اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صبر الأولياء في منازل الابتلاء للشيخ : عائض القرني


صبر الأولياء في منازل الابتلاء - (للشيخ : عائض القرني)
أصل الأعمال هو العلم بها، وثمرة العمل بهذا العلم هي الجنة، وإذا كان الذي قدر الله عليهم الابتلاء هم أكثر الناس حاجةً للصبر، فإنهم إن عملوا بالصبر، نالوا خيراً عظيماً.وفي هذا الدرس بيان فوائد الابتلاء، وذكر نماذج من أهل الصبر، ابتداءً من الأنبياء السابقين، ومروراً بنبينا صلى الله عليه وسلم، ثم أهل الصلاح من أمته.
الفطرة توحي الصبر
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.اللهم صل على نبيك الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، لسان الصدق الذي بلغ الوحي بأحسن عبارة، وأذن الخير الذي تلقى الوحي فصاغه بألطف إشارة، صلى الله على سيف النصر الذي كسر الله به ظهور الأكاسرة، وقصر به آمال القياصرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأشكر مكتب الدعوة هنا في عنيزة وفضيلة الشيخ حمود الصائغ، وأشكركم على حسن استقبالكم، وقد سعدنا اليوم بزيارة شيخنا ووالدنا الشيخ محمد الصالح بن عثيمين، فكان مع اللقاء بعض الأبيات، أستأذنكم في إلقائها بين يدي المحاضرة، وهي تكملة لما مر في بريدة البارحة:قل للرياح إذا هبت غواديهـا حي القصيم وعانق كل من فيها واكتب على أرضهم بالدمع ملحمة من المحبة لا تنسى لياليها أرض بها علم أو حاذق فهم يروي بكأس من القرآن أهليها عقيدة رضعوها في فتوتهم صحت أسانيدها والحق في يرويها ما شابها رأي سقراط وشيعته وما استقل ابن سينا بواديها ولـابن تيمية في أرضهم علم من الهداية يعلو في روابيها إذا بريدة بالأخيار قـد فخرت يكفي عنيزة فخراً شيخ ناديها محمد الصالح المحمود طالعه البارع الفهم والدنيا يجافيها له التحية في شعري أرتلها بمثل ما يحمل الأشواق مهديها سالت قريحته بالحـق فاتقدت نوراً فدنيا الهدى زانت نواحيها أمَّا بَعْد: فموضوعنا في هذه الليلة (صبر الأولياء في منازل الابتلاء) وهذا الموضوع توحيه الفطرة للعبد، يوم أن فطر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى العباد على الصبر وعلى الجزع، وعلى الشكر وعلى الكفران قال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:1-3] والصبر من مقامات العبودية عند أهل السنة والجماعة، بل ومن أعظم المقامات وقد ذكره الله في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً، فمدح الصبر، ومدح الصابرين، وذم الذي لا يصبر، وبيِّن أجور الصابرين عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وما أعد لهم من درجات.
 مراتب الصبر
والصبر في الإسلام على ثلاث مراتب: أولها: صبر على الطاعات، وثانيها: صبر عن المعاصي، وثالثها: صبر على الأقدار والمصائب.وأعظمها الصبر على الطاعات -إن شاء الله- على خلاف، لكن هذا الذي تميل إليه النفس، لأنها مقصودة الأداء وهو الصبر العظيم المطلوب، فتؤدي الطاعة وتصبر عليها وتصابر نفسك لتؤديها على أكمل وجه بخشوعها وخضوعها.والصبر عن المعاصي: حين تدعوك نفسك الأمارة بالسوء، فتصبر وتحتسب.وصبر على أقدار الله حين يكتب عليك الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من أقداره ما يريد أن يخفف به من ذنوبك، ويرفع به من درجاتك، إذا علم هذا فإن أولياء الله الصالحين كان يميزهم الصبر مع اليقين، سئل شيخ الإسلام ابن تيمية، قيل له: بم تنال الإمامة في الدين؟ قال: بالصبر واليقين، أما سمعت الله يقول: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].
