اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مواقف من حياته عليه الصلاة والسلام للشيخ : عائض القرني


مواقف من حياته عليه الصلاة والسلام - (للشيخ : عائض القرني)
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يحيي القلوب بنور الحكمة، وذكر معجزاته يزيد الإيمان رسوخاً، والكلام عن شمائله يزيد من حبه، وتذاكر سيرته يزيد المرء ثباتاً على الدين، وفي هذا الدرس شيء من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه العظيمة.
من البراهين والمعجزات
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.سلام لا ينقطع إلا بالدموع، وسلام لا ينتهي إلا بالحب يخلفه، وسلام نلتقي عليه هذا اليوم ويوم يجمع الله الناس ليوم لا ريب فيه، فنسأله كما جمعنا على الحب فيه أن يجمعنا في رضوانه وفي دار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.لا تعاقبنا فقد عاقبنـا قلقٌ أسهرنا طول المنام أيها المسلمون: معنا هذه الليلة حبيبنا عليه الصلاة والسلام، معنا رسولنا، معنا قدوتنا، معنا صفوة الخلق صلى الله عليه وسلم بحديثه وبسيرته وبقصصه الطيب.وداعٍ دعا إذ نحن بـالخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أهاج بليلى طائراً كان في صدري قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]
 بركة الطعام القليل يوم الخندق
وإليكم أيها الأحباب الأخيار قصة ثالثة نُنهي بها هذا الموقف لنصل إلى موقف آخر من مواقفه عليه الصلاة والسلام: في صحيح مسلم أن جابر رضي الله عنه وأرضاه، قال: والذي أخذ بصري بعد أن أعطانيه..كان جابر بن عبد الله أعمى البصر، وأما قلبه فمبصر، قلبه يرى، قلبه على بصيرة من الله، وأما بصره فأخذ الله نوره ليعوضه جنة عرضها السماوات والأرض أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد:19] بعضهم عيونه كبيرة ولكن قلبه صغير، بعضهم يرى كل شيء ولكن لا يرى طريق الهداية، يبصر كل معالم الوثنية والفتنة والخرافة، يرى الشاشة والمجلة الخليعة، ويرى الفتاة الداعرة، ويرى الكأس، ويرى الساعات الحمراء، ويرى الإجرام، ولكن لا يرى طريق الهداية والاستقامة، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] ولسان حال جابر يقول: إن يأخذ الله من عيني نورهمـا ففي فؤادي وقلبي منهما نور قلبي ذكيٌ وعقلي غير ذي عوجٍ وفي فمي صارم كالسيف مشهور الشاهد: يقسم جابر بمن أخذ بصره بعد أن أعطاه، وهو الله، ولا يقسم إلا بالله، لقد سافر مع الرسول عليه الصلاة والسلام -والحديث كما أسلفت في الصحيح- قال: لما خرجت معه في الغزوة أخذني عليه الصلاة والسلام بيدي، فخرجت معه إلى الصحراء، وانفرد الرسول صلى الله عليه وسلم بـجابر، ثم قال له صلى الله عليه وسلم: {يا جابر! أترى تلك الشجرة؟ قلت: نعم، يا رسول الله قال: اذهب إليها، وقل لها: أيتها الشجرة! إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لك: تعالي فذهب فقال: يا أيتها الشجرة! إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: تعالي قال جابر: فوالذي نفسي بيده لقد أقبلت تشق الأرض شقاً حتى وقفت بجانبه -وسند هذا الحديث في مسلم كنجوم السماء- قال: اذهب إلى الشجرة الأخرى، وقل لها: يقول لك الرسول صلى الله عليه وسلم تعالي، فيذهب فيقول لها، قال جابر: فوالذي نفسي بيده لقد أقبلت تشق الأرض شقاً حتى وقفت بجانبه.وفي لفظ آخر لـمسلم: تخد الأرض خداً، من باب الأخدود قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ [البروج:4] أي: الشقوق في الأرض، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم من حاجته أخذ بغصنين غصن من شجرة وغصن من شجرة، وقال: يا جابر قل لهما تعودان إلى مكانيهما، فقال لهما، قال جابر: والذي نفسي يبده لقد عادتا تشقان الأرض شقاً حتى وقفتا مكانيهما}.. أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15] بل هو الحق والبرهان الناصع على أنه رسول من الله.