اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصيام تدريب روحاني للشيخ : عائض القرني


الصيام تدريب روحاني - (للشيخ : عائض القرني)
رمضان شهر التوبة والغفران، وهو أعظم فرصة للمذنبين ليعودوا إلى الله.وفي هذا الدرس بيان لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهدي السلف الصالح في رمضان، وبيان للأخطاء التي يرتكبها الناس في رمضان.
وقفات مع آيات الصيام
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم عليه من معلم جليل، ومؤيد بجبريل، ومذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد: يا مسلمون! يا مصلون! يا صائمون! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.وإن كان من شكر فإني أشكر الله تبارك وتعالى على أن أجلسني أمام الصالحين الأبرار، والنبلاء الأخيار، ثم أشكر أهل الفضل لفضلهم وهم الداعون من ثانوية الملك خالد بهذه المنطقة، مديراً وأساتذة وطلاباً.جاءكم ضيف كريم على أنفسكم، وأتاكم حبيب طالما تشوقتم إليه، أو الكثير منكم طالما تشوق إلى هذا الضيف، وهو الصيام وشهر رمضان.مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام قد لقيناك بحب مفعمٍ كل حب في سوى المولى حرام فاقبل اللهم ربي صومنا ثم زدنا من عطاياك الجسام لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلام أتى شهر رمضان وقد فقدناه سنة، وفي هذه السنة الله أعلم ماذا فعلنا فيها؟ ذنوباً وخطايا، ومعاصٍ وفواحش، كبائر وصغائر، تخلف عن الجماعات، وإغضاب لرب الأرض والسماوات، سيئات كثيرة، لكننا نسأل الله مغفرة، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن ما لم تغش كبيرة) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.أتى رمضان ووقف العصاة على أبواب التوبة.. أتى رمضان وتحركت القلوب إلى باريها.. أتى رمضان لتبكي العيون التي ما عرفت الدموع.. أتى رمضان لتلين القلوب التي كانت قاسية.. أتى رمضان لتجوع البطون التي طالما شبعت وما عرفت الجوع.. أتى رمضان لتضمأ الأكباد التي ما عرفت الضمأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183].يا مؤمنون! يا مصلون! يا حملة الرسالة الخالدة! يا أهل المساجد! يا أهل الثلث الآخير من الليل! أنتم المؤمنون لا غيركم، الآية لا تخاطب الفنانين والفنانات، ولا الراقصين والراقصات، ولا المطبلين والمطبلات، إنما تخاطب أهل الإيمان، الذين غرسوا في قلوبهم لا إله إلا الله، والذين سجدوا لله، وتوجهوا إلى الله: يا أيها الذين آمنوا.ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] فهو واجب وفريضة وليس بسنة: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] والمقصد من الصيام أن يتقي العبد ربه.كيف يتقي العبد ربه بالصيام؟إذا جاع انكسر وتواضع وعرف الله، فالعين لا تغض عن الحرام حتى يتقي العبد ربه، والفرج لا يحفظ إلا إذا اتقى العبد مولاه، ومتى يحفظ؟ إذا جاع.إن الشبع وكثرة المطعومات والملبوسات، والمرطبات والمشروبات والمشهيات تجعل القلب جباراً، لا يغض طرفه، ولا يحفظ فرجه، ولا يدري ماذا يأكل، ولا يحفظ أذنه من الحرام.لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] فالتقوى في الصيام، يقول عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) يوم يصوم العبد تذبل روحه، وينكسر قلبه، ويتوجه إلى الله، ويصبح عبداً لله.فيا أيها الإخوة! من منطلق هذه الآيات نأخذ دروساً من الصيام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ [البقرة:183-184] ليست شهوراً، كم أكلنا؟ كم شربنا؟ كم تمتعنا؟إحدى عشر شهراً ونحن نأكل أفلا نصوم شهراً واحداً؟ إحدى عشر شهراً نشرب أفلا نصوم شهراً واحداً؟ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184] مرحباً برمضان، شهر التوبة، وأسأل الله في هذه الليلة المباركة أن أكون وإياكم والمسلمين من عتقاء هذا الشهر، الذين اطلع الله عليهم في ليال حبيبة قريبة من ليالي الصيام، فأعتقهم من النار، ويحرَّم أجسادهم على النار، وعظامهم وعصبهم وشحمهم ودماءهم.يا رب! عبادك بين يديك من يرحمنا إذا لم ترحمنا؟! من يغفر إذا لم تغفر لنا؟! من يقبلنا إذا رددتنا؟! من يتوب علينا إذا لم تتب علينا؟!إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار شَهْرُ رَمَضَانَ [البقرة:185] ما هي مواصفاته وصفاته؟ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]؟