سنة الابتلاء
وعباد الله الصالحين ابتلوا في حياتهم بمصائب، فمنهم من ابتلي بالمال ففقد ماله، والله عز وجل يلطف بأقداره إذا حكم على عباده بها، فما على العبد إلا التسليم، ومنهم من أصيب في عقله بمصيبة، فذهبت بعقله، فبقي أبلهاً مصروعاً مبهوتاً، ومنهم من أصيب في جسمه، فأبطلت بعض حواسه أو أعضائه، ومنهم من أصيب بابنه، إما ضل، أو مات، أو ذهب عنه ولم يعد -كما سيأتي- ومنهم من أصيب بعرضه، واتهم تهمة وهو منها براء، وهي لا تليق به، ولا يليق بها، فصبر واحتسب، وسوف أعرض للصبر مع الأشخاص، وكان إلقاء الحديث سرداً على طريقة السلف الصالح، كما ذكر ذلك الشاطبي في الموافقات، وفي هذا العصر اهتم الناس بالتبويب والترتيب والصبر والحصر.إذا عُلم ذلك فإن الله قص قصص الصابرين ومدحهم، وقال جل ذكره في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:153-155] ومن هم الصابرون؟ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157].واختلف أرباب السلوك أو التربية في تعريف الصبر، فقال أحدهم: هو أن يقطع جسمك وأنت تتبسم،تلذذاً بقضاء الله، وقال الآخر: هو أن ترضى بما رضي به الله لك، فأحبه إلى الله أحبه إليك: إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم وقال الثالث: هو أن تحتسب الأجر أعظم مما فاتك من العافية، إذا علم هذا فإن الله عز وجل يقول في محكم كتابه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200].
 أمور تخفف الابتلاء
إذا عُلم هذا، فليعلم أن مما يخف الابتلاء عند كثير من أهل العلم، ما ذكره ابن القيم في كتابه زاد المعاد: أولاً: أن تؤمن بالقضاء والقدر، فإنه أعظم معالم أهل السنة والجماعة وفي أول حديث في صحيح مسلم عن يحي بن يعمر قال ابن عمر لما حدث أن قوماً في العراق لا يؤمنون بالقضاء والقدر قال: {والذي يحلف به ابن عمر، وفي لفظ والذي نفسي بيده، لو أنفق أحد منهم مثل أحد ذهباً ما تقبل منه حتى يؤمن بالقضاء والقدر} وفي حديث صحيح عن عبادة بن الصامت، أنه قال لابنه عندما حضرته الوفاة: {يا بني! عليك بالإيمان بالقضاء والقدر، فو الذي نفسي بيده، إن لم تؤمن بالقضاء والقدر، لا ينفعك عملك أبداً}.وفي سنن الترمذي بسند حسن من حديث ابن عباس في حديثه الطويل قال: {كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك -انظر ما أحسن الكلمات- احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة -ثم قال:- واعلم أن النصر مع الصبر واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك} فأول ما يخفف الابتلاء والمصائب قضية الإيمان بالقضاء والقدر، ومن لم يؤمن بالقضاء والقدر فلا قبل الله له صرفاً ولا عدلاً، ولا كلَّمة ولا زكَّاه وله عذاب أليم.ثانياً: أن تعرف أن ما أصابك إنما هو قليل بالنسبة لما أعطاك الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] فما أصاب الله العبد بمرض أو هم أو غم أو حزن إلا كفَّر الله به من سيئاته، فاعلم أنها تكفر عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولا تضيع.ثالثاً: أن تتسلى بالمصابين والمبتلين من الناس، وأن تعلم أن كل دار فيها مصيبة، وأنه ما ملئت دار حبرة إلا ملئت عبرة، وفي كل واد بنو سعد، ولذلك قالت الخنساء: تسليت ببكاء الثكالى حولي، ثم قالت:ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي فالتسلي بمصائب الناس وتذكرها، من أعظم ما يزيل الكرب عن النفوس، أو يخفف المصيبة، وذكر ذلك ابن القيم فقال: واعلم أن في كل دار بني سعد. إذا عُلم هذا فإن الذي يخففها أيضاً: أن تعلم أنها أقل مما كانت، فإن الله عز وجل يخفف بعض المصائب عن بعض، وأعظم مصيبة تصيب العبد مصيبة في الدين، فهي التي لا جابر لها، ولا مسلي، ولا معزي، ومن كل شيء عوض إلا من الله، فإذا فاتك فاتك، ومن كل شيء تسلية إلا الدين، فإذا فاتك فوالله ما بعده تسلية ولا عزاء ولا عوض، فاحمد الله عز وجل أن أصبت بمصيبة في جسمك، أو ولدك أو عرضك، ولم تصب بمصيبة في دينك، فإنها من أعظم المصائب، بل هي أم المصائب، ولا جابر لها إلا التوبة والعودة إلى الله عز وجل.
