو بسطها في غير هذا النص من الحديث بجمع الزيادات.كان الرسول عليه الصلاة والسلام بعد غزوة حنين يقسم الغنائم بين الناس، وكان يعطي وجوه القبائل لأمور يعلمها الله عز وجل، منها التألف ليدخلوا في الدين، فدخولهم في الدين مصلحة عظيمة للإسلام؛ لأن بعض الناس إذا دخل في الدين دخل معه ألوف، ويترك الرسول عليه الصلاة والسلام بعض الناس لما جعل الله في قلبه من الإيمان واليقين والسكينة. قام عليه الصلاة والسلام خطيباً في الناس فقال: ( يا أيها الناس! والذي نفسي بيده إني لأعطي بعض الناس لما جعل الله في قلبه من الهلع والجزع، وأدع بعض الناس لما جعل الله في قلبه من الخير منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو: كلمة والله ما أريد لي بها الدنيا وما فيها). فأتي صلى الله عليه وسلم يفعل بالغنائم على هذا المنوال فيترك الصحابة ووجوه أهل الهجرتين، والبيعتين، والعقبتين، وأعطى أناساً ما تمكن الإسلام في قلوبهم، أعطى هذا مائة ناقة وهذا مائة، وفي الأخير تذمر الناس من هذا، فهم بشر يصيبهم الضعف، فاجتمع الأنصار، لكن اجتماعهم كان عقلاً وتؤدة وسكينة وحكمة، لا كالخارجي المقطوع من حبل الله، فاجتمعوا في مكان بعد أن أمرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك، بعد أن سمع أنهم يقولون: غفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي أولئك وسيوفنا تقطر من الدماء ويدعنا، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدهمسعد بن عبادة: يا سعد! أين أنت من هذا الكلام؟ قال: أنا من قومي -أي: أنا أقول مثل ما قالوا- قال اجمع لي قومك، فاجتمع الأنصار جميعاً، ثم أتى أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، وأشرف عليهم بوجهه الطاهر المنور، فخطبهم خطبة ما سمع الدهر بمثلها، فقال: يا معشر الأنصار ما مقالة سمعتها منكم؟ قالوا: هو كما سمعت يا رسول الله حق -هذا مجلس مناصفة ومحاقة وحوار صريح- قال: يا معشر الأنصار! أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله بي، قالوا: المنة لله ولرسوله.قال: أما أتيتكم متفرقين فجمعكم الله بي؟ ثم لما انتهى قال: يا معشر الأنصار! والذي نفسي بيده، ولو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وفقيراً فأغيناك، وشريداً فناصرناك، أو كما قال، قالوا: المنة لله ولرسوله، فرفع صوته صلى الله عليه وسلم وقال: (يامعشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، والله لما تعودون به خير مما يعود به الناس، والله لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) فبكى الأنصار.وخرج عليه الصلاة والسلام ورجع إلى الغنائم؛ لأنه قد حل هذه المشكلة، لأنه يتكلم مع فقهاء، وعلماء، وعقلاء.
