اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كلام جميل وفعل قبيح للشيخ : عائض القرني


كلام جميل وفعل قبيح - (للشيخ : عائض القرني)
مناقضة الفعل للقول من خصائص النفسية اليهودية، وقد حذرنا الله من سلوك طريقهم جملة وتفصيلاً، وخاطب المؤمنين بقوله: (لم تقولون ما لا تفعلون) وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجعله من علامات النفاق.
تفسير آية: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.عنوان هذا الدرس: (كلام جميل وفعل قبيح) وهو تذييل وتعليق لبعض أهل العلم على قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] وهذه الآية هي أول آية معنا في هذا الدرس.أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] لا زال الحديث مع بني إسرائيل وكان الدرس السابق بعنوان (أول لقاء مع بني إسرائيل) وهو تجريد لأعمالهم وكشف لمخططاتهم وما فعلوه؛ لعلنا أن نجتنب ما وقعوا فيه.وكما قيل:إياك أعني واسمعي يا جاره مصائب قوم عند قوم فوائد قال أهل العلم كـالرازي وغيره: الخطاب في هذه الآيات لبني إسرائيل ولنا؛ لأنهم انقرضوا أو بقي منهم أناس كفرة فبقي الخطاب لنا نحن الأمة الإسلامية، وهذا الخطاب بالخصوص للدعاة ولطلبة العلم وللعلماء وللآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يقول الله لنا ولهم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].هنا مسائل أولها:
 سبب محاجة الله لليهود إلى عقولهم
أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] لماذا لم يقل (أفلا تعلمون)؟! قالوا: إنما قال: (أفلا تعقلون) لأنهم انتهوا من مسألة العلم، فهم عندهم كتاب لكن ما استفادوا وما أفادوا بالعلم فردهم إلى العقل، قال: إذا ذهب علمكم فأين عقولكم؟! ومما يحكى في هذا أن أحد طلاب الصوفية مر به ابن تيمية وهو يقرأ -وهو لا يعرف يقرأ- يقول: فخر عليهم السقف من تحتهم، في سورة النحل، والسقف دائماً يكون فوق، والقرآن يقول: فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِم ْ [النحل:26] قال ابن تيمية: سبحان الله لا عقل ولا علم، إذا لم يكن عندك علم تعرف أن السقف دائماً يكون من فوق، فيقولون في المثل: أعمى ويناقر، لا عقل ولا علم، فإن بعض الناس إذا ما كان عنده خشية في الدين، لكن تجد عنده حمية وغيرة، فمثلاً تجد بعض الفسقة يأنس لبعض الأمور، أي: لا يريد الفاحشة أن تنتشر، فمجتمعه فاسق بنفسه، لكن تجد فيه غيرة على المحارم، لا يقبل الدياثة في بيته فهو حازم، يغضب إن قيل له: يا فاسق! يغضب إذا جلس مع شلل السوء، يغضب إذا وجد أحد أولاده في المقاهي وأماكن الخسارة والدمار، ففطرته عريقة وعنده مروءة ونخوة.وبعضهم يجتمع له تركيب لا دين ولا مروءة ولا نخوة ولذلك يتردى ويصبح كالبهيمة والعياذ بالله، فهذا أمر لا بد أن يلاحظ في هذه الآية ولا بد أن تكون نصب العين.