وقد يقول قائل: سمعنا بهذا وأدركناه فما فائدة عرضه؟ فأقول: ثلاث فوائد نص عليها أهل العلم: أولاً: تضويع المسجد بذكره عليه الصلاة والسلام.إذا مرضنا تداوينا بذكركـم ونترك الذكر أحياناً فننتكس فذكره في المجالس من أحلى ساعات العمر، ومن أغلى حياة المؤمن في الدنيا. الأمر الثاني: تعميق الإيمان وتأصيله. الأمر الثالث: الاستغناء بالقصص الصحيح عن القصص الخرافي الباطل الذي لصقه الخرافيون المبتدعون الذين لا يعلمون شيئاً.أتدري ماذا يقول الخرافيون؟يقولون: سافر أعرابيٌ إلى المدينة، فوصل إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فوقف في القبر، وقال: يا رسول الله! إن الله يقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء:64] وإني يا رسول الله أذنبت وجئت أستغفر الله فاستغفر لي عند الله، قالوا: فانشق القبر فسلم عليه الرسول عليه الصلاة والسلام!! وهذه خزعبلات ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] ويورد مثل هذه الخزعبلات الغزالي القديم والحديث، ولذلك يقولون: الأعرابي هذا لما صافح الرسول عليه الصلاة والسلام أنشد بيتين، وقال: يا خير من دُفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ويأتي النبهاني، وما أدراك ما النبهاني؟! صاحب الصلاة على سيد الكونين، الخرافي الكبير، والقبوري المبتدع، الذي يقول عنه الألوسي -بيض الله وجه الألوسي - يقول: إن كتب النبهاني وابن حجر الهيتمي وكتب السبكي -ولو أن فيها مجازفة- لا تصلح إلا مخالي يوضع فيها الشعير للحمير، لأنهم يقولون: كتب ابن تيمية لا تصلح للنشر، فقال: سبحان الله! كُتُب ابن تيمية العسل المصفى، والإبريز الخالص، والنور الوهاج ما تصلح لأن تنشر، والله إنها حياة لأمة ونور لقلوب، وإن فيها الأصالة والعمق، والذي لا يفهم كتب ابن تيمية كأنه لا يفهم العمق والأصالة، قال: أما كتبكم فتصلح مخالي يوضع فيها الشعير للحمير، تعلق برءوس الحمير، وتصلح كراتين للعلاجات في الصيدليات، وتصلح كذلك تطييق لأحذية زنوبة وأمثالها. وهذا من الرد على أهل البدع.يقول النبهاني: أتى الشيخ/ أحمد الرفاعي - وهو من مشايخ الطرق- قال: فوصل إلى الحرم المدني، فتقدم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل الأرض عنكم وهي نائبتي ما عندهم إلا قصائد؛ كأنهم في سوق عكاظ، أو كأنهم في أمسية شعرية.. وهذه دولة الأشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي قال: فمد الرسول عليه الصلاة والسلام يده، فقبلها الرفاعي ثم عادت إلى القبر.يقولون في المثل العامي: إذا كذبت فكبر، أي: إذا تعبت في الكذبة فاجعلها كبيرة، لأنك تعبت في أصل الطريق، فلماذا تتعب نفسك ثم تأتي بشيء يسير؟ قالوا: تمخض الجمل فولد فأراً، فمن الحكمة أن إذا تعب - الكاذب في الكذبة أن يجعلها كبيرة ظلماء صلعاء شوهاء حتى تدخل أو لا تدخل أو تقبل أو لا تقبل، فهذه هي الكذبات، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم غنية عن هذا القصص الباطل.وهذا البرعي شاعر يمني قبوري من الغلاة، أتى إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال:يا رسول الله يا من ذكره في نهار الحشر رمزاً ومقاما فأقلني عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما يقول: يا سيدي! أذنبت فاغفر ذنوبي. هل سمعتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يغفر الذنوب؟ هل سمعتم أنه يشافي أو يعافي؟ متى كان طبيباً في قبره عنده صيدلية؟ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] إنما هو مبلغ، ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير عليه الصلاة والسلام.