اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بر الوالدين للشيخ : عائض القرني


بر الوالدين - (للشيخ : عائض القرني)
بر الوالدين أعظم الجهاد وأيسره، ترفع فيه الدرجات، وتقبل من البار الدعوات، ولو أقسم على الله، فقسمه مبرور، لأن سعيه مشكور.وعلى النقيض من هذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من عقوق الوالدين الذي يمكن في أسباب ثلاثة والتي تقابلها عدة أسس لبر الوالدين، ومع هذا فإن رحمة الله واسعة، والجزاء من جنس العمل، فمن أحسن أحسن الله إليه، ومن أساء فعليه.
الشباب والنوادي الصالحة
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول.. لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن.. عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، أنت عوذ المظلومين، أنت ناصر المهضومين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.والصلاة والسلام على أشرف هادي ما سالت البوادي، وما هطلت الغوادي، أشرف من تكلم في النوادي، وأجل من جاء بالنور وهو خير هادي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.سلام الله أرفعه إليكم بأشواقي وحبي والهداية وأرفع من ربى أبها سلاماً لأهل الحق في سبك العلاية سلام على نادي الزيتون، وعلى القائمين عليه، وعلى رأسهم فضيلة الأخ الأستاذ/ محمد بن سعيد بن ريش ومساعدوه وزملاؤه وطلابهم، سلاماً لا ينقطع إلا بدمع العين، إلى أن نلقى الله في مستقر الرحمة.وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين:1-6].
 

التربية على القرآن
يا أهل نادي الزيتون! نسأل الله أن تكونوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أحوجنا إلى الإيمان وعمل الصالحات؛ لأنه ينقصنا نوادٍ تقيم الإيمان، ويَتَرادُّ في جوانبها القرآن، وتسبح بحمد الواحد الديان، نوادٍ تؤسس على (لا إله إلا الله) نوادٍ ينطلق منها أشبال الإسلام، من أحفاد خالد وسعد وطارق وصلاح الدين. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109] نوادٍ تخرج شباباً يعبدون الله. عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه كن كالصحابة في علم وفي ورع القوم هم ما لهم في الناس أشباه يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يُشَيِّدون لنا مجداً أضعناه نريد شباباً يخرجون إلى العالم ليقولوا: ها نحن عدنا من جديد، وليقول الواحد منهم: أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن صلاح الدين.رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ ذاكم هو النادي الذي بدأ اسمه يلمع في سماء الحق (نادي الزيتون) ليقول للناس: لقد مللنا النوادي التي أتت بالناس لتربيهم على اللهو واللعب وضياع الوقت، لا ينقصنا ضياع وقت ولا لعب ولا لهو، ولكن ينقصنا إيمان بالله الواحد الأحد، وتوحيد وقرآن واستقبال إلى القبلة.نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا فحيا الله هذا النادي يوم أَجلسَ شبلاً من أشباله يقرأ القرآن ليسمعنا القرآن، وليشرح صدورنا به، لقد ظمئت قلوبنا -والله- لكتاب الله، يوم أن شبعت من الغناء، والغيبة والنميمة، ومن الزور إلا من رحم ربك، فأسمعنا -يا شاب الإسلام- كلام الواحد العلام، لتضيء طريقنا خلف سيد الأنام عليه الصلاة والسلام.أيا قارئ القرآن بالله قم واقرا فصوتك يجلو عن مسامعنا الوقرا أعد ذكر بدر كي تقر عيوننا فقد صرت أنت اليوم في حفلنا بدرا
 

بر الوالدين قصص وعبر
ثم إن هذه المحاضرة بعنوان: (بر الوالدين) قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] فلا يُعْبَد إلا الله، ولا يوحَّد إلا الله، ولا يقصد إلا الله، ولا يحب في الله إلا ما كان لله، ولا يبقى إلا وجه الله وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24]!