حال الصحابة بين أقوالهم وأفعالهم
الآية الثانية ليست في هذه السورة إنما قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2] وسببها أن بعض الصحابة قالوا: [[يا ليتنا ندري أي العمل أفضل فنعمله]] فأنزل الله الجهاد فخافوا وكلَّ كثير منهم، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3] لكن وجد من الناس من قال وفعل، كالصحابة رضوان الله عليهم وعلى الأخص الشهداء منهم. كان البراء بن مالك فارساً عجيباً- يقول عمر للقواد: لا تولوه الجيش؛ لأنه لو تولى الجيش حطم نفسه وحطم الجيش ودخل به في مضيق لا يخرج منه أبداً، عمر يريد قائداً يريد الحياة نسبياً، يريد أن ينجو بالناس، لكن البراء يريد أن يدخل بالجيش فيدمره، قال: لا تولوه قيادة الجيش، كان إذا أراد أن يصارع في المعركة أتاه إغماء، ثم يقوم من الإغماء بعد أن يرش بالماء، فيأخذ سيفه فلا يزال يقاتل في الأعداء حتى ينكسر سيفه أو ينهزم الذي أمامه، هو من أشجع الناس، دخل عليه أخوه أنس وهو يرتجز -أي: ينشد نشيداً إسلامياً ويرفع صوته- وكان صوته جميلاً والصوت الجميل بالشعر المباح لا بأس به، قال له أنس: أتنشد وأنت من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: اسكت فوالله الذي لا إله إلا هو لا أموت إلا قتلاً. يحلف؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك) لو حلف على الله لأنفذ الله يمينه؛ لأنه بلغ في الولاية مبلغاً عجيباً، فحلف أن يموت شهيداً. وسبب هذا الحديث: أن أخت البراء نزعت ثنية امرأة، فأتت المرأة تشتكي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: نقتص من أختك يا براء، قال: أختي تقتصون منها، قال: نعم، قال: بم تقتصون؟ قال: ننزع ثنيتها، قال: والله لا تنزع ثنيتها أبداً -والرسول صلى الله عليه وسلم هو الحاكم- فقال صلى الله عليه وسلم: اذهبوا إلى أهلها فإن رضوا بالأرش فلا بأس، فذهبوا إليهم فرضوا، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره) أشعث: رأسه ليس مُسَرَّحَاً، لا يعرف الدهن ولا الزيت؛ لأنه فقير ثيابه مغبرة، ينام على الرصيف، ويأكل على الرصيف، ويلقي المحاضرة على الرصيف، ولم ير قصراً إلا بعينه، ومعنى: ذي طمرين أي: ذي ثوبين ممزقين.ألا رب ذي طمرين محفوفة له غدت روضه منسوجة ونمارقه إلى آخر ما قال ( لو أقسم على الله لأبره) إنما المقصود أقسم أن يموت شهيداً، ويقول عنه أهل السير: إنه قتل مائة فارس مبارزة من غير ما قتل في المعارك.وأتى وعد الله الحق، وكان إذا حضر المعركة نظروا إلى البراء ماذا يفعل فأتاه الإغماء:لما حضرنا كشفنا عن جماجمنا ليعلموا أننا بكر فينصرفوا قالوا البقية والهندي يحصدهم ولا بقية إلا السيف فانكشفوا أتى في اليمامة هو والأنصار، فلما رأى المسلمين فروا في أول المعركة، ورأى الكفار أقبلوا؛ قال البراء: [[بئس ما عودتم أقرانكم، والله ما كنا نفر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم]] ثم أخذ غمد السيف وكسره على ركبته، ومعنى كسر السيف أنه لن يعود إلى مكانه، فضرب به حتى نصر الله المسلمين.وأتت معركة تستر وقائدها أبو موسى الأشعري فرأى أبو موسى الجيش الأجنبي الكافر وإذا هو كالجبال، وجيش المسلمين قليل، فالتفت إلى البراء بن مالك الأشعت الأغبر ذي الطمرين، قال: [[يا براء أسألك بالله أن تقسم اليوم على ربك أن ينصرنا، قال: انتظرني قليلاً]] فانتظره قليلاً فذهب واغتسل ولبس أكفانه وتحنط: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-171]:إذا ما فررنا كان أسوأ فرارنا صدود الخدود وازورار المناكب صدود الخدود والقنا متشاجر ولا تبرح الأقدام عند التضارب أتى والمسلمون صف والمشركون صف، وقال: [[اللهم إني أقسم عليك اليوم أن تنصرنا وتجعلني أول شهيد]] ودارت رحى المعركة وكان أول شهيد في المعركة، وانهزم الأعداء ولحقهم المسلمون يضربون فيهم ضرباً عنيفاً حتى هزموهم فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].كان سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة إذا أتى في المجلس والرسول صلى الله عليه وسلم معه علماء وكبار وشهداء الصحابة يقول: (هذا خالي فليرني كل خاله) أي: من كان عنده خال فليريني مثل هذا الخال.فأتى سعد رضي الله عنه فقال: [[لما حضرنا معركة أحد أتى عبد الله بن جحش وهو شاب في الثلاثين قال: يا سعد تعال ندعو الله وراء هذه الصخرات، قال: فملت معه وراء الصخرات، قلت: ادع أنت، قال: فدعوت الله بالنصر للإسلام والمسلمين وللرسول عليه الصلاة والسلام -قبل المعركة بدقائق- فأما عبد الله بن جحش فاستقبل القبلة وقال: اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم لاقي بيني وبين كافر هذا اليوم شديد حرجه قوي بأسه فيقتلني فيك، فيبقر بطني ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذني، فإذا لقيتك يوم القيامة في هذه الصورة تقول لي: لم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب، قال سعد: والله الذي لا إله إلا هو ما انتهت المعركة إلا ورأيته مبقور البطن، مجدوع الأنف، مفقوء العينين، مقطوع الأذنين، فقلت: أسأل الله أن يلبي له ما سأل]] فقد قدم أول المؤهلات، وهي قوله: (إنك تعلم أني أحبك) وهذه من رواية سعيد بن المسيب.ولذلك قالوا فصدقوا، ونووا فأعطاهم الله أحسن ما تمنوا، فيالله كيف كانوا من جيل! ولا إله إلا الله كم بنى صلى الله عليه وسلم من صرح! وكم ترك من فئة عبدت الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى وأسست كياناً خالداً في الأرض لا يمحى أبد الدهر! أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].
