اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة القطوف الدانية الوفاء للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


سلسلة القطوف الدانية الوفاء - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
الوفاء خلق جميل وأمر ممدوح يأمر به الدين وتدعو إليه الفطرة السليمة، ويتفاخر به الناس من مختلف الاتجاهات، والأدب العربي والواقع الإنساني مليء بالقصص المتعلقة بالوفاء.
معنى الوفاء وأمثلته

 أسباب إدراك الإنسان لصفة الوفاء
الملقي: هل الوفاء صفة جبلية تطبع عليها النفس البشرية، أم أنها صفة مكتسبة، إذا كانت صفة مكتسبة فما هي الأسباب التي تكتسب بها؟الشيخ: يجتمع فيها الأمران: جبلية ومكتسبة فتكون نبتة ربانية مغروسة في الأسرة التي ينتمي إليها الرجل والديار التي ينشأ فيها، ثم تكتسب من خلال التربية ومن خلال التجارب والتعلم. أما الأسباب فقد نسميها أسباباً أو فلنقل: مدركات أو نقول: ثمة أشياء حول الإنسان لابد أن يحتاط لها، فإذا عرفها حقق خلق الوفاء. ينبغي أن يعلم أولاً أن الله جل وعلا يحب معالي الأمور، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فلما قدم صلى الله عليه وسلم كان للعرب خلق كريم وخلق ذميم، فالخلق الكريم لم يزحه النبي عليه الصلاة والسلام.والله جل وعلا يقول في سورة النور: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22]، فعبارة (أولو الفضل) تبين أن هناك قوماً لهم مزايا وعطايا وقوماً ذوي خلق نبيل شريف وموقف كريم. هذه النصوص الشرعية تبين لنا بجلاء أن الله تبارك وتعالى يحب معالي الأمور ما الوفاء؟ أحد أعظم معالي الأمور، فإذا أدرك الإنسان هذا أصبح في طريقه لبناء نفسه لابد أن ينطلق من أصل شرعي، فالأفعال أو الصفات أو الخصائص أو النعوت التي يحبها الله جل وعلا ينبغي للمرء أن يتحلى بها. فإذا كان الإنسان رفيعاً شريفاً يحب تلك الأمور -وهي تحتاج بالطبع إلى تضحيات- يهون عليه الأمر أن الله جل وعلا يحبها، والرب يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، والعلماء يقولون: من صبر على ما يكره وأنفق مما يحب نال البر، ولا ريب أن الوفاء من أعظم خصائص البر؛ هذه الأولى. الثانية: الإنسان ينبغي أن يعلم أن الأيام دول. قد يقال: ما علاقة الوفاء بأن الأيام دول؟ والجواب: أن الإنسان قد يكون وفياً لمن تغير عليه الأمر.فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينافلو خلج الكرام إذاً خلجنا ولو بقي الملوك إذاً بقينافالمقصود أن الإنسان يعلم أن الأيام دول، فمثلاً: الإمام عبد الرحمن الفيصل آل سعود رحمه الله نزح إلى الكويت بعد أن سلب الملك، والملك عبد العزيز رحمة الله تعالى عليه مؤسس هذه البلاد انطلق من الكويت، وأميرها آنذاك هو الذي آوى الأسرة، فانطلق منها الملك عبد العزيز وفتح الله على يديه مدائن ووحد الله على يديه بلاداً وجمع الله على يديه الشمل وأقام هذه البلاد المباركة المشهودة.ثم دارت الأيام فتعرضت الكويت لما تعرضت مما لا يمكن أن يغفل عنه أحد وهو غزو العراق. ثم قدر أن يقوم الملك فهد رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة برد الجميل لأهل الكويت فتؤوى الأسرة الحاكمة من الكويت في ديارنا، ويدخل أهلها شرفاء أحراراً إلى ديارنا، ثم عادوا ولله الحمد والمنة ومن الله عليهم بما من عليهم، والمقصود من هذا أن الأيام دول.ومن عرف أن الأيام دول يحاول أن يصطنع المعروف، ثم إنه يبعد تماماً عن الشماتة، لماذا؟ لأنها سنة الله في خلقه، فالدنيا ككرسي الحلاق هذا يصعد وهذا يهبط، وأنت ترى هذا عياناً في سوق الأسهم ففي أيام كان هناك ناس أمسوا ولم يصبحوا. ولا يخفى أمر البرامكة وما كان لهم من علو كعب في دولة بني العباس؛ لكن ينبغي أن يعلم أن الأيام دول وأن الله يحب معالي الأمور.