اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قض نهارك مع ابن المبارك للشيخ : عائض القرني


قض نهارك مع ابن المبارك - (للشيخ : عائض القرني)
عبد الله بن المبارك قلده أقرانه من العلماء في أفعاله فعجزوا، وقلده الأغنياء في كرمه وجوده وسخائه فلم يفلحوا!! فهو السخي الجواد، وقبل ذلك العالم العامل، العابد الشجاع المجاهد، زاحم الصحابة في العمل فلم يسبقوه إلا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
ابن المبارك.. نسبه وصفاته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً. إخوة الإيمان، حملة المبادئ، رواد التوحيد! عنوان هذا الدرس: قض نهارك مع ابن المبارك، وهذا عنوان كتاب للذهبي -الإمام العلامة، مؤرخ الإسلام- كتبه عن الإمام ابن المبارك، ولكنه لم يخرج إلى الناس، ولا زال مخطوطاً ومفقوداً، فآثرت أن أختار هذا العنوان لنصاحب هذه الليلة ماجداً من أمجاد محمد عليه الصلاة والسلام، وشيخاً عظيماً من مشايخ الإسلام، وأستاذاً جليلاً عبقرياً، وسوف تجدون المكرمات في شخصيته، ثم أجرد هذه الليلة العاطفة وأجعلها بعيدة من هذا الدرس، ولكننا نأتي بنقولات عنه، ليكون هذا الدرس إن شاء الله مفيداً للمسلمين، وإني أعتبر الدرس من أحسن ما يكون وليس الفضل لي، بل الفضل لله، لكن الشباب خاصة بحاجة إلى أئمة يعيشون معهم ويقتدون بأخلاقهم وصفاتهم وسلوكهم.
 والد ابن المبارك
كان مبارك والد صاحبنا هذه الليلة، والد عبد الله حارساً على بستان، يحرس الرمان والتفاح والليمون أن يعتدي عليه سراق أو لصوص بأجرة بسيطة، فكان يبدأ من الصباح في عمله، وكان يتخلل عمله بركعات يركعها في البستان، ولا يفتر لسانه من ذكر الله عز وجل، فإذا استلم راتبه من سيده تصدق بثلث الراتب، وأنفق عليه وعلى أهله ثلثه وخزن ثلثه، لما سوف يعرض له. دخل سيده ومعه ضيف يزور البستان، قال: يا مبارك! ائتنا برمان، فأتى برمان حامض، ووضعه بين يديه، قال: هذا حامض، ائتنا بغيره، فأتى برمان حامض، قال: أنت لا تفهم ولا تعي؟ هذا حامض، قال: والله لا أعرف الحامض من الحلو، قال: أما ذقته وأنت في البستان من كذا وكذا سنة؟ قال مبارك: أنت لم تأذن لي أن أذوق ما في البستان. أي ورع هذا! أي صفاء عقدي! أي عبادة! أي مراقبة لله! فأنجب هذا المبارك -وهو مبارك على اسمه- عبد الله بن المبارك، وترعرع شاباً فصيحاً ذكياً، لكن يقال: إذا واجهته عرفت أنه ليس بعربي، تعرف أنه مروزي وعجمي من شكله. كان فصيحاً ينظم الشعر البليغ، وهو من أكبر الشعراء، وسوف تسمعون هذه الليلة أبياته التي تهز أنياط القلوب وهو يحرك بها الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها. عاش رحمه الله فتتلمذ على كتب الحديث، ثم بدأ مسيرته فغطى جوانب الكمال، حتى قال بعض الفضلاء: لو قيل لي: اختر رجلاً بعد الصحابة اجتمعت فيه الفضائل، لاخترت عبد الله بن المبارك، وكان بعض تلاميذه يقول: تعالوا نجلس ونعدد فضائل ابن المبارك، فيعدودن قالوا: كان يقوم الليل، ويصوم النهار، ويتصدق، ويجاهد، ويدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ثم هو شاعر، وأديب ولغوي، وهو مع ذلك فقيه محدث. هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله وهذه هي صفات يتقلدها عباد الله الصالحون يوم يشربون هذا الدين كالماء الزلال، اسمحوا لي أن نبدأ وهذا للذهبي، لكنه فقد كتابه قضِّ نهارك مع ابن المبارك، يقول: ابن المبارك إمام شيخ الإسلام، عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي، ثم المروزي الحافظ الغازي، أحد الأعلام.
