اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل الوتر وقيام الليل للشيخ : عائض القرني


فضل الوتر وقيام الليل - (للشيخ : عائض القرني)
إن العبد المسلم قد يعاني طوال يومه من المشاق والتعب سواءً أكان في الدعوة أو في العمل، فجعل الله قيام الليل ليخلو بربه -عزَّ وجلَّ-.وقيام الليل يعطي الشخص القوة والقدرة على مشاق النهار، فيناجي العبد ربه في ذلك الليل، وخصوصاً وقت نزول الجبار جل وعلا في الثلث الأخير من الليل.وفي هذه المادة الحث على قيام الليل، وذكر فضائله، والأمور المساعدة على قيام الليل كما تطرق للحديث عن المسائل والأحكام المتعلقة بصلاة الوتر.
مجاهدة النفس
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] عهدٌ من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وحقٌ ألزم به نفسه، ولم يلزمه به أحدٌ من الناس، أن من جاهد فيه سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يهديه سبيله.قال أهل العلم: المجاهدة بالنية وبالعمل، والذي يدعي أنه يجاهد في سبيل الله يبذل وسعه للهداية، ومن لا يبذل وسعه ولا يعمل، فإنما هو مفترٍ على الله عز وجل.ولذلك ورد في الموطأ عن الحسن البصري رحمه الله موقوفاً عليه: [[ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل]].ومن أسباب المجاهدة التي يزيد الله بها الهداية والإيمان على حد قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17] من هذه الأعمال الصالحة: قيام الليل، ومن أجلِّ قضاياه التي سوف نتدارسها هذه الليلة: الوتر.وفي الوتر قضايا، منها:المسألة الأولى: حكم الوتر في الليل، هل هو واجب أم سنة؟ وما ورد في ذلك، وما هو الصحيح؟المسألة الثانية: الوتر على الراحلة، ويقاس عليها السيارة كذلك.المسألة الثالثة: عدد ركعات الوتر، وما حد أكثره وأقله؟المسألة الرابعة: ما يقرأ في الوتر، وفي ركعاته، من السور التي قرأها صلى الله عليه وسلم، وحافظ على قراءتها في الوتر.المسألة الخامسة: الدعاء الذي يقال في الوتر.المسألة السادسة: رفع اليدين ومتى ترفع؟المسألة السابعة: هل يمسح الوجه بعد الانتهاء من الدعاء؟المسألة الثامنة: إذا فات الوتر في ليل هل يقضى بعد أن يطلع الفجر، أم لا؟المسألة التاسعة: هل يُصلى من الوتر ركعة واحدة ويكتفي بهذه الركعة، ولا يزاد عليها؟المسألة العاشرة: هل يصلى بعد الوتر صلاة؟ أم يكتفي بالوتر في الليل؟المسألة الحادية عشرة: أفضل أوقات الوتر، وما هو الوقت الذي وردت بفضله النصوص؟ المسألة الثانية عشرة: الوتر قبل النوم.
