اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقبات في طريق الدعوة للشيخ : عائض القرني


عقبات في طريق الدعوة - (للشيخ : عائض القرني)
طريق الدعوة طريق مليء بالعقبات، مفروش بالمخاطر والتضحيات؛ لأن الجزاء الجنة.وفي هذا الدرس بيان بعض عقبات الطريق الذي يسير عليه الداعية، وكيف تجتاز هذه العقبات، فالنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من السلف كانت أمامهم عقبات في طريقهم في الدعوة لكنهم استعانوا بالله فأعانهم عليها.
أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم في دعوته
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل الله، حتى أتاه اليقين، فصلِّ اللهم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. تمنيت الحجاز أعيش فيه فأعطى الله قلبي ما تمنى سقى الله الحجاز وساكنيه وروى كل رابية ومغنى عنوان هذه المحاضرة عقبات في طريق الدعوة، ولها عناصر:- ما هي العقبات التي تعرض للدعاة؟- ما هي الحجب التي تغشى أبصار المدعوين؟ - ما هي الأزمات التي يتعرض لها من ينصح ومن يدعو ومن يوجه ومن يوعي الناس؟هذا ما سوف نجيب عنه إن شاء الله، والموفق الله، والهادي الله. إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده أول العقبات: اتباع الهوى الذي يصد عن منهج الله. العقبة الثانية: الكبر من المدعو فلا يقبل الحق. العقبة الثالثة: كثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق. العقبة الرابعة: جلساء السوء الذين يصدون عن منهج الله وهم أعداء الأنبياء والرسل. العقبة الخامسة: فتور الدعاة وضعف الدافع. العقبة السادسة: انصراف الناس إلى الدنيا على حساب الدين. وقبل أن أبدأ وقبل أن أتكلم، أقف مع أكبر داعية في العالم، فهو المصلح العظيم، أقف مع الذي هدى الله به البشرية، وأنار به أفكار الإنسانية، وزلزل به كيان الوثنية، أقف مع الرحمة المهداة، الذي قال الله له من فوق سبع سموات: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]. فبلغ أتم البلاغ والله، وهدى أتم الهداية، إي والله، وجاهد أتم الجهاد، وايم الله، والله ما تركنا إلا على مثل البيضاء ليلها كنهارها، ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، نصح ووجه ودعا، وجاهد وخاطب وأفتى، وقدم دمه، ودموعه، وقدم وقته وماله وجهده. المصلحون أصابع جمعت يـداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه نشأ يتيماً، الناس عندهم أبوان، يدلل كل أب طفله وتدلل كل أم طفلها، أما محمد عليه الصلاة والسلام فيتيم.أنت اليتيم ولكن فيك معجزة يذوب في ساحها مليون جبار الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار نشأ يتيماً يصارع الحياة، فما عرف حنان الأب، ولا رقة الوالدة، ونشأ عليه الصلاة والسلام مرة مع عمه، ومرة مع جده، ومرة مع قريبة، ما خان في جاهليته، فكيف يخون في الإسلام؟! وما كذب في حياته كذبة، فكيف يكذب بعد أن نزل عليه الوحي؟! قال عنه ربه: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [لنجم:1-4]. يا من ألقى محاضرة، محمد عليه الصلاة والسلام ألقى آلاف المحاضرات، يا من دمعت عينه في مجلس دعوة، محمد عليه الصلاة والسلام سالت دماؤه في كل معركة في سبيل الله، إصبعه تسيل في حنين، وهو يقول:هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت بيته من طين وقد سكن الدعاة القصور، يسير في شدة الحر وقد تكيفوا بالمكيفات، ويركب على الحمار وقد استقلوا السيارات الفاخرة، فهو عليه الصلاة والسلام كما قال الأول: كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيت من الطين أو كهف من العلم وصل إلى الأربعين فدعا إلى الله، فأخرجه قومه، القريب قبل البعيد، ذهب إلى أهل الطائف، فطردوه أين يذهب؟!قتل أصحابه بين يديه، فبكى حزناً عليهم، لكنه عاد أقوى مما كان.ضربت بنانه عليه الصلاة والسلام فما انهار، أصبح أقوى من ذي قبل، أتاه الخبر أن سبعين من القراء ذبحوا مرة واحدة، فسالت دموعه على لحيته الشريفة، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، جاءه الخبر وهو في المدينة، قالوا: أبو سفيان أقبل هو والمشركون مع اليهود، والمنافقين، فقام وأخذ اللامة والسيف، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. تأتيه الأخبار المدلهمة، فيتقوى، قالوا: شاعر، وثبت، قالوا: ساحر، وثبت، قالوا: كاهن، وثبت، قالوا: مجنون، وثبت، وانتصر في آخر المطاف.