اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [210-213] للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [210-213] - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
لقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات مجيئه يوم القيامة والملائكة في ظلل من الغمام، وذلك لفصل القضاء بين الناس في ذلك الموقف بين العباد.والمجيء من الصفات الثابتة لله تعالى، فيؤمن بها من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه، ثم ذكر الله تعالى أن الكفار زينت لهم الحياة الدنيا، وأنهم اغتروا بها فصاروا يضحكون من المؤمنين، مع أن المؤمنين فوقهم يوم القيامة، وذكر أن الناس كانوا أمة واحدة، وكان ذلك من لدن آدم وإلى عهد نوح، ثم اختلفوا فأرسل الله الرسل والأنبياء وأولهم نوح.
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ...)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد.فكنا أيها المباركون قد انتهينا إلى قول الله جل وعلا في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:208]، وبينا ما يتعلق بها، ونبين أمراً قد ذكرناه من قبل في لقاءات مضت ودروس سلفت أن الشيطان أخفى عداوته، لكن الله جل وعلا أظهرها، وهنا كان قول الله جل وعلا: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:208] وصف ظاهر لا التباس فيه، وإلا فالأصل أن الشيطان أخفى عداوته، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، وليس هذا صنع من يريد أن يظهر عداوته، لكن الله جل وعلا كشفه وفضحه؛ فلهذا قال الله جل وعلا: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:208]، ثم قال الله: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة:209]، والأصل أن الزلل هو في الأقدام، ثم استعير فأصبح يوصف به كل زلل في المعتقدات والآراء وغير ذلك.فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة:209] أي: بعد الحجج الظاهرة والبراهين القاهرة.فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:209] أي: لا يمنعه شيء من أن يعذبكم، (حكيم) أي: لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وهذه ظاهرة، وقد مرت معنا كثيراً.
 حكم الاختلاف في المسائل الفقهية الفروعية
ثمت مسائل أيها المبارك لا ترقى إلى هذا وهو الاختلاف في الفروع الفقهية، فإن الاختلاف في الفروع الفقهية عادة يصعب الترجيح فيه؛ لأن السلف أنفسهم اختلفوا فيه، بخلاف الأول وهو المسائل العقيدة فإنه يوجد منهج للسلف قد أجمعوا عليه، فلا يحق لنا وقد جئنا بعدهم ونحن نقتات على بقايا موائدهم في العلم أن ننبذ قولهم، لكن في أفرع الفقه هم أنفسهم قد اختلفوا، فلا نطبق القاعدة الأولى، وإنما نقول: يقبل هذا ويقبل هذا، وهذا هو المعني بقوله:وواجب عند اختلاف الفهمإحساننا الظن بأهل العلمأرجو أن تكون هذه المسألة قد حررت تحريراً جيداً.يقول ربنا وهو أصدق القائلين: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة:210] فعلينا إمرارها كما جاءت، فتفسيرها إمرارها. فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ظلل نكرت للمهابة والتهويل. وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ [البقرة:210] أي: انتهى الأمر.وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [البقرة:210] فالله قد ملك الناس شيئاً من أمورهم، ثم في الآخرة ينتهي الملك الصوري كما حررناه كثيراً ويبقى الملك الحقيقي.
تفسير قوله تعالى: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ...)
قال الله جل وعلا بعدها: سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:211] السؤال هنا ليس المقصود منه الاستفهام، وإنما الإقرار، وبنو إسرائيل هم ذرية يعقوب، فإسرائيل هو يعقوب، وهو ابن لإسحاق، وإسحاق ابن لإبراهيم، ويعقوب وأبوه إسحاق وجده إبراهيم دل القرآن على التلازم فيما بينهم قال الله: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ [ص:45] ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن الكريم ابن الكريم قال: (يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)، وهذا نسب تليد في المجد، نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الله، وهذا لم يعطاه أحد فيما نعلم.سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ [البقرة:211] (كم) خبرية وليست استفهامية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما هي الآيات التي جاءت بني إسرائيل، وهو لا يريد منهم أن يجيبوه، بل يريد أن يقررهم على ما وقعوا فيه.كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة:211] وتنقسم إلى قسمين: آيات قدرية كونية، وآيات شرعية، فالآيات الشرعية في المقام الأول: التوراة، وفي الآيات القدرية الكونية انفلاق البحر؛ لأنه أمر قدري.والله جل وعلا أخبر أن آتى موسى تسع آيات؛ ليقيم بها الحجة على فرعون وآله، فتكون تأييد له وللمؤمنين الذين معه، وحجة على من معه، وهذه التسع من باب الاستطراد هي حسب ترتيب ظهورها: العصا، واليد، والسني، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، هذه أربع.ثم قال جل وعلا: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133] وهذه خمس ومضت أربع فأصبحت كلها تسع.وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ [البقرة:211] أظهر ما قيل: المقصود بها الإسلام.