 من قصص التابعين في بر الوالدين
قيل لأحد الصالحين، وكان مشهوراً ببر الوالدين: ما بلغ برك بأمك؟ قال: ما مددت يدي إلى الطعام إلا بعد أن تمد يدها، وما نمت إلا بعد أن تنام، وما رقيت سطحاً وهي تحتي خوفاً من أن أعقها بأن أرتفع عليها.وقالوا للحسن البصري: سمعنا أنك بارٌّ بأمك، فما بلغ بك من بر أمك؟ قال: ما نظرت إلى وجهها حياءً منها.. فكيف بمن بلغ به العقوق إلى أن يضرب والديه، أو يلعنهما؟!!جاء في الأثر: [[من عق والده حتى بكى، فالذمة منه مقطوعة]].وفي أثر آخر: [[من بكى منه أبوه أو أمه فقد سلخ النور عن جبينه]].وهذه الآثار تنسب للسلف، ولا ترفع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.قال جعفر الصادق لابنه: [[يا بني! لا تصاحب عاقَّ الوالدين؛ فإن الله قد غضب عليه من فوق سبع سماوات، فكيف تصاحبه؟!]].
أسباب عقوق الوالدين
ولا يحدث عقوق الوالدين إلا بأسباب، أجملها في ثلاثة:أولها: سوء التربية:فإن الوالد مسئول عن تربية ابنه على الكتاب والسنة، والوالد الذي لا يربي ابنه على القرآن، وعلى حب الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى الإتيان به إلى المسجد، والمداومة على الصلوات الخمس، وعلى تقوى الله، والصدق، والوفاء، يستحق العقوق من ولده. ثانيها: الجهل:فعلى الوالد أن يعلِّم ابنه ولا يتركه جاهلاً، لا بد أن يعلِّمه العلم الشرعي وهو كتاب الله، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام.يُروَى أن أحد العلماء جاءه رجل، فقال له: ابني ضربني، قال: تعال بابنك، فأتى به فإذا هذا الابن كبير سمين بدين كأكبر ما يكون من الرجال، فقال له: أضربتَ أباك؟ قال: نعم. ضربتُه، قال: لِمَ ضربتَه؟ قال: وهل يحرم أن يضرب الابن أباه؟ أي: هل في الشريعة أنه لا يجوز ضرب الابن لأبيه؟ قال العالم للأب: أعلَّمتَ ابنك شيئاً من القرآن؟ قال: لا والله. قال: أعلمتَه شيئاً من السنة؟ قال: لا والله. قال: أعلمتَه شيئاً من آداب السلف؟ قال: لا. قال: فماذا صنعت معه في حياته؟ قال: أطعمتُه وسقيتهُ وآويتُه حتى كَبُر، قال: تستحق أن يضربك؛ لأنه ظن أنك ثور فضربك.فالسبب الثاني: عدم تعليم الأبناء العلم الشرعي الذي ينفعهم في الدار الآخرة، ويقربهم من الله، ولا أعني علم الثقافة، وعلم القشور، والمعلومات التي تستحوذ على الذهن ليصبح سلة مهملات، هذا ليس بعلم.. قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].ثالثها: عق الرجل والديه؛ فالجزاء من جنس العمل، فمن بر أبويه رزقه الله عز وجل أولاداً يبرونه.أحد الناس سحبه ابنه من بيته حتى أخرجه خارج المنـزل، فقال الأب لابنه: قف هنا، فوالله لقد سحبت أبي من هذا المكان حتى أوقفته في هذا المكان، وهذا الجزاء من جنس العمل.
 من قصص التابعين في بر الوالدين
قيل لأحد الصالحين، وكان مشهوراً ببر الوالدين: ما بلغ برك بأمك؟ قال: ما مددت يدي إلى الطعام إلا بعد أن تمد يدها، وما نمت إلا بعد أن تنام، وما رقيت سطحاً وهي تحتي خوفاً من أن أعقها بأن أرتفع عليها.وقالوا للحسن البصري: سمعنا أنك بارٌّ بأمك، فما بلغ بك من بر أمك؟ قال: ما نظرت إلى وجهها حياءً منها.. فكيف بمن بلغ به العقوق إلى أن يضرب والديه، أو يلعنهما؟!!جاء في الأثر: [[من عق والده حتى بكى، فالذمة منه مقطوعة]].وفي أثر آخر: [[من بكى منه أبوه أو أمه فقد سلخ النور عن جبينه]].وهذه الآثار تنسب للسلف، ولا ترفع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.قال جعفر الصادق لابنه: [[يا بني! لا تصاحب عاقَّ الوالدين؛ فإن الله قد غضب عليه من فوق سبع سماوات، فكيف تصاحبه؟!]].
