اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , علم السلف وعلم الخلف للشيخ : عائض القرني


علم السلف وعلم الخلف - (للشيخ : عائض القرني)
تهدف المحاضرة إلى بيان أفضلية علم السلف على علم الخلف، وقد ذكر الشيخ أخطاء المتأخرين باهتمامهم بالجزئيات، وابتكارهم لعلومٍ لا حاجة لها، بل بعضها مضرتها أكثر من نفعها، وكذا تعصبهم وبعض مزالقهم وألقابهم العلمية، وانتقد كل ذلك بأسلوب شيق.ثم تحدث عن أصالة علم السلف ويسره وسهولته، ثم انتقل إلى بيان اهتمام السلف بالمقاصد والغايات، كما أثنى على واقعية علومهم وعدم تجشمهم الإجابة على المسائل الافتراضية التي لم تقع.ثم ذكر بعض الوسائل التي تحفظ العلم، وأسهب في الكلام عن المذاهب والاختلاف والجوانب والسلبية في ذلك.
فضل علم السلف
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.عنوان هذا الدرس: علم السلف وعلم الخلف، وانطلق هذا العنوان ليرد على مقولة صنفها الفلاسفة والمناطقة، وأهل علم الكلام، يقولون فيما نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم؛ طريقة السلف أسلم، لأنهم في معتقد هؤلاء وعلى زعمهم يتوقون الدخول في المعمعات وفي المسائل المشكلات، ولا يستطيعون أن يخوضوا غمار المسائل العلمية التي تتساقط فيها عمائم الأبطال، وتتكسر فيها النصال على النصال، فهؤلاء المناطقة والفلاسفة مثل من يقول: السلف قومٌ مساكين، لا يدخلون في هذه الغمار، ولا هذه البحار، ولا يعبرون هذه المحيطات التي نعبرها نحن، فطريقتهم أسلم وطريقتنا أعلم وأحكم.والرد عليهم بإيجاز أن يقال: طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، وطريقتكم أغشم وأظلم وأسقم، وما وجد عند السلف إلا الأصالة والعمق واليسر، ووجد عند الخلف إن لم يكن عند السلف وجد عندهم علم (القِدْر) لأن العلم علمان:علم قبر، وعلم قِدر؛ فعلم القبر هو الكتاب والسنة الذي يوصلك إلى مرضاة الله والدار الآخرة، ويدخلك جنةً عرضها السموات والأرض، وتجوز به الصراط، ويسقيك من الحوض قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] وقال: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] وقال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] وقال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] وقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] وقال: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] وقال: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً [القصص:80].إلى غير ذلك من الآيات، فهذا علم القبر؛ علم ينجيك من عذاب القبر، وينوره لك.وأما علم الخلف إن لم يكن متصلاً بهذا فهو علم قدر؛ فن الطبخ، وفن تقطيع البصل. لأنها ألفت رسائل ماجستير في هذا العصر في فن الطباخة ونوقشت، ووجدت رسالة أخرى في فن الأزياء، وكيف يلبس النساء في الموضات الجديدة، والموديلات، رسالة ماجستير؛ فهذا علم الخلف، علم القدر، وعلم الصحن والملعقة والشوكة.وأما علم السلف: فهو علم النجاة والنور والإيمان والاستقامة، وإذا أردت أن تلخصه فهو: الإيمان والحب والطموح.ويوم وجد السلف كانت الدنيا مشرقة بنور العلم، ويوم أتى المتعمقون من الخلف أتت التشقيقات في الكلام حتى نسبوا إلى بعضهم أنه يتساءل ويسأل نفسه: إذا خرجت سمكة من البحر، ثم صلت بالناس، ثم عادت، هل تجوز الصلاة وراء السمكة؟ هذه الافتراضات وغيرها هو ما نسمعه في هذه الجلسة.
