اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فاعلم أنه لا إله إلا الله للشيخ : عائض القرني


فاعلم أنه لا إله إلا الله - (للشيخ : عائض القرني)
(لا إله إلا الله) ليست كلمة تقال فحسب، بل لا بد أن يعلم معناها، ومع العلم لا بد من العمل، ومن لم يأخذ بـ(لا إله إلا الله) أو لم يعمل بها نكسه الله وعذبه في الدنيا قبل الآخرة وأخزاه جل وعلا.و(لا إله إلا الله) هي التي حمت محمد صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف وحمت من قالها ممن تبعه بحق، وكما أن (لا إله إلا الله) نصرت من أخذ بحقها ممن سبق؛ فإنها ستنصر من يأخذ بها في الدنيا وفي الآخرة؛ ومن تركها فله العذاب والخسارة والندامة في الدنيا قبل الآخرة.
شكر وتقدير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله مساكم باليمن والمسرات.الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإنه وسراجاً منيراً. هدى الله به الإنسانية وأنار الله به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً ما اتصلت عين بنظر، وما تاقت أذن لخبر، وما هتف الورْق على الشجر، وما هطل المطر. أشكركم شكراً جميلاً، وأشكركم شكراً لا يكتب إلا بدموع عيني ولو استطعت أن أكتبه بالدموع لكتبته والله، أشكركم شكراً لا ينتهي، ولو استطعت أن أكتب شكركم بدمي لكتبته والله، فإن الدم لله والدموع لله والقلب لله والرأس لله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111]. من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا أشكركم لثلاثة أسباب:أولاً: لأنكم اجتمعتم لتسمعوا قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] أتيتم هنا بقلوبكم ودمائكم وأبصاركم وأسماعكم لتسمعوا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] أتيتم هنا لتقولوا سوف تعود لا إله إلا الله، وسوف نبقى مع لا إله إلا الله، وسوف ننصر لا إله إلا الله، وسوف نسجد لرب لا إله إلا الله.ثانياً: أشكركم لأن أجدادكم هم الذين فتحوا الدنيا بلا إله إلا الله وهم الذين قتلوا في حدائق الأندلس وأسبانيا والبرتغال وطاشكند والهند والسند، وهم الذين ماتوا في صحراء سيبيريا وفي اسطانبول، وعلى ضاف دجلة والفرات، ليرفعوا لا إله إلا الله، ومن يشابه أبه فما ظلم.نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا ثالثاً: أشكركم على دعائكم الحار بالأسحار، شكر الله لكم دعاءكم وجعله في ميزان حسناتكم، وإنما نصرتم باتباعكم محمداً عليه الصلاة والسلام، ونصرتكم باتباعكم أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ونصرتم باتباعكم أهل الخير وأهل العلم وولاة الأمر، فقد نصرتم هذه البلاد ونصرتم لا إله إلا الله، لكني عاجز عن شكركم، وأحيلكم على الغفار رب الأرض والسماوات، الذي يثيبكم ويكسوكم جلابيب الرضوان يوم يجمع الأولين والآخرين، ثم أشكر من قدمني وأعتذر وأقول غفر الله له، وأنا عبد ضعيف. إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فأسأل الله أن يغفر لي ولكم وأن يتقبلنا فيمن تقبل، وأن يثبتنا على الحق.عنوان المحاضرة: فاعلم أنه لا إله إلا الله.
 العمل للا إله إلا الله
يولد الإنسان وهو يبكي والناس يضحكون، ويموت المؤمن وهو يضحك والناس يبكون، يوم أتيت أنت أتيت تبكي، هل سمعتم أن أحداً أتى يضحك للدنيا، لا، أتى يبكي إلا عيسى بن مريم عليه السلام فإنه ما بكى، أما الناس جميعاً فبكوا أول ما نزلوا إلى الأرض، يبكون من هم الدنيا ومن غم الدنيا ومن حزن الدنيا، قال الشاعر: فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا إذا أتتك سكرات الموت: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] فإذا حضرتك سكرات الموت، فاحرص أن تكون ضاحكاً بالعمل الصالح وبالصلوات الخمس وببر الوالدين وبصلة الرحم وبالصدقة. إذا بكى الناس وأنت في سكرات الموت، فاحرص أن تكون أنت متصلاً بالله ضاحكاً. نُح على نفسك يا مسكيـ ـن إن كنت تنوح غفر الله لنا إن الخطايا لا تفوح كل بطاح من الناس له يوم بطوح كل جبار له يوم يبطحه الله فيه أمام الخلائق: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52].