أنواع الابتلاء
واسمعوا الآن إلى الصالحين في قصص عجيبة، وفي إيراد رحب واسع عذب، يورده سُبحَانَهُ وَتَعَالى في القرآن، ويورده رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة، وأهل السير من أرباب الحديث ومن حفظة السنة.يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن أيوب لما مسه الضر: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] أصيب بمرض في جسمه فمكث ثمانية عشر عاماً، لا يهدأ، لا يذوق طعاماً، ولا يتلذذ بشراب، ولا يكتحل بمنام، فلما بلغ ثمانية عشر عاماً -كما قال أهل التفسير- عاد وقالت له زوجته: لم لا تشتكِ على الله عز وجل؟ لم لا تعرض نجواك وشكواك على الواحد الأحد؛ فإنه يكشف الضر أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] فقال: لا والله لا أدعوه حتى تتساوى أيام صحتي وأيام ابتلائي، فإن أيام الصحة لا تحسب عند كثير من الناس، نُصَح كثيراً، وننعم سنوات طويلة، فإذا أتت البلوى سنة استكثرنا السنة، وحسبناها وأحصيناها، أما أيام الرخاء فلا تحسب. فصبر أيوب مثل أيام صحته ثم قال، وانظر ما أحسن الأدب: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] أنا المريض وبيدك الشفاء، فإن كنت ترى أني قد أصبحت في حال ترضى لي بالعافية فعافني يا رب! فأحب ما أحببته أنت والأمر ما أحببته أنت.ولذلك ذكروا عن خليفة الإسلام الصادق الزاهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، يوم أن دخلوا عليه وهو مريض، فقالوا: ماذا أصابك؟ قال: الله أعلم ما أصابني؟ قالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني، قالوا: ماذا قال لك الطبيب؟ قال: يقول إني فعال لما أُريد، وأخذها بعض الناظمين فقال:كيف أشكو إلى طبيبـي ما بي والذي قد أصابني من طبيبـي وذكر بعض الكتبة في ترجمة ابن تيمية أنهم دخلوا عليه وهو مريض، فقالوا: يا أبا العباس! مالك؟ فرفع رأسه وقال: تموت النفوس بأوصابها ولم يدر عوادها ما بها وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها ولذلك انظر إلى يعقوب ما أحسن عبارته يوم قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18] ثم يقول: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86] فالبث والحزن يشكى إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فهو من باب رفع الشكوى إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالى.إذاً: الابتلاء بالأمراض والمصائب والزلازل والمحن من الأقدار التي يقدرها الله على الناس، والله عز وجل أعلم بالأجسام التي تتحمل المرض من غيرها.وفي الطبراني بسند فيه نظر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: إني أعلم بعبادي، من عبادي من لو ابتليته لما صبر، ومنهم من لو عافيته لما شكر، فأنا أُصرِّف عبادي كيف أشاء) فله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الحكمة البالغة، فالمرض من الابتلاءات العظيمة التي مرت في تاريخ هذه الدنيا؛ منذ خلقها الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.ابتلى الله عز وجل أيوب بهذا المرض، فقال هذه القولة: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] وذكر ابن حجر في الإصابة أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ابتلى أحد الصحابة الأخيار وهو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، المجاهد الشهير الصحابي النحرير، ابتلاه الله بمرض مكث بسببه ثلاثين سنة لا يقوم من على فراشه، فقال له بعض الصالحين: لو شكوت، أو رفعت ضرك إلى الله؟ قال: أحبه إلى الله أحبه إلي، ما دام أن الله يرضى هذا لي، فأنا أرضاه لنفسي، فكانت الملائكة تصافحه بأيمانها مع كل فجر، وهذه من كرامات الأولياء التي أقرها أهل السنة والجماعة، فنحن نقول بها، يستبعد أن الملائكة كانت تصافحه؛ لأنه صبر واحتسب ثلاثين سنة، فشكر الله له سعيه، وجازاه في الدنيا بمصافحة الملائكة، والخير العميم والأجر والثواب عند الله تبارك وتعالى.