حياة ابن المبارك وسيرته
مولده سنة 118 وبينه وبين الرسول عليه الصلاة والسلام أو بين الهجرة ما يقارب 118 سنة فقط، هو قريب كاد أن يدرك الصحابة ولما يدركهم ابتعد ولكن قلبه اقترب، وسوف يحشر معهم إن شاء الله. حديثه حجة بالإجماع، روى عنه البخاري ومسلم، وتجاوز القنطرة وهو محدث جهبذ صادق لا يعرف الكذب أبداً، ينقي الأحاديث تنقية كما ينقي الصيرفي البهرج من الذهب. أتوا بكذاب إلى هارون الرشيد وضع أربعة آلاف حديث هي كذب على محمد عليه الصلاة والسلام، فقال هارون الرشيد: والله لأذبحنك الآن، قال: اذبحني أو لا تذبحني والله لقد وضعت عليكم أربعة آلاف حديث، قال: ما علي! يعيش لها الجهابذة عبد الله بن المبارك وأبو إسحاق المروزي، ثم استدعى عبد الله بن المبارك وذاك فنقوها في ثلاثة أيام وأخرجوا أربعة آلاف حديث. قالوا: هذه كلها كذب.وهو مؤلف أيضاً، له كتاب: الزهد مطبوع في مجلد، كانوا إذا قربوا منه كتاب الزهد يقرأ عليهم في الجامع الكبير كأنه بقرة منحورة من البكاء، لا يستطيع أن يقرأ كما قال الذهبي. كان يعيش في خراسان، وهو يعيش في خراسان، وإذا أراد أن يخرج لحج أو عمرة أو جهاد خرج أهل خراسان، رجالهم ونساؤهم وأطفالهم يودعونه، لأن أمواله كانت تطوف على فقرائهم وعلى مساكينهم، وكان ينفق الطعام على كل بيوت خراسان، فكانوا يبكون ويقولون الأبيات المشهورة التي صنفها شاعرهم حيث يقول: إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نجمها وهلالها إذا ذكر الأحبار في كل بلدة فهم أنجم فيها وأنت هلالها وكان إذا صلى العصر دخل غرفته وأغلق عليه الباب، وأخذ القرآن فقرأ قليلاً، وكتب الحديث فعاش مع محمد عليه الصلاة والسلام فيقول له تلاميذه، أو بعض الفارغين -بعض الناس فارغ في الحياة، لا يستطيع أن يجلس وحده ساعة، يستوحش، حتى تجده إذا وجد فراغاً في حياته ذهب إلى جاره أو زار فلاناً أو علاناً، أو جلس على الرصيف يعد السيارات الذاهبة والآيبة، أو تجده يجلس عند الدكاكين، أو القماشين، أو البزازين ويقول: يا فلان! نريد أن نقطع اليوم تعال نتحدث- قالوا له: ألا تستوحش؟ قال: [[كيف أستوحش وأنا مع الرسول عليه الصلاة والسلام ومع أصحابه؟!]] فالذي يجلس مع محمد عليه الصلاة والسلام لا يستوحش، والجلوس معه عليه الصلاة والسلام يكون بالجلوس مع سنته، مع تعاليمه التي هي مودعة في الكتب. الإمام أحمد شكى إليه أحد تلاميذه، قال: أخاف الوحشة إذا سافرت، قال: خذ لك كتباً تقرأها في السفر، فإذا أغلقت عليك بابك وعندك كتاب فلا تستوحش، حتى قال الجاحظ: الكتاب هو الأنيس الذي لا يؤذيك، والرفيق الذي لا يملُّك... متى احتجت إليه فتحته، ومتى استغنيت عنه أغلقته، لا يفشي عنك سراً، ولا يطيل الجلوس، ولا يملُّك أو كما قال، فهذا هو الكتاب، حتى يقول المتنبي: أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب وهي من قصيدته المشهورة التي يقول في آخرها: ليعلم قوم خالفوني وشرقوا وغربت أني قد ظفرت وخابوا إلى أن يقول: وما أنا بالباغي على الحب رشوة أطيف هوى يبغي عليه ثواب أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب دخل الخليفة الرقة ودخل ابن المبارك في وقت واحد وفي ساعة واحدة، وكانت المدينة متهيئة لاستقبال الخليفة الذي يتحدى السحاب في السماء أن يمطر على الأرض وهارون الرشيد شاور بل فاوض ملوك الأرض وقاتل نقفور كلب الروم وفرض عليه الجزية، وأدخل الذلة بلاده، وبلغت هيبته إلى فرنسا. دخل الرقة واستعد الناس لاستقباله، لكن فوجئ الناس بدخول ابن المبارك على بغلة ومعه تلاميذه، فترك أهل الرقة جميعهم الرشيد وانصرفوا إلى ابن المبارك حتى تقطعت النعال من الزحام، وبقي هارون الرشيد في ملأ قليل من الناس معه حرسه ووزراؤه، فقالت المرأة وهي في القصر: -امرأة هارون - من هذا؟ قالوا: عالم خراسان عبد الله بن المبارك، قالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي يجمع الناس بالسياط والسيوف، هذا يجمعهم بالحب، يجمعهم بالولاية، يجمعهم بالرسالة، يجمعهم بإياك نعبد وإياك نستعين. يأبى السؤال فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المطاع وليس ذا سلطان
 ورع ابن المبارك رحمه الله ورجاحة عقله
يقول ابن المبارك استعرت قلماً بأرض الشام، فذهب عليّ أن أرده، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه. دمشق في سوريا ومرو في جهة شرق إيران أو شمال إيران، استعار قلماً من رجل دمشقي يكتب به، فكتب به ووضعه في جيبه ونسي أن يرده وركب بغلته وسافر ما يقارب خمسة عشر أو عشرين يوماً، فلما دخل مرو نظر فإذا القلم في جيبه، قلم لا يساوي درهماً، لكنه ركب البغلة ورجع ووصل إلى الدمشقي وقال: هذا قلمك، فانظروا هذا الورع العظيم. وبعض الناس جهاراً نهاراً يتلاعب بالأموال، ويحاول أن يحتال بكل وسيلة ليخدع عباد الله، من أجل أن يحصل على شيء من المال، فانظر إلى هذا، أين هذا الورع؟ قلم واحد لا يساوي درهماً، الناس الآن لا يسألون عن هذا، ولا يسأل أحدهم عن هذه الأمور البسيطة، حتى لو حدثتهم أنت عن هذا لضحكوا عليك؛ لأن بعض الناس أصبح يأكل من الحرام كالجبال. الآن مثلاً: كثير من التجار أموالهم رباً، يأكلون ويشربون ويلبسون من الربا، ويطعمون أطفالهم من الربا، سيارتهم وفللهم رباً ويأتيك ويسأل: هل يقص الشارب أو يحلق؟ ويقول: الضحى أربع ركعات أم ركعتان!يقول عليه الصلاة والسلام عن صاحب الربا وهو يدعو الله: {يارب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، فأنى يستجاب له!} الله يحرم الربا، ويعلن الحرب والقتال لمن يأكل الربا، وهؤلاء يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون وهم أغنياء ولكن كله رباً، أنا أوقف هؤلاء أمام قلم ابن المبارك.قال: كان ابن المبارك إماماً يقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام، أي: اعرف أن في إسلام هذا الذي يغمز ابن المبارك شيئاً؛ لأن هذا إمام نصر الله به الدنيا، وقالوا: كنا نعد خصال ابن المبارك، وكان فيه العلم والفقه، والأدب والنحو واللغة، والزهد والفصاحة والشعر، وقيام الليل والعبادة والحج، والغزو والشجاعة، والفروسية والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه.