 سبب محاجة الله لليهود إلى عقولهم
أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] لماذا لم يقل (أفلا تعلمون)؟! قالوا: إنما قال: (أفلا تعقلون) لأنهم انتهوا من مسألة العلم، فهم عندهم كتاب لكن ما استفادوا وما أفادوا بالعلم فردهم إلى العقل، قال: إذا ذهب علمكم فأين عقولكم؟! ومما يحكى في هذا أن أحد طلاب الصوفية مر به ابن تيمية وهو يقرأ -وهو لا يعرف يقرأ- يقول: فخر عليهم السقف من تحتهم، في سورة النحل، والسقف دائماً يكون فوق، والقرآن يقول: فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِم ْ [النحل:26] قال ابن تيمية: سبحان الله لا عقل ولا علم، إذا لم يكن عندك علم تعرف أن السقف دائماً يكون من فوق، فيقولون في المثل: أعمى ويناقر، لا عقل ولا علم، فإن بعض الناس إذا ما كان عنده خشية في الدين، لكن تجد عنده حمية وغيرة، فمثلاً تجد بعض الفسقة يأنس لبعض الأمور، أي: لا يريد الفاحشة أن تنتشر، فمجتمعه فاسق بنفسه، لكن تجد فيه غيرة على المحارم، لا يقبل الدياثة في بيته فهو حازم، يغضب إن قيل له: يا فاسق! يغضب إذا جلس مع شلل السوء، يغضب إذا وجد أحد أولاده في المقاهي وأماكن الخسارة والدمار، ففطرته عريقة وعنده مروءة ونخوة.وبعضهم يجتمع له تركيب لا دين ولا مروءة ولا نخوة ولذلك يتردى ويصبح كالبهيمة والعياذ بالله، فهذا أمر لا بد أن يلاحظ في هذه الآية ولا بد أن تكون نصب العين.
تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)
قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] هنا في هذه الآية الكريمة عدة مسائل:أولاً: أن هناك إشكالاً وهو أنه كيف يكون هذا الخطاب لبني إسرائيل وهم لا يصلون؟ وقد أجاب على ذلك بعض العلماء بأنه لعلهم أن يتوبوا وغير ذلك من الأجوبة. والسؤال الذي أثاره الرازي وغيره كيف يأمرهم الله بالصلاة وهي لم تفرض عليهم كهيئة الصلاة هذه؟ قالوا: الصلاة تشمل الذكر والخشوع والإنابة، فيمكن أن يكون لهم صلاة مختلفة الهيئة عن صلاتنا، إذاً فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ [البقرة:45] كيف يستعينون بالصبر ويصبرون؟والصبر هذا من أحسن ما يوصى به المؤمن، قال الإمام أحمد: عجيب أمر الصبر تدبرته في القرآن فوجدته في أكثر من تسعين موضعاً.سئل عمر: [[بم أدركتم هذه المنازل؟ قال: بالصبر أدركنا ما تمنينا]] والصبر لو كان رجلاً لكان جميلاً، ولو كان جبلاً لكان راسياً، ولو كان شجرة لكانت فواحة معطاة، والصَّبْر كالصِّبْر وهو دواء مر علقم يحرق، فالصبر مثله ولكنه في الأخير من أحسن ما يكون:صابر الصبر فاستجار به الصبر فقال الصبور للصبر صبراً ومعنى هذا الكلام، أي: الرجل العظيم صابر الصبر، وتوافق هو والصبر في منزلة حتى يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] قالوا: اصبروا على الأعمال، ثم طاولوا في الصبر ومدوا أنفاسكم واثبتوا على مكان الصبر، واتقوا الله لعلكم تفلحون.فقال الشاعر: هذا الرجل فيه من الصبر أنه صابر الصبر (فاستجار به الصبر) أي حتى قال الصبر: أعوذ بالله منك، فاستعاذ الصبر بالله من هذا الرجل من شدته وقوته، (فقال الصبور) أي الرجل للصبر: صبراً.وبات أبو وردي المحدث الشاعر الكبير يقول:تسترت من دهري بظل جناحه فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام عني ما درت وأين مكاني ما عرفن مكاني ثم يقول في قصيدة أخرى:وبات يريني الدهر كيف اقتداره وبت أريه الصبر كيف يكون قيل: كيف يذاق الصبر؟قالوا: "من لم يعرف الصبر ما ذاقه".