هذه مواقف ومعجزات، ونثني بموقف لـجابر لنخلص إلى موقف آخر: كان الصحابة يحفرون الخندق، وكانوا يضعون الحجر على بطونهم من الجوع، وهذا دليل على أن من تفَّرخ في الدنيا، أو كبر بطنه في مآكل الدنيا، أو ثقل جنباه، أو كثرت سياراته أو أمواله، أن ذلك ليس بدليل على منزلته عند الله، يقول الشافعي:تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب قال جابر: فحفرنا الخندق فعرضت لنا كدية (صخرة) فنزل عليه الصلاة والسلام بالمعول، فأخذه فضرب فشظ له شظية من نار، أو من نور، أو من بارق، فقال: لقد أريت قصور كسرى يفتحها الله علي، فتغامز المنافقون أحدهم دق صاحبه وغمزه، وقال: اسمع يفتح الله عليه قصور كسرى، ونحن أحدنا لا يستطيع أن يبول من الخوف، ثم يضرب صلى الله عليه وسلم الضربة الثانية فيلمع نور وهاج، فيقول: لقد أريت قصور الحيرة، وقيل: المناذرة، وقيل: القياصرة يفتحها الله علي، وأُريت الكنزين الأبيض والأحمر، وسوف يفتحها الله على أمتي، فيتغامزون، ويذكر الله هذا القصص عنهم وهم يقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، لكن بعد سنوات يفتح الله عليه قصور كسرى وقيصر، وتدخل جيوشه مهللة مكبرة، فاتحة منتصرة، وتعطى أمته الذهب والفضة.فلما حفروا رأى جابر الجوع بالمصطفى عليه الصلاة والسلام، وعلى بطنه حجران، فعاد جابر فتذكر هل في بيته طعام، فتذكر عناقاً صغيرةً وشيئاً من شعير، فذهب إلى زوجته، فقال: هل من طعام؟ قالت: هذه العناق -والعناق: ولد الماعز- فرآه جابر فقال لامرأته: اصنعي هذا الشعير طعاماً، وذبح العناق ووضعها في القدر، وعاد إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله! معي طعام يكفي اثنين أو ثلاثة. يقول ذلك في أذني الرسول عليه الصلاة والسلام، تكلم معه بالسر؛ لأن المسألة لا تتحمل أكثر من أربعة، طعام قليل وأهل الخندق لو سمعوا وانتشر الخبر، لأنت الداهية، سبعمائة أو أكثر من أهل الخندق، وهم في جوع لا يعلمه إلا الله، الواحد منهم يمكنه أن يأكل العناق والشعير ويدعه قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً.قال: يا رسول الله! أريد معك اثنين أو ثلاثة، عندي طعام قليل، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أهل الخندق - ورفع صوته- إن جابر بن عبد الله قد صنع لكم طعاماً فحيهلاً بكم، فوضعوا المساحي وقاموا يمشون إلى بيت جابر، وأما جابر فأسقط في يده، وذهب يفكر، مرةً يقول: يمكن أن الرسول عليه الصلاة والسلام ظن أني أريد الناس، ومرةً لا يدري، فوصل إلى امرأته يبشرها بهذا الجيش العرمرم، قالت: الله ورسوله أعلم، فتقدم عليه الصلاة والسلام أمام الناس - والحديث عند البخاري ومسلم - وهو يتبسم صلى الله عليه وسلم من الواقع والحدث الذي في البيت، ومما في نفس جابر ونفس امرأته، وقال: يا جابر لا تضع البرمة على النار ولا القدر -القدر فيه الطعام، والبرمة فيها اللحم- فتقدم صلى الله عليه وسلم إلى اللحم ونفث فيه من ريقه الطيب الطاهر..ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا وما ذاك إلا أن هنداً عشـيةً تمشت وجرت في جوانبه بردا نفث في الطعام عليه الصلاة والسلام، وأمر بإنزاله، ودعا الله بالبركة، وقال: أدخلهم عشرة عشرة، فدخلوا وأنتم تعرفون الحساب، وكل سبعين فيها سبع عشرات، والسبعمائة سبعون عشرة، فقال: أدخلهم عشرة عشرة، فدخلوا فأكلوا وقاموا، ثم أتى الآخرون فأكلوا وقاموا، حتى انتهى الجميع والطعام بحاله ما نقص لقمة، فأتى صلى الله عليه وسلم وقال لـجابر: تعال، وأخذ يأكل، وهو يقول: أشهد أني رسول الله. ونقول: نشهد أنك رسول الله.. أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15].
