اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الطعام للشيخ : عائض القرني


هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الطعام - (للشيخ : عائض القرني)
لم يدع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منحى من مناحي الحياة إلا وتحدث للأمة فيه، تحدث في الطعام ، وفي اللباس والمنام وفي الصلاة والشرائع، والأدب وغيرها من مناحي الحياة الكثيرة.وهذا الدرس يتحدث عن هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الطعام ، ومداره على قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للغلام : (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).
(يا غلام سم الله وكل مما يليك)
إن الحمد لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ونستهديه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ تسليماً كثيراً، صلى الله عليه كلما اجتمع جيلٌ من أجياله يتدارسون حديثه، وصلى الله عليه وسلم كلما اهتدى جيلٌ بنور ما ترك من ميراث، وصلى الله عليه وسلم كلما تاب تائب على شريعته المطهرة، ولقي الله بسنته الغراء.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ولا زلنا في موكب محمد صلى الله عليه وسلم، نعيش مع أحاديثه، ونتدارس عبره وعظاته التي تركها للناس برهاناً وشريعة وسنة، تتحدى كل سنة وكل شريعة من شرائع البشر أو من قوانين الأرض، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك منحى من مناحي الحياة -أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق- حتى تحدث للأمة فيه، تحدث في الطعام والشراب، وفي اللباس والمنام، وتحدث في الصلاة والشرائع والعقائد والمعاملات والأخلاق والآداب والسلوك، حتى مات وما ترك خيراً إلا دلنا عليه، وما ترك شراً إلا حذرنا منه، فمن سار مسيرته فليحمد السُرى، ومن لم يفعل فلا يلومنّ إلا نفسه.وهذا الحديث اتفق الشيخان الجليلان البخاري ومسلم على إخراجه، هذا الحديث الأغر لفظه وجيز قصير، لكنه شهير منير، يقول عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه وأرضاه: (كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).هذا حديث في آداب الطعام يتبعه أكثر من خمسين حديثاً كلها صحيحة في جانب الطعام من حياة المؤمنين، الذي ما ترك صلى الله عليه وسلم فيه جانباً كغيره من الجوانب حتى ملأه إرشاداً وحكمةً ونوراً، يقول عمر: (كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.أما عمر بن أبي سلمة فهذا الرجل أسدي، وهو ابن أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ربيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش في حجره، فتلقن الأدب، ورضع الحكمة، واستسقى بنور الوحي الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بسنتين، وتوفي عام ثلاث وثمانين للهجرة، بعدما شاخ في الإسلام، وهرم في الإسلام في الصلاة والصيام.مفاد القصة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام من تواضعه كان يدنو على مائدته الكبير والصغير، والأعرابي والحاضر، فكان لا يأنف صلى الله عليه وسلم أن يأكل مع الناس جميعاً من تواضعه، خلاف بعض الناس وأرباب الدنيا الذين لهم مجلس خاص، وأكل خاص، وكلام خاص، أما هو فكلامه عام صلى الله عليه وسلم، ووجه عام، جلس معه هذا الفتى وهو غلامٌ يافع لم يبلغ رشده، والغلام هو الذي ناهز الاحتلام، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على مائدته، فأخذت يدي تطيش في الصحفة، والصحفة: إناء واسع رحراح متسع يأخذ كمية من الطعام، قال بعض أهل اللغة: تكفي للأربعة والثمانية والعشرة وتكفي الجمع الغفير.فهذا الغلام ما قرأ في الأدب شيئاً، وما علم شيئاً، لماذا؟لسببين: الأول: أنه صغيرٌ في سنه، والعاقل قد يرشد في أكله وفي كلامه وفي طعامه وفي أخذه وعطائه.والثاني: أنه من الأمة العربية التي ما عرفت شيئاً حتى عرفها محمد صلى الله عليه وسلم، وما علمت شيئاً حتى علمها محمد صلى الله عليه وسلم، من الأمة العربية التي عاشت مخفوضة الرأس، حتى رفع رأسها محمد صلى الله عليه وسلم.إن البرية يوم مبعث أحمـد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمـة جبت الكنوز فكسرت أغلالها يقول الله جل ذكره: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] كانوا في ضلال في العقائد، وفي العبادات والمعاملات، حتى الأكل والشرب ما يحسنوا أن يأكلوا ويشربوا، فأتى هذا الغلام فطاشت يده في الصحفة، أي: لعبت في الصحفة يمنة ويسرة، شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، فقال عليه الصلاة والسلام له: (يا غلام!) وفي الصحيحين، من رواية وهب بن كيسان: (يا بني! أدنُ، وسم الله، وكل بيمنك، وكل مما يليك) ورواية الصحيحين الأخرى من طريق الزهري (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).والغلام قلنا: الفتى اليافع الذي ناهز الحلم، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ [الكهف:74] انطلق موسى والخضر فلقيا غلاماً مناهزاً للحلم فقتله الخضر، فلامه موسى في قصة طويلة، ثم قال وهو يفصل له الجواب: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف:80] فهنا غلام ما بلغ رشده قتله.فلماذا يقتله؟للفائدة: قال: لأنه خاف أن يرهق أبويه طغياناً وكفراً -يدخلهم في الكفر والعياذ بالله- وهذا من العلم الذي اختصه الله بالخضر، وهذا ليس بسط هذه المسألة، إنما قال: (يا غلام! سم الله).