 الخوارج ومقتل علي رضي الله عنه
ونعود إلى ذلك الخارجي مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: اعدل، قال: {ويلك!! ومن يعدل إذا لم أعدل} قال خالد: ائذن لي فلأ ضرب عنقه. خالد رضي الله عنه جاهز لضرب الأعناق، وهو لا يتوقف أبداً ولو أمره صلى الله عليه وسلم أن يضرب العشرات لضربهم بأسهل ما يمكن وهو يقول ويفعل رضي الله عنه وأرضاه، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم بعيد النظر، وإن هذا الرجل لو قتل لارتد أناس من البشر ومن القبائل وما اهتدوا إلى الله عز وجل، وقال: لا إن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم. عبد الرحمن بن ملجم وكان خارجياً، وهو الذي قتل علياً، صلى في الليل حتى أصبحت جبهته كركبة العنز، ولا يفهم من هذا أننا نهون من شأن الصلاة، إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة لكن على الكتاب وعلى السنة، عبادة على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، أصبحت جبهته كركبة العنز من كثرة العبادة، وختم حياته بالمأساة الكبرى قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وأتي به إلى علي، قال علي: ويلك أقتلتني؟ -وعلي ما زال في سكرات الموت- قال: نعم! أردت أن أتقدم بأفضل عمل، وقد نذرت ذلك لله عز وجل، وقد سممت هذا السيف شهراً كاملاً حتى أصبح أزرق، وحلفت لأقتلن به شر الناس، قال علي بن أبي طالب: فوالله إنك شر الناس، ولا تقتل إلا بسيفك هذا، فأول ما فعل أن قتل به، وقصته طويلة، ولكن المقصود أنهم كانوا مع كثرة عبادتهم لا يفهمون الإسلام، ولا يتفقهون في دين الله عز وجل، قتلهم علي رضي الله عنه، وهذا من حسناته ومواقفه الكبرى، وهو مؤيد منصور بإجماع أهل العلم سلفاً وخلفاً.
حديث الأعرابي في السؤال عن الساعة.. ومكانة الحب
ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: عن قتادة، عن أنس أن رجلاً من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ويلك! وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله، قال: المرء مع من أحب) فقال أنس: ففرحنا يومئذٍ فرحاً شديداً. هذا الحديث يدور حول الحب، والحب حياة وطموح وجمال وقوة واستبسال، والحب تفَّوق وإقدام وبسالة، والحب عظمة وشموخ وعبقرية.الحب يقع على الماء فيصبح زلالاً، وفي الهواء فيصبح عبيراً، وفي الروض فيصبح ناطقاً، وعبادة بلا حب طقوس لا تنفع، وتلاوة بلا حب تمتمة، ودعوة بلا حب كلام وهدر، حب لمن؟ لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم.كان صلى الله عليه وسلم يتكلم للناس على المنبر، وكان أمامه علماء الإسلام ونجومه وأخياره، فأتى هذا الأعرابي الذي لا يعرف من الأجر شيئاً و(من بدا جفا) -كما في الحديث الذي تُكِّلم فيه؛ لكنه يقبل التحسين- فقال: يارسول الله! متى الساعة؟ والرسول لا يعطي حقوق الكثرة للقلة، أمامك جمع من الناس، وفئام تحدثهم، ألف رجل من الأخيار الأبرار تعبوا وحضروا، وتقطعهم من أجل طارئ، أتى يأخذ مسألته ويطير! فاستمر عليه الصلاة والسلام في كلامه، فقال بعض الناس: سمع ما قال فكرهه؟ وقال بعض الناس: بل لم يسمع؟ فلما انتهى صلى الله عليه وسلم من حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول الله، فالرسول عليه الصلاة والسلام أنكر عليه السؤال، ولكنه أراد أن يسأل عما أعد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: وما أعددت لها؟ أما سؤالك فليس بوارد، لا يعلم قيام الساعة إلا الله، لكن ماذا أعددت لها؟ فقال الرجل وكان فصيحاً: والله ما أعددت لها من كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: (المرء يحشر مع من أحب) قال أنس في البخاري، فنحن نحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، ولم نعمل بعملهم، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم، ونحن كذلك ما جاهدنا، ولا سفكت دماؤنا، ولا داومنا على قيام الليل، ولا بذلنا أموالنا، ولكن معنا بعد الإيمان أننا نحب الله ورسوله وأصحابه الأخيار، عليه الصلاة والسلام.