الأمر الثالث: أن الحياة مراحل، وعلاقة (الحياة مراحل) بالوفاء أنه لا يوجد عالم شهير عرفه الناس بين عشية وضحاها، ولا يوجد ملك مشهور بالقوة السياسية والعقلية وصل إلى الملك بين عشية وضحاها، ولا يوجد غني أغناه الله بين عشية وضحاها، لكن القضية أن الإنسان يمر في حياته بمراحل، وخلال مراحل حياتنا يكون هناك أناس صفوة.الشيخ: إذا خذلنا الغير يكون لهم دعم؛ فالأم تعكف على ولدها وتربيه وتتعاهده وترفض أن تتزوج من أجله، وإخوة يساعدون أخاهم يظنون به القدرة على العلم، أصحاب يعينون صديقهم على نوائب الدهر حتى يصل، طلاب يعينون شيخهم حتى يبلغ. وهكذا في سائر مجالات الحياة، فالحياة مراحل، فإذا وصل الإنسان إلى الغاية يجب عليه أن يبر من سبقت له عليه النعمة واليد كما سيأتي تحريره. وبعد العلم بأن الحياة مراحل وطن النفس على قضية.كذلك ينبغي أن يعلم أن الإحسان مما يسترق به رقاب الأحرار، يقول المتنبي : ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرداوقد جاء في السيرة العطرة والأيام النضرة لنبينا صلى الله عليه وسلم أنه في صلح الحديبية كانت قريش تبعث الرجال ليتناوبوا في المباحثات مع النبي عليه الصلاة والسلام. أحد الرجال الذي قدموا كان بذيء اللسان، فلما وقف عند النبي عليه الصلاة والسلام كأنه أراد أن يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم بيده، وكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه واقفاً بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحى يد الرجل بكعب سيفه، فلما نحى الرجل سأل هذا الرجل وهو بذيء اللسان قال: من أنت؟ يقول للمغيرة ، قال: أنا المغيرة ، قال: لولا أن يداً لك عندي لأجبتك، فعبر باليد عن النعمة. ومن باب الفوائد أن العرب تعبر باللسان عن الثناء، ومنه قول الله جل وعلا: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84]، وتعبر بالقدم عن السعي: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:2]، أي: سعياً وعملاً صالحاً، وتكني باليد عن النعمة: ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا.فالمقصود: كما قال الأول: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان الإنسان لا يسترق قلوب الأحرار بأعظم من اليد؛ لأن الحر يحفظ اليد، فحتى لو تبدلت الأيام وتغيرت السنون فأظهره الله أو غيره يستحي، ومن هذا جاء وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لـمطعم بن عدي ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة بجوار مطعم بن عدي بعد عودته من الطائف، وكان المطعم كافراً ومات على كفر.ففي غزوة بدر أظهر الله نبيه فنظر عليه الصلاة والسلام للأسرى والقتلى فقال عليه الصلاة والسلام وهو المشرع للأمة وهو القدوة: (لو أن المطعم بن عدي كان حياً فكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له)، لماذا ذكر المطعم دون سائر قريش؟ لا لقرابة وإنما ليد كانت لـمطعم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت وفاءً له، فهذا يدل على ما حررناه من قبل.والمقصود من هذا أن الإنسان إذا أحسن يستجلب رحمة الله، وفي نفس الوقت يسترق قلوب الأحرار، يقولون: إن رجلاً من الخوارج خرج على الحجاج بن يوسف لظلمه، فظفر به الحجاج وعرف فيه الشرف فأعتقه ولم يقتله، فلما تركه ومضت الأيام ذهب الخارجي إلى قومه، فقالوا: هلم بنا نحارب هذا الخبيث مرة أخرى، فقال: هيهات، هذا لا يمكن أن يقع، وكما قيل: أسر يداً معتقها، وملك رقبة مطلقها.المقصود: أنه لما من عليه الحجاج وأعتقه جعل مانعاً له في حرب الحجاج مرة أخرى.والأنفس الأبية تعرف معنى الإحسان، ولا يمكن أن يكون الوفاء إلا في أقوام شرفاء عظماء أجلاء، وإن كان ذلك أمراً نسبياً يتفاوت الناس فيه كسائر الأمور؛ لكن المقصود أن هذه الخمس هي أعظم المدركات الذي يحتاجها المرء في الوصول إلى الوفاء.