 

حديث ابن عباس في قيام الليل
يقول الإمام البخاري رحمه الله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم -وكل كتابٍ نبدأ فيه بالبسملة-.كتاب الوتر، باب: ما جاء في الوتر. ثم قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة وهي خالته، قال ابن عباس: (فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها، فنام عليه الصلاة والسلام حتى انتصف الليل، أو قريب منه، فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ عشر آيات من آل عمران، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوضأ وأحسن الوضوء ثم قام يصلي، فصنعت مثله -ابن عباس يقول فصنعت مثله- فقمت إلى جنبه صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني يفتلها، ثم صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح صلى الله عليه وسلم).أورد البخاري هذا الحديث في هذا الموضع مختصراً، وإلا فالروايات الزائدة سوف نوردها على ما أوردها أهل العلم، والإمام البخاري يتفنن في إيراد الأحاديث كما سلف في بعض المناسبات، منها:أنه قد يبتدئ بالحديث ويختصره، ومنها: أنه يتشبع في طول الحديث، ومنها: أنه يأتي بالحديث بالمعنى:يزيدك وجهه حُسناً إذا ما زدته نظرا
 قضايا من حديث ابن عباس
وفي حديث ابن عباس هذا قبل أحاديث الوتر قضايا:القضية الأولى: أسلفنا منها: أن الغلام الصغير، الذي لم يبلغ الحُلُم له أن يدخل على إحدى محارمه دون استئذان، في غير الأوقات الممنوعة من الزيارة، يدخل على المحارم بغير إذن، ويجلس معهن.ومنها: الحديث مع الأهل، والاستئناس معهم.ومنها: أنه لا بأس بالسمر بعد العشاء؛ لأن هناك حديث أبي برزة { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها} وقال: الحديث، أي: الحديث الذي لا ينهى عن الفحشاء والمنكر، ويلهي ويكون فيه لغو، ويصد عن صلاة الفجر، فهذا يكرهه صلى الله عليه وسلم.أما الحديث مع الضيوف، أو الأهل، أو الحديث في العلم، وفي مدارسة الشرع؛ فهذا لا بأس به، ولذلك عقد البخاري باباً في صحيحه، باب السمر مع الضيف، فلا بأس بالحديث مع الأهل بعد صلاة العشاء.وفيه: أن المحْدِث حَدَثاً أصغراً له أن يقرأ القرآن؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام -كما قلنا- لا ينتقض وضوءه بالنوم، لكن ليس عندنا دليل أنه نام متوضئاً صلى الله عليه وسلم.ما هو وجه الاستدلال؟وجه الاستدلال: أنه لما قرأ صلى الله عليه وسلم هذه غيباً، يرد السؤال: كيف يقرأ صلى الله عليه وسلم غيباً وهو لم يتوضأ بعد، لأنه توضأ فيما بعد.وفيه دليل على أن المحْدِث حَدَثاً أصغراً غير حَدَث الجنابة له أن يقرأ القرآن غيباً، لأن الجنب لا يقرأ القرآن، لا غيباً ولا نظراً، والمحْدِث حَدَثاً أصغراً لا يمس القرآن، وله أن يقرأ القرآن غيباً بهذا الحديث وبغيره.منها: في أثر سلمان قال: [[خرج عمر رضي الله عنه إلى البرية -إلى الخلاء- فقضى حاجته، ثم أتى يقرأ القرآن وهو لم يتوضأ]] يقرأه غيباً رضي الله عنه وأرضاه، فقال رجل من أهل نجد من اليمامة: [[يا أمير المؤمنين! كيف تقرأ القرآن وقد أحدثت ولم تتوضأ؟ قال: أأخبرك نبيك مسيلمة أنه لا يجوز أن يقرأ القرآن إلا من توضأ؟]] يقصد: مسيلمة الكذاب؛لأنه من اليمامة، وهذا مسيلمة صفَّى حسابه خالد بن الوليد سيف الله: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].وأحاديث أخرى، ومنها: الحديث الذي في موطأ مالك مرسلاً لكنه معضود، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم -قال ابن عبد البر أشبه المتواتر-: {أن لا يمس القرآن إلا طاهر} فعُلِم بمفهوم المخالفة أن له أن يقرأ القرآن غير طاهر، ليس جنباً لكنه محدث حدثاً أصغراً، فهذه من القضايا.ومنها: الجماعة في النافلة: لك -إذا أوترت- أن توتر بأهلك في البيت، ولا تتخذها عادة دائماً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعلها دائماً، لكن في بعض الأحيان توتر وأهلك معك، وإذا أتاك أناس وأرادوا أن يتنفلوا معك تتنفل فيهم بالليل، أو بعض الأوقات كصلاة الضحى، ولا تتخذ عادة، ففي صحيح البخاري عن عتبان بن مالك قال: {زارني صلى الله عليه وسلم في بيتي فقال: أين تريد أن أصلي لك من البيت؟ قال: فعرضت له حصيراً، وغسلته بالماء، ونضحته، فقام صلى الله عليه وسلم فصفنا خلفه، وصلى بنا ركعتين} قال أهل العلم: هذه صلاة الضحى، وهذا يقتضي جواز الجماعة في صلاة الضحى لا على الدوام، أي: أنها لا تتخذ على الدوام.والمسألة التي تستفاد كذلك من هذا الحديث: الائتمام بمن لم ينو الإمامة، تأتي في المسجد وأحد الناس يصلي وما نوى أن يكون إماماً، لكن هو فاتته الصلاة فقام يصلي وحده، فلك أن تدخل معه، ويكون إماماً لك، وأنت مأموم، وتصلي معه، وهذا يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قام يصلي من الليل ما نوى أن يكون إماماً، وإنما نوى أن يصلي ويتنفل حتى جاء ابن عباس.ومنها كذلك: أن من أراد أن يتنفل، مثلاً: صلى صلاة الظهر في المسجد، ثم قام يصلي ركعتين بعد الظهر وأتى رجل متخلف، فرأى هذا يتنفل، فله أن يدخل معه، ولو كان هذا متنفلاً وهذا مفترضاً، فدخلتَ معه وصليتَ صلاة الظهر، وهو يصلي نافلة، وهذا مأخوذ من هذا الحديث.ومنها صورة ثالثة كذلك: أنك إذا أتيت المسجد والناس قد صلوا، وما أدركتهم في الركعة الأخيرة مثلاً، فلما سلم الإمام قمت تقضي، وقام بعض الناس يقضوا معك، فلك أن تجعل الذي بجانبك إماماً وأنت مأموماً وتصلي بصلاته، هذه الصورة الثالثة تؤخذ من هذا، وهي جائزة لأنه لم يرد حديث بمنعها.ويؤخذ كذلك: موقف الإمام وأنه دائماً على يسار المأموم إذا كان واحداً، ولو كانوا جماعة فيصلون عن يمينه أو خلفه، والسنة إذا كثروا فخلفه، والواحد على يمينه ولا يصلي يساره؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه: يرى أن يصلي الإمام وسطاً، وأن يجعل الناس عن يمينه ويساره، ورد عليه أهل العلم بأن هذا منسوخ.المسألة التي تليها وتستفاد من هذا الحديث: أنه لا بأس بالحركة القليلة في الصلاة؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام تحرك في الصلاة، وأخذ بأذن ابن عباس، وحاله هنا: فلك مثلاً أن تؤخر ابنك عن مكان تخاف منه وأنت في الصلاة، وإذا كنت قريباً من الباب أن تفتح الباب؛ فقد صح عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح لها الباب وهو في الصلاة، وفي سنن أبي داود بسند جيد عن سهل بن الحنظلية قال: {أرسل صلى الله عليه وسلم بطليعة قوم ليأخذ أخبار العدو، فأخذ صلى الله عليه وسلم يلتفت مرة وهو في الصلاة}. ولا يحمل هذا على الترخص، ولا على التنطع، ولا على الخروج عن الخشوع الذي ورد عنه صلى الله عليه وسلم. ولكن نخبركم بهذا وعندكم خبر به من باب إبراء الذمة، ومن باب عرض بعض سننه صلى الله عليه وسلم للناس، ومن باب إيجاد بعض الرخص لبعض المكروبين في صلواتهم، أو الذين يظنون أنه لا يجوز إحداث شيء في الصلاة، فقد وردت الحركة القليلة عنه صلى الله عليه وسلم.ويؤخذ من هذا الحديث: الاضطجاع مع الحائض؛ فالمرأة إذا حاضت فلزوجها أن ينام في فراشها الذي تنام فيه، وأن يؤاكلها ويشاربها ويحادثها، ولا بأس بذلك كله.ومنها: الاعتداد بصلاة الصبي الصغير؛ فأنت إذا لم تجد جماعة، ولا رجل تصلي معه، لك أن تصلي مع ابنك بعد أن يتوضأ، وتجعله معك وتتم لكما جماعة، وإذا أتيت في المسجد ووجدت إماماً ومعك صبي فلك أن تصف مع الصبي وراء الإمام، وتعدُّ بالصف مع الصبي؛ ففي صحيح البخاري عن أنس قال: {صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصففت أنا واليتيم من ورائه والعجوز من ورائنا}.وأدخل عليه الصلاة والسلام المسجد وهو مريض، في رواية ابن عباس قال: {عليه عصابة دسمة، وهو يتخطى مع الفضل وعلي حتى أدخل، فأجلس على يسار أبي بكر وأبو بكر يصلي بالناس} فأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم إماماً، وأصبح أبو بكر بجانبه مأموماً، وأصبح أبو بكر يردد بعده الناس وهو عن يمين الرسول صلى الله عليه وسلم، فالذي على اليسار هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس أبو بكر.