كتب الإمام الشافعي للإمام أحمد رسالة توَّجها بأبيات، يقول:أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة تربية دعوية يقول:تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تُعطَّ طاعة فوصلت الإمام أحمد فردها وقال: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم قد تناولنا الشفاعة الشافعي قرشي من أسرة الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: أنا من ميزتي ومن حسناتي أني أحب الصالحين، وبعض الناس فيه تقصير، لكنه يحب الصالحين، وبعض الناس فيه خير، لكنه يبغض الصالحين، ويحب الفسقة فهو مع الفسقة، لأن المبادئ والولاء والبراء عقائد، والعقائد أكبر من الأمور التعبدية، العقائد كالجبال إذا رست في القلب أصبحت الحركات على هذه العقائد من زيارات ومن صلات وحب، يقول أبو عبيدة كما في كتاب الزهد للإمام أحمد: [[والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت متقياً لله حراً أو عبداً أبيض أو أسود إلا وددت أني في مسلاخه]] هل أجمل في الدنيا من التقى؟ وأنت جرب نفسك وإيمانك، إذا رأيت التقي بهيئته، بلبسه، بحركاته، بمنصبه، وهو تقي لله وأحببته، فهذا لارتفاع حب الله عز وجل في قلبك، أما إذا أحببت الناس على موازين أرضية وأشياء دنيوية، فهو من النفاق والخور الذي في القلب، نسأل الله العافية.يقول الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه: [[تزودوا من الإخوان، فإنهم ذخر في الدنيا وفي الآخرة، قيل: يا أمير المؤمنين! أما في الدنيا فصدقت. لكن في الآخرة بماذا؟ قال: أما يقول الله عز وجل: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] أما يقول الله عز وجل في الكفار لما عُتِبوا قالوا: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101]]] لو كان هناك صديق لكان نفع في هذا الموقف الحرج، قال ابن عمر رضي الله عنه في أثر صح عنه: [[والله لوقمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، ثم وجدت الله لا أحب أهل الطاعة، ولا أبغض أهل المعصية، لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]].وبعض الناس يحب الفسقة والفجرة، ويرضى بصنيعهم، ويزورهم ويزرونه على الرحب والسعة، وكأنه ما فعل شيئاً، وهذا لب درسنا هذه الليلة.أما كان صلى الله عليه وسلم يقيم مبادئ الولاء والبراء على هذه الأسس (الحب في الله عز وجل).
 حب النبي صلى الله عليه وسلم
ذكر ابن كثير في ترجمة أحد السلاطين أنه كان يحب الله ورسوله، يقول: كان مسرفاً في الخطايا على نفسه، لكن إذا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم دمعت عيناه.بعض الناس يبلغ بهم درجة الحب أنه إذا ذكر الله في مجالسهم دمعت عيونهم، وهذا هو الحب الصادق. ابن تيمية يترجم لبعض العلماء يذكرهم في الفتاوى، يقول: الإمام مالك كان إذا ذكر صلى الله عليه وسلم في مجلسه تغير وجه، وكان زين العابدين علي بن الحسين يصفر وجه إذا ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأنه يتذكر أمامه رجل قاد العالم، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنقذ نفسك عليه الصلاة والسلام، فقال: لما مات هذا السلطان، رئي في المنام، قيل: فما فعل الله بك يا فلان؟ قال: غفر لي مغفرة أخذت ما قرب وما قدم من ذنبي، وأدخلني الجنة، فأنا أطير من شجرة إلى شجرة، قالوا: أما كنت تفعل كذا وكذا؟ -يذكرون أموراً وذنوباً لا يسلم منها الناس- قال: أليس في الحديث الصحيح: {المرء يحشر مع من أحب} قالوا: بلى. وذكر ابن كثير في ترجمة نور الدين محمود زنكي، هذا السلطان العالم العابد، ورحم الله تلك العظام، سادس رجل في العدل، فهو من أعدل الناس بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز، كان إذا انتصف الليل ضربت له الأسوار حتى يقوم هو وحاشيته وأهله يصلون إلى الفجر، هو الذي قتل المغاربة الذين أرادوا أخذ جثمان الرسول صلى الله عليه وسلم وأتوا من عكا.نور الدين محمود كان يحب الله ورسوله حباً جماً، يقول لأحد الناس وقد حضر مجلس أحد المحدثين: أيذكر عندك الرسول صلى الله عليه وسلم وأنت تتكلم؟! وسمع ضوضاء فغضب وصاح، قال: إذا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يتكلم أحد، وكان يسل سيفه ويقول: أنا خادم للرسول عليه الصلاة والسلام. نور الدين هذا عمل مهرجاناً في دمشق حضره ألوف من الناس، فلما اكتمل الحفل والمهرجان، قام أحد العباد العلماء اسمه الواسطي، فدخل عليه بجبة قديمة زهيدة، وبعصاه، ووقف أمامه، وقال: يا سلطان محمود! يا نور الدين! اسمع! قال: ماذا تقول؟ قال: مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إن قيل نور الدين جاء مُسلماً فاحذر بأن تأتي ومالك نور حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور قال: فبكى حتى سقط من على الكرسي إلى الأرض، حتى رش بالماء.ولذلك ليس حب الله ورسوله حجر على أحد من الناس، لا يظن أهل الحديث الذين يقرءون الحديث أنهم فقط هم مظنة الحب، لكن المحبة منثورة في رياض أصحاب الرسول وأتباعه صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،قال: {المرء يحشر مع من أحب}.