مجالات الوفاء

 الوفاء للأصحاب
الملقي: من صور الوفاء أيضاً الوفاء مع الأصحاب والإخوان.الشيخ: الذين نعاشرهم من الأصدقاء الأصحاب الزملاء وقرناء العمل والجيران كلهم يحتاجون إلى وفاء، خاصة من كان بيننا وبينهم حرمة يقولون: إن موسى عليه السلام لما التقط التمرة جاء جبريل وجعلها في الجمرة، فكأنه أصاب موسى تشويه جزئي، فصار فرعون لا يريد أن يأكل مع موسى فيقال: إن الله حفظ موسى عن أن يأكل مع فرعون حتى لا تبقى بين موسى وفرعون حرمة مؤاكلة فيكون زوال ملك فرعون على يد موسى أمر لا غرابة فيه شرعاً ولا يتنافى مع خلق الوفاء الذي جعله الله جل وعلا في أنبيائه. ولهذا لما أضاف إبراهيم الملائكة قال الله عنه: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70]؛ لأنه إذا لم تقع مؤاكلة فهذا يشبه الغدر. نقول: الأصدقاء والخلطاء والأصحاب والجيران لهم حق الوفاء؛ لكن وسائل البر تختلف، فمن بر ذوي العشرة والصحبة ذكر الحميد ومواصلتهم وإعانتهم أيام أفراحهم، ومواساتهم أيام حزنهم.
الوفاء لأصحاب الأيادي البيضاء
الملقي: هنا محور يتعلق بالوفاء لذوي الأيادي البيضاء؟الشيخ: هذا المحور قد يكون عنصر الوفاء الأول؛ لأن الوالد يكرمنا لأنه والدنا، والوالدة تكرمنا لأنها والدتنا، والزوجة تكرمنا لأنها زوجتنا، والصديق لأنه صديق؛ لكن إذا كانت اليد من شخص ليس بيننا وبينه قرابة، أو بتعبير أصح: ليس بيننا وبينه ما يدفعه لأن يكون له يد علينا؛ فإنه يتأكد الوفاء معه؛ لأنه صاحب يد أولى، ومن كان صاحب يد أولى يستحسن أن نكافئه؛ لأن الذي يضع القلادة العظيمة في عنقك ويسترقك هو من ليس لك عنده حق، ثم ابتدأ بهذا المعروف. شخص -مثلاً- سمع أن فلاناً انكسر في تجارته فأتاه وليس بينه وبينه صلة فأعطاه مالاً أو أقال عثرته هذا له حق. طالب علم جاء شيخ فتبنى أن يفقهه وهو ليس طالباً رسمياً في مدرسة أو في جامعة، فهذا يدل على فضله وعلى إحسانه، وهو يستحق المكافأة في المعروف، هؤلاء هم أصحاب الأيدي.كذلك على العاقل أن يعرف أين يضع معروفه، قال المتنبي :ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندىوما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدالكن ينبغي أن يفرق الإنسان بين الوفاء والمعروف، فالمعروف إذا أردت أن تفعله فافعله في أي أحد: لا يذهب العرف بين الله والناس، أما ما ترجو وفاءه وما تصطنعه لأيامك فلابد أن تختار أناساً أحراراً شرفاء قادرين على أن يعرفوا قدرك إذا مكن الله جل وعلا لهم، ولا يكونون كما قال الأول:أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
 الوفاء للأصحاب
الملقي: من صور الوفاء أيضاً الوفاء مع الأصحاب والإخوان.الشيخ: الذين نعاشرهم من الأصدقاء الأصحاب الزملاء وقرناء العمل والجيران كلهم يحتاجون إلى وفاء، خاصة من كان بيننا وبينهم حرمة يقولون: إن موسى عليه السلام لما التقط التمرة جاء جبريل وجعلها في الجمرة، فكأنه أصاب موسى تشويه جزئي، فصار فرعون لا يريد أن يأكل مع موسى فيقال: إن الله حفظ موسى عن أن يأكل مع فرعون حتى لا تبقى بين موسى وفرعون حرمة مؤاكلة فيكون زوال ملك فرعون على يد موسى أمر لا غرابة فيه شرعاً ولا يتنافى مع خلق الوفاء الذي جعله الله جل وعلا في أنبيائه. ولهذا لما أضاف إبراهيم الملائكة قال الله عنه: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70]؛ لأنه إذا لم تقع مؤاكلة فهذا يشبه الغدر. نقول: الأصدقاء والخلطاء والأصحاب والجيران لهم حق الوفاء؛ لكن وسائل البر تختلف، فمن بر ذوي العشرة والصحبة ذكر الحميد ومواصلتهم وإعانتهم أيام أفراحهم، ومواساتهم أيام حزنهم.