من أقواله وأفعاله رحمه الله
يقول حبيب الجلاب: سألت ابن المبارك [[ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة عقل]] أن يكون عنده عقل- [[
 ابن المبارك عند الإمام مالك
وقال يحيى بن يحيى الليثي: [[كنا عند مالك بن أنس إمام دار الهجرة- فاستأذن لـعبد الله بن المبارك بالدخول فأذن له، فرأينا مالكاً تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بجانبه]] كان مالك لا يتزحزح لأحد ولا يقوم، لكن لما أتى ابن المبارك، تزحزح وأجلسه بجانبه، قال: [[وما رأيت مالكاً يتزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك فربما مر بشيء فيسأل مالك ما مذهبكم في هذا؟ أو ما عندكم في هذا؟ فرأيت ابن المبارك يجاوبه بسكوت وصمت لا يسمعه إلا مالك]] هذا من الأدب، الناس جلوس أمام الإمام مالك: في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وابن المبارك بجانب مالك فكان مالك إذا مر به الحديث يقول: [[ما هو مذهبكم في هذه المسألة؟]] وابن المبارك عالم مثل مالك أو أكثر في الحديث، وذاك يمكن أن يكون أكثر في الاستنباط، فكان يدني رأسه ويكلم مالكاً في أذنه حياء من الإمام مالك وأدباً، وهذا درس لطلبة العلم ودرس للشباب أن يتقوا الله في العلم، فمن يفعل مثل هذا؟ أما الآن فإذا عرضت مسألة وقال فيها طالب علم قوله، قام طالب هناك وقال: هذا خطأ والحديث ضعيف لا يصح، في سنده فلان بن فلان وقد حققته في رسالة..،، أهكذا يبكت الناس؟ وهي مسألة فرعية للذي اجتهد فيها ولم يوفق للصواب أجر واحد ومن يوفق للصواب فله أجران؟! حتى إذا سألت مثلاً في المجلس مجموعة من الشباب -من طلبة العلم- تبادروا كل يفتي، تقول: ما رأيكم في هذا الحديث؟ فقائل: صحيح، وقائل: لا. حسن، وقائل: هذا ضعيف، وقائل: ذاك موضوع، كلهم يريد أن يتكلم!!فـابن المبارك يعلمك الأدب، يقول: ما عليك ألا تتكلم وقد وجد عالم في الحلقة، فعلمه في أذنه، أو لا حظ عليه، لا أن تفتي معه وتتكلم، وكذلك من الأدب ألا تتكلم، وهناك من هو أولى منك بالكلام في المجلس، بل تجد أحياناً بعض الكبار من العلماء يحضرون مجالس العامة فتجد شباباً يتكلمون في حضورهم فيبدأ الشاب وبدون حياء، ويقول: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، أمَّا بَعْد: فنرى أن نمضي هذا الوقت فيما ينفع، ومن الواجب عليّ ألا أكتم العلم الذي عندي) وليس عنده ما يملأ كوباً، بينما العلماء الكبار موجودون، فمادام أن العالم موجود فقد عفاك الله عز وجل فأحل عليه، ثم أن هذا من الوقار وحسن الأدب أن تحول الكلام إليه وتقول: الشيخ موجود ولا نتكلم بوجوده، و(لا يفتى ومالك في المدينة) ونريد منه أن يتحفنا، ثم إذا أردت أن تتكلم أنت فتكلم لكن بأدب بعد أن تقول: كما تفضل والدنا وشيخنا في هذه الكلمة المباركة ,وأنا لست زائداً عليه ولا أريد أن أضيف إلى كلامه شيئاً، لكني أعرض عليكم بعض المسائل، هذا من الأدب ومن الوقار ومن هذا الأمر الذي يريده ابن المبارك رحمه الله. وقالوا: سئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة فقال: [[إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا]] ما شاء الله ابن عيينة أكبر منه سناً، وابن المبارك أصغر، فسئل وابن عيينة جالس فقال: [[نهينا أن نتكلم عند أكابرنا]] ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {كبر كبر} أي ابدأ بالكبير، فإذا عرضت عليك مسألة وفي المجلس من هو أولى منك فأحل إليه المسألة وقل: مارأيكم في هذا؟وقد قلت وقال غيري من طلبة العلم ومن الدعاة: إن هناك أشياء تنقص في بعض الشباب منها: عدم احترام الكبير: تجد أحياناً كبير سن في السبعين من عمره -وأقصد: ممن يتبعون السنة، أما كبير في السن وهو فاسق فهذا لا تكرمه، لكن أقصد شيخاً كبيراً على السنة، يحب الله ورسوله تجده يجلس في طرف المجلس وتجد الشباب في صدر المجلس هذا خلاف السنة، أو تجد أحياناً بعض القضاة يدخل فيجلس في طرف المجلس فهذا ليس من السنة فلا بد أن يكرم، وسلطان عادل يحكم بالكتاب والسنة ويخاف الله لا بد أن يكرم. وحامل القرآن لا بد أن يكرم، وداعية له أثر لا بد أن يكرم، وشيخ قبيلة له أثر في الخير يحب الله ورسوله ويفعل الخير لابد أن يكرم، فإنزال الناس منازلهم وارد، أما بعضهم فإنه يقول: لا. ليس عندنا تميز كلنا سواسية، الإنسان يجلس بأي مكان، وكان صلى الله عليه وسلم لا يقام له، صحيح وضعٌ للنصوص في غير مواضعها، بل لابد من إنزال الناس منازلهم، واحترام الناس.
