اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عيش النبي وأصحابه وتخليهم عن الدنيا للشيخ : عائض القرني


عيش النبي وأصحابه وتخليهم عن الدنيا - (للشيخ : عائض القرني)
إن هذه الحياة الدنيا قد ذكر الله عز وجل حقارتها في كتابه الكريم، وذمها النبي صلى الله عليه وسلم واستصغر من شأنها كما ورد في سنته، لذلك لابد أن نزهد فيها، ونعلم أننا راحلون منها وملاقو الله عز وجل، ونقتدي في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهم خير مثال.وقد تعرض الشيخ حفظه الله في هذا الدرس لحديث أبي هريرة مبيناً حال النبي صلى الله عليه وسلم وزهده في هذه الحياة، ومبيناً اقتداء الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم وتخليهم عن الدنيا، ثم أورد فوائد مستنبطة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وختم بها هذا الدرس.
نص حديث أبي هريرة في زهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْــد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.اعلموا بارك الله فيكم أنه لا بد للعبد المسلم كل يوم من نقلة يعيشها مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وكل ما أتانا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو سنة، لابد أن نعيش معه في حاله صلى الله عليه وسلم وفي أعماله، وفي جهاده وهجرته، وفي طعامه وشرابه، وفي قيامه وقعوده، وفي يقظته ونومه؛ لأن الله جعله أسوة لنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا تفتح أبواب الجنة إلا من بابه، ومن أتى من غير طريقه فحرام عليه الجنة. إذا علم ذلك فإن الله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].ومعنا هذه الليلة حديث طويل نعيش فيه مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، والذي يروي هذا الحديث هو حافظ الأمة وحامل لواء السنة أبو هريرة رضي الله عنه، يقول الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل: (باب: كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم من الدنيا) ثم قال رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عمر بن ذر، قال حدثنا مجاهد أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه كان يقول: (آلله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أعتمد ببطني على الأرض من الجوع، آلله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أربط على بطني الحجر من الجوع، وإني صليت صلاة المغرب في ذات ليلة في عهده صلى الله عليه وسلم، فلما صليت خرجت في طريق الناس وهم يمرون علي -وسوف يمر عليه من هذا الطريق الصحابة من المهاجرين والأنصار- قال: فوقفت وبي من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، والله ما أوقفني إلا الجوع، قال: فمر بي أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فسألته عن آية من كتاب الله، والله الذي لا إله إلا هو ما سألته إلا ليطعمني ويشبعني في بيته، قال: فأخبرني ثم مر ولم يدعني إلى بيته، ثم مر عمر رضي الله عنه فسألته عن آية من كتاب الله، والله الذي لا إله إلا هو ما سألته إلا ليطعمني فما فعل، ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعند البخاري من طريق مجاهد- ثم مر أبو القاسم بأبي هو وأمي، فلما رآني واقفاً قبل أن أتكلم تبسم في وجهي، وقال: يا أبا هر! حيهلاً بك. قال: فأخذ بيدي فتبعته، فدخل بيته عليه الصلاة والسلام، فلما دخل استأذنت فأذن لي فدخلت، فقال عليه الصلاة والسلام لأهله بعد صلاة المغرب: أعندكم شيء؟ قالوا: لا. إلا شيء من لبن. قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هر! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! وظننت أنه سوف يدفع لي هذا اللبن لأسد به رمقي من الجوع. قال: يا أبا هر! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: انطلق إلى أهل الصفة في المسجد -وأهل الصفة قوم فقراء من الصحابة الأخيار من خيرة الصحابة، اجتمعوا في المسجد وتخلوا عن الدنيا، لا أهل معهم ولا مال ولا ولد، في النهار يحتطبون من الجبال ويبيعون، وفي الليل يتعبدون الله في مسجدهم ويستمعون ما أنزل على رسول الهدى صلى الله عليه وسلم- قال: فقلت في نفسي -هكذا في رواية البخاري - قلت: يا سبحان الله! إذا دعوت أهل الصفة ثم أتوا وشربوه ماذا سوف يبلغني منه؟ أفما كان بدأ بي فأسقاني ثم أرسلني؟ قال: فما كان من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بد، قال: وأهل الصفة كانوا قوماً فقراء لا أهل لهم ولا مال ولا ولد يسكنون في المسجد، فإذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة دفعها إليهم، وإذا أتاه هدية أشركهم معه في الهدية -لأنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة- قال: انطلق إلى أهل الصفة ادعهم لي، قال: فذهبت إليهم وقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوكم. فقاموا وذهبوا معي، فاستأذنت لهم فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا مقاعدهم في البيت، فلما جلسوا سلمني صلى الله عليه وسلم القدح في يدي، وقال: اسقهم يا أبا هر! هو أبو هريرة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتلطف معه.أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب كذاك أدبت حتى صار من أدبي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب قال: فأخذت القدح وأخذت أسقيهم واحداً واحداً، كلما شرب أحدهم دفعت القدح إلى الآخر، فإذا شرب عدت إلى الآخر، وهكذا حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -الرسول صلى الله عليه وسلم هو صاحب الضيافة، وهو صاحب المنزل، وهو في آخر الضيوف- قال: فلما وصلت نظر إلي وتبسم في وجهي، وقال: يا أبا هر! بقيت أنا وأنت. قال: قلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد، فقعدت، قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب في الرابعة، قلت: والله يا رسول الله! ما أجد له مسلكاً. قال: فأخذ الإناء من يدي وفيه فضلة ثم قال: الحمد لله، ثم سمى وشرب، عليه أفضل الصلاة والسلام).