 الابتلاء بالأعضاء والأبناء
قد يرزقك الله أعضاء تتمتع بها، وقوةً وحيوية وطاقة ونشاطاً، لكن له حكمة أن يسلب عنك القوة.ذكر أهل العلم وأهل السير والترجمة في سيرة عروة بن الزبير بن حواري الرسول عليه الصلاة والسلام، عروة الذي هو أكبر راوية في كتب الحديث عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، الذي ذكروا عنه أنه كان يختم القرآن في أربعة أيام، وأنا لا أقف عند أربعة أيام، لأن الأولى الختم في سبعة أيام كما في حديث ابن عمرو، لكن الشاهد قوة العبادة والإقبال على الله عز وجل، فأراد الله أن يرفع درجته عنده، فكتب عليه ابتلاء.فقد سافر عروة بن الزبير إلى الشام وبينما هو في الطريق أصابته آكلة في رجله، فاجتمع عليه الأطباء، وقالوا: نقطع رجلك من القدم، فقال: أصبر وأستأني، فدخل المرض إلى ساقه، فقالوا: نقطعها من الساق، قال: أصبر وأستأني، فدخل المرض إلى الفخذ، فقالوا: مالك من حل إلا قطعها وإلا متَّ، قال: الله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا لا نقطعها حتى نسقيك كأساً من الخمر، قال: يا سبحان الله! عقل منحنيه ربي أذهبه بكأس من الخمر، لا والله، ولكن إذا توضأت ودخلت في صلاتي فاقطعوها، فتوضأ واستقبل القبلة، وبدأ في صلاته ينادي رب العزة تبارك وتعالى، وهو يحلق بروحه مع تلك الآيات البينات، فتقدم إليه الأطباء بالمناشير، فقطعوا رجله، فلما غلبه الوجع سقط مغشياً على وجهه،وبعد ساعات استفاق، فقالوا: أحسن الله عزاءك في ابنك، رفسته دابة الخليفة فمات، يا سبحان الله!! في هذه الفترة، فترة الإغماء رفست ابنه دابة الخليفة فمات.انظر المصائب كيف تحدث، وانظر إلى ألطاف الله وحكمه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في القضاء والقدر، ماذا قال؟ قال: الحمد الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم لك الحمد -لكن انظر إلى الذي يذكر النعم- إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن ابتليت فقد عافيت، أعطيتني أربعة أبناء، وأخذت ابناً واحداً، وأعطيتني أربعة أعضاء فأخذت عضواً واحداً فلك الحمد ولك الشكر، ثم قال: لعمرك ما مديت كفي لريبة وما حملتني نحو فاحشة رجلي ولا دلني فكري ولا نظري لها ولا قادني فكري إليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الله إلا قد أصابت فتى قبلي رجع محتسباً إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لأنه الذي قدر.