الوفاء مع الله عز وجل
الملقي: هناك عنصر مهم قصدنا أن يؤخر إلى آخر الحلقة، وهو الوفاء مع الله عز وجل، البعض قد يستغرب من المحور يقول: كيف أكون وفياً مع الله عز وجل؟الشيخ: يقول الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:12]. أعظم الأدب هو الأدب مع الله، وأعظم الوفاء ما كان مع الله، وقد جاء في الأثر أن الله جل وعلا قال في كتابه الكريم: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:172-173].جاء في الآثار أن الله جل وعلا كتب هذا العهد وألقمه الحجر؛ فلهذا ورد في حديث عبد الله بن السائب -وإن كان الحديث في سنده ضعف لكن أهل العلم على العمل به كما حرره ابن قدامة في المغني وغيره- أن الإنسان إذا طاف بالبيت يقول: اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك. ويقول الله: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، لا يحمل الإنسان فوق ظهره ثقلاً أعظم من أنه أنيط به عبادة الله تبارك وتعالى، والله قال عن أهل الحسرة أنهم يقولون: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56]. فمن أدى الشرع على الوجه الأكمل والنحو الأتم كان قد عرف الوفاء مع ربه تبارك وتعالى الذي أوجده من العدم ورباه بالنعم وأكرمه بما أكرمه به، وتعبده بأن يعبده وحده دون سواه، قال الله جل وعلا مثنياً على خليله إبراهيم: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37]، قال قبلها: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] أي: قام بهن على الوجه الأكمل والنحو الأتم. والإنسان قلب يعتقد وجوارح تعمل على ذلك الاعتقاد، فإذا خلي بين الإنسان وبين قبره جاء الذين أودعوه القبر فحلوا عنه أربطة الكفن، فإذا حلت أربطة الكفن ووضع التراب على ذلك القبر رأى الإنسان بعد أن يسأله الملكان عمله، فإن كان ذلك العمل عملاً صالحاً رآه في هيئة حسنة يبشره برحمة من الله ورضوان، وإن كان غير ذلك -عياذاً بالله- رآه في هيئة سيئة يبشره بعذاب من الله جل وعلا وخذلان. ثم إن تلك الجوارح تقوم بين يدي الله، فيقول أهل الإشراك يوم القيامة: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23]، فيقسمون بالله في ذلك الموطن أنهم ما كانوا أهل إشراك، فيختم الله على ألسنتهم، لأنهم كما قال صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : (إن الرجل منهم يقول: يا رب لا أقبل شاهداً على نفسي إلا من نفسي، فإذا قال ذلك ختم على لسانه). تلك الجوارح كانت تعينه في الدنيا على معصية الله، فإذا رأت جلال الموقف وهيبة الوقوف بين يدي رب العالمين جل جلاله، فهي أول من يتنكر له ويتخلى عنه، فتنطق جوارحه بما كانت تعمل، قال الله جل وعلا: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65].وقد اختلف العلماء في السبب الذي من أجله ختم على تلك الأفواه فقيل: السبب أنهم يقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23]. وقيل: إن شهادة من لا ينطق أعظم شهادة ما ينطق وهو اللسان. وأياً كان تعليل العلماء فإن ذلك كله يدل على أن المرء لا ينبغي أن يحسن في الوفاء مع أحد كوفائه مع ربه تبارك وتعالى. الله خلق الخلق وهو غني عنهم، وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).يتحرر من هذا الحديث القدسي أن الله غني عن طاعة الطائعين ولا تضره جل وعلا معصية العاصين، فأعظم ما يقوم به العبد الوفاء لربه. ويكون الوفاء بأن يمتلئ القلب محبة لله جل وعلا وإجلالاً وتعظيماً له وإذعاناً، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].ثم الطمع في رحمته، وهذا من حسن الظن برب العالمين جل جلاله، ثم الخوف من عقابه تبارك وتعالى؛ قال الله عن الصالحين من عباده: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16]، ثم ذكر مآلهم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].