 التعصب المذهبي والجهل بالحديث
وبعد ما انتهينا من الشاطبي، نأتي إلى التعصب المذهبي، ونسأل الذي كسر إصبع أخيه المسلم يوم أشار بها في الصلاة؛ لأنه لا يرى الإشارة بالسبابة في الصلاة؛ فكسر إصبعه: لماذا كسرت إصبعه؟!ثم نسأل الحنابلة: لماذا يتضاربون بالأحذية في سوق بغداد من أجل التعصب المذهبي؟!ونسأل كذلك الوزير الخادم مرجان العباسي يوم يقول: أنا مقصودي أن أقتلع المذهب الحنبلي. ورد ابن الجوزي وابن هبيرة عليه.ثم نسأل الذين يقولون: الرأي الصحيح ما ذهب إليه الأحناف، لكن ننتصر لمذهبنا رياضةً وتقليداً، لماذا والحق أحق أن يتبع؟عدم معرفة بعض الفقهاء بعلم الحديث؛ أليست مصيبة!! نعاها ابن تيمية للمسلمين!يأتي محدث فيقول في أول الكتاب، وهو في كتاب من كتبنا نحن الفقهاء، أو نحن أهل هذه البلاد: {أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم} وهو حديث موضوع.فرحم الله ذاك العالم، هل سأل نفسه أن هذا حديث موضوع؟!أو عالم آخر يأتي في كتاب الطهارة بأول حديث: {أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لـابن مسعود في ليلة الجن أمعك ماء؟ قال: معي نبيذٌ. قال عليه الصلاة والسلام ثمرة طيبة وماء طهور} واستدل به هؤلاء في كتبهم، والحديث باطل من أصله، لم يكن ابن مسعود مع الرسول عليه الصلاة والسلام ليلة الجن.ثم نأتي كذلك إلى عدم معرفة بعض المحدثين للفقه والاستنباط من الدليل، محدثٌ يروي حديثاً واحداً من أحد عشر طريقاً؛ حديث عائشة وهو في صحيح البخاري وصحيح مسلم: {كان صلى الله عليه وسلم يخرج لي رأسه من المسجد وأنا حائض، فأرجل رأسه} يُسْأَلُ هذا العالم فيقال له: هل يجوز للحائض أن تمس الرجل؟قال: لا أدري؛ اسأل أبا حنيفة الذي يقول إنه يفهم علم الأولين وعلم الآخرين.فذهب الرجل إلى أبي حنيفة فقال: نعم يجوز للحائض أن تمس الرجل، حدثنا الذي أرسلك عن فلان عن فلان عن عائشة أنها قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج لي رأسه من المسجد فأرجله وأنا حائض} فانظر كيف خفي الاستنباط والمقايسة في المسائل على هذا المحدث، وظهر لذاك؛ مع العلم أن هذا بارع في الحديث وذاك بارع في الفقه، وهذا ليس له باع في الاستنباط وذاك ليس له باع في الحديث.ثم مجلس مع أحد الخرافيين عند ابن تيمية في الإسكندرية ومع أخيه عبد الله وقد ادعى العلم، وسوف يندد به ابن تيمية وأخوه ويضحكان عليه في المجلس.