وصفه الله بأوصاف عجيبة، وصفه باللين، فقال له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وصفه بالصدق فقال: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33] وصفه سُبحَانَهُ وَتَعَالى أنه على خلق عظيم، فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. فيا دعاة الإسلام! ويا طلبة العلم! قدوتكم محمد عليه الصلاة والسلام، الذي ما مات حتى بلغ الدعوة مشرق الأرض ومغربها، وقال وهو يلفظ أنفاسه: (والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار). قامت العرب بالسيوف في وجهه، فقام بالسيف، قاتلوه فقاتلهم، حاربوه فحاربهم، قاطعوه فقاطعهم، حتى نصر الله دينه، ورفع كلمته، ودخل يوم الفتح وراية لا إله إلا الله محمد رسول الله ترفرف في السماء. بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
 

اتباع الهوى
أول العقبات في طريق الدعوة: اتباع الهوى.إن الهوى إله يعبد من دون الله، وما ترك الطريق المستقيم من تركه إلا لأنه اتبع هواه، وهواه إما أن يبقى ضالاً، أو شقياً أو تعيساً، أو يبقى مصاحباً لفاجر، أو عبداً لأغنية، أو متعلقاً بصورة، أو متلذذاً بفجور، أو منتكساً على عقبه، لا يعرف المسجد، ولا القرآن ولا الهداية، ولا طريق الجنة، قال سبحانه: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26] والهوى يغلب العقل، نعوذ بالله من اتباع الهوى. وآفة العقل الهوى فمن علا على هواه عقله فقد علا وبعضهم يقول: وآفة العقل الهوى ومن علا هواهُ عقلَهُ هواه فقد هوى أي: إذا علا هواك على عقلك؛ فقد هويت على رأسك في نار جهنم -والعياذ بالله- وقال سبحانه: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28]. وسبب نزول الآية عند المفسرين: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاءه قوم من الكفار من عبدة الأوثان وشربة الخمر والزناة، أهل الدعارة والكبر، لابسي الذهب والحرير، قالوا: يا محمد، إن كنت تريد أن تدعونا، فأخرج هؤلاء المساكين والعبيد والفقراء من عندك، فإنا من علية القوم ولن نجلس مع هؤلاء، فهمَّ عليه الصلاة والسلام أن يخرجهم وكان منهم بلال وابن مسعود، وأمثالهم وأضرابهم. هَمّ أن يخرجهم من المجلس؛ فأنزل الله قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الكهف:28] يقول أحد العلماء معلقاً: اصبر مع المساكين، اجلس مع الفقراء، فالخير معهم، والنصر معهم؛ لأنهم صادقون، قبلوا الإسلام بلا طلاء، وقبلوا الإسلام بلا رشوة، وقبلوا الإسلام بلا تأليف، وهم الذين سوف تقوم عليهم الدعوة غداً. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] فقال عليه الصلاة والسلام: بل أجلس معكم، فجلس معهم عليه الصلاة والسلام.وصح أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يكسب ود كبار وسادات قريش المترفين، وكان ابن أم مكتوم يريد أن يسأله مسألة، وكان مسلماً قد نور الله قلبه، ومع أنه أعمى البصر فقد كان منور البصيرة، وسماه الله في القرآن أعمى، ولكن في سورة الرعد قال سبحانه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19]. الأعمى هو من عميت بصيرته، وعمي قلبه، ولم يعرف طريق الاستقامة، ولا طريق المسجد، ولم يحمل القرآن، ولم يعش الدعوة والذكر.جاء ابن أم مكتوم فأجلسه عليه الصلاة والسلام، فجاء كبراء مكة فصد عنه عليه الصلاة والسلام واستقبلهم واحتفى بهم؛ لأنه يريد أن يكسبهم، وأتى العتاب من الواحد الأحد: عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1] عبس محمد وتولى عليه الصلاة والسلام.. لماذا تعبس وتتولى؟أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس:2].. لأنه فقير مسكين تعرض عنه؟! ألا تدري أنه يحمل قلباً سليماً يقول سيد رحمه الله في الظلال: أما تعرف أن هذا الرجل الأعمى سوف يكون منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء، وبالفعل أصبح هذا الأعمى منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء، حياً على الهواء مباشرة، وحضر معركة القادسية وقال: احملوني أقاتل، وقالوا: أنت معذور لأنك أعمى، قال: والله الذي لا إله إلا هو لا أسمع قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً [التوبة:41] وأتخلف! فحملوه وحمل الراية، وقتل في سبيل الله.