الهجرة
أورد البخاري حديثاً فيه كلمة (ويحك) قال أبو سعيد رضي الله عنه وأرضاه: ( أتى أعرابياً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أخبرني عن الهجرة، قال: ويحك! إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً).فالقضية الكبرى في هذا الحديث ليست كلمة (ويحك) فهي مرت وتكررت، لكنها قضية الهجرة والهجرة على ثلاثة أضرب:
 أمثلة على الهجرة
من الهجرة: هجرة عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، سمع داعي الله فاخترط سيفه في أحد، وكسر غمده على ركبته، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فقتل وكلَّمه الله كفاحاً، وقال: تمنَّ يا عبدي، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنَّ، قال: ترضى عني، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني فلا أسخط عليك أبداً -لأنه هاجر- قال: ثم جعل الله روحه وأرواح إخوانه في حواصل طير ترد الجنة فتشرب من مائها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش.كذلك هجرة عبد الله بن حذافة، دخل على ملك الروم، فقال له ملك الروم: ارجع عن دينك وأعطيك نصف ملكي؟فضحك ضحكة المعتز الشجاع، المتمكن من دينه، المتيقن بحفظ الله، قال: والله لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أعود عن الإسلام طرفة عين ما فعلت. قال: اذهبوا به إلى النار، فأخذوه فوجد إخوانه من الشهداء الأسرى قد ألقوا في قدور تغلي بالماء وقد تفصلت لحومهم عن عظامهم، فبكى عبد الله بن حذافة، فعادوا به إلى الملك. فقال: أتبت من جريمتك؟ جريمة أن يقول: ربي الله، وديني الإسلام. قال: لا والله ولكن أبكي أنه ليس لي إلا نفس واحدة، وأريد أن لي بعدد شعر رأسي أنفساً تعذب في سبيل الله. فقال: والله لا أطلقك حتى تقبل رأسي، فَقَّبل رأسه، وتفل على رأسه، فأطلق له الأسارى فقال عمر: [[حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة]] هذه هجرة الشواغل والدواعي التي تقطع العبد عن الله عز وجل.وأعظم ما يهاجر فيه العبد اليوم إذا سمع داعي الله في الصلوات الخمس، الآن عبادتنا الكبرى الصلوات الخمس؛ لأن هناك جبهات موجودة لكن من لا ينفع هنا لا ينفع هناك، بعض الناس لا يداوم على الصلوات الخمس، ويتحسر في مجلس وقد ملأ بطنه بما لذ وطاب من الطعام، ويقول: يا ليتني في أفغانستان أجاهد في سبيل الله. وأنت لا تصلي في المسجد؟! والله لو كنت في أفغانستان، لكنت أول من يفر وآخر من يأتي من المجاهدين، لأن من لم ينتصر في عالم قلبه لا ينتصر في عالم الأرض، والذي لا يعلي لا إله إلا الله في المجلس، لا يعليها في الميدان ولا في المعركة. أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا رواداً لذا كانوا في الصف الأول، أما أصحاب الصفوف المتأخرة، فلا يأتون إلا متأخرين دائماً: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:37].