أقسام بر الوالدين
وبر الوالدين على قسمين: بر الأم، وبر الأب.الرسول عليه الصلاة والسلام يأتيه رجل -والحديث متفق عليه- فقال: (يا رسول الله! مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك).قال أهل العلم: بين عليه الصلاة والسلام أن للأم ثلاثة أرباع الحق، وللأب ربعاً من الحقوق.ولذلك اجتهد الصالحون في برهم بأمهاتهم.فقد مر ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه برجل من أهل اليمن، وقد حمل أمه على كتفيه في حرارة شمس مكة، وهو يطوف بها، وقد سال العرق على جبينه في الظهيرة، فقال: [[يا ابن عمر! أسألك بالله، أجازيتُ أمي بما قَدَّمَت لي؟ قال ابن عمر: لا والذي نفسي بيده ولا بزفرة من زفراتها]]. معنى الكلام: لَطَوافك بالبيت، وهذا الضنك والمشقة التي وجدتها لا تساوي زفرة من زفراتها، أو طلقة من طلقاتها في وقت الولادة، لا يساوي بر الابن بأمه طيلة ستين أو سبعين سنة.خرج عمر رضي الله عنه، وأسكنه فسيح الجنات، وجمعنا به وأرانا ذاك الوجه الكريم خرج في ظلام الليل بعد صلاة العشاء يتفقد الناس، ونزل إلى خيامٍ حول المدينة وفيها فقراء من بوادي العرب، فأتى إلى خيمة، فسمع امرأة تصيح وتبكي وهي في الطلق، فوقف عند باب الخيمة، وهو يرتجف كالعصفور من شدة البرد ويبكي رضي الله عنه وأرضاه، فقال له مولاه أسلم: [[ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: إنك لا تدري يا أسلم! ماذا تجد من ألم الولادة]] ثم ذهب رضي الله عنه... في قصة طويلة، وأتى بطعام لها، وصنع لها عشاءً، حتى قالت: والله إنك أحق من عمر بن الخطاب بالخلافة.
 من قصص التابعين في بر الوالدين
قيل لأحد الصالحين، وكان مشهوراً ببر الوالدين: ما بلغ برك بأمك؟ قال: ما مددت يدي إلى الطعام إلا بعد أن تمد يدها، وما نمت إلا بعد أن تنام، وما رقيت سطحاً وهي تحتي خوفاً من أن أعقها بأن أرتفع عليها.وقالوا للحسن البصري: سمعنا أنك بارٌّ بأمك، فما بلغ بك من بر أمك؟ قال: ما نظرت إلى وجهها حياءً منها.. فكيف بمن بلغ به العقوق إلى أن يضرب والديه، أو يلعنهما؟!!جاء في الأثر: [[من عق والده حتى بكى، فالذمة منه مقطوعة]].وفي أثر آخر: [[من بكى منه أبوه أو أمه فقد سلخ النور عن جبينه]].وهذه الآثار تنسب للسلف، ولا ترفع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.قال جعفر الصادق لابنه: [[يا بني! لا تصاحب عاقَّ الوالدين؛ فإن الله قد غضب عليه من فوق سبع سماوات، فكيف تصاحبه؟!]].