هذا هو الأعمى. أما الكبراء، فقتلوا في بدر إلى نار جهنم، إلى نار تلظى، وقدمهم عليه الصلاة والسلام هدية وقرباناً إلى الواحد الأحد، قتلهم وقطع رءوسهم؛ لأنهم ما عرفوا الهداية والنور.قال سبحانه: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:16] هذا الخطاب لموسى حتى عرفه الله على نفسه أكبر تعريف، والداعية عليه أن يعرف الله عز وجل، إذا سئل عنه أن يقول: هو الله الذي لا إله إلا هو، قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].قال الله سبحانه لموسى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] وهذا تعريف لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.ذُكر أن سيبويه صاحب الكتاب في النحو رئي في المنام بعد موته، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ذنبي قالوا: بماذا؟ قال: كتبت في كتابي الكتاب لما وصلت إلى لفظ الجلالة: الله أعرف المعارف غني عن التعريف. فلقد استحيا سيبويه أن يعرف الله عز وجل، وآياته شاهدة بألوهيته.وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فهنا يقول: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [طه:16] والهوى قد يكون في زوجة تصدك عن منهج الله، وقد يكون في أغنية، وقد يكون في مسرحية، وقد يكون في سيجارة، وقد يكون في لعبة، وقد يكون في معصية هائلة تصدك عن منهج الله. وقال سبحانه: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:14] ولذلك دعي كثير من الناس، فأبطأ بهم الهوى وصدهم عن منهج الله، وقال سبحانه مبرأً رسوله عليه الصلاة والسلام من الهوى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:3-5]. لا يعرف الهوى، ولا يمر به الهوى، بل هو مقيد بالكتاب والسنة عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:43] أي: جعل معبوده هواه، يطيع الهوى: يقول له الهوى: تعال إلى الفراش ولا تصلِ فيجيب، ويقول له: اترك القرآن وتعال إلى الأغنية، أو لا تصاحب أولئك الصالحين، واصحب هؤلاء المعرضين الفاجرين، فيقول له الهوى: لا تسبِّح فيجيب. متى يهديك قلبك وهو غافٍ إذا الحسنات قد أضحت خطايا متى يهديك عقلك؟ متى تهتدي إذا لم تعلم أن داءك في هذا الإعراض -والعياذ بالله- وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ثلاث مهلكات: اتباع الهوى، وإعجاب المرء برأيه، وشح مطاع). فأما اتباع الهوى وأن يقودك عقلك إلى كل مكان، فتسقط فيه، أي أن هواك يغلب عقلك، فتقع في شرك الهوى -والعياذ بالله من الهوى- والهوى يردي، وهو منتشر عند الناس، فأعظم عقبة في وجه الدعاة تصادفهم هي: اتباع المدعوين لهواهم، تقول للرجل: تب، فيريد ولكن يقول له هواه: لا تفعل. تريد الناس أن يتوجهوا إلى المسجد، فيقول هواهم: لا تفعلوا.
 العاص بن وائل صده عن الله هواه
وصح أن العاص بن وائل السهمي من سادات قريش، وقد انتهت السيادة والله، فلا سيادة إلا بالتقوى، يقول عمر بن عبد العزيز: [[لما أتى الإسلام أسكت كل منافق وأبطل كل نافق، وأنطق كل ناطق، فتحدثت الكائنات بلا إله إلا الله، وأرغم الكفار بأنوفهم في التراب]]. فأتى بلال يؤذن من الحبشة، وأتى سلمان من أرض فارس يقول: لبيك اللهم لبيك، وأحرم صهيب من أرض الروم، وتولى أبو جهل وأمية والعاص بن وائل فكبكبوا على وجوههم في النار.جاء العاص بن وائل بعظم يحته -لأن مشكلة الجاهليين عدم الإيمان باليوم الآخر، أدمغتهم كأدمغة الحمير!لم تهضم هذه القضية، كل قضية يهضمونها إلا قضية البعث بعد الموت- أتى بعظم فحته، ثم نفخه أمام الرسول عليه الصلاة والسلام ثم قال: يا محمد، أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن يميته؟ قال: {نعم ويدخلك النار} وأنزل الله جواباً له ولأمثاله: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79]. ذكر أهل الترجمة كـالحكيم الترمذي وغيره، أن مجنون ليلى ركبه هوى ليلى -وبعض الناس يضيع ستين سنة مع أغنية أو امرأة أو كأس- فغنى بحبها حتى صار مجنوناً، يقول في بيتين له: أتوب إليك يا رحمان مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب نعوذ بالله من الخذلان، لماذا لا يتوب؟ هكذا ركبه الهوى!اللهم لا تمكر بنا، بل نتوب إليك من جميع الذنوب والخطايا، وكان عليه الصلاة والسلام يبكي في قيام الليل وهو يقول: {اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، وعلانيته وسره} ما أحسن الدعاء! ليس كمن يقول: وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب أغواك شيطانك وأعرضت عن منهج الله، ولو عرفت طريق الهداية لما قلت هذا الكلام.وحكوا قصة رجل ركبه هواه آخر يوم في حياته وقد حضرته سكرات الموت، والوعد الحق يوم ينسى الإنسان زوجته وولده وأهله أتدرون ماذا يقول في سكرات الموت؟ يقول وهو يوصي أحد أبنائه: إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد دفني عروقها الكرمة العنب، وهي التي يتخذ منها الخمر، فيقول: إذا مت فابحثوا لي عن عنبة؛ لأني لا أعيش إلا على العنب والخمر في الدنيا، عسى قبري أن يكون بجانب عروقها تروي عظامي. قال أهل العلم: اللهم لا تمكر بنا وثبتنا على الخاتمة الحسنة. إذا علم هذا فأمثال ذلك كثير، أن صاحب المغني الفقيه الحنبلي، يشاركنا في الهوى المضل وهو يتكلم عن الفقه، ثم يضرب مثالاً على آمين يقول أحدهم: يا رب لا تسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا وممن اتبع هواه وركبه شيطانه: القروي وهو شاعر مجرم، استقبل في دمشق على الأكتاف، سبحوا بحمده وأنزلوه من الطائرة، فوقف يحيي الجماهير، وركبه هواه، ونسي الواحد الأحد فقال في قصيدة له: ألا مرحباً كفراً يؤلف بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم وتولاه الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله بسبعمائة بيت، فأخسأه وحقره،وقال: ركبك شيطانك وغلبك هواك.
الكبر من المدعو
العنصر الثاني: الكبر من المدعو أعظم العقبات التي تواجه الدعاة وطلبة العلم، وكبر المدعو إما بمنصبه أو بماله أو بولده، وبعضهم يتكبر وهو على الحديدة والرصيف، لا يوجد لديه شيء وهو مع ذلك متكبر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: عائل مستكبر، وأشمط زان، وملك كذاب) قال ابن تيمية: إنما وصفهم رسول الهدى عليه الصلاة والسلام بذلك؛ لأن الداعي عندهم ضعيف، ومع ذلك كذب هذا، وزنا هذا، وتكبر هذا. الفقير لا يعذر، والغني قد يعذر؛ لأن عنده مالاً وملايين، وبنوكاً وقصوراً وبساتين، لكن قل لي بالله في رجل لا يجد كسرة الخبز، وينام على الرصيف، ويتكبر عليك (أعمى ويناقر). ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
 قصة عمير بن وهب
جلس عمير بن وهب في مكة تحت ميزاب الكعبة مع صفوان بن أمية بن خلف، يتحدثون فيما بينهم، ولكن الواحد الأحد نقل الحديث إلى المدينة مباشرة، إلى محمد عليه الصلاة والسلام، قال: في ليلة كذا وكذا في مجلس كذا وكذا، قال عمير وصفوان كذا وكذا.يقول صفوان: يا عمير، أما ترى ماذا فعل بنا محمد؟ قتل أبناءنا في بدر، وقتل أرحامنا وأقاربنا، أتكفيني إياه؟ قال: أريد قتله لكن من يقوم بأهلي وأطفالي ومالي؟ قال: الهدم هدمي والدم دمي، أذهب وأنا أكفيك أهلك، فأخذ سيفه فسمه شهراً حتى أصبح السيف أزرق، ثم ذهب إلى المدينة، وقد سبقه الخبر إلى المدينة. وأتى وهو متوشح سيفه، فرآه عمر وهو في الطريق -وتعرفون عمر - فعرف الشر في وجه عمير، فتقدم عمر إلى عمير، فأخذه بتلابيب ثوبه وبمحامل سيفه، ثم اقتاده بيده وكان عملاقاً رضي الله عنه. قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها رمى بك الله ركنيها فهدمها ولو رمى بك غير الله لم يُصِبِ فالله رمى بـعمر أهل الشرك فهدمهم، وأخذ عمير بن وهب يصيح: يا محمد، انظر ماذا فعل بي عمر؟ قال: يا رسول الله، هذا الشيطان ماذا أتى به؟ فأجلسه عند الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: ما الذي أتى بك يا عمير؟ قال: أتيت في الأسارى أفاديهم، أي: الأسارى المحابيس من بدر، قال عليه الصلاة والسلام: بل جلست أنت وصفوان تحت ميزاب الكعبة، قبل أيام وقال لك صفوان كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، فقال 1000992>عمير: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. هؤلاء منهم من اهتدى بمعجزة، ومنهم من أعرض، وأكبر ما يعرض المعرض لكبره وعتوه، ولذلك تجد الدعوة تسري في المتواضعين أكثر مما تسري في المتكبرين.
كثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق
المعوق الثالث: كثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق. يعيرنا أنا قليل وجارنا كثير وجار الأكثرين ذليل الطيب دائماً قليل قال تعالى: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيث ) [المائدة:100].يقول ابن تيمية: أهل الإسلام قليل في أهل العالم، وأهل السنة قليل في أهل الإسلام، ولذلك قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]. نزل عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى السوق، فسمع أعرابياً مسلماً يقول: اللهم اجعلني من عبادك القليل، فأخذ عمر بمنكبه وقال: ما هذا الدعاء؟ قال: يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] فدعوت الله أن أكون من هذا القليل، قال عمر: [[كل الناس أفقه منك يا عمر]] فالقليل دائماً هو الخير، ولذلك ليفهم الدعاة وطلبة العلم قضيتين اثنتين، ومن أكبر القضايا:
 لا تغتر بكثرة الهالكين
دعا نوح وما استجاب له إلا قليل، وبعض الأنبياء ما استجاب له أحد، ولكن أجرهم عند الواحد الأحد، فادع وما عليك، وأجرك على الله. أهل الباطل عندهم السلاح والوسائل والمغريات ووسائل أهل الحق منبر وكلمة ودرس ومحاضرة، مع أن الوسائل التي في ساحة العالم عظيمة جد عظيمة.قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[اللهم إني أعوذ بك من عجز المؤمن وجلد الفاجر]] ترى الفاجر قوياً ذكياً داهية، وترى المؤمن عاجزاً كسلان.ولذلك انظر إلى أهل الباطل كيف يتفانون مثل شعراء الحداثة، أما ترى عناوينهم البراقة؟! أما ترى بعض الأساليب التي يعرضونها لاستغواء الناس، أما ترى جمال العبارة؟! إنهم يسحرون به الناس، وبعض الدعاة إذا أتى عقّد كلمته وعقّد قصيدته، وأغلظ في خطابه، مع العلم أن الناس لا يأتي بهم إلا البسمة الحانية، والكلمة الرائعة، والأدب الفياض، والسحر الحلال الذي ليس بحرام. قال سبحانه: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة:100] فكثرة أهل الباطل من عقبات هذه الدعوة، وقد سبق قول بعض العلماء: أهل الإسلام قليل في العالم، وأهل السنة قليل في أهل الإسلام، فلا عليك من قلة أصحابك، فإن الخير في القليل.فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال ويقول الأول: وقد كنا نعدهم قليلاً فقد صاروا أقلَّ من القليل قال بعض التابعين: [[ لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغتر بكثرة الهالكين]]. وأهل السنة قد يكون واحداً أو جماعة قليلة، فعليك بالجودة ولا تتبع الكثرة.يحتج بعض الناس لتركه الهداية، فيقول: كل الناس يفعلون هذا، وانظر إليهم، إذاً فأنا مع الناس.وعند الترمذي بسند فيه كلام: {لا يكن أحدكم إمعة، إن أحسن الناس أحسن، وإن أساءوا أساء، ولكن وطنوا أنفسكم إذا أحسنوا فأحسنوا، وإذا أساءوا فتجنبوا إساءتهم} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
جلساء السوء
جلساء السوء هم الأجارب الذين أجربوا على أهل الدعوة دعوتهم، والذين أفسدوا القلوب، وصرفوا الأرواح، ووقفوا حجر عثرة في الطريق.