 إشكال وجوابه
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ [البقرة:211] وهنا إشكال: فقد يأتي إنسان ويقول: قوله: (من بعد ما جاءته) زائدة، فلو قلنا له: لماذا زائدة؟ لحاجك وقال لك: لا يمكن أن يكون هناك تبديل حتى تأتي أول الآية، فإذ لم تأت الآية فكيف أبدلها؟ إذا لم تأت النعمة فكيف أبدلها؟ فلماذا قال الله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ[البقرة:211] ولا يمكن تبديلها أصلاً حتى تجيء؟ والسبب أو التعليل لذكر: (من بعد ما جاءته) أمران: الأول: التشنيع والتقريع.والثاني: حتى لا يتوهم أن تبديله كان عن جهل بها، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[البقرة:211].
تفسير قوله تعالى: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا ...)
ثم قال ربنا: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة:212] من نقمة الله جل وعلا بأهل الكفر أن الدنيا تزين لهم، فيظنون أنهم خالدون، وتكثر سخريتهم بأهل الإيمان، ومن يمشون في تفسيرهم -كما هو صنيع الشنقيطي في (أضواء البيان)- على تفسير القرآن بالقرآن يقولون: إن قول الله جل وعلا: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:212] لم يحدد الله كيفية السخرية، وحددها في سورة المطففين: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين:29-30] فقد كانت السخرية بالغمز والضحك على أهل الإيمان.ثم قال الله جل وعلا: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ [البقرة:212] وعيَّن فقال: يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة:212]؛ لأن الدنيا ليست دار انتصار ولا فوز، وإنما الحياة الأبدية إنما تبدأ يوم القيامة. وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة:212]، ثم قال الله جل وعلا: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة:212] أي: أن هؤلاء أهل الطاعات أعد الله لهم من الرزق يوم القيامة ما لا يمكن أن يقدر بقدر.
 إشكال وجوابه
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ [البقرة:211] وهنا إشكال: فقد يأتي إنسان ويقول: قوله: (من بعد ما جاءته) زائدة، فلو قلنا له: لماذا زائدة؟ لحاجك وقال لك: لا يمكن أن يكون هناك تبديل حتى تأتي أول الآية، فإذ لم تأت الآية فكيف أبدلها؟ إذا لم تأت النعمة فكيف أبدلها؟ فلماذا قال الله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ[البقرة:211] ولا يمكن تبديلها أصلاً حتى تجيء؟ والسبب أو التعليل لذكر: (من بعد ما جاءته) أمران: الأول: التشنيع والتقريع.والثاني: حتى لا يتوهم أن تبديله كان عن جهل بها، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[البقرة:211].
تفسير قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله ...)
ثم قال ربنا تبارك وتعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة:213] إلى آخر الآية.قوله: (كَانَ النَّاسُ) هذا عام أريد به الخاص؛ لأن كلمة الناس عامة، لكنه يقال: عام أريد به الخاص، والسؤال: من الخاص؟ لأنه لو قلنا عام فالناس واضحة، لكن لما خصصناه قلنا: عام أريد به الخاص، فينصرف إلى القرون التي كانت من آدم إلى نوح، فالناس لفظ عام أريد به الخاص هنا، أي أريد به أناس خاصون وهم القرون التي عاشت من لدن آدم إلى نوح، وكانت عشرة قرون، فهؤلاء كانوا على الفطرة لا يشركون مع الله غيره، وهذا معنى قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً أي: على دين واحد.ومن معاني (أمة) الدين والملة، وقد مر معنا كثيراً تحرير كلمة أمة. كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فهناك إيجاز حذف وهو أنهم اختلفوا وحادوا عن الفطرة، وغيروا الدين، قال الله بعدها: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213]، وأولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
 إشكال وجوابه
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ [البقرة:211] وهنا إشكال: فقد يأتي إنسان ويقول: قوله: (من بعد ما جاءته) زائدة، فلو قلنا له: لماذا زائدة؟ لحاجك وقال لك: لا يمكن أن يكون هناك تبديل حتى تأتي أول الآية، فإذ لم تأت الآية فكيف أبدلها؟ إذا لم تأت النعمة فكيف أبدلها؟ فلماذا قال الله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ[البقرة:211] ولا يمكن تبديلها أصلاً حتى تجيء؟ والسبب أو التعليل لذكر: (من بعد ما جاءته) أمران: الأول: التشنيع والتقريع.والثاني: حتى لا يتوهم أن تبديله كان عن جهل بها، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[البقرة:211].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [210-213] للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net