أسس بر الوالدين
وبر الوالدين له أسس:
 من بر الوالدين: الزيارة
ومن حقهما: الزيارة، فإذا كانا في بلد بعيد فبالاتصال، وطلب الرضا والسماح، وطلب الدعاء منهما.ولكن كثيراً من الناس قد جهلوا هذه الحقوق، وتغمطوها، بل بلغ ببعضهم أن هجر أباه وأمه السنوات الطويلة في غضب، أو بلغ به العقوق أن لعن أباه أو أمه، أو ضرب أحدهما، أو خاصمهما حتى بكيا، فإذا بلغا إلى درجة الغضب الشديد الذي ينتج البكاء فقد عقهما عقوقاً كبيراً، وأصبح فعله هذا من الكبائر السبع التي ذكرها عليه الصلاة والسلام.
أهمية وفضل بر الوالدين
يأتي رجل من أهل اليمن فيقول: (يا رسول الله! أريد الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال: ألك والدان؟ قال: نعم. قال: فالزمهما، فإن الجنة عند قدميهما أو رجليهما) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والحديث عند مسلم. وفي رواية صحيحة: (ففيهما فجاهد).فخدمة الوالد والوالدة أعظم من الجهاد في سبيل الله، وقد ظهر في شبابنا من يذهب إلى الجهاد -مثلاً- في أفغانستان، ولا يستأذن والديه، ويذهب على رغم أنفهما، ويغضبهما، ويريد الأجر من الله! فهذا ليس له أجر، وليس له ثواب حتى يأذن له والداه، ويسمحا له عن طيب قلب، وراحة نفس، فإذا سمحا فله الأجر والثواب عند الله.ولذلك يقول بعض أهل العلم: أهل الأعراف الذين ذكرهم الله عز وجل بقوله: وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ [الأعراف:46] هؤلاء يسكنهم الله عز وجل في مكان بين الجنة والنار، ليسوا في النار ولا في الجنة، قال بعضهم: هؤلاء الذين خرجوا في سبيل الله، ولكن بغير إذن الوالدين، فليسوا في النار ولا في الجنة؛ ولكن على الأعراف.فليعلم العبد أن بقاءه في خدمة والديه، وطاعتهما، أعظم من الجهاد وحمل السيف والبندقية، وضرب أعداء الله في سبيل الله، هذا هو الجهاد العظيم الذي يأجر الله العبد عليه يوم القيامة، ثم الجهاد في سبيل الله بعد رضا الوالدين.جاء في صحيح مسلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال وهو على الـمنبر: (رغِمَ أنفُ رغِمَ أنفُ رغِمُ أنفُ...) وفي السنن: (رغِمَ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال رغِمَ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: رغِمُ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: مَن أدرك والديه أو أحدهما في الكبر، ولم يَدْخُلِ الجنة...) من أدرك والديه الكبيرين أو أحدهما ولم يدخل بسببهما الجنة فأرغم الله أنفه في التراب، فهو محروم من البر والرحمة، والإحسان والحنان، والخير والتوفيق، والهداية والسداد.
 أويس القرني بر أمه فبر الله قسمه
وهذا أويس القَرَني، وهو من مراد، ونحن نلتقي معه، لكن لا نفتخر بذلك؛ فـأبو لهب عم الرسول عليه الصلاة والسلام في النار، والنسب لا يقارب ولا يباعد، يقول عليه الصلاة والسلام: {يا بني هاشم! لا تأتوني بأنسابكم يوم القيامة ويأتيني الناس بأعمالهم} وقال عليه الصلاة والسلام: {من بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه} وعبد مولى قريب من الله عز وجل هو حبيب الله وولي الله، فـبلال الحبشي أتى من الحبشة، كان يباع ويشترى، فلما أسلم رفع الله ذكره في الخالدين، وأصبح له قصر في الجنة كالربابة البيضاء. يقول عليه الصلاة والسلام للصحابة وهو يحدثهم: {سوف يقدم عليكم من أهل اليمن رجل اسمه أويس بن عامر القرني... } وضبط قبيلته: قَـرَن. كما قال ابن مالك: وعدن وقرن ولا حق وشذقم وهيلة وواشق فهي قَرَن، وليست قَرْناً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: {له أم هو بار بها، لو أقسم على الله لأبره، فيه كالدرهم من آثار مرض البرص، يشفع يوم القيامة لمثل قبيلة مضر حتى يدخلوا بشفاعته الجنة}.