اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من أخبار النساء للشيخ : عائض القرني


من أخبار النساء - (للشيخ : عائض القرني)
النساء إذا اجتمعن تكلمن عن الرجال وهذا شيء دائم فيهن، وقد ذكر الشيخ حديث أم زرع المتفق عليه والذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي قصة إحدى عشر امرأة اجتمعن في الجاهلية، وتعاهدن على وصف أزواجهن بما فيهم، فقصت عائشة رضي الله عنها هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستمع إليها تواضعاً.
تواضع النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله
الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله ما اجتمع الصالحون، وما تواصل الأخيار الأبرار المفلحون، والحمد لله ما ذكر إلههم الذاكرون، والحمد لله ما غفل عن ربهم الغافلون، وصلى الله وسلم على المعلم الأول، الذي أتى وقال الله له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]. وأتى بـنْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]. الذين تكلم للناس فكان أفصح الناس وهو ما قرأ ولا كتب!!كفاك باليتم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم وعلى آله مصابيح الدجى، وغيوث الندى، وليوث الوغى، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين، ثم اعلموا -بارك الله فيكم- أن عنوان هذا الدرس من أخبار النساء.وللنساء أخبار وعجائب، وسوف نأخذ هذه الأخبار من ثقة، من عائشة رضي الله عنها، من أم المؤمنين، من الصديقة بنت الصديق، من الطاهرة بنت الطاهر، من المبرأة من فوق سبع سموات، نأخذ هذه الأخبار -أخبار النساء- من بيت محمد عليه الصلاة والسلام، من البيت الذي أسس على التقوى، والذي شعت منه أنوار القداسة، وأنوار الرسالة والهداية، والذي صدع منه النور حتى غطى العالم، والذي وصفه حاله أنه بيتٌ من طين: كفاك عن كل قصرٍ شهاقٍ عمدٍ بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم بيت من الطين، إذا نام فيه عليه الصلاة والسلام مس رأسه طرف البيت ورجلاه الطرف الآخر، أما بساطه فمن سعف النخل يؤثر في جنب المصطفى عليه الصلاة والسلام، وسقفه من سعف النخل، ومصابيحه إنها إضاءات من أعوادٍ كانت توقد في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن يكفي أن محمداً صلى الله عليه وسلم في البيت.إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا وإني لأستغشي وما بي غشاوة لعل خيالاً منك يلقى خياليا وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا نورٌ بعثه الله جلس في هذا البيت؛ فاسمع إلى الخبر، كانت عائشة تجلس معه رضي الله عنها وأرضاها، ووجد عليه الصلاة والسلام فراغاً في برنامجه اليومي، وجد ساعة زمنية وكان يلاطف نساءه ويمازحهن، ويسأل عن أخبارهن، فهذا الدرس اليوم هي تلك الساعة أنقلها لكم، وقد نقلها الإمام البخاري ومسلم والطبراني، أنا سوف أعرضها لكم كما عرضتها أم المؤمنين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقته عبادة، ووقته رسالة وجهاد، وتضحية وبذل وعطاء، لكن وجد ساعة يرتاح فيها، فجلس مع عائشة يسألها عن الأخبار، وهو حديث أم زرع، وسبب هذا الحديث عند بعض العلماء أن الرسول عليه الصلاة والسلام سألها: هل ترضى بمعاملته صلى الله عليه وسلم؟ وكانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها فصيحة، كانت تعرف أخبار الجاهلية، قال بعض الرواة: كانت تحفظ ثمانية عشر ألف بيت شعر، هي راوية للأشعار، وهي كأبيها أبي بكر الصديق من أفصح العرب، وكان يعرف أنساب العرب، وإذا أتى إلى أبي بكر رجل قال: من أين أنت؟ قال: من غطفان قال: من أي بيوت غطفان؟ قال: من فزارة قال: من أي فزارة؟ حتى يوصله إلى بيته فهو نسابة وبنته نسابة، ومن يشابه أبه فما ظلم. نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا وكان صلى الله عليه وسلم يحب عائشة حباً جماً ويقول كما في الصحيح: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) وهي زوجته في الجنة، فسمع حديثها، وحديث المرأة الدينة العاقلة كما قال ابن الرومي في زوجته: وحديثها السحر الحلال لو انه لم يجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ود المحدث أنها لم توجز سلسٌ يسلي القلب في غمراته بمطرزٍ عذبٍ وغير مطرز
 