أحكام صلاة الوتر
وأما الوتر ففي حكمه خلاف بين أهل العلم:ذهب الجمهور إلى أنه سنة وليس بواجب.وأما بعض الأحناف فقالوا: واجب؛ واستدلوا على ذلك بأدلة منها: أنه يقضى بالنهار.ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما تركه في حضر ولا سفر.ولكن هذه الأدلة ظنية، والصحيح أنه سنة وليس بواجب.ومن الأحاديث التي تبين سنية الوتر:قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي طلحة في الصحيحين، قال: (كنا جلوساً مع الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، فجاء رجلٌ من أهل نجد؛ ثائر الرأس، نسمع دويَّ صوته، ولا نفقه ما يقول، فأقبل علينا، فإذا به يسأل عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله، -وفي لفظ البخاري: يسأل عن الإسلام- قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -وفي هذا الحديث تداخل بين الإيمان والإسلام - ثم قال: وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، قال: يا رسول الله! وما هي الصلاة؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع).فأخذ من هذا أن الخمس الصلوات هي الواجبة، أما غيرها فتطوع، فلا يدخل غيرها في الوجوب كالوتر، ولا ركعتي الضحى، ولا تحية المسجد، ولا غيرها، إنما الواجب ما ذكره صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.فحكمه على الصحيح أنه سنة؛ لكنه سنة مؤكدة، لا يُترك في سفر ولا في حضر. ومن تركه هل يقضيه بعد أن يفوته في الليل أم لا؟ سوف يأتي هذا الكلام.
 حكم الصلاة بعد الوتر مباشرة
هل يصلى بعد أن يصلي الوتر مباشرة؟ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى ركعتين بعد الوتر جالساً، فلك أن تصلي بعد الوتر جالساً ركعتين.قال النووي: يحتمل أن هذا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر؛ لأن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز أن يصلي بعد الوتر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بهاتين الركعتين.
الأمور المساعدة على قيام الليل
ما هي الأمور التي تعين المسلم على قيام الليل؟ وأما فضل قيام الليل، فمهما عدَّد المعدِّد، ومهما تكلم المتكلم عن فضله فإنه أكثر من أن يذكر، ومن أراد تربية نفسه وروحه وقيادة قلبه إلى الله عز وجل فعليه بقيام الليل، ولو بمقدار حلب شاة، وورد في مجمع الزوائد بأسانيد تفيد أنه حديث حسن: (لا بد من قيام بالليل ولو بقدر حلب شاه) فهذا الوقت الصغير القصير الذي يمكن أن يقوم الإنسان ولو قبل صلاة الفجر بدقائق، يمكنه من الدعاء المستجاب إن شاء الله؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينـزل في الثلث الأخير إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه) فهذا هو وقت الإجابة وهو من أعظم الأوقات.ومما يعين على قيام الليل: التقليل من الخطايا والذنوب؛ فإنها توبق العبد، وتقيده عن قيام الليل، وعن الأعمال الصالحة، قيل للحسن البصري: [[يا أبا سعيد! لا نستطيع القيام؟ قال: قيدتكم خطاياكم ورب الكعبة]] فعلى العبد أن يستغفر كثيراً قبل أن ينام، وأن يتوب إلى الله.يقول ابن تيمية: للعبد أن يأخذ وِرداًً من الدعاء، وحبذا لو كان قبل النوم، يقول في المجلد العاشر، والحادي عشر: حبذا أن يكون قبل النوم ليكون كفارة لما أسرف به وفعله في نهاره، ولا بد من الذنوب والخطايا.فعلى العبد أن يستغفر قبل أن ينام كثيراً، وأن يذكر الله لينام وهو تائب منيب، فإن توفاه الله كان من الخالدين الصالحين: الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16] وإن كان من الباقين كتب الله أجر يومه، وغفر ذنوبه.