 من هم الثقلاء؟
قيل للإمام أحمد من هم الثقلاء؟ قال: الثقلاء هم أهل البدع؛ لأن للناس تصانيف في الثقلاء من الجلساء، فيقولون: كان الأعمش إذا رأى رجلاً من الثقلاء أعرض -وهو عالم محدث- وقال: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان:12]. ويقول من ضمن مزحه: إذا صليت بجانب ثقيل على ميسرتك فسلم تسليمة تجزئك، وقال الشافعي: ما وفد إلي ثقيل فجلس في مجلسي إلا ظننت أن الأرض تميل في جهته، وقال ابن القيم في مدارج السالكين وهو يتحدث عن الثقلاء: ورأيت رجلاً جلس بجانب ابن تيمية من الثقلاء -أي أهل المعاصي- فرأيت ابن تيمية يتحامل ويتصبر ولكن انتهى الصبر، فالتفت ابن تيمية إلى ابن القيم وقال: الجلوس مع هؤلاء حمى الرِبْع، حمى الرِبع: حمى تهامة، تقتل الإنسان وتفرفره وتجعله عظاماً تستطر، والثقلاء هم المعرضون عن منهج الله، ومن أعظم عقبات الدعوة التي تحول بين الداعية وبين الناس جلساء السوء. أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم حتى يقول بعض الأساتذة والعلماء قبل أن تأخذ الطوبة يأخذها الهدامون من يدك، فلا يدعونك تبني شيئاً؛ لأن ما يبنى في شهر يهدم في ساعة، فكيف تقدم موعظة أو درساً أو نصيحة، ووراءك آلاف الأغنيات والمسرحيات والمسلسلات والمعاصي والفواحش والمغريات والنزوات والجهالات؟! فكيف يُبْنَى الإيمان في القلب؟! قال تعالى:الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي}. يقول أحد العرب: نزل فلان عند فلان، أي أضاف فلان فلاناً، قال: تعارفوا فتشابهوا فسكت بعضهم عن بعض، ثم قال: وفي السماء طيور إسمها البجعُ إن الطيور على أشباهها تقع لا يقع الفاجر إلا على فاجر، ولا يحب الفاسق إلا فاسقاً، ولا يحب المجرمين إلا مجرمٌ، بينما الأتقياء يحبهم الأتقياء، يقول ابن المبارك بسند صحيح وبكلمة نثرية: أحب الصالحين ولست منهم؛ وأكره الفساق وأنا شر منهم. كما أوردها أهل الترجمة، نظمها مثل الشافعي فقال:أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة وفي القرآن في موضعين من القرآن أخبر الله أن لأهل الجاهلية جلساء، وأنهم هم السبب في إعراض هؤلاء الجلساء عن منهج الله، قال سبحانه: وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:114-116] فأخبر الله في الآية أن لهم جلساء يجلسون معهم إذا خرجوا من عند المؤمنين، ولذلك إذا دعوت رجلاً ولم يتأثر بقولك منك ورأيته دائماً في المعاصي؛ فاعرف أن له قريناً وشيطاناً من شياطين الإنس يجلس معه ويخلو به، وهذا الذي يدمر عليك دعوتك؛ لأنك تبني في الصباح وهم يهدمون في المساء.وقال سبحانه في الجليس في موضع آخر: وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76] فأخبر سبحانه أن لهم بعضاً وأن لهم جزءاً. ولذلك قال سبحانه: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67] فهم أجزاء مترابطة، يجلس الواحد منهم معك ولكن وراءه عشرات يصدونه ويأخذونه، ويسحبونه.ابن المبارك المحدث الكبير أحبه وأنتم تحبونه، قال الذهبي في سيرته لما ترجم له في تذكرة الحفاظ: والله الذي لا إله إلا هو إني أحبه وأسأل الله الخير بحبه، ولم لا وهو مجاهد وزاهد، وعابد، وعالم ومنفق وقائم ليل، وخاشع لله عز وجل، وهو شاعر جميل الشعر، نحب شعره؛ لأنه يصدر من القلب، يقول في بيتين يخبرك بالجليس يقول: من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام فيها السكينة والوقار وأهلها أهل الصلاح وعليهُ الأقوام يقول: إذا أردت جليساً صالحاً فتعال إلى المسجد في البصرة وابحث عن مسعر بن كدام، مسعر بن كدام راوية الصحيحين بكى حتى ذهبت عينه اليمنى من خشية الله، يقولون: ما نظر أربعين سنة إلى السماء ممايطأطئ رأسه من الخوف، قالوا: ما نراك تضحك؟ قال: أضحك وأنا ما مررت على الصراط وما أدري هل يؤمر بي إلى سقر أم إلى الجنة، كيف أضحك؟!! كان يجلس في اليوم ويتوضأ ويستقبل القبلة عليه ثياب بيض ويفوح الطيب من فمه ومن ثيابه، فإذا استقبل القبلة، رؤى كأن الملائكة حوله، ثم يبدأ يحدث ودموعه تتسابق مع الحديث، فيقول ابن المبارك لتلاميذه، يدعوهم إلى جلسة روحية تصلهم بالجنة، يقول: من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام يقول اسألوا عنه وادخلوا المسجد واجلسوا معه؛ ليقول لكم الله في آخر الجلسة: قوموا مغفوراً لكم، قد رضيت عنكم وأرضيتموني. وعمرو بن عبيد كان زاهداً مقطع الثياب لكن مبتدع، ونحن لانقبل الزاهد حتى يكون على السنة، ولا نقبل الباكي وقائم الليل، حتى يكون على السنة، ولا نقبل صائم النهار، حتى يكون على السنة، ولا نقبل المجاهد حتى يكون على السنة، ولا نقبل الداعية حتى يكون على السنة، كان عمرو بن عبيد شيء عجيب في الزهد والخشية من الله، لكنه مبتدع، يقول بالقدر، دخل على الخليفة أبي جعفر المنصور فرآه الخليفة فقال للعلماء: كلكم يطلب صيد كلكم يمشي رويد غير عمرو بن عبيد يقول كلكم فيكم شيء إلا عمرو بن عبيد فهو يطلب وجه الله. قال الذهبي: أثنى على ظاهره وما عرف بدعته، واكتشفها الذهبي والعلماء، يقول فيه ابن المبارك:أيها الطالب علماً إيت حماد بن زيد فاستفد فهماً وعلماً ثم قيده بقيد ودع البدعة من آثار عمرو بن عبيد وحماد بن زيد من أقران مالك، ومن رجال البخاري فجلساء السوء هم الجرب، وهم أعداء الأنبياء والرسل، وهم الذين أخذوا شبابنا وصدوا بفتياننا عن منهج الله.وهم قسمين:قسم منهم كفر بالله العظيم أو فجر وترك الصلاة وأعرض تماماً. وقسم يصلي ولكنه منغمس في المباحات وفي الترهات والسفاهات ولا يحرص على الوقت، ولا يطلب العلم، ولا يحضر مجالس الخير، ولا يستفيد من عمره، فهو لاهٍ لاغٍ مشغول سقط من أعين الصالحين، قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[إني لأرى الرجل ليس في شيء من أمور الدنيا ولا في شيء من أمور الدين فيسقط من عيني]]. يسقط من عينيه إذا رآه ساهياً لاهياً، تجد بعض الشباب يقيسون مساحات الأرض ذاهبين آيبين في السكك والشوارع، لا في كسب ولا في عبادة، ولا في دعوة، ولا في خدمة إسلامية، ولا سعي على أهل، وهؤلاء ممن ينصحون قبل أن يُجْتنبوا.
فتور الدعاة
العقبة الخامسة: من عقبات طريق الدعوة فتور الداعية، ولو أن كل طالب علم دعا إلى الله، لصلح الحال، ولكن طلبة العلم كثير، وأهل المعرفة كثير، وأهل الثقافة كثير، والدعاة قليل، والدعاة القليل مقصرون، فكيف بهذه النسبة؟! يقول محمد إقبال لدعاة الإسلام: أنت كنز الدر والياقوت في لجة الدنيا وإن لم يعرفوك محفل الأجيال محتاج إلى صوتك العالي وإن لم يسمعوك ففتور الدعاة خطر جسيم.
 التكرار من أساليب الدعوة
يقولون للداعية إذا كرر الكلام: كررت، وإذا أكثر من الكلام: أكثرت، فأقول: وهل المكرر إلا الجميل، وهل الجميل إلا مكرر، وهل القرآن إلا قضايا مكررة، من الفاتحة إلى سورة الناس كلما ختمناه عدنا إلى أوله، وهل العقيدة إلا مكررة، قصة موسى مكررة، وقد ذكرت أكثر من ست وثلاثين، لكن في قوالب. كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى قالوا تكرر قلت أحلى علم من الأرواح أغلى فإذا ذكرت محمداً قال الملا أهلاً وسهلا فكرر ولا عليك، كلمة واحدة، ولو تلقيها ثلاثين وأربعين مرة في أمكنة مختلفة، تزيد عمقاً وينفع الله بها، وكان العلماء يحدثون الحديث الواحد مئات الجلسات. هذه قضية فتور الدعاة، قال الحسن البصري لرجل: عظنا -أي: تحدث فينا- قال: لست هناك، قال الحسن: أوَّه! ود الشيطان أن يظفر بها.ولذلك يأتيك الشيطان، يقول: لا تخطب، ولا تتحدث، لا تؤم الناس، الرياء سوف يسعى إليك، كفى بك رياء أنك أعرضت عن الدعوة، وأشهر الناس محمد عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، بل تقدم والله معك.