حديث أم زرع
الآن يستمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محاضرة كاملة عن أخبار نساء الجاهلية، وسوف يعلق في آخر الخبر، ويجلس إمام البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، متواضعاً أما فتاة صغيرة السن فتية، لكنه أوتي خلقاً عظيماً يقول الله فيه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].وهذا الحديث من كلام عائشة، تقول: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً.فليس معهن رجال، وهذا مجلس للنساء خاصة، وعددهن إحدى عشرة امرأة، وسوف تتكلم كل امرأة بوصف زوجها، تصفه لأخواتها وزميلاتها وقريناتها، واسمع إلى الداهية الدهياء، بعضهن ستمدح، وبعضهن ستذم، وبعضهن ستتوسط، يقول ابن حجر: وغالب أحاديث النساء إذا خلون تكون عن الرجال، وغالب أحاديث الرجال عن المعيشة والمال، وهذا أمرٌ معلوم إلا في النادر، كان لكل واحدة منهن زوج، وتبدأ الأولى، والذي يستمع لهذه الأخبار محمد عليه الصلاة والسلام، والتي تتكلم عائشة، وكانت تحفظ القصص بالنقل، ولذلك تأتي بها بالحروف، وهي من أحفظ الناس، ومن علماء الصحابة وكان يعود إليها الصحابة في كثير من القضايا الفقهية والحديثية، فهي فقيهة مجتهدة اجتهاداً مطلقاً رضي الله عنها وأرضاها.
  وصف أم زرع لزوجها أبي زرع
قالت الحادية عشرة: {زوجي أبو زرع وما أبو زرع أنس من حلي أذني} اسمه هو أبو زرع ثم تقول وما أبو زرع؟ وهذه الجملة للتعظيم يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة:1-3]. الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:1-2].{أنس من حلي أذني} أي: أحسن عندي من حلي الأذن بالأنس واللطف والسكينة، والقرب والهدوء والليونة، وعند البخاري في رواية: {وأملأ من شحم عضديَّ} تقول: إنه عندي أحسن من الشحم الذي في عضدي لما بيني وبينه من قرب ومودة ورحمة.وبجحني فبجحت إليَّ نفسي، تقول: أعطاني من الدنيا حتى افتخرت على زميلاتي وأخواتي، وتعاظمت إلي نفسي، وهذا ليس محموداً على الإطلاق، وسوف يأتي تفصيله، تقول: وجدني في أهل غُنيمة بشقٍ أي: أن أهلها أصحاب غنم في بادية فقيرة، فجعلني في أهل صهيلٍ وأطيطٍ، ودائسٍ ومُنَقٍّ، أي: فتحولت إليه فأصبح عندي خيل لأن عنده خيلاً وعنده أطيطاً أي: إبل تئط أطيطاً، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موطن أربع أصابع إلا وملكٌ راكعٌ أو ساجد} وفي حديثٍ يروى عنه في العرش عليه الصلاة والسلام: {وإنه ليئط به أطيط الرحل براكبه} والأطيط صوت القتب، وصوت المحمل على الجمل، الخشب الذي تسمع له صريف.تقول: عنده إبل وخيل وعطاء.وينبغي للمرأة ألا تتزوج الرجل لماله، بل تتزوجه لدينه، فالمال وحده لا ينفعها، ولو كان عنده مال قارون، وكثير من الفتيات تزوجن رجالاً ذوي أموال، ولكن أهل الأموال هؤلاء كانوا فجرة، وأهل ربا وخيانة مع الله، وأهل غدر مع الواحد الأحد، فأصبحت حياتهم غدراً وزوراً وبعداً عن الله.وهناك نساء تزوجن فقراء، ولكن هؤلاء الفقراء عرفوا الله.. أهل صيام وصلاة، وعبادة وتقوى لله، فسعدن سعادة ما بعدها سعادة، فلا تعد المال شيئاً فهو لا يساوي التراب إلا بتقوى الله.قالت: {ودائس ومنقٍ} تعني: أن له دجاجاً، لكن استبعدوا ذلك فذكره الحافظ في الفتح، وقيل: إنه كثير البر حتى ينقى عنده بالمناخل.{فعنده أقول فلا أقبح} تقول: أتكلم وألقي ما في ذهني فلا يقبحني ولا يقاطعني، ويستمع إلي، وهي خصلة جيدة في الرجال، ويجب أن يعيها المسلم فيسمع لصوت المرأة، والإسلام هو الذي عرف قدر المرأة وسمع صوتها بعد أن قتلت الجاهلية صوتها المرأة ووأدتها، ولم تعترف بها، فجاء الإسلام فكرمها.