 حكم تارك الصلاة
والسؤال هنا: هل يستدل من الآية على كفران تارك الصلاة؟الجواب: هذا استدلال تبعي، ولو أن هناك أدلة تثبت أن من ترك الصلاة فقد كفر، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} وقوله صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح: {بين المسلم والكافر ترك الصلاة} وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى} فمفهوم المخالفة أن من لم يصلِّ فما عصم دمه، فإذاً هو كافر.فقوله: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] أي: الذي لا يؤديها ليس من الخاشعين وإنها كبيرة عليه ما دام لم يؤدها ومن الناس من لا يصلي فهو كافر، ومنهم من يصلي لكنه يصلي مرة ويترك مرة يعني على المزاج فهذا كافر صلاة الفجر في البرد يتركها، لكن الظهر مناسبة فيصليها، وهناك قسم آخر هم أناس يصلون، لكن بفتور وكسل مع أنهم يداومون على الصلاة لكنهم يؤخرونها فهذه كبيرة من الكبائر، وهناك أناس يصلون ويخشعون.
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ)
قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:45-46] هل الخاشعون يظنون أنهم ملاقو الله؟الظن أليس فيه شيء من الشك؟ أي أن الظن ليس بيقين!! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً [يونس:36] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ [يونس:66] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32] فالظن ليس بجزم فكيف يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ويمدح الخاشعين الَّذِينَ يَظُنُّونَ [البقرة:46]؟والجواب: أنه من معاني الظن: التيقن، والظن هنا بمعنى العلم واليقين، يقول دريد بن الصمة وهو شاعر جاهلي:فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرج يقول: قلت لقومي: انتبهوا! يأتيكم غداً ألفان من الأبطال في السراة وفي الخناجر والسلاح، قال: فما أطاعوني فيقول لذلك:أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد فهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرج وهذا شاعر أعمى القلب والبصر، مات كافراً وإلا فهو شاعر جيد، ولكن ما نفعه شعره فالمقصود أنه قال: ظنوا، أي: تيقنوا وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53] أي تيقنوا أنهم سوف يصلون النار التي يظنون: يعتقدون.من الناس من يسمع بأخبار الجنة والنار، وتقول له: هذا المال حرام في الدنيا، فيقول لك: الله غفور رحيم:خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل اتق الله! أجرك في الآخرة وثوابك عند الله، قال: عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة، يعني يقول: ما ندري نموت أو نحيا، إن مت أو حييت لا بد من لقاء الله، وقد قال عز وجل سبحانه: لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49] وصدق الشاعر:ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيِّ ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيِّ فهذا هو الخلاف بيننا وبين الصحابة، الصحابة كانوا ينظرون إلى أن الجنة قريبة منهم حتى نسب إلى علي بن أبي طالب قوله: [[والله لو كشف الله الغطاء، ورأيت الجنة والنار، ورأيت عرش الله بارزاً، ما زاد عندي على ما عندي من الإيمان ذرة]].الصحابة يأتي أحدهم يقول: يا رسول الله! أين ألقاك يوم القيامة؟ يعني الأمر كأنه غداً، لذلك يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] قال: يا رسول الله أين ألقاك يوم القيامة؟ والناس في زحام شديد، مليارات من عهد آدم إلى آخر الساعة، أين ألقاك؟ قال عليه الصلاة والسلام: (التمسني في ثلاثة مواطن لا أغادر أحدها: عند تطاير الصحف، أو عند الميزان، أو عند الصراط). فالموطن الأول: عند تطاير الصحف:يقف عليه الصلاة والسلام بنفسه وهو أرفع الناس وأعظمهم منزلة عنده؛ لأنه صادق مخلص وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقف ينظر إلينا نحن المساكين ماذا فعلنا؟ فيرى تطاير الصحف فيقول عليه الصلاة والسلام، بأبي وأمي هو: (اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم) ويعرف أمته، فأنت يعرفك أنك من أمته لست من أمة موسى ولا شعيب ولا صالح ولا نوح، ويعرف أنك من أمته بالوضوء، علامة الوضوء تتلألأ عليك:توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانية قيل: (يا رسول الله! كيف تعرف من لم يأت من أمتك بعد؟ قال: أرأيت إنساناً عنده خيل بهم بها خيل بلق ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل) أنت من بين الملايين، فيعرفك النبي صلى الله عليه وسلم أنك من أمته وينظر إلى تطاير صحفك ويقول: (اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم) يخاف أن يؤخذ أحد من أمته إلى الشمال، إذا أخذ أحد إلى الشمال فلا إله إلا الله:فليت شعري يرى الأخبار قد نشرت على الصراط وكان الهول في ظلم إلى آخر ما قاله عبد الله بن المبارك. الموطن الثاني: عند الميزان:إذا لم تجدني في المكان الأول فسوف تجدني عند الميزان، ميزان الحسنات والسيئات، وقد ذكرها سُبحَانَهُ وَتَعَالى حيث قال: لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا [الكهف:49] وقال سبحانه تعالى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] حبة الخردل، والذرة من الحسنة والسيئة توزن، والرسول صلى الله عليه وسلم واقف يقول: (اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم) يراك وأنت توزن.الموطن الثالث: عند الصراط:الصراط هو آخر عبور إما هنا أو هناك وهو ينظر، والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم بجوار بعض على حافتي الصراط، موسى بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك نوح وإبراهيم وعيسى ألوف مؤلفة من الأنبياء، حتى أنه في بعض الروايات أن الأنبياء يقاربون أربعمائة ألف، أي مثل بعض سكان الدول الآن، يقفون حول الصراط الذي هو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، فيمر الناس وأول من يمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم:بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم فيقف وينظر إلى الناس وهم يمرون ويقول: (اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم) وتجد التصادم والخدش على الوجوه والعياذ بالله من الخذلان والحرمان.وورد أنه صلى الله عليه وسلم يقف على الحوض كذلك وهي من العلامات المميزة، فيأتي قوم من أمته بهم من العطش ما لا يعلمه إلا الله، يأتون أفواجاً فتأتي الملائكة معها مرازب ومعها سياط من حديد فتضرب هؤلاء، فيقول صلى الله عليه وسلم لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: (يا رب! أمتي أمتي، أمتي أمتي، قال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، فيقول: سحقاً سحقا) يعني هلاكاً هلاكاً. أما بلَّغ؟نشهد والله أنه بلغ الرسالة وقد وصل العذراء في خدرها من دعوته ما وصل علماء الصحابة رضوان الله عليهم، وأصبحت دعوته كالشمس فبلغت دعوته كل إنسان، ولا يعذر من بلغه شيء من دعوته إلا أن ينقذ نفسه من غضب الله ولعنته وسخطه عز وجل.
 حكم تارك الصلاة
والسؤال هنا: هل يستدل من الآية على كفران تارك الصلاة؟الجواب: هذا استدلال تبعي، ولو أن هناك أدلة تثبت أن من ترك الصلاة فقد كفر، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} وقوله صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح: {بين المسلم والكافر ترك الصلاة} وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى} فمفهوم المخالفة أن من لم يصلِّ فما عصم دمه، فإذاً هو كافر.فقوله: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] أي: الذي لا يؤديها ليس من الخاشعين وإنها كبيرة عليه ما دام لم يؤدها ومن الناس من لا يصلي فهو كافر، ومنهم من يصلي لكنه يصلي مرة ويترك مرة يعني على المزاج فهذا كافر صلاة الفجر في البرد يتركها، لكن الظهر مناسبة فيصليها، وهناك قسم آخر هم أناس يصلون، لكن بفتور وكسل مع أنهم يداومون على الصلاة لكنهم يؤخرونها فهذه كبيرة من الكبائر، وهناك أناس يصلون ويخشعون.
أهمية الخشوع في الصلاة
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] هناك تساؤل أثاره أهل العلم: كيف تكون الصلاة كبيرة على الذي لا يخشع في صلاته كالفاجر، وتكون خفيفة على المؤمن، مع العلم أن المؤمن يخشع ويلاحظ سكونه في الصلاة، ويلاحظ حضور قلبه في الصلاة فيعاني مشقة عظيمة من جرائها، وأما الفاجر فقد يصلي، ولذلك تجد بعض الناس قد يصلي عشر ركعات، ولا يدري هل صلى عشراً أم لا، لكن المؤمن إذا قام يصلي ركعتين وجل وخاف، وشقت عليه من كثرة استحضاره، فكيف تكون كبيرة على ذاك، وخفيفة على هذا؟ مع العلم أن هذا يعاني مشقة، أما الفاجر لا يعاني مشقة؛ لأنه يتسلى؛ لأنه ربما إذا طول الإمام في القراءة ذهب فكره وعقله في أمور الدنيا، في أفعالها وأقوالها، وفي بيعها وشرائها.