يا أيتها الأمة التي كانت أعرابية بدوية متخلفة ساذجة، فأنزل الله عليها القرآن؛ فحكمت الدنيا!يا أيتها الأمة التي ما عرفت الثقافة والمعرفة والنور فأنزل الله عليها القرآن ففتحت الدنيا!شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185] لك الحمد، ولك الشكر، ولك الثناء الحسن: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185] لكن هنا قضايا: أولاً: هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام. كيف كان يصوم؟ثانياً: أثر الصيام في تربية النفس.. التلاوة.. الصدقة.. النوافل.. ذكر الله.. التفرغ للعبادة.. طرد الشيطان.. إلى غير ذلك من القضايا.ثالثاً: الأعمال الصالحة في رمضان، بم نقضي شهر رمضان؟وهذه المآسي التي نعيشها إن لم نوجد لها حلاً إسلامياً سوف نستمر في الخطأ، أصحيح أن رمضان يحدث في بعض الأماكن، وفي بعض الأسر والبيوت رجالاً ونساء يكون موسماً للنوم، النهار نوم والليل يقظة وسمر وسهر في غير طائل، بل في المعاصي والمخالفات، ثم يأتي الإفطار فتكون مطعومات ومشروبات ومرطبات تكفي الجماعات الهائلة ثم ترمى وتهلك وتهدر بلا حساب ولا مراقبة لله؟تلك خطايا سوف نمر بها هذه الليلة، لكن ما هي الأعمال الصالحة التي نقضيها في شهر رمضان؟ذلكم ما سوف نستمع إليه في هذه الليلة المباركة إن شاء الله.المسألة الرابعة: محاذير يقع فيها كثير من الناس في رمضان.أ- السهر الضائع أولاً.ب- كثرة المطعومات والمشروبات والتهيؤ لهذا الإفطار والسحور بشيء الله به عليم.ج- إدمان النوم وكثرته على حساب رقة القلب والعبادة.د- عدم التأثر بالصيام، يدخل الشهر ويخرج ولا أثر ولا تربية ولا نزع ولا فائدة؛ فما هي فائدة الصيام؟هـ النزول إلى المحلات والأسواق بكثرة حتى أصبحت ظاهرة عند كثير من المسلمين في رمضان؟
 

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان
ما هو هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان؟أولاً: صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصحيحين: (يقول الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره أو بصومه، وإذا لقي ربه فرح بصومه) أو كما قال عليه الصلاة والسلام ثم قال في آخر الحديث: (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك والصوم جنة -يعني وقاءً وساتراً وحاجباً- فإذا كان يوم صوم أحدكم فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم).أولاً: يقول الله في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي) لأن الصلاة والناس يرونك، والحج والعمرة تكونان مع الناس، والزكاة تزكي بمرأى ومسمع من الناس، لكن الصيام سر بينك وبين الله.من يعرف -أيها الإخوة المسلمون- أنك صائم أو غير صائم إلا الله؟ بإمكانك أن تتستر بالحيطان، بإمكانك أن تختفي وراء الجدران ثم تأكل وتشرب ولا يدري بك إلا الله.وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقلها إن الذي خلق الظلام يراني والمؤمنون يتميزون عن الكفرة بالإيمان بعلم الغيب: آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:1-3] إيمانٌ بالغيب، يعبدون الله كأنهم يرونه فإن لم يروه فإنه يراهم سُبحَانَهُ وَتَعَالى.أحد الصالحين توفي فرئي في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ذنبي، قالوا: بماذا؟ قال: أذنت وحدي في الصحراء وأقمت ولا يراني إلا الله.والصيام سر بينك وبين الله، ولذلك تميز الصيام عن غيره من الأعمال أنه لا يعلم بك إلا الله، وقد سمعنا وشاهدنا ونقل إلينا من كثير من أبناء المسلمين الذين يعيشون في بلاد المسلمين ممن قلت رقابتهم لله، وممن ضعف إيمانهم في قلوبهم، وممن تذكروا كل شيء إلا الله، استحيوا من الناس وما استحيوا من الله: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء:108] مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة:7].إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب وجد من شبابنا بل من كبار السن ممن قلت رقابتهم؛ من يأكل ويشرب في رمضان، لا إله إلا الله! أبعد هذا العمل خوف من الواحد الديان؟! أبعد هذا التصرف خشية للرحمن؟! أي إيمان هذا؟ وهذا لأنهم تربوا على غير القرآن، ولم يعرفوا المساجد، ولم يداوموا على الصلوات الخمس، أخذوا ثقافتهم من المجلة الخليعة، والجلسة الآثمة، والأغنية الماجنة، والجلساء السيئين، فانقطعوا عن القرآن والحديث، وانقطعوا عن الدعوة والمحاضرات والدروس، فوقعوا في براثن المعصية.