وكان رجلاً فقيراً في اليمن، ليس لـه مال، ولا زوجة، ولا أبناء ولا بنات. هذا الرجل قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم عنه للصحابة: {إذا قدم عليكم فاطلبوا منه أن يستغفر الله لكم} يستغفر لـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم خير منه لكنها حكمة من الله! ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].فكان أبو بكر في خلافته كلما أقبل وفد من أهل اليمن سألهم، وقال: أفيكم أويس بن عامر القرني؟ فيقولون: لا. فتوفي أبو بكر ولم يأت أويس، وتولى عمر رضي الله عنه وأرضاه، فكان يسأل أهل اليمن حتى أتاه وفد الحجاج من أهل اليمن، فقال: أفيكم أويس بن عامر القرني؟ قالوا: نعم. يا أمير المؤمنين! عندنا رجل يَرْعى الإبل لنا في الوادي، إن كان هو الذي تقصد فهو راعي غنم، ماذا تريد مـن راعي الغنم؟ قـال: ألَهُ والدة؟ قالـوا: نعم. قال: أهو بار بها؟ قالوا: نعم. قال: أصابه برص فبقي في بطنه كالدرهم من آثار البرص، قالوا: نعم. فقال للصحابة: قوموا بنا إلى أويس بن عامر فركب حماره رضي الله عنه وأرضاه ومعه علي وجل الصحابة، وذهبوا إليه في الوادي، وهو في ضاحية من ضواحي المدينة، أتوا إليه، وقد توضأ وجعل عصاه سترة له إلى القبلة، يسجد ويركع ويدعو ويبتهل إلى الله، فانتظر عمر حتى انتهى أويس من الصلاة، فسلم عليه، وقال عمر: من أنت؟ قال: أويس بن عامر قال: ألك والدة؟ قال: نعم. قال: اكشف عن بطنك، فكشف، فرأى عمر رضي الله عنه كالدرهم من البرص في بطنه، فقبل عمر بطنه، وقال: استغفر لي، فبكى أويس بن عامر، وقال: سبحان الله! أستغفرُ لك وأنت أمير المؤمنين! قال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لنا: {يقدم عليكم من أهل اليمن رجل له والدة هو بها بار، لو أقسم على الله لأبره، يدخل بشفاعته مثل قبيلة مضر يوم القيامة في الجنة} فقال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين!فأخذ الصحابة يقولون: استغفر لنا استغفر لنا، وهو يدعو لهم. ثم قال عمر: أتريد أن تقيم معي في المدينة؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتركني أحيا يوماً جائعاً ويوماً شبعاناً حتى ألقى الله. فعاد عمر وسأل عنه في اليوم الثاني فلم يجده، وسأل رفقته فلم يجدوه، وقالوا: اختفى وذهب إلى العراق وحيداً غريباً.غريباً من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد سكن الخرابات حتى لقي الله، وهو يشفع يوم القيامة لمثل القبيلة العربية العظيمة مضر، يدخلهم الجنة بسبب بره بأمه.فرضي الله عن أويس، الذي استغفر لأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد ذهب إلى الله ببره بأمه.وتتكرر دائماً صور الصالحين في برهم بأمهاتهم، وصدقهم مع ربهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.وأحد الصالحين من السلف قام في خدمة أمه، فطلب منه كثير من الخلفاء أن يتولى لهم أعمالاً وإمرة، فقال: لا. إمرتي في بيتي مع أمي، فقام على أمه، قالوا: كان يغسلها، ويلبسها ثيابها، ويصنع الطعام لها، ويكنس بيتها، حتى رأى في المنام قائلاً يقول: لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر بما فعلت مع أمك. يروي هذا صاحب الحلية وأمثاله من أهل الرقائق والمواعظ.فيا عباد الله! يا أبناء من آمنوا بـ(لا إله إلا الله) وصدقوا بموعود الله: ما أحوجنا لبر الوالدين، والعبد كما يقول ابن تيمية: لا بد أن يقصر مع والديه، فإن ابن تيمية شيخ الإسلام، يتحدث عن أمه، فقد كانت في بلد حَّران، وهو في بلد آخر، فقال: قد قصرت معكم في الزيارة، وفي الحقوق، والنفقة، والله لو حملتني الطيور بأجنحتها لسرنا إليكم؛ لكن العبد لا بد أن يقصر مع والديه؛ فليستغفر الله، وليدرأ بالحسنات السيئات إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]. فمن أغضب والديه فليدع لهما بظهر الغيب، ومن أنقص حقهما فليوفه يوماً من الأيام.
