اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ذكر الموت والتوسل بالقبور للشيخ : عائض القرني


ذكر الموت والتوسل بالقبور - (للشيخ : عائض القرني)
قال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات ) فيجب على المسلمين أن يعملوا بوصية نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ويكثروا من ذكر الموت وما بعده، فإن ما بعد الموت أشياء عظيمة، وأموراً جسيمة، والقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، فيجب على المسلم أن يتزود بالطاعات والأعمال الصالحة لكي تكون له نوراً في قبره، وأن يكثر من ذكر لا إله إلا الله قبل أن يحال بينه وبينها، وأكثر شيء يحتاجه الميت في قبره هو الدعاء.والمقصود من زيارة القبور تذكر الآخرة من أجل الاستعداد لها بالأعمال الصالحة وليس ما يفعله بعض الجهلة الذين يذهبون إلى القبور للتبرك بها والذبح لها، والدعاء عندها.
ذكر الموت
الحمد لله القائل: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:99-104]. والصلاة والسلام على رسول الله القائل: (القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار) وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، شهادة أدخرها وإياكم إلى يوم العرض على الله، ندخرها إلى يوم الفتنة في القبور، يوم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْـد:
 قصص الصالحين وحالهم عند ذكر الموت
يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: {خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وجلسنا حوله، فنكس رأسه وأخذ ينكت الأرض بمخصرة في يده، ثم رفع رأسه ودموعه تسيل من لحيته صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناس! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً}. والله لو نعلم كما يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لضحكنا قليلاً ولبكينا كثيراً، لكننا أكثرنا من الضحك وأقللنا من البكاء، قست قلوبنا بالمعاصي والشهوات، وقست قلوبنا بالترهات، وقست قلوبنا بالبعد عن فاطر الأرض والسماوات، لما انغمرنا في الشهوات، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ينادينا فيقول: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16]. والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ ويل لعبد لم يتهيأ لتلك الحفرة.. ويل لعبد لم يتهيأ لذاك القبر.. ويل لعبد لم يتهيأ بالعمل الصالح.. ويل لمن صد عن سبيل الله.. ويل لمن قاطع بيوت الله.. ويل لمن هجر كتاب الله. مر عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه فرأى المقبرة فبكى، ثم توضأ وصلى ركعتين، فقال له أصحابه: لِمَ صليت الآن ركعتين؟ قال: تذكرت قول الله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبأ:54].عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، الذي قال لابنه لما حضرته الوفاة: يا بني! ألبسني أكفاني وشد علي أكفاني؛ فإني مخاطب في قبري، وإني أخاف إذا قمت للفتان في قبري أن تسقط من على أكتافي أكفاني. فلما أتته سكرات الموت بكى وحول وجهه إلى الحائط. وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الذين فتح الله على أيديهم الفتوح، فقد فتح الله على يديه مصر، ودوَّنَ دواوينها وجند أجنادها. فلما أتاه اليقين، وأتته سكرات الموت بكى بكاءً طويلاً، فقال له ابنه يحسن ظنه بالله ويحسن رجاءه في الحي القيوم: يا أبتاه! أنت من أصحاب رسول الله فلا تخف، أما فتحت مصر؟ أما جاهدت في سبيل الله؟ أما تقربت إلى الله؟ فالتفت إليه أبوه وقال: يا بني! لقد عشت حياتي على أدوار ثلاثة: كنت في الجاهلية قبل الإسلام، وكان أبغض الناس إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لو تمكنت منه لقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من جثي جهنم، ثم أسلمت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فلما رآني رحب بي وهش وبش في وجهي وقال: {حيهلاً بك يا عمرو! فبسطت يدي لأبايعه فبسط يده، فلما بسط يده قبضت يدي، فقال: مالك يا عمرو؟ قلت: أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر الله لي ذنبي. قال صلى الله عليه وسلم وهو يتبسم في وجهي: أما علمت يا عمرو! أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تجب ما قبلها} فوضعت كفي في كفه ويميني في يمينه، وبايعته على لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فكنت معه، إذا حل حللت معه، وإذا سافر سافرت معه، وإذا أقام أقمت معه.. والله! ما كنت أستطيع أن أملأ عيني من وجهه حياء منه.. والله لو سألتموني أن أصفه لما استطعت أن أصفه.. والله ما كنت أنظر إليه إجلالاً له، فلو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة.ثم تخلفت بعده فلعبت بي الدنيا ظهراً لبطن، فوالله! ما أدري هل يؤمر بي إلى الجنة أم إلى النار، لكن عندي كلمة أحاج لنفسي بها عند الله، هي لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قبض يمناه على هذه الكلمة العظيمة. قال ابنه عبد الله: فلما أتينا لنغسله فتحنا كفه فانقبضت على لا إله إلا الله، وجئنا ندخله في كفنه ففتحنا يده فانقبضت على لا إله إلا الله، فدخل في القبر بلا إله إلا الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعق نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا أين الأكاسرة الجبابرة الألى كنـزوا الكنوز فلا بقين ولا بقوا من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فَحَواه لحد ضيق خرص إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق يقول ابن عوف رضي الله عنه: [[خرجت مع عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فلما وقفنا على مقبرة بقيع الغرقد اختلس يده من يديه -وكنت قابضاً على يده- ثم وضع نفسه على قبر وبكى بكاءً طويلاً، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة فأعضد! أنسيت يا بن عوف هذه الحفرة؟! قال: فأبكاني والله]]. فالله المستعان على ذاك المقام، وعليه التكلان أن يثبتنا وإياكم يوم يثبت أهل طاعته فلا يخذلون، ويوم يثبت أهل البر من عباده فلا ينسون، ويوم أن يلهمهم رشدهم عند سؤال الفتان في القبور؛ فينطقون بلا إله إلا الله قوية من قلوبهم، نسأله التثبيت لنا ولكم ولكل مسلم، فمنه التثبيت ومنه العون ومنه السداد. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
زيارة القبور
الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وسلام على صفوة خلق الله، محجة عباد الله، وقدوة الناسكين من أولياء الله، والحجة على أعداء الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْـد:أيها الناس! فواجبنا نحو أمواتنا من المسلمين الزيارة والترحم والدعاء لهم، لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ينور عليهم قبورهم بدعائنا لهم فما أحوجهم إلى دعائنا! ولكن نحن لا نحتاج إلى أحد منهم، فإنهم كما قال تعالى: لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3]. والزيارة الشرعية أن يزور المسلم -الرجل لا المرأة- القبور ليتذكر الوقوف بين يدي الله، والعرض عليه، ويزهد فيما سوى الله، ويقلل متاعه من هذه الدنيا التي تشغله عن الله، ولذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (زوروا القبور فإنها تذكر بالآخرة).
 آداب الزيارة الشرعية
فالزيارة الشرعية أن نزور القبور لتذكرنا الآخرة، وأن ندعو لأهل القبور بالرحمة كما دعا لهم صلى الله عليه وسلم.ومن أدب الزيارة: عدم الجلوس على القبر، فإنه صلى الله عليه وسلم منع من الجلوس عليها، كما صح في صحيح مسلم من حديث بثينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها} ويقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: {لأن أجلس على جمرة فتحرق ثيابي حتى تنفذ إلى جسمي خير لي من أن أجلس على قبر}.ومن آداب الزيارة: ألا يصلى على القبور إذا زارها الزائر، وصحيح أنه يصلى على الميت إلى شهر كما في صحيح البخاري، لكن هذا في صلاة الجنازة، أما أن تصلى الفريضة على القبر؛ فهذه من الأمور المبتدعة، والصلاة منهي عنها هناك. ومن ا لأمور التي تجب علينا لأصحاب القبور: إكرام قبورهم من المرور عليها، فلا يمر على القبر ولا يمتهن، ولا يبنى عليه، فقد جاء في صحيح مسلم: عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: {أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته} سويته: أي سويته بالأرض، فلا يبنى عليها، ولا يعكف عندها، ولا يتبرك بها، ولا يجلس عليها، ولا يمر عليها، وإنما هي تذكرنا بلقاء الله، وبالقدوم عليه، فما أوعظ القبور وما أوعظ أحاديثها! وما أرقها للأفئدة التي قست من المعاصي كأفئدتنا![[كان عثمان رضي الله عنه وأرضاه إذا رأى القبور بكى حتى يغشى عليه، فقال الصحابة: يا أمير المؤمنين! تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتذكر القبر فتبكي؟! فقال: القبر أول منازل الآخرة، من نجا فيه نجا مما بعده، ومن هلك فيه هلك فيما بعده]].عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً}.اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين على ما تحبه وترضاه. اللهم وحد بين صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق وارفع رايتهم يارب العالمين. اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور واهدهم سبل السلام، وأرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه، إنك على كل شيء قدير. اللهم اغفر لجميع أموات المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، وأبدلهم دوراً خيراً من دورهم، وأهلاً خيراً من أهاليهم، وأزواجاً خيراً من أزواجهم، ولقهم الجنة وقهم عذاب النار. اللهم ارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.اللهم وفق أئمتنا وولاة أمورنا لما تحبه وما ترضاه يا رب العالمين، اللهم اهدهم رشدهم، وألهمهم توفيقهم، إنك على كل شيء قدير، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.اللهم انصر عبادك المجاهدين الموحدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك في أفغانستان وفلسطين وفي كل صقع من بلاد المسلمين.ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ذكر الموت والتوسل بالقبور للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net