فوائد من حياة ابن المبارك
نخرج من ترجمة ابن المبارك بمسائل:
 تواضع العلماء
سادساً: أن علماء السنة، علماء عامة، يجلسون مع العامة، يعتمرون ويحجون معهم، ويحضرون ولائمهم وأعراسهم، وأبوابهم مفتوحة كما كان ابن المبارك يفعل، أما الاعتزال والاحتجاب وقطع الصلة، وعدم معايشة الناس في مشاكلهم، وعدم التمشي معهم، وعدم النزول إليهم، فهذا ليس من منهج علماء السنة كما مر في سيرة ابن المبارك والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة

  دواوين شعرية مفيدة
السؤال: دلنا على بعض الدواوين الشعرية المفيدة؟ الجواب: الصفاء في الشعراء قليل، لكن من الشعراء القدامى حسان بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، ويستفاد من شعر أبي تمام وشعر المتنبي، وشعر محمد إقبال وهو من أبرز الشعراء، أما المعاصرين فإني أدلكم على شعر الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العشماوي فهو شاعر الشباب وشاعر الصحوة وهو لسان الإسلام في الشعر الفصيح، وأنعم به وأكرم! وهو مبرز، ولكن أهل الباطل لا يريدون أن يبرز هو وأمثاله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].ولذلك تجدونهم يأتون بشياطين الشعر الأرذال السفلة، الذين يحاربون الله صباح مساء، فيعقدون لهم الدورات، وتستقبلهم الأندية الأدبية، وتحييهم الصحف الصباحية، وصورهم في المجلات، ومقطوعاتهم تكتب بخطوط مكبرة، ويشغل بها الجيل وتنزل دواوينهم وهي مطبوعة على أوراق فخمة، ولكن كما قال الواحد الأحد: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36]. ينفقونها بدمائهم، ينفقونها بشيكاتهم وملايينهم، ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، فعليكم بشعر العشماوي فهو شاعر مبرز وصافي المعتقد والوجهة والمبدأ، وهو قوي الإدراك وصاحب فطنة، ومثل هذا لا بد أن يقرأ شعره، ولا بد أن يستضاف في جلسات الشباب والأندية ويكون بدليلاً عن شعراء الضلالة، وهناك كثير من هذا الركب المجيد من الشعراء، مثل الدكتور أحمد بهكلي، والدكتور زاهد بن عواض الألمعي في كثير من قصائده وكثير من دواوينه، والدكتور صالح بن عون الغامدي الشاعر وهو من سكان أبها في كلية اللغة، هؤلاء الشعراء المبرزين الذين يحضروني الآن وغيرهم كثر، لكن هؤلاء الذين لهم تواجد في الساحة، ولهم قصائد وأحب شعرهم وأقرأ لهم كثيراً، وأحذركم من قراءة كتب وشعر بعض الشعراء منهم البردوني ونزار قباني، ومثل كثير من شعر القصيبي ومقالاته، وخاصة القديمة فإن في مقالاته القديمة شعر ينبو عنها الذوق والدين وهذا يلاحظ عليه. فيجب على المسلم أن يعرف ماذا يقرأ، ونحن صراحة ليس بيننا وبين أحد عداوة، بيننا أن يحمى هذا الدين وتحمى العقيدة، أما الذي يقول: إنه لعداء أو لأمور، فليست بيننا أمور لا خصومة في ميراث ولا في أراض أو سيارات، بل كل ما بيننا من أجل أنا رأينا شيئاً من الباطل ورآه كثير فبيَّنا هذا، وأرى أن تقرءوا ما كتب الدكتور سمير المالكي في هذا الجانب، والدكتور محمد بن سعيد القحطاني والدكتور وليد الطويرقي، والدكتور سعيد بن زعير، وهي أربعة كتب مفيدة نافعة، حتى يتبين لكم من يستحق أن تقرءوا