ومما يعين على قيام الليل: التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير ثلاثاً وثلاثين؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بها علياً وفاطمة -رضي الله عنهما- فقال: (هما خيرٌ لكما من خادم) قال ابن القيم: يريد أنها في القوة مثل الخادم. فهي مجردة تقوي العبد، وتجعل عنده نشاط وهمة، ومن يسر الله له الخير تيسر.وكذلك أن ينام الإنسان مبكراً، وألاَّ يسهر كثيراً في غير طارئ إلا في مدارسة علم، أو في جلسة خير، أو قراءة القرآن وتدبره، وإذا علم أنه سوف يقوم لصلاة الفجر وتدبره، أما إذا علم أنه سوف تفوت عليه صلاة الفجر، فحرام أن يسهر هذا السهر، فليُعلم هذا.وفي البداية والنهاية لـابن كثير قال ابن كثير: توفيت زبيدة زوجة هارون الرشيد، وأم الأمين، فرئيت في المنام، وزبيدة هذه هي التي أجرت عيناً في مكة، المسماة: عين زبيدة، فرئيت زبيدة هذه في المنام، فقال لها ابنها: ما فعل الله بك؟ قالت: كدت أهلك -أي: أُعَذَّب- فقال: وأين العين -عين زبيدة - وأجرها وثوابها التي أجريتِها للحجاج؟ قالت: ما نفعتني بشيء، كادت تهلكني تلك العين، قال: ولِمَ؟ قالت: ما أردت بها وجه الله فما نفعتني. قال: وما نفعك إذاً؟ قالت: نفعتني رحمة الله، ثم إنه ما مرت عليَّ ليلة إلا أقوم في السحر، فأتوضأ ثم أقوم على شرفات القصر -قصر هارون الرشيد؛ لأنه خليفة وهي زوجته- فأنظر في السماء وأقول: لا إله إلا الله أدخل بها قبري، لا إله إلا الله أقضي بها عمري، لا إله إلا الله أقف بها في حشري، لا إله إلا الله يغفر بها ربي ذنبي.فهذا العمل القليل نفعها أكثر من تلك العين، والمشروع الضخم الذي عد في التاريخ من أفضل المشاريع التي عرفتها الأمة، ما نفعها بشيء: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] إن عملاً لا يراد به وجه الله لا ينفع صاحبه أبداً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما أورده المنذري في الترغيب والترهيب: (يا معاذ! أخلص عملك يكفيك القليل) فإن المقلَّ مع الإخلاص يكفيه وهو من السابقين عند الله عز وجل، والمكثر بلا إخلاص لا ينفعه، كالذي يحمل الحجارة على ظهره فهو لم يستفد منها، ولم يسلم من حملها وثقلها، فليُعلم هذا.نسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق والهداية.
 حكم الصلاة بعد الوتر مباشرة
هل يصلى بعد أن يصلي الوتر مباشرة؟ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى ركعتين بعد الوتر جالساً، فلك أن تصلي بعد الوتر جالساً ركعتين.قال النووي: يحتمل أن هذا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر؛ لأن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز أن يصلي بعد الوتر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بهاتين الركعتين.
الأسئلة

 حكم صلاة الوتر بعد جمع التقديم
السؤال: هل يُصلِّي المسافر الوتر بعد العشاء إذا جمعها مع المغرب؟الجواب: إذا جمعت العشاء والمغرب جمع تقديم فلك أن تصليها، فلو صليتها مع العشاء بعد صلاة العشاء لصح هذا، لكن الأفضل أن تجعله قبل نومك، ولكن لو صليته مباشرة بعد العشاء لصح الوتر، فهو وتر الليلة، والليلة تبدأ من غروب الشمس إلى بداية الفجر، بلا شك.وفي ختام هذه الجلسة نتوجه إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئها.اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل الوتر وقيام الليل للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net