 مدارسة القرآن مع جبريل
وفي رواية: {فيدارسه القرآن إذا لقيه جبريل} ويختم معه القرآن ويعيش مع آيات الواحد الديان، ويتدبر معه العبر التي أنزلها الرحمن، فيأتي صلى الله عليه وسلم كالريح المرسلة، بالعطاء، والعلم، والنفع، والفائدة، والصدقة، هذا هديه، إذن يستفاد من الحديث الصدقة، وتلاوة القرآن، ومدارسة كتاب الله عز وجل، هذا هديه صلى الله عليه وسلم.أما لياليه فلا تسأل عنها، فهي عبادة وبكاء، ومناجاة للواحد الديان.قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17].. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17].. كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17] يا من أذهب ليله بالمعاصي! يا من جعلها في السهرات والسمرات! يا من ضيعها في المخالفات والسيئات! أما خفت الله؟ أما راقبته وحاسبت نفسك قبل أن يحاسبك الله؟
أثر الصيام في تربية النفس
القضية الثانية: أثر الصيام في تربية النفس:من فوائد الصيام -ومن لم يستفد من صيامه في رمضان فليراجع نفسه، وليعلم أن في صيامه نظر، وليعلم أن في صيامه نقص، وليعلم أنه ما صام صياماً حقيقياً-:
 التفرغ للعبادة وقراءة القرآن
المسألة الخامسة من الفوائد: التفرغ للعبادة، إذا لم يأتِ هذا السر في الصيام أصبح الصيام ناقصاً، فمن أسرار الصيام -يا مسلمون ويا مسلمات، ويا مؤمنون ويا مؤمنات- التفرغ للعبادة، وذلك لأن الطبخ والنفخ وكثرة الاشتغال في المأكولات والمشروبات تأخذ وقتاً على الإنسان، بل بعضهم ما همه في أكثر الأوقات إلا في الأكل والشراب، بعضهم الآن له خمس وجبات يفطر في الفطور فيشاور أهله وهو على الإفطار ماذا تريدون من الغداء؟ فإذا تغدوا، عقدوا مجلساً مغلقاً للعشاء، ودار الحوار بالأغلبية عن الوجبة التي تقدم في العشاء، ثم يأتي العشاء، وفي العصر لا تسل عما يمر من شاي وقهوةٍ وباردٍ وببسي وميرندا وفواكه وغيرها، حتى أصبحت حياتنا حياة أكل وشرب، أصبحت الزيارات للأكل والشرب، لا آية، ولا حديث ولا استثمار، وما كانت هذه حياة السلف.ونحن لا نقول للناس لا تأكلوا وتشربوا لكن نقول لهم: نظموا حياتكم وبرمجوا أوقاتكم ليكون هناك استثمار للعبادة وطائل من الحسنات ووقت لرفع الدرجات عند المولى، أما تنظر إلى الخواجة الكافر وهو في مصنعه ومعمله يهدر وهو لا يجد وقتاً، يأكل الطعام وهو واقف، وهو لا يرجو جنة ولا ثوباً ولا يخاف ناراً ولا عقاباً، فكيف يذهب الوقت سدى؟قالوا: من فرص الصيام التفرغ للعبادة وهو صحيح، فإنك من صلاة الفجر ليس عندك ما تشتغل به، ثم يأتي الظهر وهو وقت الوجبة التي يأخذ على الناس لإعدادها وإحضارها ساعتين أو أكثر، فهذا أنت معفي عنه أيام رمضان، ثم العصر حتى تتفرغ ويتفرغ قلبك للاتصال بالحي القيوم وهي فرصة.