حتى ذكروا أن تاجراً صلى وراء إمام فسلم الإمام من ثلاث، فقال التاجر: ما صليت إلا ثلاثاً، قال: لا، بل صليت أربعاً قال: لا. والله ما صليت إلا ثلاثاً، قال: كيف علمت، قال: أنا دائماً إذا صليت أربع أبدأ معك في السفر أخرج من بوابة الظهران في الركعة الأولى، وبعدما أجتاز خريص في الركعة الثانية، وأدخل إلى الخرج في الثالثة، وما أصل الرياض إلا في الرابعة، وأنت سلمت بي وأنا في الخرج، لذلك بعض الناس تجده يبيع ويشتري أو يصمم عمارة، أول ما يضع القواعد في الركعة الأولى، ويرفع الهيكل والعظم في الثانية، والتلييس في الثالثة، والفرش والأثاث في الرابعة ثم يسلم وقد انتهى من العمارة: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] ما سمعنا بأرخص من هذا السعر إنسان يخطط ويعمر وينتهي فلا عمار ولا شيء.كما قيل: إن أحد الحمقى رأى في المنام أن عنده تيساً، فقالوا: اعطنا تيسك بعشرة دنانير، قال: لا، بعشرين، قالوا: بعشرة، فنازلوه إلى خمسة عشر فرفض، فصحا من المنام فلم يجد لا تيساً ولا دنانير فغمض عينيه، وقال: هات الخمسة عشر! لكن هذه لا شيء، إنها أحلام الإنسان الذي يضيع أحلامه في الصلاة، ولذلك لا يسلم إلا مع الإمام مهما حاول أن يستعجل أو مهما حاول أن يفر، سوف يقيده الإمام فلا يسلم إلا معه. فليتق الله هذا في صلاته!والمقصود بقوله تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] قالوا: الكبيرة بمعنى ثقيلة على نفسه أي لا يحبها، وأما الخاشع فإنه يحب الصلاة؛ فلذلك تجد الخاشع إذا أذن المؤذن، قال: الله أكبر ثم تابعه، وتجد الخاشع ينظر إلى ساعته متى يؤذن؟كم توقيتكم هنا؟من مؤذنكم؟قلبه معلق بالمساجد، فهذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إذا سمع الأذان ذهب إلى المسجد، أما هذا الفاجر، أدهى وأبخس فلا يسمع الأذان، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (وقلبه معلق بالمساجد) والحبيب يرتاح إلى ذكر حبيبه:وداعٍ دعا إذ نحن بـالخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد ولا يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بـليلى طائراً كان في صدري استشهد به ابن رجب عند ذكر الصلاة، هذا مجنون ليلى يقول: كنت أنا في منى أمشي وليلى في العراق، فسمعت إنساناً ينادي عن اسم ليلى فطير قلبي.فالرجل المسلم إذا سمع: الله أكبر، ذكره بالله الواحد الأحد، قال سعيد بن المسيب: [[الحمد لله ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في المسجد]] تصدقون أنه في عصرنا الآن بعض الناس ما يصدق أن هناك عباداً بلغوا درجة عالية ومرتفعة بسبب ما يرى من المفاسد، وكثرة ما يرى نعوذ بالله من الربا وكثرة التفلت، شيكات مصرفية، وربا فائق، وغناء ماجن، ومجلة متكدسة، ونظر طافح، وقسوة قلوب، وذنوب وخطايا حتى يظن المجتمع أنه هلك، ويقول: هلك الناس وهو أهلكهم، لا، الناس فيهم خير.في بعض المناطق التي حدثنا عنها إلى هذا الوقت وإلى هذا الزمن، أنه يوجد عباد كبار السن في جهة نجد وقد حدثني بذلك بعض الثقات من طلبة العلم، قال: يجلسون بعد صلاة الفجر يوم الجمعة فيفتح المصحف من الفاتحة ويبدأ يقرأ ويأتي إلى سورة الناس ويختم المصحف قبل أن يدخل الخطيب بوقت بسيط.وهناك رجل قالوا عنه: والله لو قيل له إن القيامة تقوم غداً، ما استطاع أن يزيد على عمله، عابد انصرف عن الدنيا، حتى ذكر أحد الكتاب -لا أحب أن أذكر اسمه- عن بعض العباد في ضواحي الرياض شيئاً عجيباً، تصور أن هناك شيوخاً كباراً في السن في بعض القرى يجتمعون، قد تعاهدوا وتعاقدوا على الخير والصلاح، وأن يختموا أعمارهم بخير ماذا يفعلون؟! قالوا: يصلون الفجر فإذا صلوا الفجر جلسوا في المسجد يذكرون الله حتى تطلع الشمس، ثم قاموا يصلون إلى أن يرتفع الضحى عشرات الركعات، ثم ذهبوا إلى بيوتهم فإن كانوا صائمين واصلوا وإلا أكلوا وجبة، ثم أتوا قبل صلاة الظهر يذكرون الله ويقرءون القرآن إلى أن يدخل وقت صلاة الظهر، ثم يصلون الظهر ثم يتنفلون ويعودون إلى بيوتهم في قيلولة، ثم يعودون من العصر ويقرءون إلى صلاة المغرب، ومن المغرب إلى العشاء ثم يعودون إلى العَشاء فينامون ثم يستيقظون وسط الليل، هل بقي وقت للمعصية؟! نحن لا نطالب الناس بمثل هذا لكن فاتقوا الله ما استطعتم، فإن الله علم أن الناس منهم موظفون ومهندسون وتجار ومسئولون ورعاة وبناة، فلذلك اتقوا الله ما استطعتم لكن انظر إلى البقية لعل الله أن يرحم بهم الناس.