{وأرقد فأتصبح} تتشرف تقول: الصباح أرقد في الصباح حتى الضحى، أي أنها تسهر وتلهو ثم تنام متأخرة فلا تضطر للقيام بل تظل نائمة حتى وقت الضحى، ولو عرفت التسبيح حتى طلوع الشمس وقراءة القرآن كان أحسن، لكن تصف أنها مرتاحة، وأنها تنام على ما تريد، وتقوم متى أرادت.وأشرب فأتقمح أي: أشرب فأزيد من الشرب، فهي تشرب من اللبن، وتشرب من العسل، وتشرب من السمن لا يقول: كفى، إنما تشرب جهدها.ثم تصف أم أبي زرع وابنه وزوجه الأخرى وبنته تقول: {أم أبي زرع وما أم أبي زرع؟ عكومها رداح} تقول: كثيرة النعم، حتى أمه عندها غرف نوم، وعندها فرش، وعندها خيرٌ كثير قالت: {وبيتها فساح} تقول: حتى بيت أم أبي زرع واسع.{ابن أبي زرع، وما ابن أبي زرع مضجعه كمسلِّ شطبة} تقول: مثل السيف، لأن العرب تفتخر بمن يختصر في نومه وفي أكله، تقول: ينام على أدنى شيء، ينام مرة عند الباب، ويدخل مرة ينام في أي مكان؛ لأن ذلك يدل على الشجاعة، وعلى القوة، والعصامية، كان بعض العرب ينام مع الأسود، وبعضهم ينام مع الغنم وفي مسارح الإبل من شجاعته ليحميها، قالت: {وتشبعه ذراع الجفرة} تقول: أدنى شيء يشبعه، فلا يأكل الطعام علينا، والعرب تفتخر بذلك يقول عروة :إني امرؤ عافٍ إنائي شركة وأنت امرؤ عافٍ إناؤك واحد أقسم جسمي في جسومٍ كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد {بنت أبي زرع وما بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها، } تقول: تطيع أباها وأمها، يعني أنها بارة {وملء كسائها} تقول: إنها ممتلئة الجسم مع اعتدال الخلقة. {وصغر ردائها} أي أنها جيدة الملبس، تزين أهلها بأخلاقها الشريفة ووقارها {وغيظ جارتها} أي أن جارتها أو جاراتها يحسدنها، قال: حسداً حملنه من أجلها وقديماً كان في الناس الحسد حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وغيظاً إنه لدميمُ قالت: {جارية أبي زرع وما جارية أبي زرع لا تبث حديثنا تبثيثا} أي: أنها لا تنقل الخبر من البيت، وهذا فيه مدحٌ لأهل البيت ألا ينقلوا أخبارهم، وعلى المسلم ألا ينقل خبر أهله الخاص في المجالس، وعلى المسلمة ألا تنقل خبر زوجها الخاص في المجالس، فإن هذا مذموم، وقد استنكره عليه الصلاة والسلام، وهو من المجاهرة. {ولا تنقث ميرتنا تنقيثا} أي: كذلك لا تصرف مالنا ولا تضيعه { ولا تملأ بيتنا تعثيثا} أي: أنها مرتبة للبيت، والعرب تمدح الترتيب والإسلام جاء به.-وبالمناسبة- أنصح النساء لأن هذا الخبر لهن-: أن يتقين الله في ترتيب البيوت، وفي التزام النظام، لأن من صفات اليهود أنهم أوسخ الناس أفنية، فالمرأة العاقلة تجعل للملابس مكاناً، وللمكتبة مكاناً، وللمطبخ مكاناً، ولكل شيء مكاناً، أما أن تكون الملاعق بين الكتب، والسكاكين بين البطانيات، والصحون في المجلس، وحالة لا يعلمها إلا الله فهذا ينبئ بأنه أصاب البيت رجة أو زلزال، وهذا ليس بوارد في الإسلام.قالت: { خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فمر بامرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها } الآن انتهت، تقول: وجد امرأة غيري فطلقني ونكح تلك. {فنكحت بعده رجلاً سرياً -أي رجلاً غنياً- ركب شرياً- عنده فرس جيد- وأخذ خطياً -وبيده رمح- وأراح علينا نعماً سرياً -كثير الأنعام- وأعطاني من كل رائحة زوجاً -أي من كل الإبل والبقر، والغنم- فقال: كلي أم زرع وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه، بلغ أصغر آنية أبي زرع} تقول: كل شيء أعطانيه لا يملأ صحناً من أصغر صحون ذاك، ويتمدح هذا الثاني ويقول: افعلي ماشئت بهذا المال فقال النبي عليه الصلاة والسلام -خاتماً للحديث وهو يتبسم: {يا عائشة! كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع، إلا أن أبا زرع طلق وأنا لا أطلق} حديثٌ صحيح رواه الطبراني عن عائشة ورواه الترمذي في الشمائل موقوفاً إلا قوله: {كنت كـأبي زرع} فرفعاه وقالوا: وهو يؤيد رفع الحديث كله، ورواه البخاري في النكاح ومسلم في الفضائل.