الأسئلة

 كتاب رجال حول الرسول
السؤال: كتاب رجال حول الرسول لـخالد محمد خالد؟ الجواب: هذا يقوم بالحسنات والسيئات، هذا الكتاب من أحسن الكتب لأمور:أولاً: جودة الأسلوب، فالنصوص والتراجم قدمت في قوالب طيبة، يشكر صاحبها عليها. الأمر الثاني: أنه اختار المواقف الرائعة من حياة الصحابة ولأنها بشيء من الأدب فكانت مؤثرة.الأمر الثالث: أن الرجل يظهر فيه حب لله ولرسوله، لأنك تعرف من قلم الرجل ومن كلام الرجل أنه يحب الله ورسوله، ليس كرجل حاقد على الإسلام يتكلم على الإسلام، حاشا وكلا، أما المآخذ عليه فتؤخذ عليه ثلاثة مآخذ:أولها: أنه تكلم في ترجمة أبي ذر بكلمة ينبغي أن يستغفر الله منها، وثقافته كانت اشتراكية قبل أن يتوب وقد أعلن توبته كما أعلنت ذلك مجلة المجتمع قبل سنوات، فأتى بالكادحين ومسألة العمال، وهذه ما أتت من الشرق، وإنما أتت من ماركس، وموسكو لا من المدينة المنورة، فيحسب عليه ذلك.المسألة الثانية: أنه لم يوثق بعض القصص والأحاديث بل تركها بلا زمام ولا خطام. أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل فعليه أن يقيدها إن أراد أن يكون محققاً.المسألة الثالثة: أنه أضفى بعض التهويل على بعض الأمور، وينبغي أن يكون الإنسان متعقلاً مع الأصالة، فلا يجنح به الخيال إلى أن تكون نصوصه فلسفية. محمد إقبال أخذوا عليه أنه جعل نصوص الدين فلسفة يعرضها في قوالب فلسفية، ونحن عباد ندين الله بأننا مذنبون، والصحابة أخيار وأبرار وفضلاء ونبلاء لكن عندهم ذنوب، وليسوا بدرجة العصمة كالرسول عليه الصلاة والسلام، فقضية أن يأتي بمثل بلال، وأن يجعله كأسطورة لا يذنب ولا يخطئ، ولا يسهو ولا ينسى؛ فهذه درجة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأما الكمال المطلق فهو لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.تكلم الأخ أن بعض العلماء في هذه المنطقة صححوا حديث: {من قرض بيتاً بعد صلاة العشاء فلا تقبل له صلاة ذلك اليوم} نقول هذا العالم يحترم رأيه في هذا، ووصل اجتهاده إلى هذا، وأمر التصحيح والتحسين والتضعيف أمر اجتهادي ومسائل تختلف، وحديث صلاة التسابيح كتب فيه ناصر الدين الدمشقي رسالة التنقيح في صلاة التسابيح، قال: صححه بعض العلماء وحسنه بعضهم، وضعفه بعضهم، ووضعه بعضهم، فليس بغريب أن يختلف في حديث؛ فهو أمر اجتهادي، وأنا كطويلب علم توصلت من دراسة الأسانيد وكلام أهل العلم بأن هذا الحديث لا يصح؛ لأنه ثلم في قواعد الدين وأصول الإسلام.سبحان الله! رجل صائم مصل عابد يقوم الليل، قال بيتاً من الشعر بعد صلاة العشاء فحبط صلاته وصيامه وعبادته، ولا تقبل له صلاة ذاك اليوم.عمر رضي الله عنه كان ينظم الشعر ويقوله بعد صلاة العشاء في السفر.الصحابة كانوا يحدون به بعد صلاة العشاء، والأمر الغريب إذا أتى إلى قواعد مشهورة ليثلمها رددنا هذا الأمر الغريب، فهذا حديث شاذ يقدح في أصول أصبحت كالجبال فلا يقبل.وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحب إكسير الحياة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net