أصالة علم السلف
أما أصالة علم السلف فهذا أمر كالشمس:قد تنكر العين ضوء الشمس من رمـدٍ وينكر الفم طعم الماء من سقم السقيم هو الذي يقول: إن علم السلف ليس أصيلاً، والسقيم هو الذي لا يفهم علم السلف؛ أصالة علم السلف تأتي من الكتاب والسنة، يتوضأ الصحابة والتابعون ويجلسون في حلقات، ويحتبون بأيديهم على أرجلهم، ولا قلم، ولا دفتر، ولا مسطرة، ولا سبورة، ولا طباشير، ويبدءون يتساءلون قال الله وقال رسوله، ويقول مصنفهم ومؤلفهم:العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فلان ويقول الثاني من شعرائهم:العلم ما قيل فيه قـال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
 علم الكلام هو من علم الخلف
علم الخلف في أصالته ليس كعلم السلف لأنه كثر كما قلت.قال ابن تيمية: إن الله لن يغفل عن المأمون لما أدخل في بلاد المسلمين من علم الكلام، فنحن في غنية عن علم الكلام.أتى التتار وهاجموا بلاد المسلمين واجتاحوها فما أتلفوا لنا كتاباً.الآن القوميون والوطنيون والترابيون يقولون: ذهب تراثنا، في نهري دجلة والفرات.مقصودهم حتى يقال للسنة: إنها ناقصة، وإن كتب الإسلام ذهبت.والصحيح عند المؤرخين أنه ما ذهب علينا إلا علم الكلام، انسحق في النهر، أما كتب السنة فالحمد لله موجودة، المعاجم، والصحاح, والمسانيد، والسنن، وعلم الرجال، وعلم الفقه والتفسير كلها موجودة في المكتبات.حتى الآن اكتشف لـابن تيمية تفسير في بون في ألمانيا خمس مائة مجلد، فلك الحمد يا ربي ولك الشكر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] والذكر إذا حفظ فلا يستطيع التتار ولا الأمريكان ولا الإنجليز هَدْمَة ولا إهداره ولا إحراقه، أما القوميون فيقولون ذهب، حتى إن بعضهم يقول: ما بقي من السنة إلا العشر، يا ويلك من الله! أليس الله عزوجل قد تكفل بحفظها، وما هي المخطوطات لا زالت ترد الآن وتفد وتحقق في الأسواق لكن من يقرأ.علم الخلف علم المنطق، وهذا ذهب به المأمون فقال: من ترجم كتاباً وزنت له وزنه ذهباً، فما أمكنه الله عزوجل بل تصدى له الإمام أحمد وأحمد بن نصر الخزاعي، وهذا المشرب الصافي الثجاج، مشرب أهل السنة والجماعة ترد بدعته، وانتصرت السنة فيما بعد، وهذا له حديث خاص يعادل درس (حرب طاحنة بين السنة والبدعة) بالأمس.أما الفلسفة فانتشرت، وهي التي دخلت بالعقل وقدمته على النقل، فأتوا يئولون الصفات، وأدخلوا علم الكلام في التوحيد، ولذلك تجد بعض الناس يرى أن علم التوحيد هو علم الكلام، حتى صاحب الطحاوية رحمه الله رحمة واسعة لما أراد أن يدخل في التوحيد دخل بعلم الكلام.علم التوحيد علم قال الله وقال رسوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] تكفي، ما يأتي بعلم المتأخرين ثم الردود عليهم، لا خارج العالم ولا داخله، ولا متصل ولا منفصل، ولا جوهر ولا عرض.صحيح أن في الرد عليهم كما فعل ابن تيمية فائدة، أما تدريس أبناء المسلمين فلا يدرس علم الكلام.
يسر علم السلف
الثانية: يُسر علم السلف.قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17] الآن صعبوا علينا العلم، الإنسان منا يدرس أربع عشرة سنة أو ست عشرة سنة أو عشرين سنة فإذا تخرج قال له الأستاذة والدكاترة: إن العلم لا زال بينك وبينه مراحل، أنت الآن أعطيت مفاتيح العلم؛ لكن لا بد أن تحضر الماجستير، ثم بعد الماجستير الدكتوراه، ثم تحصل بحثاً وتحققه، ثم تقابل بين المخطوطات لأنك الآن ما تحقق النص تحقيقاً كما في الأصل، وطبعة بولاق، وطبعة دار الشروق وضاعت الأمة.