وهناك قرية من القرى، قالوا: دخل مرض الجدري كل القرى إلا هذه القرية؛ لأنه كان فيهم رجل عابد يقوم الصباح بعد صلاة الفجر فيصلي في مسجده، ثم يطوف بالقرية ويقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، قالوا: والله الذي لا إله إلا هو ما سلمت قرية في تلك المقاطعة من الجدري ذكوراً وإناثاً وأطفالاً إلا هذه القرية، ما أصابها حبة جدري بصلاح هذا الرجل الصالح، ولذلك ورد في أحاديث أن الله يرحم أهل الحي بصلاح رجل واحد، وأن الله يضيف الناس بصلاح الصالح. ولذلك تجد بعض الناس إذا سافر إلى أماكن يسألونه عن المدن، يقولون له: كيف وجدت الناس؟ قال: والله نعوذ بالله فجر الناس، لأنه نزل على أمثاله:وفي السماء طيور إسمها البجع إن الطيور على أمثالها تقع زار مثله وأمثاله الذين يتركون الصلاة، زار أهل الموسيقى والليالي الحمراء وأصحاب المجلات الخليعة، فجلس معهم فما رأى إلا هؤلاء، لكن أسأل بعض الأخيار الآن إذا سافر كيف وجدت الرياض وجدة ومكة والطائف، قال: ما شاء الله صحوة عارمة، وإقبال إلى الله، وتوبة نصوح، واستقامة ومجالس ذكر؛ لأنه زار من أمثاله وأقرانه فرأى خيراً، فلذلك ينبغي على الإنسان أن يتخذ عند الله وسيلة من العمل الصالح.
 حكم تارك الصلاة
والسؤال هنا: هل يستدل من الآية على كفران تارك الصلاة؟الجواب: هذا استدلال تبعي، ولو أن هناك أدلة تثبت أن من ترك الصلاة فقد كفر، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} وقوله صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح: {بين المسلم والكافر ترك الصلاة} وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى} فمفهوم المخالفة أن من لم يصلِّ فما عصم دمه، فإذاً هو كافر.فقوله: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] أي: الذي لا يؤديها ليس من الخاشعين وإنها كبيرة عليه ما دام لم يؤدها ومن الناس من لا يصلي فهو كافر، ومنهم من يصلي لكنه يصلي مرة ويترك مرة يعني على المزاج فهذا كافر صلاة الفجر في البرد يتركها، لكن الظهر مناسبة فيصليها، وهناك قسم آخر هم أناس يصلون، لكن بفتور وكسل مع أنهم يداومون على الصلاة لكنهم يؤخرونها فهذه كبيرة من الكبائر، وهناك أناس يصلون ويخشعون.
نداء لبني إسرائيل
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:46-47] وهذا نداء لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل استحوا على وجوهكم، ويا من هم على أمثال بني إسرائيل فالخطاب عام قال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47] في الآية قضايا منها النداء، وكانوا إذا أرادوا أن يهيجوا الرجل قالوا: يابن فلان، يابن المكارم.يا أبا المجد يا بن ماء السماء يا سليل النجوم في الظلماء طاغية من الطغاة حبس سبعين قاضياً اتهمهم أنهم يريدون قتله في ناحية من النواحي، فحبسهم وحلف أن يقتلهم جميعاً يوم الجمعة، فلما بقي ليوم الجمعة أربعة أيام ذهب هؤلاء القضاة، فأرسلوا رسائل إلى عالم من العلماء ولا بأس بهذا العالم، عالم جليل، فركب بغلته ونظم قصيدته إلى هذا الملك، ودخل على هذا السلطان المتجبر فقال له:يا أبا المجد يابن ماء السماء يا سليل النجوم في الظلماء فأجرني كـالمطعم بن عدي حين قال النبي في الإسراء فقال السلطان: لقد أطلقتهم لك وعفوت عنهم. لماذا؟! لأنه يمدحه يقول له: أنت ابن فلان أنت ابن الأخيار، فلذلك ينبغي للمسلم أن تكون هذه الكلمات في الدعوة على لسانه، يا فلان، يابن الأسرة الجليلة، يابن العابد، يابن الخاشع تفعل بنفسك هذا، أمَّا أن تقول: يا فاجر يا ابن الفاجر لماذا لم تصل؟! سوف يترك الصلاة ثم يكفر والعياذ بالله، هذا ليس بأسلوب قال الله لموسى ولهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] قالوا: كنياه يا أبا مرة مرر الله وجهه في النار.المقصود قال: يا بني إسرائيل يعني: يا بني الرجل الصالح يعقوب عليه السلام، واسمه إسرائيل: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47] اذكروا نعمتي ليس ذكر اللسان، بعض الناس يقول: أنعم الله علينا بنعم ظاهرة وباطنة، فلله الحمد، لكن أعماله مخالفة وهذا ليس من الشكر وشكر النعم يكون بثلاث:الأولى: باللسان: أن تعلنها في الناس قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].الثانية: بالجنَاَن: تعلم أنها من عند الله عز وجل.الثالثة: بالفعل: تجعلها في مرضاة الله عز وجل وتعطي منها في سبيله تبارك وتعالى.