صور من الابتلاء

 بلال بن رباح وعاقبة الصبر
وبلال بن رباح: أهين من الوثنيين إهانة لا يعلمها إلا الله عز وجل، والله عز وجل يعلم أن بلالاً يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويريد الله والدار الآخرة، ويراه يسحب في جبال مكة، ويوضع عليه الصخر، وبلال يقول: أحد أحد، وفي قدرة الله عز وجل أن يخسف بهؤلاء الكفرة، وأن يطلق بلالاً ويفك أسره، لكن هكذا يريد الله ليجعله الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مدرسة من مدارس الابتلاء.وبعدها يأتي بلال بن رباح فينتصر إيمانه على الكفر، ويثبت يقينه على الطاغوت، ويهتدي بهدى الله عز وجل، فيصبح سيداً من السادات، فـبلال بن رباح معروف الآن، وأما خصومه فليسوا معروفين، بلال يعرفه مسلمو الملايو والسودان والعراق، وكل صقع يذكر فيه لا إله إلا الله يعرفه المسلمون، لأنه مؤذن الإسلام:فاستفاقت على أذان جديد ملء آذانها أذان بلال وفي الصحيح لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أمر بلالاً أن يؤذن، فارتقى بلال على الكعبة المشرفة التي بنيت على التوحيد ليؤذن، وليغيظ به صلى الله عليه وسلم المشركين رؤساء الضلالة والطاغوت، يقول: انظروا إلى هذا العبد الذي لا يساوي في نظركم فلساً واحداً، أصبح سيداً بلا إله إلا الله، وانظروا إلى هذا المؤمن التقي المتوضئ اليوم يرتقي على الكعبة فيؤذن بلسان التوحيد لتسمعه آذان البشرية.وانظروا إلى من سحبتموه على الصخور، وأهنتموه وضربتموه وشتمتموه، يؤذن يوم الفتح أذاناً، فتستمع الدنيا، وينصت الدهر لأذان بلال:وقل لبلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا فرضي الله عن بلال كيف ابتلي فصبر، فرفع الله ذكره أبد الآباد، هذا هو النصر، ولذلك يقول عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، أصبح بلال سيداً من سادات هذا الدين، وأصبح واجهة وقدوة يتشرف المسلم أن ينتسب إلى مثل أمة منهم بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه. إذاً: يا أيها الإخوة الفضلاء! ويا أيها الأخيار النبلاء! من أعظم الدروس التي نستفيدها: أن الأجر والمثوبة مع المشقة، ولذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود {قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكاً شديداً، فقلت: يا رسول الله -بأبي أنت وأمي- إنك توعك وعكاً شديداً! قال: نعم، قلت: ذلك بأن لك أجر رجلين، قال: نعم، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم} ثم قال عليه الصلاة والسلام وهو يتحدث لـابن مسعود {ما من مسلم يصيبه هم أو غم أو حزن أو كرب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله به من خطاياه} وفي لفظ {إلا حط الله من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها}فانظر إلى الابتلاء معه الأجر والمثوبة، فاحتسب ما يصيبك في ذات الله عز وجل، من همٍّ أو غمٍّ، أو حزنٍ، أو حتى حر الشمس، فإن الشوكة إذا أصيب بها العبد فاحتسبها عند الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كتب له أجر ذلك.ومنها: الرفعة، فإذا ابتليت فاعلم أن الله أراد رفعتك، وما أراد خفضك، فإنه إذا علم أنك تريده والدار الآخرة رفعك بالابتلاء.ومنها: أنه علمك سُبحَانَهُ وَتَعَالَى درساً من دروس العبودية لا ينسى؛ لأنك تذل بالابتلاء، وتتواضع لنفسك، وتتهذب أخلاقك، لأن بعض الناس جاهل ما تربى، فإذا أصيب بمرض أو أصيب بمصيبة ذل، وأسلس القيادة لله الواحد الأحد.ومنها: أنك تتربى كذلك على الصبر، وهي المدرسة الكبرى التي أراد صلى الله عليه وسلم أن تتقرر للناس، ولذلك يقول الإمام أحمد: تدبرت الصبر في القرآن فرأيته في أكثر من تسعين موضعاً، وقال أهل العلم: من ركب الصبر أوصله إلى الرضا، وقال عمر: أدركنا خير عيشنا بالصبر، وقال بعض الصالحين: لما صبرنا نجحنا وأفلحنا.من لا يصبر فلا حظ له، ولا حكمة ولا نهاية معه، ولا غاية منشودة يطلبها.فعلينا يا عباد الله! أن نصبر في كل ما أصابنا، وأن نحتسب أجرنا على الله عز وجل، يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم، من حديث صهيب رضي الله عنه وأرضاه مرفوعاً: {عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن}.