 علم السلف مختصر مبارك
علم السلف علم موجز مختصر غزير مبارك، وعلم الخلف كثير متشعب لا ينطوي تحت مظلة.تعال معي إلى النص من الرسول صلى الله عليه وسلم، في مسألة ناقشها السلف الصالح أعرضها للفائدة، في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الماء من الماء} أي لا يغتسل الجنب إلا إذا أنزل منياً، فلا يجب الغسل بالماء إلا إذا أنزل ماءً، وبهذا أفتى كثير من السلف، حتى جاء الناسخ من حديث أبي هريرة {إذا جلس بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل} وهذا نسخ اتفق عليه الناس.أتى المتأخرون؛ فأتوا تكلموا عن الماء، ومصدر الماء، ومن أين أتى الماء؛ ولماذا نسخ هذا الحديث، ثم تكلموا في الحديث الآخر، ثم أتى صاحب المتن فكتب شرحاً وحاشية على الشرح، وأتى الثاني فاختصر الحاشية، فلما اختصره في مختصر المسألة شرحها الآخر، ثم اختصرها الذي بعده هذه الحواشي فيها خير، أنا لا أقول هذا الكلام من كيسي، يقول الشاطبي رحمه الله رحمة واسعة: أنا لا أقرأ إلا للمتقدمين -القرن الرابع، الثالث، الثاني، الأول، أما من يأخذ الفقه الآن مثل هذا القرن فإنه يسير في مسائل وارتباكات إلا في مسائل جديدة لم يخضها السلف؛ مثل مسألة الصرافة، البنوك الربويه، السفر إلى الخارج، طفل الأنبوب؛ هذه مسائل تؤخذ من الخلف أما المسائل المؤصلة التي بحثها السلف فخذها من السلف.أقول: علم السلف علم موجز مختصر غزير، ولكن علم الخلف كثرة الكلام، تجد بعض كتب الفقه مجلد كامل وتبحث فيه فلا تجد آية ولا حديثاً، ولكن تجد قال أصحابنا الخراسانيون، وقال فلان من أصحابنا المتأخرين، ورد عليهم المتقدمون، وقال خصومنا، قال خصومنا ورددنا عليهم، هذه الكتب تحتاج إلى دليل وإلى اختصار لتكون مباركة.وهذه الجلسة مفتوحة لطلبة العلم لمن أراد أن يناقش، أو يرد، أو يحاور؛ لأن المجلس عندنا شورى.
علم المقاصد ثلاثة: تفسير وفقه وحديث
والمسألة الرابعة: علم السلف علم مقاصد، وعلمنا علم وسائل.علم السلف يدور على ثلاثة فنون:علم التفسير والفقه والحديث، ولو كان يطاع لقصير أمر، لما كان في الكليات وفي المعاهد إلا علم التفسير والفقه والحديث، لكن توضع للتفسير محاضرة، وتوضع للثقافة محاضرتان، وللتربية ثلاث، ولعلم النفس محاضرتان، ونحن لا نقول تلغى، لكن العلم هو التفسير، والحديث والفقه، فهذه ثلاثة علوم تدار حولها العلوم، فإشغال الطالب بتسع مواد أوعشر يجعله يأتي فاتر البال، كالَّ الذهن، يذاكر في الامتحانات لأجل الاختبار؛ فيبدأ يخطط تحت كل كلمة ثلاثة خطوط، وينعس فإذا أتى الصباح امتحن وسلم الورقة وخرج، فلا وصل إلى تفسير ابن كثير، ولا إلى كتب ابن تيمية، ولا إلى البخاري.علم السلف يدور حول ثلاثة علوم؛ علم التفسير وعلم الفقه وعلم الحديث.