له، وقضية أن الإنسان أحياناً يدافع عن نفسه بمقالة، أو يتظاهر بشيء، فإن الله عز وجل جعل على الإنسان خصيماً من نفسه. العلماء يقولون: إذا أراد إنسان أن يتبرأ من ماضيه، فعليه أن يعلن للناس أني أتبرأ من ديوان كذا ومن قصيدة كذا، ليفعل مثل ما يفعل الفنانون الآن فإنهم إذا تابوا من الغناء، تبرءوا أمام الناس من هذا وقالوا: نبرأ إلى الله، إعلان أننا نبرأ إلى الله عز وجل من أغنية كذا ومن شريط كذا ومن فيلم كذا، حتى يصدقهم الناس، أما أن يبقى القديم والحديث، صحيح أن بعضهم يحسن في بعض المقالات، لكن القديم هذا الموجود الذي في الأسواق والمكتبات، انزلوا السوق وافتحوا الدواوين التي ذكرت لكم وسوف تجدون قصائد يستحي الإنسان أن يذكرها، قصائد في غرف النوم، وقصائد في الجماع، وقصائد تشيع بالزنى والعياذ بالله، وقصائد في الفاحشة، فمن هو المسئول؟ وإذا ما نبهنا فمن ينبه؟ ثم أيها الإخوة: أذكر في التاريخ أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله لما أراد أن يعود عن مذهب الأشاعرة: وقف على المنبر بعد صلاة الجمعة، وقال: أبرأ إلى الله من مذهب الأشاعرة، ووقف كثير من المبتدعة وقالوا أمام أهل السنة، نبرأ إلى الله مما كنا فيه. ولله الذي لا إله إلا هو ليس بيننا وبين أحد عداوة إلا بسبب هذا الدين أقولها عن نفسي، والله إن الأسماء التي ذكرتها الآن إني أود من قلبي -والله الشاهد على ما أقول- أن يهديهم الله وأن يدخلهم الجنة، فإننا لا نريد لهم الغواية، ولا نريد أن يعذبهم الله بالنار، نشهد الله وملائكته وحملة عرشه والمؤمنين أنا نريد من هؤلاء الذين ذكرت خاصة الأخير منهم، أن يجلعه الله عز وجل داعية من دعاة الإسلام، وشاعراً من شعراء الدين، وأن يشرح الله صدره، وأن ينور بصيرته ومهما تعرض للدعاة أو نالهم بقلمه أو في مجالسه، فغفر الله له إذا اهتدى وأعلن براءته من القديم الذي كتب، ومن الهجوم على الإسلام الذي افترى به، ليعلم بعض الناس؛ لأني سمعت أن بعض الناس يتأثر ويقول لم هذا العداء؟ وأنا ذكرت لكم أنه ليس قصدي -إن شاء الله- إلا النصيحة، والله يشهد على ما أقول: فأسأل الله من هذا المكان أن يهدي قلبه وأن يرده إليه رداً جميلاً، وأن يجعله يتبرأ من ماضيه، ويجعله سيفاً مصلتاً في كف جيل محمد صلى الله عليه وسلم، وألا يجعله ثائراً على شباب الصحوة ودعاتها وعلمائها، وأن يجنبه مزلات الفتن، هذا ما نريده له، ولعل هذا الكلام يبلغه، ليعلم أن ليس هناك ضغينة؛ لأن بعضهم يتصور أن القلوب تغلي حقداً بسبب ثارات أو أشياء جانبية، لا. بل بسبب الدين، كل شيء إلا إياك نعبد وإياك نستعين، كل شيء معنا يمكن أن يتفاوض فيه إلا هذا الدين يبقى مرفوعاً، رءوسنا تقطع، دماؤنا تسيل، أجسامنا تمزق ويبقى هذا الدين، تصوروا هذا التصور، وأنتم من عقولكم تحكمون، وراجعوا تلك الرسائل التي كتبها علماء البلاد، كالدكتور ابن زعير، والدكتور القحطاني والدكتور الطويرقي، والدكتور سمير المالكي. أسأل الله التوفيق والهداية، والرشد والسداد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قض نهارك مع ابن المبارك للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net