 

كره العرب للبخل والبخلاء
للطعام آداب تربو على ثلاثين أدباً، نذكر ما تيسر، والعرب في جاهليتها وفي إسلامها تفتخر بإطعام الطعام، وكل ذنب يغتفر عند العرب إلا البخل، العرب في الجاهلية يوطئون رءوسهم للكذاب، ولشاهد الزور، وللنمام، ولشرس الأخلاق، ولكن إذا سمعوا أن هناك بخيلاً أنفوا وغضبوا وأنكروا وشجبوا ونددوا.ولذلك وفِد وفد بني سلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من سيدكم يا بني سلمة! قالوا: سيدنا الجد بن قيس على بخل فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (أواه، وهل داء أدوى من البخل، بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح) فألغى صلى الله عليه وسلم سيادته، وخلعه؛ لأنه بخيل لا يستحق السيادة، ولأمر آخر ذكره بعض أهل العلم، قالوا: إنه منافق.الجد بن قيس هذا شيخ كبير، لكنه كبير في الضلالة والجهالة، ملأ النفاق قلبه، لما استنفر صلى الله عليه وسلم الصحابة لغزوة تبوك، قال: يا رسول الله! إذا رأيت النساء فلا أصبر، فكيف إذا رأيت نساء بني الأصفر -أي: نساء الروم- ائذن لي ولا تفتني.يقول: اتركني في المدينة ولا تفتني، فأنزل الله رداً عليه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49].قال سلمة بن الأكوع: ما أنسى الجد بن قيس بعد بيعة الرضوان -الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة- أتى هذا الرجل فضاع بعيره، فقالوا له: تعال بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله لأن ألقى جملي أحب إلى من أن يستغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: تب إلى الله واستغفر فأتى ولوا رأسه، فنقل الله الحدث والصورة والمقالة والهيئة، فقال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون:5] ويقول تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80].ولذلك فهم صلى الله عليه وسلم أن السبعين ليس حداً للعدد، فقال: (والذي نفسي بيده، لو أعلم أني لو زدت عن السبعين مرة فغفر الله لهم لاستغفرت الله لهم) ولكن يقول عز وجل على سبيل المثل، كقولك: لو حياك سبعين تحية فلا تدخل بيته، وهو لو حياك سبعين تحية ما دخلت، وبسط هذا في موضع آخر.الشاهد: أن الضيافة عند العرب من أعظم الأمور، ولذلك روى الترمذي في سننه بسند حسن، عن عبد الله بن سلام، وأصله يهودي لكن منَّ الله عليه بالإسلام، وهو الذي ذكره الله في سورة الأحقاف، قال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف:10].فالشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام هذا، وقال عنه صلى الله عليه وسلم لما أسلم وغيره: (لو آمن بي عشرة من علماء اليهود لآمن بي اليهود جميعاً) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فـعبد الله بن سلام يقول: سمعت الناس انجفلوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى المدينة -انجفلوا: أي: سعوا وجروا وهرولوا- قال: فانجفلت مع من انجفل، سمع الضجة والصجة وسمع الناس يحتشدون فاحتشد معهم، قال: فأتيت فإذا هم في سوق المدينة، قلت: من؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من مكة وعبد الله بن سلام يقرأ التوراة بين يديه، ويعلم أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام.قال: فنظرت إليه، فلما استبنت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، ولذلك يقول ابن رواحة: لما رأى وجه الرسول عليه الصلاة والسلام:لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبئك بالخبر يقول: يكفي أنه لا يأتي بمعجزات، يكفي أن تنظر إلى وجهه وحسب، وقالوا لـأبي هريرة: ( كيف كان وجهه صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان كالقمر ليلة أربعة عشر) وقال: غيره، كأن الشمس تجري في وجهه صلى الله عليه وسلم، قال: فلما استبنت وجهة -يقول: ابن سلام - عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فسمعته يتكلم -اسمع لكلمات الرسول عليه الصلاة والسلام- يقول: (يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) راوي الحديث عبد الله بن سلام، وآخر الحديث سلام، رواه الترمذي بسند على رجاله السلام.