 علم التوحيد داخل في علم المقاصد
فعلم التوحيد يؤخذ من الحديث والفقه والتفسير، فإذا قيل لك: الرحمن هل استوى؟ فلا تقل: قال فارابي، ورد عليه ابن سينا، فهذا علم القِدر، بل قل: قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] وقال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: {ينزل ربنا إلى سماء الدنيا} نزولاً يليق بجلاله.هل لربنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يد؟ تجيب بالآية وبالحديث.هل يعجب ربنا من شيء؟ نعم، لقوله صلى الله عليه وسلم في جامع الترمذي: {يعجب ربك من العبد إذا قال: اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت}.كثرت الوسائل في علم الخلف وقد أسلفت هذا، وكثر الكلام حتى كثرت الكتب على طلبة العلم، وأصبح الواحد منهم في بيته من الكتب والمجلات والجرائد والمصنفات ما الله به عليم، فإذا سألت فبعضهم عرف عنوان الكتاب، ومن ألفه، ومن حققه، لكنك إذا دخلت به في الصفحات الأولى لا يعرف شيئاً.والعلم ليس بكثرة الكتب، ولا بكثرة الرواية، بعض طلبة العلم عنده عشرات الكتب لكنه قرأها، وأخرج كنوزها، وفجر أنهارها، وأنبت أشجارها، وفهمها، وحفظها، فهو العالم حقاً.وبعض طلبة العلم عنده مجالس ومجالس من الكتب لكنه: لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع وهذا نشكو حالنا إلى الله من كثرة الإعياء، وكثرة ما ورد في الساعة عند المسلمين مع قلة الجودة في العطاء.
علم السلف تطبيق وعمل
المسألة الخامسة: علم السلف تطبيق وتأثر وخشوع وخشية ونفع عام.يطلبون العلم لوجه الله، ويطلبون العلم الواقع، ولا يشتغلون بعلمٍ لم يقع، كأن يقال مثلاً: لو قال رجلٌ لامرأته لو طرت فأنت طالق، فطارت فطلقت، أو لو سافرت امرأة من قبرص إلى إندونيسيا في الجو فوقعت في البحر، وقال لها زوجها إن وقعت في البحر فأنت طالق: على أو قال إن أتت الخالة وماتت قبل الجدة، هذه الأمور قد تقع لكن نسبية، حتى قالوا: إن بعض مسائل الفرائض ما وقعت في كل تاريخ الإسلام.اشتغالنا بمسائل كهذه عن مسائل تهمنا في كل يوم وليلة عبث.علم السلف كان علم تطبيق، عند الدارمي أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه بـصبيغ من المبتدعة، فقال: أنت الذي تعارض الآيات، قال: أريد أن أشرب. قال: تعال، فضربه بجريد النخل حتى أدماه، وأغمي عليه, ورش بالماء فاستفاق، فضربه حتى أدماه، فرش فلما استفاق قال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد شفائي فقد شفيت والحمد لله، فـعمر رضي الله عنه كان يعارض هذه المسائل التي تشغل بها الأذهان ثم لا يكون لها دور.كان يجتمع طلبة بعد صلاة العشاء، ولو اجتمعوا على صحيح البخاري أو على صحيح مسلم أو على تفسير ابن كثير، وقرأ أحدهم، وناقشوا بهدوء دون أن يخرج النقاش إلى جدل؛ لكان من أحسن ما يكون، لكن اجتمعوا بعد صلاة العشاء فقال أحدهم: الأرض تدور. قال الثاني: لا تدور الأرض. ثم أخذوا في حوار، ثم تضاربوا بالأحذية، ثم خرجوا وهم متضاربون.يأتي طالبٌ يعرف أنه لا يحفظ إلا القليل من القرآن، فيقول أهل الفترة هل هم في الجنة أم في النار؟ فتقول أنت: في الجنة. قال: لا في النار، هو متجهز لأن يعاكسك، إن قلت: في النار، قال: في الجنة. وإن قلت في الجنة، قال: في النار.أطفال المشركين للعلماء فيهم ثلاثة أقوال، قال: لا أربعة أقوال، فإذا قلت: قولين، قال: ثلاثة.فهذا معناه الجدل؛ والجدل هذا ما رغبه الصحابة أبداً، وكانوا يغضبون منه، وفيه حديث حسن: (ما ضل قومٌ بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) أي كثرة المجادلة والمخاصمة على أشياء لا تقع في الساحة، أو على تعلق بأشخاص. فتأتي إلى المجلس، وأحدهم يقول: فلان فيه كيت وكيت، قالوا: لا، فلان إمام حافظ علامة. والله لا يسألنا عن الناس؛ إنما يسألنا عن أنفسنا.