فاصبر على كل ما يصيبك في عرضك، فإن الأخيار وشباب الدعوة والصحوة الإسلامية الآن، أكثر ما يصابون في أعراضهم، متزمتون، متطرفون، رجعيون، مطاوعة، من هذه الألقاب والشائعات التي تلصق بهم، فعليهم أن يحتسبوا، وليعلموا أن رسولهم وقدوتهم صلى الله عليه وسلم أصيب بأشد من هذا، فقالوا عنه ساحر، وكاهن، وشاعر، ولكن صبر واحتسب، فأعلاه الله وخفض خصومه.واصبر على كل ما يصيبك في مجال الدعوة، فإنك تجد الجفاء والإعراض، وتجد تكبر المتكبرين وشتم الشاتمين، وسب السابين، فعليك أن تحسن خلقك، وأن تصبر، فإن النصر سوف يكون معك إن شاء الله.واصبر على كل ما يفوتك من الأحباب والأقارب، وكل ما يصيبك في جسمك من تعطيل بعض الحواس وتحتسب ذلك على الله، فنسأل الله لنا ولكم العافية، فإنا لا ندعو بالبلاء.ولما قرأ أبو علي الفضيل بن عياض قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] قال: اللهم لا تبلونا فتفضحنا، يعني اتركنا مستورين، فإن بعض الناس يدعو بالابتلاء فإذا حصل لا يصبر، كما فعل بنو إسرائيل، كانوا يتمنون القتال فلما حضرت المعركة فشلوا، فنحن نسأل الله العفو والعافية، وفي حديث العباس أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في المسند: {ألا أحبوك يا عم} وفي رواية: {يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به، قال قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية} وفي صحيح مسلم { أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى رجل من الأنصار، فوجده مريضاً قد ضمر جسمه، قال: مالك؟ قال: قلت: اللهم ما كنت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فابتلاني الله، قال عليه الصلاة والسلام: ألا قلت أحسن من ذلك؟ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]}.فندعو دائماً بالعافية.وعند الترمذي: {أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك الصبر، قال: مالك دعوت بالبلاء،ولكن اسأل الله العافية} فنحن نسأل الله العافية وأن نكون مستورين، لأنا لا ندري علَّنا أن نبتلى فنفتضح، فنسأله أن يعافينا وإياكم من أي سوء، وأن يجعل أحسن الأقدار علينا ألطفه، وأن يرزقنا من الخير أعمه، ومن البر أتمه، ومن العيش أرغده، ومن الوقت أسعده، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة
.
  هل الشعر مذموم أم لا؟
السؤال: عن قول الله عز وجل وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] فهل كل الشعر مذموم؟ وما تفسير الآية؟الجواب: الشعراء الذين هم من أتباع السنة كلهم في الجنة إن شاء الله، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ذم الشعراء عامة، ثم استثنى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى منهم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء:227] والشعر كما يقول ابن عباس: كالكلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، وفي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد، قال: ركبت وراء الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: أتحفظ من شعر أمية شيئاً؟ -يعني ابن أبي الصلت الجاهلي- قال: قلت نعم، قال: هيه؟ فأنشدته بيتاً، فقال هيه، فأنشدته ثانياً، فقال: هيه، فما زال يستنشدني حتى أنشدته مائة قافية.وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب: باب من صده الشعر عن القرآن وعن الذكر وعن العلم، ثم ساق الحديث عن أبي هريرة، وقد اتفق معه مسلم على ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: {لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعراً} قال بعض العلماء مما هجي به الرسول صلى الله عليه وسلم.فأنا أقول الشعر مطلوب، لكن بثلاثة أمور:أولها؛ ألا يكثر، حتى يطغى على حياة العبد وعلى نشاطه وعلمه، وجده.والأمر الثاني: ألا يكون شعر سخف ومجون.والأمر الثالث: ألا يكون مما أهين به بعض المسلمين، أو مما يُهْجَى به بعض المسلمين، فإذا سلم فهو الشعر المطلوب الذي ينصر به الإسلام إن شاء الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صبر الأولياء في منازل الابتلاء للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net