أنواع البر بالوالدين

 من بر الوالدين تعليمهما أمور الدين
ومن أعظم البر بهما تعليمهما أمور دينهما: فإن كثيراً من الآباء والأمهات لا يعرف أحدهما الصلاة، ولا يعرف أركان الإسلام وأركان الإيمان، أو لا يعرف العلم الضروري من الشريعة، فواجبك -يا عبد الله- أن تعلم والديك، وأن ترشدهما إلى أمور الصلاة والوضوء، وأن تقربهما من الله، وأن تبعدهما مما يغضب الله؛ من شهادة الزور، والغيبة والنميمة، والاستهزاء والاستهتار، واللعن والفحش، والمعاصي ما ظهر منها وما بطن، فإنهم أعظم من تدعوهم، قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] و{ الأقربون أولى بالمعروف} فدلهما على طريق الجنة، وخذ بأيديهما إلى صراط الله المستقيم، فإن من سعادة المؤمن يوم القيامة أنه إذا دخل الجنة جمع الله له قرابته إذا كانوا مسلمين.كيف يسعد الإنسان إذا دخل الجنة وهو، يقول: أين أمي؟ أين أبي؟ أين إخواني؟ أين أبنائي؟ قال الله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] لكن بشرط أن يكونوا مسلمين، أما أبٌ مشرك وابنٌ مسلم فلا يجتعمان في الجنة، أو ابن ملحد زنديق معرض عن الله لا يجتمع مع أبيه المسلم.فيا من أراد أن يجتمع بأسرته وبقرابته وبوالديه وبأبنائه وبناته! اعمل صالحاً، وقدهم إلى الطريق المستقيم، وجنبهم المعاصي والمنكرات، عل الله أن يجمع بينك وبينهم في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزادِ لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حادي
حث الآباء على تربية الأبناء
عباد الله: براً بالوالدين، وطاعةً لهما، ويا أيها الآباء! ويا أيتها الأمهات! تعلموا حتى تربوا أبناءكم على طاعة الله، وأقيمومهم على منهج الله، وأدخلوا ذكر الله في البيوت، لتنشئوا أطفالاً مستقيمين ملتزمين، مخلصين مخبتين، عل الله أن يهدينا وإياكم، وأن يقيمنا على الطريق المستقيم.والمآسي التي نسمعها -والعياذ بالله- مآسٍ تنبئ عن أن في بعض البيوت سوء تربية، فقد حدثنا رجل من رجال الأمن، أن أماً أتت إلى رجال الأمن وشكت ابنها، وقالت: ضربها سبع مرات، قال هذا الشرطي وكان مستقيماً: فما كان منا إلا أن داهمنا منـزله، واقتحمنا عليه البيت، وأخرجناه، فضربناه ودسناه بأرجلنا، وكان يصيح: يا أماه أنقذيني! فكانت تقول: أعدمك الله، وقتلك الله، وغربلك الله كما غربلتني، ذق بعض ما ذقتُ. هذا رجل خلع رِبْقَةَ الهداية والتوفيق عنه، وقطع الحبل بينه وبين الله، تبلغ به الدرجة وقسوة القلب ويهودية الضمير -والعياذ بالله- إلى أن يضرب أمه هذا الضرب العنيف؛ فيصبح أذل من البهيمة، وأقل من الدابة، والعياذ بالله.فنسأل الله أن يثبتنا، ونعوذ به من الخذلان؛ فإن العبد إذا قطع ما بينه وبين الله، قطع الله ما بينه وبين والديه، وما بين قرابته والناس.اللهم ثبتنا وسددنا، واهدنا ووفقنا.ونكتفي بهذا القدر، ليكون ما بقي من وقت للأسئلة، عل الله أن ينفع ويهدي سواء السبيل.وأكرر شكري للقائمين على هذا النادي، ولكم أيها الحضور.