مسائل مأخوذة من حديث أم زرع
في حديث أم زرع مسائل:أولها: ملاطفة الأهل، واستماع حديث النساء، وأن غالب النساء إذا اجتمعن تحدثن في حالتهن مع الأزواج، وفيه: أدبه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته.وفيه: ما كان بينه وبين عائشة من أنسِ حديثٍ وطيب كلام.وفيه: أن أخبار الجاهلية تقص في المجالس ولا بأس بها.وفيه: أنه لا بأس بالأسمار والحديث عن الناس ما لم يكن غيبة. وفيه: أنه لا بأس بأن يتحدث بأخبار القرون الأوائل والأجداد والآباء، وما كانوا فيه من فقر وحروب وعوز، وما كان فيهم من صفات وأوصاف، كما في هذا الحديث.وفيه: التمثل ببعض الناس في الصفات لقوله عليه الصلاة والسلام: (كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع) ولو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجل وأعظم وأكرم وأحسن وأبر عليه الصلاة والسلام.وفيه: تزكية الرجل لنفسه ما لم يخف عليه عجباً إذا كان صادقاً، فقد زكى صلى الله عليه وسلم نفسه وقال: (كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع).وفيه: أنه لا يلزم أن يكون المشبه كالمشبه به في جميع الصفات، فإن في بعض الأوصاف ذكر صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع) ولا يلزم في كل جزئية لأن الحال يختلف، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن، وأكرم عشرة، وأحسن بيتاً، وأوسع صدراً، وأبر من أبي زرع لـأم زرع.وفيه: أن التشبه بالجاهليين في صفات الخير ليس بمذموم كأن يقول: ككرم حاتم، وكشجاعة عنترة، وكشعر زهير.وفيه: أن المسلم قد يكون له أوقات مع أهله يأنس فيها بحديثٍ من المزاح بدون غيبة، وأن هذا ليس من ضياع الوقت.وفيه: أن للقلوب وقتاً من الراحة [[وأريحوا القلوب ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت]].. ( ولكن ساعة وساعة).وفي هذا الحديث أحكام أخرى، وأنا جئت به لثلاثة أمور. أولها: أنه تلي في مجلسه عليه الصلاة والسلام فحقيقٌ لنا أن نسمعه كما سمعه. الأمر الثاني: أن فيه وصفاً للأزواج والزوجات في هذا الحديث؛ فمن كان فيه سوء فليتجنبه رجلاً كان أو امرأة، ومن كان فيه خير فليثبت عليه وليزدد منه. الأمر الثالث: أن فيه لفتات تربوية في المجتمع بما أشرت إليها في أثناء الدرس.