 

شروط إطعام الطعام
هذا الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه: (وأطعموا الطعام) فإطعام الطعام لا يتوفر لمطعمه إلا بثلاثة أمور:
 بسط الوجه وحسن الحديث
والأمر الثاني: بسط الوجه، والابتسام، وحسن الحديث، ولذلك يقول: تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله وسوف يمر معنا في هذا إن شاء الله كلام عن المكثرين في الطعام والمقلين، وعن الكرماء والبخلاء، وعن المتطفلين، ولا بأس أن نورد طائفة عن التطفل، التطفل: فن ورد عند العرب وأصله في الجاهلية، معناه أن يكون الإنسان في كل بيت، سواء يدعونه الناس أو لا يدعونه، يحضر الولائم متبرعاً بالحضور، ليس عنده أي ظرف أو أي شاغل يؤخره عن الحضور، فإذا سمع أن هناك وليمة، ذهب واستعان بالله واحتسب خطاه في سبيل الله وذهب وتغدى، وإذا سمع أن هناك عشاء جرى إلى ذاك البيت ليتعشى. والطفيليون ألف فيهم ابن الجوزي كتاباً وألف فيهم الخطابي صاحب كتاب العزلة، وغيرهم من أهل العلم كثير.روى ابن قتيبة في عيون الأخبار عن أحد الطفيليين هؤلاء الذين يريدون أكل أموال الناس بالباطل، لا يدعون ولا ترسل لهم دعوات، لكن يتبرعون بالمجيء، قال: أطل الطفيلي في بستان، فوجد صاحب البستان قد أحضر طعامه أمامه وبناته حوله، فلما نظر على سور البستان، وإذا هذا الطفيلي قد أطل برأسه، فقام ليضربه، ويقول صاحب البستان: أتنظر في بناتي؟ فيقول الطفيلي وكان ذكياً: إنك لتعلم ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد، أي: يريد الطعام، فأنزله وخبأ بناته، وهذا حديث يطول سوف يمر معنا.
آداب الطعـام
أما الحديث الذي معنا هذه الليلة ففيه ثلاثة وصايا، لكن كل وصية تحتاج إلى حديث خاص: (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).
 فضل إطعام الطعام
المسألة السادسة وقد مرت: فضل إطعام الطعام: والإطعام لوجه الله عز وجل، لا يكون رياءً ولا سمعة، لأن أكثر إطعام الناس إلا من رحم الله رئاء الناس، والصيت والذكر في الدنيا، وأول ما تسعر النار يوم القيامة بثلاثة، منهم: المطعم الجواد الكريم في الدنيا، الذي أطعم ليقال كريم، وقد قيل، فيأخذونه فيجرونه على وجهه في النار.وأكرم العرب حاتم الطائي ما نفعه ذلك عند الله شيئاً؛ لأنه طلب الذكر والصيت في الدنيا، فأفلس وهو من أهل النار نعوذ بالله من النار، قال عدي بن حاتم: {يا رسول الله! إن أبي كان يحمل الكَلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: إن أباك طلب شيئاً فأصابه} أي: طلب الذكر في الدنيا فأصاب الذكر، ولذلك يذكر وهو جاهلي حتى اليوم، فلا له إلا الذكر والسمعة والصيت، وأما الأجر والمثوبة فليس له شيء.وعبد الله بن جدعان كان في الجاهلية من أهل مكة يقري الضيوف، وما يأتي حاج إلا ويزوده إلى أهله، ويسمى زاد الراكب، فلما توفي قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: {يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يقري الضيوف، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: لا. إن ابن جدعان ما قال مرة من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين} فهذا لا ينفعه أبداً؛ لأنه قصد الرياء والسمعة.