 تفسير قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)
كان يوجد في الوقت الواحد في بني إسرائيل عدد كبير من الأنبياء والملوك، وكانت هناك أسر كاملة هي ملوك، ولكن ما رضوا، وما استحقوا خلافة الله فسلبهم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:47] النعمة في القرآن أطلقت في القرآن نِعمة ونَعمة، بفتح النون وكسرها قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً [المزمل:11].والسؤال هنا: ما الفرق بين النِّعمة والنَّعمة؟الجواب: النَّعمة بفتح النون معناها: ما نتعيش به في الحياة، نعمة الدواب والحمير والسيارات وغيرها، فهذه نعمة ولذلك قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ [المزمل:11]. والنِّعمة قالوا: ما استفاد بها العبد في مرضاة الله تبارك وتعالى، فالنَّعْمة: نعمة المعايش، ومن قال: الكفار في نعمة، ولكن المسلمين في نِعْمة من الله، فهذا كلام صحيح فهم تقووا بالنعمة في مرضاته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أما بعض النعيم فليس بنعيم فقد يظن بعض الناس أنها نعم.يقول أبو تمام:قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم بعض الناس يظن أنها نعمة عليه وهي لعنة والعياذ بالله، فبعضهم يستدرجه الله بزيادة المال، وبعضهم بكثرة الولد، وبعضهم بالمنصب حتى يرديه والعياذ بالله.لكن النِّعمة: هي ما أوصلتك إلى رضوان الله تبارك وتعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:47] لأن النعمة من عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ثم قال: أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:47] ليختصهم من بين الناس، (وأني فضلتكم على العالمين) ولكن لما لم يقوموا بهذا الفضل، ولم يقوموا بالخلافة؛ مسخهم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولعنهم وجعلهم شر طائفة أخرجت للناس، ولذلك لا تجد في العالم أشر من اليهود، وإذا وجدت يهودياً ووجدت بقعة فابسط على اليهودي ولا تبسط على الأرض.اليهود هم الذين يدبرون الخيانات والعمليات اللعينة والجرائم والفواحش والسيئات في كل شبر من الأرض:تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية قوم غضب الله عليهم، كيف نثق بهم؟! قوم لعنهم الله، كيف نرضى عنهم؟! قوم قطع الله الحبل بينه وبينهم، كيف نصل حبالنا بهم؟! هذا أمر لا بد أن يعرف، وسوف يمر معنا أخبار كثيرة عن اليهود.قال الله تعالى: وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64].
الأسئلة

 ثبوت صفة الغضب لله سبحانه وتعالى
السؤال: ما مدى صحة غضب الله سبحانه في المحشر قبل الشفاعة في الفصل؟الجواب: ثبت في الصحيحين أن ربنا تعالى يغضب غضباً لم يغضبه من قبل، فيستدرك كل إنسان عن الغضب حتى الأنبياء يقولون: نفسي نفسي قد غضب الله غضباً لم يغضب مثله لا قبله ولا بعده، حتى يأتي رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فيخر تحت العرش ساجداً، ثم يثني على الله بمحامد ما كان يعرفها فينزلها الله عليه، فيقول: ارفع رأسك وسل تعط، فأول شفاعة هي في الفصل بين العباد، فيتنزل سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ويفصل بين الناس، وهذا هو اليوم الحق: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً * وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً [طه:102-107].نسأل الله تعالى أن يسهل علينا وعليكم ذاك اليوم، وأن يتولانا وإياكم يوم تزل الأقدام، وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كلام جميل وفعل قبيح للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net