هدي الإسلام في رمضان
والمسألة الثانية من فوائد الصيام:
 صلاة التراويح
ومما يكثر في رمضان ويحافظ عليه؛ صلاة التراويح، فاجتماعك بالمسلمين فرصة لا تتعوض، ولعل الله يغفر للجمع فتكون أنت منهم وأنت مسيء فيدخلك الله في حسنات الصالحين، ولذلك يقول الداعي والإمام والقانت في رمضان: اللهم هب المسيئين منا للمحسنين، أليست فرصة أن تدخل مع المسلمين، عل الله أن يتوب على الجمع فيدخلك معهم؟!ولذلك في الحديث الصحيح: {إن الله عز وجل يسأل ملائكته وهو أعلم: أين كنتم؟ قالوا: مررنا على عباد يسبحون ويهللون -والله أعلم- قال: هل رأوني؟ قالوا: ما رأوك ولو رأوك كانوا لك أكثر تقديساً وتسبيحاً، قالوا: ويسألونك يا رب! قال: ما يسألونني -والله أعلم؟- قالوا: يسألونك الجنة، قال: هل رأوا الجنة؟ قالوا: ما رأوها، قال: كيف لو رأوا الجنة؟ قالوا: كانوا أكثر سؤالاً وطلباً وإلحاحاً، قال: ومما يستعيذون؟ قالوا: يستعيذون من النار، قال: هل رأوها؟ -والله أعلم- قالوا: ما رأوا النار، قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: كانوا أكثر استعاذة واستجارة من النار، قال: أشهدكم أني غفرت لهم وأدخلتهم الجنة، فتقول الملائكة: يا رب! -وهو أعلم- فيهم فلان بن فلان ما حضر معهم إلا جالساً، لا يريد ما أرادوا، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وله غفرت} فاغتنم صلاة التراويح ولا تفوتك لعل الله نظر إلى عباده في مسجد من المساجد فغفر لهم جميعاً وأنت معهم.يقول ابن القيم: "اهجم هجمة الكذابين، وادخل مع المتطفلين؛ علك أن تكون مع الصادقين" المتطفل هذا هو الذي يأتي للضيفة ولم يدع إليها، إذا رأى زواجاً وقناديل معلقة في الشوارع لبس ثوبه وأتى، يوهم أهل البيت أنه من الضيفان، ويوهم الضيفان أنه من أهل البيت، وهذا كثير في فن التطفل، فيقول ابن القيم: افعل مثل ما يفعل المتطفل، ادخل معهم وأنت لست معهم لكنك مذنب مخطئ عل الله أن يجعلك مع الصادقين.وصلاة التراويح على الصحيح إحدى عشرة ركعة، ولا بأس بمن زاد عليها لكن صح عند مسلم عن عائشة قالت: {ما زاد رسول صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا غير رمضان على إحدى عشرة ركعة} فعلى الأئمة أن يأخذوا هذه السنة فيصلوا إحدى عشرة ركعة، ثمان ركعات وثلاث وتر، فهذه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي رواية عن ابن عباس في صحيح البخاري: {ثلاث عشرة ركعة} جمع بينها ابن القيم فقال: بركعتي الفجر، وإلا فالأصل إحدى عشرة ركعة، لكن صلاة الليل بركعتي الفجر ثلاث عشرة ركعة.
محاذير في رمضان
محاذير يقع فيها كثير من الناس في رمضان:
 الخروج إلى الأسواق
الظاهرة الخامسة: ومن الظواهر التي منيت بها الأمة الإسلامية أو المجتمع المسلم الآن: الخروج المكثف إلى الأسواق، قبل صلاة المغرب، تجد السوق يزداد سيارات ورجالاً، على المحلات كأن القيامة قامت، لو قامت القيامة كان أحسن للعمل الصالح، لكن كأن الأطعمة سوف تنتهي هذه الليلة، وينزل الناس إلى الأسواق كأن الأقلام رفعت عنهم، يأخذون ويلبسون من كل ما لذ وطاب، وكأنه سوف يأكل ما في السوق، فتزدحم الأسواق، وهذا الازدحام فيه ضرر، ويأتي بعد صلاة التراويح ما الله به عليم، اختلاط بين الرجال والنساء يغضب المولى، وضياع للأوقات، وفيه ثلاثة محاذير: الأمر الأول: قسوة قلب.الأمر الثاني: اختلاط الرجال بالنساء.الأمر الثالث: ضياع للوقت الثمين: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ} فيا مسلمون! سيطل عليكم الشهر الكريم بعد أيام فاستقبلوه برضا وتسليم وحاولوا كل المحاولة أن يكون كفارة لما سبق، واجتهدوا أن تكونوا من عتقاء الله في هذا الشهر: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103].يا مسلمون! فرصة والله لا تتعوض، فرصة نادرة سانحة لمن أراد الله والدار الآخرة أن يجدد توبته، فيا من عصى الله كثيراً!ويا من تمرد على الله كثيراً!ويا من تعدى حدود الله كثيراً!ابدأ بالتوبة واستغفر الله وجدد توبتك إلى الله؛ وعد إلى الله علّ الله أن يجعلك من التائبين والمقبولين، فإن عطاء الله يغدو ويروح وبابه مفتوح ونواله ممنوح: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].