ونسأل الله أن يجمعنا هناك في دار الكرامة، في مكان أحسن من هذا المكان وأوسع وأصفى وأرَقُّ.فلما جلسنا مجلساً طله الندى جيملاً وبستاناً من الروض دانيا أثار لنا طيبُ المكان وحسنُه مُنَىً فتمنينا فكنتَ الأمانيا اللهم اجعل أمانينا جنة عرضها السماوات والأرض، في جوارك يا رب العالمين! فقد سئمنا الحياة، حياة الهم والغم والحَزَن.فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 من بر الوالدين تعليمهما أمور الدين
ومن أعظم البر بهما تعليمهما أمور دينهما: فإن كثيراً من الآباء والأمهات لا يعرف أحدهما الصلاة، ولا يعرف أركان الإسلام وأركان الإيمان، أو لا يعرف العلم الضروري من الشريعة، فواجبك -يا عبد الله- أن تعلم والديك، وأن ترشدهما إلى أمور الصلاة والوضوء، وأن تقربهما من الله، وأن تبعدهما مما يغضب الله؛ من شهادة الزور، والغيبة والنميمة، والاستهزاء والاستهتار، واللعن والفحش، والمعاصي ما ظهر منها وما بطن، فإنهم أعظم من تدعوهم، قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] و{ الأقربون أولى بالمعروف} فدلهما على طريق الجنة، وخذ بأيديهما إلى صراط الله المستقيم، فإن من سعادة المؤمن يوم القيامة أنه إذا دخل الجنة جمع الله له قرابته إذا كانوا مسلمين.كيف يسعد الإنسان إذا دخل الجنة وهو، يقول: أين أمي؟ أين أبي؟ أين إخواني؟ أين أبنائي؟ قال الله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] لكن بشرط أن يكونوا مسلمين، أما أبٌ مشرك وابنٌ مسلم فلا يجتعمان في الجنة، أو ابن ملحد زنديق معرض عن الله لا يجتمع مع أبيه المسلم.فيا من أراد أن يجتمع بأسرته وبقرابته وبوالديه وبأبنائه وبناته! اعمل صالحاً، وقدهم إلى الطريق المستقيم، وجنبهم المعاصي والمنكرات، عل الله أن يجمع بينك وبينهم في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزادِ لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حادي
الأسئلة

  لا يبنى المسجد إلا على أرض طاهرة
السؤال: مجموعة من البيوت لا يوجد حولها مكان لإقامة مسجد، وعند أحد هؤلاء مكان تقف فيه السيارات تحته بيارة، هل يجوز بناء المسجد على هذا المكان؟الجواب: لا يجوز بناء المسجد على البيارة مباشرة؛ لأنها أكيد ومُتَيَقَّنٌ أنها نجسة، فعليه أن يبحث عن مكان آخر، أو ينضح ما بهذا المكان ويطهره وينظفه إذا اضطر إليه، أو يحول ماء هذه البيارة إلى مكان آخر، فإن أصبح المكان طاهراً وطيباً فلا بأس.أنا أقول: هذا هو الرأي الراجح والصحيح، ولو أن بعض أهل العلم قالوا: إذا بُنِيَ على هذا المكان فقد أصبح مرتفعاً دوراً ثانياً فلا بأس؛ لأن الحسن البصري يقول في صحيح البخاري: [[لا بأس أن يُصَلَّى على القناطر التي يَمُر من تحتها ماءٌ نجس]] فقاسوا على ذلك البيارات؛ لكن أقول: الأحوط والأحسن والأقرب ألا يفعل ذلك، وليبحث عن مكان آخر أطهر؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بر الوالدين للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net