الأسئلة

 البدء باليمين في المجلس
السؤال: ما هي السنة في هذه المسألة، أن يقدم الشراب إلى الضيف ثم يدفعه إلى من هو عن يمينه، لحديث أنه أُتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب فشرب ثم دفعه إلى أعرابي عن يمينه، والذي كان عن يساره هو أبو بكر، فهل من السنة أن يبتدئ بمن هو عن يمين المجلس؟ الجواب: هذه مسألة كثيرة الوقوع في الناس، وهي هل السنة أن إذا دخلت تقدم مثلاً الطعام أو الشراب مثلاً أو شيئاً من الشاي أو القهوة أو الطيب أن تبدأ باليمين أو تبدأ بأكبر أهل المجلس، ثم يكون الناس عن يمينه هم اليمين، السنة في هذا كما دلت عليها الأحاديث، أن تبدأ بيمين المجلس الذي هو كبير المجلس، إما أن يكون كبيراً في السن، أو رجلاً له جلالة في الإسلام، أو سلطاناً أو رجلاً وجيهاً أو شيخاً كبيراً أو طالب علم فتبدأ به، ثم تبدأ من عن يمينه، أما أن تأتي دائماً بميمنة المجلس، وتقول: التيامن، فما تبدأ وتصل شيوخ الناس حتى تنتهي من أطفال الحارة، وقد أعطيتهم القهوة والشاهي، هذا ليس من السنة.بل كان الرسول عليه الصلاة والسلام جالساً في وسط الصحابة، فأتي له بلبن وبشراب -هنا قصتان- فأعطوه صلى الله عليه وسلم وهو وسطهم، ولو كان عليه الصلاة والسلام في عهده يعطى الميمنة لأعطوا أبا بكر؛ لأنه عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن بدءوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر عن يساره، والأعرابي عن يمينه، فلما شرب صلى الله عليه وسلم سلمه الأعرابي؛ لأن السنة ميمنة الرجل الضيف، فقال عليه الصلاة والسلام: {الشربة لك، فهل تأذن لـأبي بكر} من أجل جلالة أبي بكر في الإسلام، قال: لا والله، فأخذها.وأما حديث أنس فإنه يقول: {قدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبن، وكان عن يساره الأشياخ -أي: أبو بكر وعمر والأشياخ أشياخ الإسلام من المهاجرين والأنصار- وعن يمينه غلام -قيل: هو ابن عباس، وهذا الظاهر- فشرب عليه الصلاة والسلام، ثم قال لـابن عباس: الشربة لك فهل تأذن للأشياخ، قال: والله لا أوثر بسؤري منك أحداً- يقول: لا أوثر بفضلتك التي دفعت إلى بما فيها من البركة أحداً من الناس فدفعه صلى الله عليه وسلم إليه} إذاً يبدأ بوسط المجلس أو بالمكان الذي فيه الصدر.دخل بعض الناس من الوجهاء والنبلاء، في القرن الثاني اسمه حجاج بن أرطأة فجلس عند الأحذية، فقالوا: تقدم في وسط المجلس، قال: أنا صدر أينما جلست، قيل: هذا من العجب، ولذلك كانوا يبدءون به، فالمقصود أن أكبر من جلس في المجلس يبدأ به، لا أكبرهم سناً لكن قدراً، كالسلطان وغيره الذين ذكرنا، هذه السنة في هذا إن شاء الله.وفي الختام نتوجه إلى الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وألا يجعل في أعمالنا رياءً ولا سمعة، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الطعام للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net