اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [218-219] للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [218-219] - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
ذكر الله تعالى في هذه الآيات أن القتال في الأشهر الحرم منكر كبير، وأن أكبر من ذلك هو الصد عن سبيل الله تعالى، والكفر به سبحانه.وذكر أيضاً أن من كان مسلماً ثم ارتد على عقبيه إلى الفكر فإن أعماله تحبط في الدنيا والآخرة.وذكر سبحانه أن الذين آمنوا وجاهدوا في سبيله وهاجروا يرجون رحمته ورضوانه، وأنهم يتاجرون تجارة لن تبور.ثم ذكر الله تعالى الخمر والميسر وذكر ما فيهما من الإثم والفساد.وقد فُسرت الآيات بأسلوب سهل شيق رائع يشد القلوب، ويأسر الألباب.
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ...)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فهذا لقاء متجدد من برنامجنا محاسن التأويل، وكنا قد انتهينا في اللقاء الأول إلى قول الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:217]، إلى آخر الآيات، فنجمل الآن ما حررناه في ذلك الوقت، ثم نزدلف إلى قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:218]، وهي الآية التي سنبدأ بها تفسير حلقة هذا اليوم، والأشهر الحرم أربعة: ثلاثة سرد وهن: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد فرد وهو رجب، والآية جاءت في أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية بإمرة عبد الله بن جحش ولم يأمرهم بقتال، ثم تعرض لهذه السرية قوم من قريش فأقدمت السرية على قتلهم دون أن يدروا أو يعلموا أنهم دخلوا في الشهر الحرام، وكان ذلك في آخر جمادى الذي هو قبل رجب، ورجب شهر حرام، فلما تبين بعد ذلك أن القتال كان في الشهر الحرام جعلت قريش ذلك سبة وعاراً على المؤمنين, وقالوا: كيف يدعو محمد إلى مكارم الأخلاق وقد نقض شيئاً العرب كانت متفقة عليه من قبل وهو عدم الاقتتال في الشهر الحرام!! فهذا هو مجمل سبب النزول، فأنزل الله جل وعلا قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:217]، الذي نريد أن نصل إليه هنا هذا كله تم تفسيره، لكن ما سيأتيك بعد ذلك مصدر بقوله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ [البقرة:217]، أو: وَيَسْأَلُونَكَ [البقرة:219].فحتى يتمكن طالب العلم من فهم كلام الله لا بد -كما قلت قديماً- من الإجمال، ثم من الإجمال ندرج إلى التفصيل، والسؤال في القرآن يأتي دائماً بحسب سائله، ولما كان السائلون يختلفون كان لا بد أن يكون الغرض من السؤال يختلف، فلما سألت اليهود عن الروح فهذا سؤال للتعنت، وهذا أول مقاصد السؤال، وهناك سؤال للاحتجاج وهو سؤال أهل الإشراك هنا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [البقرة:217]، فإذا انتهينا من أسئلة اليهود وأسئلة أهل الإشراك لم يبق إلا أسئلة أهل الإيمان، وأهل الإيمان يسألون للاسترشاد؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم عندما يأتيهم الجواب الإلهي. إذا تحرر هذا فقول الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:217] الأصل أنه جاء على لسان كفار قريش، فهو سؤال للاحتجاج، وقول الله تبارك وتعالى في الإسراء: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء:85] هذا للتعنت؛ لأن السائلين هنا هم اليهود، وأما قول الله جل وعلا كما سيأتي عن الخمر والمحيض ماذا ينفقون، فهذه أسئلة المؤمنين الذين كانوا يحيطون بالنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فهذه أسئلة للاسترشاد.
 من ارتد ثم آمن فما حكم عمله في حال الإسلام الأول
لكن الإشكال في أن إنساناً كان مؤمناً ثم ارتد، ثم تاب عن ردته وعاد إلى الإيمان، فهل العمل الذي كان قبل الردة يبقى أم يحبط؟ هذا هو السؤال، فمن أخذ بالقيد قال: إن العمل يبقى؛ لأن الله قيده بقوله: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217].ومن جعلها مطلقة قال -وهذا الأظهر-: إن الإنسان يكتب له الأجر، لكن لا يسقط ذلك الشيء المفروض عليه، مثال ذلك: لو أن إنساناً حج ثم ارتد ثم تاب وعاد إلى الإسلام فهل حجته الأولى يلزم عليه أن يعيدها أو لا يعيدها؟ هذا التي فيها تنازع بين العلماء.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ...)
والآن نزدلف إلى قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:218]، بدءاً قال ابن سعدي رحمة الله تعالى عليه: هذه الثلاث هي قطب رحى الدين، وعنوان السعادة، فمن وفقه الله للقيام بالإيمان والهجرة والجهاد فقد وفق لقطب رحى الدين، وعنوان السعادة؛ لأن أي عمل صالح بعد هذه الثلاث أهون منها، ومن قدر على العظيم قدر على اليسير، فأما الإيمان فأكبر دلائل فضله أن الله جعله قسيماً بين أهل الجنة وأهل النار، أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18]، وأما الهجرة فليس المراد بها هجران الذنوب، ولكن المراد هجرة الشيء المألوف المحبوب، كهجرة الوطن، والمال، والخلان، ومن تركن إليهم؛ من أجل الله، وأما الجهاد فإن التلبس به من أعظم ما يدل على أن الإنسان يقمع أعداء الدين، وبوده أن ينتشر الإسلام، فالصورة الأولى لانتشار الإسلام هي الجهاد، وهذا أمر لا ينبغي أن يتغير بالظروف وبالأحوال؛ لأن من تتبع السنة الصحيحة والسيرة العطرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم سيجد عياناً بياناً أن السبب الأعظم لانتشار الدين هو الجهاد في سبيل الله، فيقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ [البقرة:218].