كلمة إلى الأخت المسلمة
وفي آخر هذه الكلمة والمحاضرة أتوجه بالكلام إلى المرأة المسلمة؛ علها أن تسمع هذا الكلام مباشرة أو بواسطة الشريط: أن تتقي الله في رمضان، وأن تحافظ على رمضان ألا يفوتها ويسلب منها، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وخافت ربها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها) فهنيئاً للمرأة المسلمة التي جددت توبتها في أول رمضان، وأكثرت من التلاوة والذكر، وقدمت لنفسها من الصدقات، وأطاعت زوجها في طاعة الله، وغضت بصرها، وحفظت زوجها في نفسها، وقامت بإدخال الإسلام بيتها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ما معنى إدخال الإسلام البيوت؟ معناه أن تدخل الصلاة البيت، وأن تدخل القرآن والشريط والكتاب الإسلامي وذكر الله البيت، وأن تخرج المعاصي والغناء والفحش والخنا وكل ما يغضب الله من البيت، هذا هو معنى الإسلام، والمرأة المسلمة كفيلة إذا وفقها الله بهذا، فإذا صلحت أصلح الله بها أبناءها.الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق الأم نبت إن تعاهده الحياء بالري أورق أيما إيراق أسأل الله لنا ولكم صلاحاً، رجالاً ونساء، وتوفيقاً خالداً، حضوراً وغياباً، وأن يتغمدنا برحمته ويجزل لنا مثوبته، وأن يجعلنا من عتقائه في هذا الشهر، وألا يجعلنا من قوم دخل عليهم رمضان ولم يخافوا فيه الديان، ولم يتقربوا إلى الرحمن، ولم يستفيدوا فيه من الدروس وما اتعظوا بالعبر.اللهم لا تجعلنا من قوم انسلخ عنهم رمضان وهم في الغضب والخسران والخذلان والحرمان، واجعلنا ممن أعتقتهم من النيران، وصفدت عنهم الشياطين وأدخلتهم الجنان، برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم أسدل علينا عفوك وبرك ورحمتك، واعتق رقابنا من النار، فإن أجسامنا على النار لا تقوى.اللهم ثبتنا بالقول الثابت، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا ممن تقبلت عنهم أحسن ما عملوا وتجاوزت عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
 الخروج إلى الأسواق
الظاهرة الخامسة: ومن الظواهر التي منيت بها الأمة الإسلامية أو المجتمع المسلم الآن: الخروج المكثف إلى الأسواق، قبل صلاة المغرب، تجد السوق يزداد سيارات ورجالاً، على المحلات كأن القيامة قامت، لو قامت القيامة كان أحسن للعمل الصالح، لكن كأن الأطعمة سوف تنتهي هذه الليلة، وينزل الناس إلى الأسواق كأن الأقلام رفعت عنهم، يأخذون ويلبسون من كل ما لذ وطاب، وكأنه سوف يأكل ما في السوق، فتزدحم الأسواق، وهذا الازدحام فيه ضرر، ويأتي بعد صلاة التراويح ما الله به عليم، اختلاط بين الرجال والنساء يغضب المولى، وضياع للأوقات، وفيه ثلاثة محاذير: الأمر الأول: قسوة قلب.الأمر الثاني: اختلاط الرجال بالنساء.الأمر الثالث: ضياع للوقت الثمين: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ} فيا مسلمون! سيطل عليكم الشهر الكريم بعد أيام فاستقبلوه برضا وتسليم وحاولوا كل المحاولة أن يكون كفارة لما سبق، واجتهدوا أن تكونوا من عتقاء الله في هذا الشهر: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103].يا مسلمون! فرصة والله لا تتعوض، فرصة نادرة سانحة لمن أراد الله والدار الآخرة أن يجدد توبته، فيا من عصى الله كثيراً!ويا من تمرد على الله كثيراً!ويا من تعدى حدود الله كثيراً!ابدأ بالتوبة واستغفر الله وجدد توبتك إلى الله؛ وعد إلى الله علّ الله أن يجعلك من التائبين والمقبولين، فإن عطاء الله يغدو ويروح وبابه مفتوح ونواله ممنوح: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].
الأسئلة
.
  إذا طهرت المرأة قبل الأربعين
السؤال: إذا طهرت المرأة قبل الأربعين، فهل عليها صوم؟الجواب: إذا طهرت المرأة قبل الأربعين وانقطع دمها فعليها أن تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها، ولو طهرت قبل الأربعين بيوم واحد.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصيام تدريب روحاني للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net