  وصف أم زرع لزوجها أبي زرع
قالت الحادية عشرة: {زوجي أبو زرع وما أبو زرع أنس من حلي أذني} اسمه هو أبو زرع ثم تقول وما أبو زرع؟ وهذه الجملة للتعظيم يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة:1-3]. الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:1-2].{أنس من حلي أذني} أي: أحسن عندي من حلي الأذن بالأنس واللطف والسكينة، والقرب والهدوء والليونة، وعند البخاري في رواية: {وأملأ من شحم عضديَّ} تقول: إنه عندي أحسن من الشحم الذي في عضدي لما بيني وبينه من قرب ومودة ورحمة.وبجحني فبجحت إليَّ نفسي، تقول: أعطاني من الدنيا حتى افتخرت على زميلاتي وأخواتي، وتعاظمت إلي نفسي، وهذا ليس محموداً على الإطلاق، وسوف يأتي تفصيله، تقول: وجدني في أهل غُنيمة بشقٍ أي: أن أهلها أصحاب غنم في بادية فقيرة، فجعلني في أهل صهيلٍ وأطيطٍ، ودائسٍ ومُنَقٍّ، أي: فتحولت إليه فأصبح عندي خيل لأن عنده خيلاً وعنده أطيطاً أي: إبل تئط أطيطاً، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موطن أربع أصابع إلا وملكٌ راكعٌ أو ساجد} وفي حديثٍ يروى عنه في العرش عليه الصلاة والسلام: {وإنه ليئط به أطيط الرحل براكبه} والأطيط صوت القتب، وصوت المحمل على الجمل، الخشب الذي تسمع له صريف.تقول: عنده إبل وخيل وعطاء.وينبغي للمرأة ألا تتزوج الرجل لماله، بل تتزوجه لدينه، فالمال وحده لا ينفعها، ولو كان عنده مال قارون، وكثير من الفتيات تزوجن رجالاً ذوي أموال، ولكن أهل الأموال هؤلاء كانوا فجرة، وأهل ربا وخيانة مع الله، وأهل غدر مع الواحد الأحد، فأصبحت حياتهم غدراً وزوراً وبعداً عن الله.وهناك نساء تزوجن فقراء، ولكن هؤلاء الفقراء عرفوا الله.. أهل صيام وصلاة، وعبادة وتقوى لله، فسعدن سعادة ما بعدها سعادة، فلا تعد المال شيئاً فهو لا يساوي التراب إلا بتقوى الله.قالت: {ودائس ومنقٍ} تعني: أن له دجاجاً، لكن استبعدوا ذلك فذكره الحافظ في الفتح، وقيل: إنه كثير البر حتى ينقى عنده بالمناخل.{فعنده أقول فلا أقبح} تقول: أتكلم وألقي ما في ذهني فلا يقبحني ولا يقاطعني، ويستمع إلي، وهي خصلة جيدة في الرجال، ويجب أن يعيها المسلم فيسمع لصوت المرأة، والإسلام هو الذي عرف قدر المرأة وسمع صوتها بعد أن قتلت الجاهلية صوتها المرأة ووأدتها، ولم تعترف بها، فجاء الإسلام فكرمها.{وأرقد فأتصبح} تتشرف تقول: الصباح أرقد في الصباح حتى الضحى، أي أنها تسهر وتلهو ثم تنام متأخرة فلا تضطر للقيام بل تظل نائمة حتى وقت الضحى، ولو عرفت التسبيح حتى طلوع الشمس وقراءة القرآن كان أحسن، لكن تصف أنها مرتاحة، وأنها تنام على ما تريد، وتقوم متى أرادت.وأشرب فأتقمح أي: أشرب فأزيد من الشرب، فهي تشرب من اللبن، وتشرب من العسل، وتشرب من السمن لا يقول: كفى، إنما تشرب جهدها.ثم تصف أم أبي زرع وابنه وزوجه الأخرى وبنته تقول: {أم أبي زرع وما أم أبي زرع؟ عكومها رداح} تقول: كثيرة النعم، حتى أمه عندها غرف نوم، وعندها فرش، وعندها خيرٌ كثير قالت: {وبيتها فساح} تقول: حتى بيت أم أبي زرع واسع.{ابن أبي زرع، وما ابن أبي زرع مضجعه كمسلِّ شطبة} تقول: مثل السيف، لأن العرب تفتخر بمن يختصر في نومه وفي أكله، تقول: ينام على أدنى شيء، ينام مرة عند الباب، ويدخل مرة ينام في أي مكان؛ لأن ذلك يدل على الشجاعة، وعلى القوة، والعصامية، كان بعض العرب ينام مع الأسود، وبعضهم ينام مع الغنم وفي مسارح الإبل من شجاعته ليحميها، قالت: {وتشبعه ذراع الجفرة} تقول: أدنى شيء يشبعه، فلا يأكل الطعام علينا، والعرب تفتخر بذلك يقول عروة :إني امرؤ عافٍ إنائي شركة وأنت امرؤ عافٍ إناؤك واحد أقسم جسمي في جسومٍ كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد {بنت أبي زرع وما بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها، } تقول: تطيع أباها وأمها، يعني أنها بارة {وملء كسائها} تقول: إنها ممتلئة الجسم مع اعتدال الخلقة. {وصغر ردائها} أي أنها جيدة الملبس، تزين أهلها بأخلاقها الشريفة ووقارها {وغيظ جارتها} أي أن جارتها أو جاراتها يحسدنها، قال: حسداً حملنه من أجلها وقديماً كان في الناس الحسد حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وغيظاً إنه لدميمُ قالت: {جارية أبي زرع وما جارية أبي زرع لا تبث حديثنا تبثيثا} أي: أنها لا تنقل الخبر من البيت، وهذا فيه مدحٌ لأهل البيت ألا ينقلوا أخبارهم، وعلى المسلم ألا ينقل خبر أهله الخاص في المجالس، وعلى المسلمة ألا تنقل خبر زوجها الخاص في المجالس، فإن هذا مذموم، وقد استنكره عليه الصلاة والسلام، وهو من المجاهرة. {ولا تنقث ميرتنا تنقيثا} أي: كذلك لا تصرف مالنا ولا تضيعه { ولا تملأ بيتنا تعثيثا} أي: أنها مرتبة للبيت، والعرب تمدح الترتيب والإسلام جاء به.-وبالمناسبة- أنصح النساء لأن هذا الخبر لهن-: أن يتقين الله في ترتيب البيوت، وفي التزام النظام، لأن من صفات اليهود أنهم أوسخ الناس أفنية، فالمرأة العاقلة تجعل للملابس مكاناً، وللمكتبة مكاناً، وللمطبخ مكاناً، ولكل شيء مكاناً، أما أن تكون الملاعق بين الكتب، والسكاكين بين البطانيات، والصحون في المجلس، وحالة لا يعلمها إلا الله فهذا ينبئ بأنه أصاب البيت رجة أو زلزال، وهذا ليس بوارد في الإسلام.قالت: { خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فمر بامرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها } الآن انتهت، تقول: وجد امرأة غيري فطلقني ونكح تلك. {فنكحت بعده رجلاً سرياً -أي رجلاً غنياً- ركب شرياً- عنده فرس جيد- وأخذ خطياً -وبيده رمح- وأراح علينا نعماً سرياً -كثير الأنعام- وأعطاني من كل رائحة زوجاً -أي من كل الإبل والبقر، والغنم- فقال: كلي أم زرع وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه، بلغ أصغر آنية أبي زرع} تقول: كل شيء أعطانيه لا يملأ صحناً من أصغر صحون ذاك، ويتمدح هذا الثاني ويقول: افعلي ماشئت بهذا المال فقال النبي عليه الصلاة والسلام -خاتماً للحديث وهو يتبسم: {يا عائشة! كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع، إلا أن أبا زرع طلق وأنا لا أطلق} حديثٌ صحيح رواه الطبراني عن عائشة ورواه الترمذي في الشمائل موقوفاً إلا قوله: {كنت كـأبي زرع} فرفعاه وقالوا: وهو يؤيد رفع الحديث كله، ورواه البخاري في النكاح ومسلم في الفضائل.
الأسئلة
.
 حكم الغناء
السؤال: يقول قرأت في كتاب عن موضوع الغناء والموسيقى تحت عنوان الحلال والحرام في الإسلام والكتاب طبع في وزارة المعارف، وقرأت فيه قوله: (ولا بأس بأن تصحبه موسيقى غير مثيرة. انتهى) والذي نعرفه أن الغناء حرام بشتى صوره بعودٍ أو غيره، فما ردكم على ذلك؟ الجواب: أيها الأخ شكراً لك والكتاب هذا للشيخ يوسف القرضاوي أثابه الله، وقد زل في هذه المسألة وأخطأ، والعالم قد يخطئ وليس معصوماً، فنقول: أسأل الله أن يسامحه ويعفو عنه، وقد تصدى له الشيخ الفوزان فرد عليه رداً عجيباً، وأتى بالكتاب والسنة وأقوال أهل العلم وكلام السلف، ونقولات من المجلدات، وقد نقلت كثيراً من ذلك -والله الموفق- في شريط (رسالة إلى المغنين والمغنيات) وسوف تسمع النقول بالصفحات من ابن تيمية وابن القيم وابن باز، والألباني، وأمثالهم من علماء الإسلام، والأحاديث والآيات، وما قالوا عن الغناء، وأضراره وفحشه، فأنا أطلب منك أن تستمع للشريط حتى تسمع الحق، وعسى الله أن يهديك وكل مسلم سواء السبيل.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من أخبار النساء للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net