 علم التوحيد داخل في علم المقاصد
فعلم التوحيد يؤخذ من الحديث والفقه والتفسير، فإذا قيل لك: الرحمن هل استوى؟ فلا تقل: قال فارابي، ورد عليه ابن سينا، فهذا علم القِدر، بل قل: قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] وقال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: {ينزل ربنا إلى سماء الدنيا} نزولاً يليق بجلاله.هل لربنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يد؟ تجيب بالآية وبالحديث.هل يعجب ربنا من شيء؟ نعم، لقوله صلى الله عليه وسلم في جامع الترمذي: {يعجب ربك من العبد إذا قال: اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت}.كثرت الوسائل في علم الخلف وقد أسلفت هذا، وكثر الكلام حتى كثرت الكتب على طلبة العلم، وأصبح الواحد منهم في بيته من الكتب والمجلات والجرائد والمصنفات ما الله به عليم، فإذا سألت فبعضهم عرف عنوان الكتاب، ومن ألفه، ومن حققه، لكنك إذا دخلت به في الصفحات الأولى لا يعرف شيئاً.والعلم ليس بكثرة الكتب، ولا بكثرة الرواية، بعض طلبة العلم عنده عشرات الكتب لكنه قرأها، وأخرج كنوزها، وفجر أنهارها، وأنبت أشجارها، وفهمها، وحفظها، فهو العالم حقاً.وبعض طلبة العلم عنده مجالس ومجالس من الكتب لكنه: لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع وهذا نشكو حالنا إلى الله من كثرة الإعياء، وكثرة ما ورد في الساعة عند المسلمين مع قلة الجودة في العطاء.
انضباط علم السلف بقواعد كلية
المسألة السادسة: علم السلف منضبط بأصول وقواعد كلية تجمع جزئيات العلم، وعلم الخلف كثرت جزئياته على حساب كلياته. السلف يتكلمون بالمسائل وعندهم أصول لها، وقواعد تضبطها؛ وهي من اللغة ومن القرآن والسنة، أما نحن إلا ما رحم الله فنتكلم على جزئيات ليس لها أصل يجمعها ولا كليات، ولذلك فميزة علم ابن تيمية والشاطبي الكليات، والعيب عند بعض الناس من المتفقهة أن عندهم الجزئيات لكن ليس عندهم كليات، هذا أمر.وأما علم الخلف جزئياته على حساب كلياته كثرت لكن ليس لها كلية تندرج فيها.قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه فيما صح عنه: [[كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نجاوزهن حتى نتعلم ما فيهن من العلم والعمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً]] ولذلك يقول سيد قطب رحمه الله: كانوا يأخذون القرآن على أنه أحكام تكليفية، وأوامر ربانية تنفذ يوماً بيوم، ثم أخذه من بعدهم كأنه كتب سمر ومتعة وقصص، يسمر الإنسان ليرى في القرآن بعض العجائب، وسوف يمر بك في القرآن الأدب واللغة والإبداع والجمال والإشراق، ولكن مقصد القرآن أن يهديك إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى؛ ولذلك يقول أحد أهل العلم: أخطأ من جعل القرآن كتاب طب، فليس بكتاب طب، وليس بكتاب هندسة؛ أتدرون أن أحد الناس كتب تفسيراً وقال: في القرآن دليل أن زوايا المثلث منفرجة، قالوا: من أين أخذت هذا؟ قال: من قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ [المرسلات:30-31] وقال الخط المستقيم هو أقرب خط يصل بين نقطتين، قالوا: من أين أخذته؟ قال: من قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].وأخطأ من جعل القرآن كتاب جغرافيا، في القرآن تضاريس، ذكر جبال وأودية وسهول لكن لم ينزل ليكون جغرافيا.والقرآن ليس كتاب تاريخ، فيه تاريخ، لكنه نزل ليكون كتاب هداية للناس أجمعين.قال ابن مسعود: [[كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نجاوزهن حتى نعمل بما فيها من العلم والعمل جميعاً]].