 الفرق بين الهجرة إلى المدينة والهجرة إلى الحبشة
والهجرة إلى الحبشة كانت هجرة إلى أرض أمن، فهناك ملك صالح يعدل ولا يضام في ملكه، فخرج المسلمون إليه، وأما الهجرة إلى المدينة فكانت هجرة إلى دار إيمان وفق تعبير القرآن، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر:9]، وقصد الأنصار.فالمدينة كانت دار إيمان قبل أن يدخلها نبينا صلى الله عليه وسلم، بخلاف الحبشة آنذاك فإنها لم تكن دار إيمان، وإنما كانت دار أمن. قال ربنا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ [البقرة:218].وفي هذا دليل على أن الإنسان مهما زكا عمله، واشتد صلاحه، وتتابعت حسناته إلا أن المعول الأكبر يكون على رحمة الله، وهذا دليل كذلك على أن الإيمان بالعمل لا بالتمني ولا بالتحلي، فإذا قال الله جل وعلا عن هؤلاء الأخيار الذين جمعوا بين الإيمان والهجرة والجهاد قال عنهم: أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ [البقرة:218] فما عسى من دونهم، لكن لا يعني ذلك أن يقنط أحد من رحمة الله، أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:218]، وهذه ظاهرة وقد مرت معنا كثيراً، والغفور الرحيم اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى.
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ...)
ثم قال الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]، وهذا قد يحتاج وقتاً طويلاً فسأبدأ فيه تمهيداً في هذا اللقاء وأكمل في اللقاء القادم.
 تعريف الميسر وصورته وبيان ضرره
فحديثي هذا كله حول الخمر، وبقينا في الميسر، والميسر مشتق من أحد أمرين: إما مشتق من اليسر وهو السهولة، وهذا بسبب أنهم يحصلون على المال من غير كد ولا تعب، وهي مغامرة يأتي بها فينجم عنها مال.وإما مشتق من اليسار وهو الغنى، أي: أنه يغنى بعد فقر، والمعاني متقاربة جداً. والقرشيون لهم طرائق عدة في الميسر، وقد نشأت كلمة الميسر كما يلي: الياسر في اللغة هو الجزار الذي يذبح الجزور، فيأتون بالجزور فيذبحونه ويجعلونه ثمانية وعشرين قسماً، والآن سندخل في الرياضيات فمهم أن تفهم ذلك، ثم يأتون بكيس، وهذا الكيس يضعون فيه عشرة أقداح، وهي على هيئة أعواد، وكل قدح من هذه الأقداح له اسم، فسبعة منها تعمل وثلاثة لا تعمل، أي: سبعة فيها حظ، وثلاثة لا يجعلون فيها حظاً، فيسمون التي ليس فيها حظ غفلاً، ويسمونها الوغد والسفيح والمنيح، والسبعة سآتيك بأسمائها، ثم يضعون العشرة في هذا الكيس ويخلطونها، ثم يأتون برجل أمين فيقول مثلاً: هذا حظ عبد الرحمن ويأخذ قدحاً، فإذا طلع يقرؤه فإن كان سفيحاً أو منيحاً أو وغداً فلا يأخذ شيئاً، وليتهم يقفون عند هذا الحد، فإنه لا يأخذ شيئاً وعليه قيمة شراء الجزور، والسبعة الباقون يأخذون نصيبهم.والأقداح السبعة يسمون أحدها الفذ، ويأخذ واحداً، والثاني يسمونه التوأم، ويأخذ اثنين، والثالث يسمونه الرقيب ويأخذ ثلاثة، فيصبح قد ذهب ستة، والرابع يسمونه الحلس ويأخذ أربعة، والخامس يسمونه النافس، ويأخذ خمسة، فيصير المجموع خمسة عشر، والسادس يسمونه المسبل، ويأخذ ستة، فيصير المجموع واحداً وعشرين.والسابع يسمى القدح المعلى، فالناس إذا مدحوا أحداً يقولون: له القدح المعلى، ويأخذ سبعة، فتصير مع واحد وعشرين ثمانية وعشرين، انتهت كلها، ولهذا تسمع في التعبيرات الأدبية: أن فلاناً له القدح المعلى، أي: أوفر أهل الميسر حظاً، فهذه نشئت فكرة الميسر، وفي اللقاء القادم إن شاء الله تعالى نكمل الارتباط ما بين الخمر والميسر، والحد الذي في الخمر، والتعزير الذي في الميسر بإذن الله تعالى، والله تعالى أعلم.وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [218-219] للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net