لا إله إلا الله هي فطرة الله
لا إله إلا الله هي فطرة الله في الأرض: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30] أكثر الناس لا يعلمون بلا إله إلا الله، ولا يعرفون مقتضى لا إله إلا الله ويخونون لا إله إلا الله، وأكثر الناس يقولون: لا إله إلا الله، لكن لا إله إلا الله في واد وهم في واد آخر. ويقول سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172].أنا وأنت وأبي وأبوك وأمي وأمك وجدي وجدك كنا في أصلاب آدم، فمسح الله ظهر آدم فاخرج ذريته كالذر، فنثرهم سبحانه أمامه، ثم قال الله لهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى أنت ربنا لا نريد إلا أنت، وهذه فطرة الله.ويقول سبحانه: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2] هل أتى على الإنسان حين من الدهر؟ أما مر بي وبك في بطون أمهاتنا وقت، ما كنا نرى ولا نبصر ولا نأكل ولا نشرب، فأخرجنا الله، وأنبتنا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الروم:40] هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3] لا خالق ولا رب ولا معبود إلا الله.أتي حصين بن عبيد الخزاعي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال له عليه الصلاة والسلام: (كم تعبد يا حصين؟ كم لك من آلهة؟ قال: لي سبعة -أعبد سبعة- قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من لرغبك ولرهبك -يعني من لشدتك ومن لك إذا ضاقت بك الضوائق، من لك إذا نزلت بك المصائب والكوارث- قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء قال: ماذا أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فقالها.
 إذا كبر سنك فانتظر الموت
كان قيس بن عاصم المنقري أحد الصالحين، وكان له عشرة أولاد صالحون، نام معهم في البيت وعمره ما يقارب السبعين لكن لا ينام، فصاحب السبعين اليوم مريض، وبصره كالّ، وسمعه فاتر وشهيته في الطعام قليلة، وظهره محدودب، فقد يبست أعضاؤه، لأنه في السبعين أو في الثمانين، فكان إذا نام مع أولاده العشرة لا ينام الليل، يسعل ويزفر ويشكو الثمانين، يقول له أحد أبنائه، مالك يا أبي لا تنام؟ قال: ما تركتني الثمانين أن أنام، أسهرتني في الليل، ثم نظمها في قصيدة وقال فيها: قالوا أنينك طول الليل يسهرنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا إذا الرجال ولدت أولادها وأخذت أسقامها تعتادها وكثرت من مرض عوادها فهي زروع قد دنا حصادها إذا أنجب ابنك وأصبح له أبناء فانتظر سكرات الموت، إذا رأيت أبناء ابنك يدرجون معك في البيت، فانتظر داعي الله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه:102].إذا رأيت أبناء ابنك ولدوا فهو نذير لك أن تبتهل، اترك المجال لغيرك، أكلت وشربت ونمت، ولهوت وضحكت فاخرج.إذا الرجال ولدت أولادها وأخذت أسقامها تعتادها سعال وسهر وألم وفقد بصر وفقد سمع واحدوداب ظهر ويبوسة.كثرت من مرض عوادها، يعودنك في بيتك وفي المستشفى، وعلى السرير وفي الطريق دائماً يقولون: كيف أصبحت وكيف حالك؟ فهي زروع قد دنا حصادها: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62] هذا أسلوب القرآن، ثلاث جمل ثم ردوا إلى الله، ولم يقل: أعيدوا لكن قال: ردوا؛ لأنهم خرجوا بإرادة الله وردوا إلى الله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام:62] وكل شيء سواه باطل: أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62] أي: أول ما يموت العبد ويصل إلى القبر يجد الحساب هناك، ولا يقول له المحاسبان: أنت مريض ارتح قليلاً، أو أنت كنت في المستشفى ومرضت سنوات نريحك سنة في القبر، لا، أول ما يتركه أهله وأول ما يدفنونه ويغطونه بالتراب وإذا بالحساب ماذا فعلت؟ أين أفنيت أيامك؟ أين كنت تصلي؟ ما هو مطعمك؟ ما هو مشربك؟: أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62]. لا إله إلا الله ما أعظم الشيب. كان ابن عباس إذا قرأ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] بكى حتى يرثي له أصحابه، قالوا: [[مالك يا ابن عباس؟ قال: أتدرون ما النذير، قالوا: لا، قال: الشيب]]. شاب إبراهيم عليه السلام إمام التوحيد، وأستاذ العقيدة، إبراهيم الخليل صاحب المواقف العظيمة، الذي أركبوه في المنجنيق، ليلقونه في النار فلما أصبح في السماء بضربة من المنجنق ليقع في النار -فقد بنى له النمرود ناراً عظيمة- أتاه جبريل قال: يا إبراهيم! ألك إلي حاجة؟ قال: أما إليك فلا وأما إلى الله فنعم، فلما اقترب من النار -وكان لهيبها يأكل الطيور في السماء، فقد جمعوا الحطب في شهرين أو ثلاثة أشهر- ووجد حرها وسمومها قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأطفأها الله وصارت برداً وسلاماً فوقع هادئاً. إبراهيم رأى شيباً في لحيته، قال: يا رب! ما هذا البياض في لحيتي قال: شيب يا إبراهيم! قال: ما الشيب يا رب؟ قال: وقار، قال: اللهم زدني وقاراً، زادكم الله وقاراً وزادنا وإياكم ثباتاً وجعل شيبنا وشبابنا في مرضاة الواحد الأحد.شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحونا كذلك أخرج الإسلام قومي شباباً مخلصاً حراً أمينا
التوبة
أتى رجل من بني إسرائيل فوقف أمام المرآة وعمره ثمانون سنة، أطاع الله في أربعين سنة، وعصى الله أربعين سنة قال: [[يا رب أطعتك أربعين، ثم عصيتك أربعين، أتقبلني إذا عدت إليك؟ فسمع هاتفاً يهتف يقول أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك وإذا عدت إلينا قبلناك]].من الذي أتى باب الله فرده؟ من الذي قرع بابه فيخيبه؟ من الذي اقترب منه فرده وأخزاه؟ من الذي مد كفيه فعادت خائبتين؟ من الذي بكى فما أنجز الله له طلبه؟ من الذي اعتصم بحبل الله فانقطع به الحبل؟ لا أحد، يقول الله: وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء:76] ما هو الكرب؟ كاد أن يغرق فقال: لا إله إلا الله، فنجاه الله. وقال سبحانه: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين [الأنبياء:87-88] الآيات.أيها المسلمون! إن من أسرار قدرة الله عز وجل أن تكون مقاليد الأمور بيده، وهي العقيدة التي يريد الله أن يقررها للعبد: أن يعلم أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، ولا يشافي ولا يعافي إلا الواحد الأحد، ثم أعود فأقول: يقول سبحانه: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:68] يقول: يا أيها البشر! يا أيها العالم! أما تنظرون إلى الكبير كيف يكبر، فيعود عقله كعقل الطفل: نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:68] ما لهم لا يعقلون؟ هذه هي الحياة، وهذا مصيرها. تزود للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العباد أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد قالوا لأحد السلف الصالح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وأعدائي أربعة، دنيا تنهشني وأنهشها، وشيطان يضلني قبل أن أتحرج منه، وغريم لا يفارقني -وهو الموت- وأسرة تطلب مني النفقة كل صباح، هذه غرماء المؤمن. وقالوا لرجل من التابعين وهو في الثمانين: كيف أصبحت؟ قال: أما عين من عيوني فقد ذهب بصرها، والعين الأخرى ترثي أختها لتلحق بها، وسقطت أضراسي، وامتدت يدي إلى قبري وحملت كفني فكيف؟ يعني: كيف أصبح. يا أيها المسلمون! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:1-8].عند البخاري في الصحيح، أنه عليه الصلاة والسلام: (مر بـابن عمر -الشاب الزاهد العابد، وهو في العشرين- فوضع يده على كتفه وقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) وفي حديث مرفوع: (وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح).