 أهمية علم الحديث وعلم أصول الفقه
ضعف بعض الفقهاء في علم الحديث.لا يعفى طالب الشريعة أن لا يعرف تخريج الحديث، أو صحة الحديث، ويقول: تخصصي شريعة وأصول فقه، لأنه سيكون معلماً، وعالماً، وداعيةً، ومفتياً، فكيف يستدل بالحديث الضعيف والموضوع!! فهذا ضعف دخل فيه كثير من المتفقهة، حتى ذكر عن كثير من العلماء أنهم لا يميزون بين الحديث الضعيف والموضوع، والصحيح والحسن، ويحضرون الحديث هكذا بلا خطام ولا زمام، من أين والشريعة هي قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.فكتب الفقه يحتاج كثير منها إلى تحقيق تخريج، وحبذا لطالب الفقه أو الشريعة أن يكون له اهتمامٌ بالحديث وتخريجه، ولو اهتمام نسبي لا كاهتمام متخصصينا في تخريج الحديث.وأيضاً مشكلة عدم معرفة بعض المحدثين الفقه والاستنباط.وجد في المحدثين من يورد الأحاديث لكن لا يستطيع أن يستنبط، منها لأنه لا يملك قواعد وأصول فقه، فيحتاج هذا إلى قراءة بعض كتب الفقه إلى أن تتكون عنده ملكة، وأن يكون عنده كتاب ولو مختصراً في أصول الفقه يعرف كيف يستنبط الفقهاء، يعرف العموم والخصوص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، ولو على وجه الإجمال، وهذه لا تأخذ منه إلا أياماً قليلة.بعض الناس يكثر في العلم، لكنه على حساب جودة العلم، والجودة هي المطلوبة قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [هود:7] ولم يقل: أكثر عملاً.
تفاوت الناس في العلم
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام رحمه الله، الذين قالوا في هذه السلسلة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام؛ عبد السلام هذا جده أبو البركات، صاحب المحرر والمنتقي قالوا عن جده: كان قمراً، وأبوه كان نجماً، وابن تيمية كان شمساً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [الإسراء:12].جلس معه بعض الناس فجادلوه في مسألة، قال ابن كثير: لقيه العلماء ولكن والله الذي لا إله إلا هو إنها ذرات صادفت جبلاً، وبحيرات صغيرة صادفت بحراً عذباً؛ يعني: ابن تيمية.أتى رجلٌ يسأله في مسألة فرد أخوه عبد الله؛ وكان عالماً، لكن العلماء عند ابن تيمية إذا حضروا انطفأت نجومهم:فإنك شمسٌ والملوك كواكـب إذا ظهرت لم يَبْدُ منهن كوكب فأتى رجل يجادل ابن تيمية من أهل البدعة؛ عنده علم لكن علم خرافي، فسكت ابن تيمية يتبسم، مصيبة إن ذهب يجادل هذا، أين ابن تيمية وقوته العلمية، وتيقظه، وبحره، وسيلانه؟!! وإن صار يسكت، فمشكلة:ولو أنه جهلٌ بسيطٌ عذرته ولكنه يأتي بجهلٍ مركب هذا أحد المادحين لابن تيمية يقول: ليت خصوم ابن تيمية علماء يعرفون، لكنهم جهلة.