ثم محبة نبينا صلى الله عليه وسلم، والشهادة بأنه رسول حق أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، وقام بواجب الدين على أكمل وجه، وشهد له أصحابه، وستشهد أمته عليه الصلاة والسلام أنه أدى الأمر على أكمل وجه. ومن محبته التأسي بخلقه والاقتداء بسيرته والاستنارة بما كان عليه عليه الصلاة والسلام من خلق جم وهدي قويم. ثم بعد ذلك تأتي الأعمال لتترجم تلك المعتقدات، ومن صلح قلبه صلحت جوارحه واستقامت، فالغدو والرواح إلى المساجد وحضور الجمع والجماعات وفاء لأمر الله تبارك وتعالى وتلبية لندائه الذي شرعه لعباده.صيام الهواجر والتقرب إلى الله جل وعلا بذلك الصيام سواء في رمضان وهو فرض أو في غيره من النوافل.الحج والعمرة، وأداء زكاة المال، وبر الوالدين، والقيام بحقوق الجيران، وكثرة ذكره تبارك وتعالى والتسبيح بحمده، وغاية تلك الشريعة السمحاء وما أنزله الله على رسوله من كتاب أو ما جاءت به السنة الصريحة فالأداء لها من الوفاء لرب العالمين. والإنسان في سيره إلى الله يعلم أنه لابد في عمله من التقصير، وكلنا خطاء وذو تقصير، ونحن لا ندعي كمالاً بل نرجوه، ونقول كما قال الصلحاء من قبلنا: اللهم لسنا برآء فنعتذر ولا أقوياء فننتصر، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله!نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا حتى نقوم بحقه على الوجه الأكمل والنحو الأتم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
 الوفاء للأصحاب
الملقي: من صور الوفاء أيضاً الوفاء مع الأصحاب والإخوان.الشيخ: الذين نعاشرهم من الأصدقاء الأصحاب الزملاء وقرناء العمل والجيران كلهم يحتاجون إلى وفاء، خاصة من كان بيننا وبينهم حرمة يقولون: إن موسى عليه السلام لما التقط التمرة جاء جبريل وجعلها في الجمرة، فكأنه أصاب موسى تشويه جزئي، فصار فرعون لا يريد أن يأكل مع موسى فيقال: إن الله حفظ موسى عن أن يأكل مع فرعون حتى لا تبقى بين موسى وفرعون حرمة مؤاكلة فيكون زوال ملك فرعون على يد موسى أمر لا غرابة فيه شرعاً ولا يتنافى مع خلق الوفاء الذي جعله الله جل وعلا في أنبيائه. ولهذا لما أضاف إبراهيم الملائكة قال الله عنه: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70]؛ لأنه إذا لم تقع مؤاكلة فهذا يشبه الغدر. نقول: الأصدقاء والخلطاء والأصحاب والجيران لهم حق الوفاء؛ لكن وسائل البر تختلف، فمن بر ذوي العشرة والصحبة ذكر الحميد ومواصلتهم وإعانتهم أيام أفراحهم، ومواساتهم أيام حزنهم.
الأسئلة

 بر الأم بعد موتها
السؤال: ماذا يجب علي تجاه والدتي وقد ماتت، وكذلك أخي الذي كان لا يبرها في حياتها والآن يريد أن يتوب؟الجواب: أما ما يجب عليك فقد حصره النبي صلى الله عليه وسلم في أمور: أولها: الاستغفار: فأعظم شيء أن تقول: اللهم اغفر لها وارحمها وتدعو لها بما يناسب حالها في قبرها. الأمر الثاني: الحج أو الاعتمار عنها، وهذا يصل أجره إليها بالإجماع. والأمر الثالث: أن تكثر من الصدقة عنها. فهذه من وسائل برها، كذلك تنظر في صواحباتها فتبرهن وتقوم بالسؤال عنهن كما كانت تفعل، وأي أمر غلب على ظنك أن والدتك ستفرح به لو كانت حية فاصنعه بعد وفاتها ما لم يتعارض مع كونها ميتة. أما بالنسبة لأخيك فالله جل وعلا يقول: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، فالتوبة بابها مفتوح، وقد فعل خطأ عظيماً فيما سلف؛ لكن باب التوبة مفتوح، ومن وسائل التكفير أن يفعل ما أرشدناك إلى فعله لكن الحق الذي عليه أكثر لما كان منه من تفريط أيام حياتها، والله الموفق والمسدد لكل خير.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة القطوف الدانية الوفاء للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net