انصراف الناس إلى الدنيا
ومن العقبات في طريق الدعوة: انصراف الناس إلى الدنيا على حساب الدين، فأكثر الناس إنما يهتم بالدنيا، أما الدين فإنه في آخر المطاف، فتجد الواحد منهم ينهي أعماله وأشغاله ومتطلباته وحاجياته، ثم يلتفت إلى الصلاة والتفقه في الدين، وفي آخر برنامجه وجدوله القراءة في المصحف إن بقي وقت، لكن الخروج إلى السوق أو المستشفى أو زيارة الأقارب أو النزهة أو النوم كلها أولويات عنده. ولذلك ترى هذا الصنف يعيش على هامش الأحداث، أما الاشتغال بالدنيا فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] وفي حديث: (إن الدنيا يعطيها الله من يحب ومن لا يحب، وإن الدين لا يعطيه الله إلا من يحب) إذا أعطاك الله الدين فقد أحبك لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:37]. خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليباً
 المال لأهل الهلع والطمع
إذا كنت لا ترى أنه من الضروريات أن تكون مستقيماً، متى تهتدي؟ ومتى تعود إلى الله عز وجل؟ وقف عليه الصلاة والسلام والحديث في صحيح البخاري فقال: {يا أيها الناس! إني أعطي بعض الناس لما أرى في قلوبهم من الهلع والطمع، وأدع آخرين؛ لما جعل الله في قلوبهم من الخير والإيمان، منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو بن تغلب: والله ما أريد أن لي بكلمة رسول الله حمر النعم} بها الدنيا وما فيها قال الأنصار: غفر الله لرسول الله! أعطى قريشاً وتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال عليه الصلاة والسلام: {يا معشر الأنصار! ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، والله لما تعودون به إلى رحالكم، أفضل مما يعود به الناس، رحم الله الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار} أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وأكثر ما جعل الناس يعرضون عن المحاضرات والدروس والدعوة والتفقه في القرآن والسنة اشتغالهم بالدنيا، تجد بعضهم يحسن قيادة السيارة، لكن لا يحفظ الفاتحة جيداً، ولا يعرف سجود السهو، بعضهم يبني القصور ويشق الأنفاق، ويمد الجسور، وهو متخصص في علم الآلات، ولكنه لا يعرف من الدعوة ولا من الرسالة ولا من السنة شيئاً، فهو مغبون قال سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]. دخل عمر رضي الله عنه وأرضاه، فرأى إبل الصدقة في مسارحها، فقال له أحد الناس: صدق الله! هذا فضله ورحمته، قال عمر: [[كذبت، فضله ورحمته: العمل بتقوى الله على نور من الله، وترك معصية الله على نور من الله، قال سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]]] اسمع إلى أربعة أحاديث صحيحة في الدنيا وفي الآخرة، يقول عليه الصلاة والسلام: {لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء} ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح: {لأن أقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) أحب إلي مما طلعت عليه الشمس} يقول عليه الصلاة والسلام: {من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة} حديث صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث رواه عبد الله بن بسر قال: جاء رجل فقال: {يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله}.فأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 أنا مصاب بالفتور
السؤال: أجد فتوراً وعدم رغبة في الطاعة مع العلم أني أعرف كثيراً من الآيات والأحاديث؟ الجواب: عليك بالدعاء، عليك بالجلسات مع الصالحين، واعلم أن الفتور هذا لا بد منه، وفي حديث صحيح: {لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غيرها فقد هلك} والشرة: الحدة والقوة والنشاط في العمل، ولذلك تجد الشباب إذا اهتدوا تجد الواحد منهم قوياً على العبادة، ويزيد من النوافل فبدلاً من أن يتنفل بعد الظهر اثنتين يتنفل بثمان، تقول: يكفيك ثلاثة أيام في الشهر قال: لا يكفيني إلا الإثنين والخميس وثلاثة أيام، والمحرم وبعدها يقتصر على رمضان، فلذلك (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة) والفترة هي النكوص، لكنه قال: {فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى} أي أن الحد الأدنى السنة، ألا تنزل عن السنة، حد أدنى لك، فعليك بذلك، واعلم أن الفترة لا بد منها، قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[إن للقلوب إقبالاً وإدباراً، فاغتنموها عند إقبالها، وذروها عند إدبارها]] وقال في لفظ آخر: [[إذا أقبلت القلوب فأكثروا من النوافل، وإذا أدبرت فألزموها الفرائض]].تقبلنا الله وإياكم في من تقبل، وغفر لنا ولكم ورحمنا الله وإياكم، وشكر الله لكم اجتماعكم، ونريد ألا تنسونا من دعوة طيبة؛ لندعو لكم بظهر الغيب.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقبات في طريق الدعوة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net