 مكانة النحو من العلم
النحاة ليس لهم نصيب فيما سبق، لكن نتكلم قليلاً.صحيح أن النحو من أشرف العلوم، وأن الإنسان إذا لم يصلح لسانه اختبل، لا ندعي أنه بالنحو سوف يكون رجلاً فصيحاً لا يلحن أبداً، فلا يسلم من اللحن أحد في الغالب، سيبويه إمام النحو، الذي صنع النحو من خيوط الحرير وجمعه من البوادي، ووضع كتاباً كالمعجزة اسمه الكتاب، كان لا يتكلم العربية بطلاقة، ولو أنه عملاق وعبقري من أذكى الناس، مات وعمره اثنان وثلاثون سنة.من تلظي لموعه كاد يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى من تداجي يا بن الحسين أداجي أوجهاً تستحق ركلاً ولطما سيبويه هذا لم يكن كلامه فصيحاً، يقال عن ابن رجب وابن كثير إنهما يشققان الكلام حتى يذهب عن المقصود.وتَجد في كثيرٍ من النحاة كثيراً من الخيلاء والعجب؛ حتى دخل أحدهم يلحن ولا يدري أنه يلحن، قالوا: ماذا تريد؟ قال: رمانتان طازجتان طيبتان، ثم أخذ من هذا المثنى، قال له البائع: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13] تستحق ضربتان، وصفعتان، وركلتان، أو كما قال، ذكره ابن الجوزي عن هذا.المقصود أن التعمق والتقعر من شيم أهل الكبر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {هلك المتفيهقون} قال أهل العلم: المتفيهقون هم الذين يتكلمون بتوسعٍ ليظهرون فضلهم وعلمهم عند المجالس وليس عندهم علم، يتكلم في عوامٍ ما يعرف الواحد منهم اسمه، فيقول: إن الحال يوم ينصب حينها يكون للعامل فيه تأثير وهو الفاعل في الغالب، وإنني يوم انطلقت اليوم مع إشراقة الصباح ونداء الفجر وإطلالته ونسماته، ما يدرون هل يتكلم عربي أو فرنسي فهذا معناه العجب؛ قال ابن قتيبة: سقط نحويٌ في حفرة، فأتاه رجل ينقذه، قال: مالك؟ قال: خذ حبلاً رقيقاً، وشده شداً وثيقاً، واسحبني سحباً رفيقاً، قال الرجل: امرأتي طالق ثلاثاً إن أنقذتك من الحفرة، الآن تلقي محاضرات وخطب جمعة ورأسك في الحفرة، ما هذا التكلف.فالنحو يطلب للوصول إلى المقاصد.أيها الإخوة الفضلاء: قبل أن نأتي إلى انتهاء هذه الجلسة نحب أن نسمع الأسئلة الشفوية؛ لكن هذه الأسئلة لا بد أن تدور حول الدرس، أما في الرضاع أو في الطلاق أو في الحجاب فبعيد، ولو أن أحد الإخوة يريد أن تكون مباشرةً.
الأسئلة

 القراءة في الكتب المطولة والمختصرة
السؤال: في الكتب المطولة الموجودة في المكتبات يجد الطالب عندما يقرأها أنها مضيعة للوقت فلو كان هناك كتب مختصرة يكون فيها العلم النافع؟الجواب: هذا السؤال كغيره سبق الإجابة عليه في المختصرات والمطولات، وفن القراءة في المختصرات وفن القراءة في المطولات.وكما ذكرت أن الذهبي ترجم لأحد العلماء، قال: زهد الناس في كتبه لطولها، فالكتاب الطويل ثلاثون مجلداً إذا بدأ في أول مجلد فلا ينتهي من قراءة المجلد الأول حتى يكون قد نسي ما في أوله، والكتب المضبوطة المختصرة تحفظ لك العلم، والكتب المطولة تعطيك ملكةً واستشرافاً وحب مباحثه ومناقشته للعلماء، فلا بد من قراءة المطولات ولو لم تصب شيئاً من العلوم، لكن المختصرات تُهدِّفُ لك العلم، في الفقه زاد المستقنع وفي الدليل، منار السبيل، العدة شرح العمدة، الحديث: بلوغ المرام، رياض الصالحين، المنتقي للجد ابن تيمية، البيقونية في المصطلح.أنا ذكرت كتباً هناك من عاد إلى الشريط وجدها فيه.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , علم السلف وعلم الخلف للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net