 الإعراض عن الله سبب العذاب
قال: سبحانه في كلمة: فَأَعْرَضُوا [سبأ:15] تمردوا على شرع الله، والله ما ملأ البيوت هماً وغماً ولا أهلك الشعوب ولا دمر القرى ولا أخزى الفجرة إلا المعاصي، يوم يترك الإنسان منهج الله: فَأَعْرَضُوا [سبأ:15] قال سبحانه: فَأَرْسَلْنَا [سبأ:16] ولم يقل فأرسل، قال: فأرسلنا نحن، نحن الذين ملأنا لهم السد من قبل، ونحن الذين نرسل الماء اليوم. يقول بعض المفسرين: يا عجباً! يا سبحان الله! إن سر حياتهم الماء وسر هدمهم ودمارهم الماء، فقد أتى زلزالهم بالماء، وحياتهم بالأمس بالماء، فالماء بالأمس كان حياة وثمرة، وكان ماء طيباً صافياً، والماء اليوم يوم عصوا وخالفوا منهج الله، أصبح زلزالاً وبركاناً. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سبأ:16] لماذا سمي سيل العرم؟ قالوا: أقبل وله عرمرم كالجيش العرمرم، وأقبل وله حتحتة ينزف بعد صلاة الفجر، فلم يبرق بارق، فما أخبرهم الله بالبرق ولا بالوسم، ولا سمعوا رعداً ولا نزل عليهم قطر، لما انتهوا من الصباح وأطل عليهم الصباح وأمهلهم الله ثلاثة أيام يراجعون حسابهم مع الله، لكن ما راجعوا حسابهم، قال الله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].فأتى في الصباح ينزف، يحمل الجبال والأودية والشجر، فدمرهم تدميراً: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ:16] لماذا؟ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا [سبأ:17] لأنهم أعرضوا وما صلوا وما صاموا وما زكوا وما قاموا على منهج الله وما خافوا الله.قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:17] كَفور النعم، كَفور الآيادي، جاحد المعروف، ويستمر السياق، واسمحوا لي أن أستمر دقيقتين أو ثلاثاً مع سبأ ثم نعود من اليمن معاً. قال: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [سبأ:19] لماذا؟ لأن، الفقير العاجز الذي يطلب الكسب، إذا أتاهم وقت نزول الثمرة يأخذ القليل من رزق الله عز وجل، فتضايقوا منه، فكلما أتاهم الفقراء من أنحاء الجزيرة، قالوا يا ربنا! باعد بن أسفارنا حتى لا يأتينا أحد من العرب، اللهم اجعل قرانا بعيدة وباعد بيننا وبين هؤلاء الفقراء فلا نراهم ولا يروننا، قال سبحانه: لمن الرزق؟ الله أعطاك فابذل من عطيته فالمال عارية والعمر رحال المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال الرزق والعطاء والفضل والنعيم لله، قال سبحانه: بلسان الحال، تمنعوا الفقراء وأنا الذي أعطيكم حتى أصبحتم أغنياء. قال: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ [سبأ:19] يقول: ما أبقينا إلا أحاديث، الليلة نسمر عليهم فأين هم؟ أين من شادوا وسادوا وبنوا ذهب الكل فلم تغن القلل كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول سبحانه: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88]. فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ:19] ربع ذهبوا إلى الجنوب وهم أجدادنا فنحن من الأزد، أبناء عمومتنا الأوس والخزرج الذين منهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ولذلك ليس بغريب عليكم أن تأتوا اليوم لتسمعوا فاعلم أنه لا إله إلا الله، ومن يشابه أبه فما ظلم. تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية والربع الثاني: ذهب إلى عمان، والثالث: الغساسنة، والرابع: المناذرة، ولكن لا نكون كأجدادنا نكفر بنعم الله: وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:19].
الأسئلة

 التصرف في الوقف
السؤال: يقول عندنا مزارع وقف لا نزرعها ولا نستفيد منها، هل يجوز بيعها وصرف قيمتها في بناء مسجد أو مشروع ينفع المسلمين؟ الجواب: نعم. وقد أفتى ابن تيمية وغيره من العلماء أن الوقف إذا توقفت منافعه ومصالحه، فيباع وينقل إلى مصلحة تنفع المسلمين، كثير من المزارع من عشرين سنة وثلاثين سنة ما زرعت ويسمونها وقف لله، وقف الله ما يزرعونها أما مزارعهم يزرعونها، فهذه عليهم أن يصرفوها في مصارفها ويبيعوا هذه القطع ويبنوا بها مساجد أو خزانات ماء على الطرق للمسلمين، أو تفتح بها بيوت للخير أو سكنى وقف للمسلمين، أو قناطر تنفع الناس أو آبار يحفرونها أو مساجد يبنونها بالبوادي وفي التهامات أو في مثل ذلك فهذا أنفع للمسلمين، أما دثرها وتركها بهذا المستوى، فليس بوارد وهو القول الصحيح عند أهل العلم. عسى الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فاعلم أنه لا إله إلا الله للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net