ضوابط محبة النبي صلى الله عليه وسلم
الحب فيض من الله ينزله في القلوب، والحب شجرة، وعلى الحب تبنى البيوت، وعلى الحب تصلح الزوجات والأولاد، وبالحب يسمع الطالب من المعلم، وبالحب تنقاد الرعية للراعي، وبالحب تسير الحياة.الرسول عليه الصلاة والسلام كان يغرس الحب في القلوب، ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: أرسل الرسول صلى الله عليه وسلمأبا بكر ليفتح خيبر، فذهب أبو بكر وأخذ الراية يحملها رضي الله عنه وأرضاه، فحاول أن يفتح خيبر فما فتحت له، لسر أراده الله، وإلا فـأبو بكر أفضل الصحابة بلا شك، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية في اليوم الثاني عمر بن الخطاب، وقال: اذهب لعل الله أن يفتح عليك خيبر، فذهب وحاصر وحاول أن يفتح حصون خيبر فما استطاع، فاغتم الصحابة، وحزنوا رضوان الله عليهم، الحصار امتد وطالت المشقة والجوع والكلفة، فباتوا في ليلة طويلة بطيئة النجوم.وليلٍ أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب فقال عليه الصلاة والسلام وسط الليل: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله) من الجانبين؛ حب لله ولرسوله، وحبُّ من الله ومن رسول الله، وهنا وقفة -يا أبرار- عند الحب ما هي ضوابطه؟ كان هناك محاضرة ألقيت في المدينة وألقيت في الطائف، لكن أعيد عناصرها على عجالة.ضوابط حبه صلى الله عليه وسلم:
 كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
ومن أسرار الحب: كثرة الصلاة والسلام عليه؛ فإنها من أشرف الأعمال، يقول عليه الصلاة والسلام كما في سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أوس بن أوس: {أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟- أي: بليت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء} وسجد عليه الصلاة والسلام في الأرض ورفع رأسه، وقال للصحابة: {إن جبريل بشرني أن الله قال: من صلىَّ عليك صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً}اللهم صلِّ وسلم عليه ما تضوع مسك وفاح، وما ترنم حمام وناح، وما شدا بلبل وصاح.اللهم صلِّ وسلم عليه ما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون، عدد الأشجار والأحجار والأمطار وقطرات الأنهار وهديل الأطيار، يا واحد يا غفار.ليس حبه عليه الصلاة والسلام خرافات تمسيح، وصرف للألوهية من الله إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وغلواً وشركاً ووثنية، ليس هذا بحب، بل هو معاداة صريحة له عليه الصلاة والسلام.
دروس من حديث سهل بن سعد
نعود إلى حديث سهل في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فأمسى الناس يدوكون ليلتهم كلهم يرجو أن يعطى الراية -ليس حباً في الإمارة، لكن في البشرى- قال عمر: ما أحببت الإمرة مثل ليلة أمس -أي: ما أحب الإمرة إلا تلك الليلة وفي الصباح الباكر بعد أن صلى عليه الصلاة والسلام الفجر، قال: أين علي بن أبي طالب؟ -هذه مواصفات علي سيف الله المنتضى، الإمام المرتضى أبو الحسن، نتقرب إلى الله بحبه وننزله المنزلة الرابعة بين الخلفاء الراشدين، ونتولاه حباً في الله خالصاً إلى أن نلقى الله - قال: أين علي بن أبي طالب؟ قال الصحابة: يا رسول الله! هو في خيمته به رمد لا يرى شيئاً - في عينه مرض الرمد لا يرى شيئاً- قال صلى الله عليه وسلم: عليَّ به، فذهب الصحابة إليه وأتوا يقودونه لا يرى مد يده، فأخذوه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: اذهب وخذ الراية، قال: يا رسول الله! والله ما أرى مد يدي. فنفث عليه الصلاة والسلام في عينيه، فأبصر بنور الله، ثم أعطاه الراية، وقال: اذهب فوالذي نفسي بيده لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).وفي هذا دروس: أولها: أن أعظم مواصفات العبد حب الله وحب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك جاء في السيرة في معركة أحد قبل المعركة، قام صلى الله عليه وسلم، فقال للناس: أتريدون القتال داخل المدينة أو عند أحد؟ فقالوا: في المدينة. فقام شاب، فقال: اخرج بنا يا رسول الله إلى جبل أحد، لا تمنعني دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلن الجنة، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: بم تدخل الجنة؟ قال: بخصلتين: بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف.أتدري ما علامة الحب؟ أتظن أن علامة الحب أن يجلس الإنسان في المجلس ويتمدح بحب الله وبحب رسوله، ثم يترك الصلوات في المسجد ويصلي في البيت؟! أتظن أن حب الرسول عليه الصلاة والسلام دعاوى فارغةٍ، وبالوناتٍ منتفخةٍ، وبيته يوسوس فيه الشيطان باللهو وبالغناء الماجن، وبالمسلسلات الخليعة وبالمسرحيات العابثة، وهو معرض عن الله؟! أتظن أن حب الله وحب الرسول كلمة تقال باللسان، وهذا العبد عبد لشهواته ومعاصيه ونزواته وإعراضه عن الله، فأين حب الله وحب رسوله؟!اسمع إلى نماذج الحب، يقول سعد بن أبي وقاص: حضرنا في معركة أحد مع الصحابة قبل المعركة ومعنا عبد الله بن جحش أحد الشباب في الثلاثين من عمره، قال: فدعوت أنا وإياه قبل المعركة فأما أنا فدعوت بالنصر للمسلمين، وأما عبد الله بن جحش فقال: اللهم لاق بيني وبين عدوٍ لك -أي: من الكفار- شديد حرده، قوي بأسه، فيقتلني، فيبقر بطني -أي: يشق بطني- ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذني، فإذا لقيتك يا رب يوم القيامة في هذه الصورة، تقول: يا عبد الله! لم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب.إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألم وحضرت المعركة وانتهت، قال سعد: وبحثت في القتلى فوجدت عبد الله بن جحش مقتولاً، قد جدع أنفه، وبقر بطنه، وفقئت عيناه، وقطعت أذناه، فسألت الله أن يلبي له سؤله.أليس هذا هو الحب؟ بل أصدق الحب وأعلى الحب.يا ضعيف العزم! إن بخلت بركعتين في مسجد، أو بصدقة على مسكين، أو بذكر في الغدوات والعشيات، أو بقراءة القرآن لتنقد نفسك من النار، فإن جعفر الطيار قطعت يمينه، فأخذ الراية باليسرى فقطعت، فاحتضن الراية، فكسروا الرماح والسيوف في صدره، فوقع على الأرض وهو يقول:يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم رومٌ قد دنا عذابها كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها عليَّ إن لاقيتها ضرابها هذا موقف الحب معه عليه الصلاة والسلام، وعلي بن أبي طالب لا نغلو فيه غلو بعض الناس حتى وصلوا به إلى درجة الألوهية، ولا نجفو فيه جفاء بعض الناس حتى كفروه -والعياذ بالله- لكننا نشهد أنه إمام مرتضى، وأنه أمير المؤمنين، وأنه حبيبنا، وأنه من أصدق الناس، وأخشى الناس، وأتقى الناس لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.خلَّفه عليه الصلاة والسلام في المدينة لما خرج إلى تبوك أميراً على أهل بيته، لأنه كان قوياً أميناً فيه شبه من موسى عليه السلام، فخرج عليه الصلاة والسلام، فجاء المنافقون أهل الخرافات، وقالوا: يا علي! تثاقل منك الرسول صلى الله عليه وسلم فأخرك مع النساء والأطفال تثاقلاً منه، فخرج علي ولحق بالرسول عليه الصلاة والسلام على مشارف المدينة، وهو يبكي ويقول: يا رسول الله! يقول الناس: إنك تثاقلت مني فخلفتني مع النساء والأطفال، فقال عليه الصلاة والسلام: ( يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) كان من أحب الناس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست مواصفات علي تؤتى بالخزعبلات التي يوردها الناس الذين يغالون في حبه، يقولون: سبب حبه أنه أخذ رمحاً فضرب به صخرة فخرج الماء مع الصخرة، وأخذ حجراً فرمى به فوقع في جبال الألب، لذلك يقول ابن تيمية في هذه الطائفة: هم من أجهل الناس في المنقولات، ومن أضلهم في المعقولات.قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب فإنني جاهلٌ بسيطٌ وصاحبي جاهلٌ مركب ومواقف علي مع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي مواقف الولاء والحب، ومواقف الاتباع له عليه الصلاة والسلام، وما نبل أحد من المسلمين إلا باتباعه عليه الصلاة والسلام.
 كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
ومن أسرار الحب: كثرة الصلاة والسلام عليه؛ فإنها من أشرف الأعمال، يقول عليه الصلاة والسلام كما في سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أوس بن أوس: {أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟- أي: بليت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء} وسجد عليه الصلاة والسلام في الأرض ورفع رأسه، وقال للصحابة: {إن جبريل بشرني أن الله قال: من صلىَّ عليك صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً}اللهم صلِّ وسلم عليه ما تضوع مسك وفاح، وما ترنم حمام وناح، وما شدا بلبل وصاح.اللهم صلِّ وسلم عليه ما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون، عدد الأشجار والأحجار والأمطار وقطرات الأنهار وهديل الأطيار، يا واحد يا غفار.ليس حبه عليه الصلاة والسلام خرافات تمسيح، وصرف للألوهية من الله إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وغلواً وشركاً ووثنية، ليس هذا بحب، بل هو معاداة صريحة له عليه الصلاة والسلام.
غنائم حنين وموقف الأنصار منها
بقي هناك موقف أختم به هذه الجلسة، ثم نستمع إلى الأسئلة.عاش صلى الله عليه وسلم مربياً ومعلماً، كان في كل كلمة يربي جيلاً، وفي كل تصرف يحيي أمة عليه الصلاة والسلام، هاجر إلى الأنصار طريداً وحيداً فريداً فنصروه وآووه وحموه وقطعوا بين يديه، فجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء، ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من حديث أنس:(آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار، الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق). هاجر إليهم صلى الله عليه وسلم فنصروه، وخرج في غزوة حنين، فغنم صلى الله عليه وسلم من الإبل ألوفاً مؤلفةً ومن الغنم والمال، فترك الأنصار وأعطى رؤساء العرب من صناديد بني تميم، لأنه يريد أن يتألفهم إلى الإسلام؛ لأنهم لا يريدون إلا مالاً، فهم مسلمون بالترغيب، مثل بعض الناس استقامته للعواطف، يرى المخيم والمركز الإسلامي شاب، فلا يأتي إلا عاطفة، لا يقصد الاستقامة، أو المحافظة على الصلاة، أو قراءة القرآن، لكن يأتي لأن المركز هذا فيه نشيد (لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما) في الصباح نشيد قبل الصلاة، وبعد الصلاة، وفي الحافلة، وتحت الحافلة، وفوق الحافلة، ونحن لا نقول: حرام، ولكن حنانيك، قصد وقصد، وهو مباح، فبعضهم يهتدي للعواطف، فإذا انتهى المخيم والمركز عاد على عقبيه وانتكس وأعرض عن المسجد، لأنه أقبل ترغيباً فقط، أو رغبةً في هذه العواطف، ثم ترك هذا الدين، وبعضهم يقول: أنا لا أحب الشباب إلا لأنني وجدتهم يذهبون في الرحلات والنزهات، ووجدت عندهم تمارين رياضية ونشيداً، فأنا أحببتهم لذلك، ثم ينتكس.وكثير من الناس دخل في عهده عليه الصلاة والسلام للمال، فأعطى هذا مائة ناقة وهذا خمسين وهذا مائة، وترك الأنصار.. أيعطي سعد بن عبادة وإيمانه كالجبال؟! أيعطي معاذ بن جبل وقد أسلم لجنة عرضها السماوات والأرض؟! أيعطي أبي بن كعب؟! لقد تركهم لإيمانهم، لكن الأنصار رضوان الله عليهم تأثروا لأنهم ما عرفوا السبب.سبحان الله! قاتلوا العرب، وذبحوا المشركين، وأخذوا غنائمهم، فأخذ صلى الله عليه وسلم الغنائم وأعطاها بعض الناس الذين أسلموا! فقالوا في مجالسهم: غفر الله لرسول الله، أعطى الناس وتركنا، وسيوفنا تقطر من دماء الناس فذهبت المقولة وانتشرت الشائعة، فوصل الخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال لـسعد بن عبادة: (اجمع لي جميع الأنصار، ولا يدخل معكم إلا أنصاري، ولا يدخل معكم غيركم، فإذا اجتمعوا فأخبرني، فجمعهم جميعاً كباراً وصغاراً وشيوخاً وعلماءً وأبطالاً، فجلسوا، وأتى عليه الصلاة والسلام بحوار مفتوح ساخن، فسلَّم عليهم صلى الله عليه وسلم، وقال: يا معشر الأنصار! جزاكم الله خير الجزاء، أما أتيتكم متفرقين فجمعكم الله بي؟، قالوا: المنة لله ولرسوله، قال: أما أتيتكم متحاربين فألف الله بين قلوبكم بي؟ أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وهم ينكسون رءوسهم حياءً ).أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا إذا اشتبكت دموع في خـدودٍ تبين من بكى ممن تباكى فرفع صوته، وقال: (يا معشر الأنصار! والذي نفسي بيده لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وأتيتنا فقيراً فأغنيناك، وأتيتنا مخذولاً فنصرناك، قالوا: المنة لله ولرسوله، ثم قال: يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ قالوا: هو ما سمعت يا رسول الله، قال: يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده أن ما تذهبون به أعظم مما يذهب به بالناس يا معشر الأنصار! والذي نفسي بيده لو سلك الناس شعباً ووادياً لسلكت شعب الأنصار ووادي الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار، غفر الله للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار! إنكم ستجدون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) فقابلوه بالدموع، بكوا حتى سالت دموعهم من على لحاهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا أصدق الحب -والله- وهذا أخلص الولاء، وهذه معاتبة الأصحاب.. وفي الحديث أمور أربعة:
 ليس العطاء على قدر الإيمان
وفي الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعطي الناس لا لإيمانهم؛ بل لمقاصد كأن يتألفهم، فليس من أعطي في الدنيا حظاً أو منصباً أو جاهاً أن الله رضي عنه الله، بل قد يكون أعدى أعداء الله، ويكون مسخوطاً عليه من الله، أو مغضوباً عليه من الواحد الأحد، فليس له وقار ولا منزلة عند الله، وتجد بعض الناس لا يجد كسرة الخبز، فقيراً مشرداً ذي طمرين، أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره، وهو من أقرب الناس إلى الله.وفي الحديث -أيضاً- أن على المسلم أن يدرأ التهمة عن نفسه، وأن يدافع عن عرضه، وأن يبين للناس ملابسات القضايا كما فعل عليه الصلاة والسلام.هذه مواقف من حياته صلى الله عليه وسلم يعيشها الإنسان كلما تأمل السيرة والسنة، وكلما تبحر في الحديث النبوي، والذي أوصي به نفسي وإياكم يا معاشر الأحباب الأخيار، ويا حملة الرسالة الخالدة: أن يكون لكم وردٌ من القرآن الكريم، وحزب في سيرته وسنته صلى الله عليه وسلم، خاصةً في الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم الأسانيد الطرية الغضة، الأحاديث الشائقة الرائعة الرائقة، طلب العلم منها والاستشفاء بها، طلب الهداية والنور منها، حينها نعرف حياته عليه الصلاة والسلام، حينها ندرك أسراره، حينها نعيش تلك الأيام الغالية، حينها نجعله إماماً لنا نعيش حياة قريبة من حياة أصحابه رضوان الله عليهم. أسأل الله الذي جمعنا في هذا المكان أن يجمعنا في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم يتقبل الله منا أحسن ما عملنا ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا آخيتمونا على حب الإله ومـا كان الحطام شريكاً في تآخينا سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.. وإن كان من شكر بعد شكري لله، فأشكر أهل الفضل وأشكركم، ثم أشكر القائمين على التوعية الإسلامية من المشايخ والدعاة وطلبة العلم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
الأسئلة

  كشف الحجاب للمرأة
السؤال: كشف الرجل على أخت زوجته وعلى الأجنبيات وعلى بنات العم وبنات الخال، وقال: هذه عادة منتشرة في القبائل، ولا يفهمون السنة، وهم متكبرون إذا دعوا، ويعتقدون أن هذه العادات السيئة تقدم على الكتاب والسنة، فما الحكم؟ الجواب: هذا موجود في بعض القبائل من الجهل، كما قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] وهذه الأجنبيات الذي ذكر الأخ يحرم الكشف عليهن، والحجاب واجب شرعي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام، ومن أنكره فقد أخطأ وعارض شرع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد أنتج ترك الحجاب والاختلاط في بعض القرى وبعض الأماكن والمدن والخروج الجماعي بهذه الصور إلى وجود الكثير من الفواحش -والعياذ بالله- والوقوع في الزنا، وهذه جريمة نسأل الله أن يكف بأسها، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يبصرنا وإياكم بعلم الكتاب والسنة، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مواقف من حياته عليه الصلاة والسلام للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net