 

وقفات مع حديث أبي هريرة في زهد النبي وأصحابه
في هذا الحديث قضايا تعرض لها ابن حجر وغيره من الشراح ومن المحدثين الجهابذة.
 قصة لأبي هريرة
ومجمل القصة -كما مر معنا- أنه مر به الجوع حتى كان يعتمد على الأرض من شدة حرارة الجوع، وربما ربط على بطنه الحجر، وفي السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حفر الخندق ربط على بطنه قطعة حجر، ولكن في هذه الرواية ضعف. قال الخطابي: إنما ربط أبو هريرة الحجر على بطنه لئلا يجد حرارة الجوع. وقيل: ليلتصق ظهره ببطنه فيستطيع أن يقوم ويتحامل على أرجله. والجوع تعوذ منه صلى الله عليه وسلم حيث يقول: {اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة} والجوع يصيب الإنسان بدهش، وتتساقط أقدامه وعظامه فلا تستطيع أن تحمله، فيقول أبو هريرة: كنت أربط على بطني من شدة الجوع فأقوم. هذا وهم خيرة الله، ولكن لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، كسرى وقيصر يتمتعون في الديباج ويلعبون بالذهب والفضة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فتحوا الدنيا وعلموا الإنسانية ورفعوا منائر الإسلام ما يجدون كسرة خبز من شعير. ولذلك يقول عمر كما في صحيح البخاري في الفضائل وفي غيرها، وأورده في الإيلاء وفي أزواجه صلى الله عليه وسلم قال: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة، فسلمت عليه فرد علي السلام وهو مغضب حزين، فقلت: يا رسول الله! أما تسمع من عاتكة بنت زيد -يعني امرأته- قال: ما ذا فعلت؟ قال: تسألني النفقة. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أضحك الله سنك -فـعمر يريد أن يضحك الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه وجده مغضباً وحزيناً، يقول: انظر إلى امرأتي، ما نجد كسرة خبز الشعير وتسألني أن أحليها بالذهب والفضة، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: فلما استأنس جلست عنده عليه الصلاة والسلام، فحولت نظري} لأن للرسول صلى الله عليه وسلم هيبة، نعم. هو من أسهل الناس وأرق الناس، وأيسر الناس، ومن أشد الناس تبسماً، لكنه مع ذلك من أشدهم هيبةً وحشمةً، فكان الصحابة من أشد الناس له توقيراً، ولذلك يقول شوقي:وإذا سعيت إلى العدا فغضنفرٌ وإذا جريت فإنك النكباء قال: {فحولت نظري في غرفته صلى الله عليه وسلم فرأيت شيئاً من شعير معلق، ثم تربع عليه الصلاة والسلام وجلس فنظرت فإذا حصير قد أثر في جنبيه} والرسول صلى الله عليه وسلم كان رقيق البشرة، يقول أنس: {مسست كفه صلى الله عليه وسلم -وهذا في الصحيح- فوالله ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كفه صلى الله عليه وسلم حتى إذا صافحه الرجل تبقى أصابع الرجل مؤثرة في يده، وكان وجهه كالبدر ليلة أربعة عشر، قال: فلما جلس رأيت الحصير أثر في جنبه فدمعت عيناي فانتبه لي} وقد كان عمر رقيقاً رغم قوة قلبه وشجاعته في الإسلام كان رقيق الدمعة حتى أثر البكاء في خديه، قال: {فلما رأى الدموع في عيني تهمل على خدي قال: مالك يا عمر؟ قلت: يا رسول الله! كسرى وقيصر في النعيم الذي تعلم وأنت في هذا الحال. فالتفت إلي صلى الله عليه وسلم وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى يا رسول الله} فكان عمر دائماً يتذكر هذه الكلمة قبل خلافته وفي خلافته حتى لقي الله عز وجل.فيقول أبو هريرة: فلما أصابني ما أصابني. وعند أحمد قال: {فوالله لقد كنت أسقط بين المنبر وبين بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الجوع، فيأتي الناس فيقولون: جُن أبو هريرة وصرع، قال: فيأتي الرجل منهم فيبرك على صدري فيقرأ علي شيئاً من القرآن، والله ما بي شيء من المس وما أصابني إلا الجوع}.فلما أصابه ما أصابه ليلة من الليالي صلى المغرب، وخرج قبل الناس يتصدى لهم، لعل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يفتح على رجل منهم فيدعوه إلى بيته، وفتح الله عليهم جميعاً، فخرج أبو بكر رضي الله عنه وهو لا يدري بالسر، وإلا فهو من أكرم الناس، ولن تجد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم من أبي بكر، فإنه كالريح المرسلة، جعل أمواله كلها للإسلام، فلما خرج أبو بكر لقيه أبو هريرة وقال: يا أبا بكر! ما معنى قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وما هي تكملة هذه الآية؟ فكملها أبو بكر وذهب إلى بيته، وأبو هريرة يحفظ الآية، فذهب والتفت إليه حتى دخل بيته، ثم أتى عمر فسأله عن الآية فأخبره بالآية ثم ذهب ودخل، فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يتكلم أبو هريرة لمح صلى الله عليه وسلم في وجهه، فضحك عليه الصلاة والسلام وأخذه بيده، وعلم أنه ليس السؤال مفاده على ظاهره، وإنما هناك حاجة في نفس يعقوب قضاها، فدخل معه، فلما دخل عُرض عليه شيء من لبن، فيقول أبو هريرة: ففرحت علني أصيب من هذا اللبن. قال: اذهب إلى أولئك النفر فتعال بهم..إلخ القصة، فلما أتى بهم شربوا فشرب رضي الله عنه بعدهم، ثم شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخير.
فوائد الحديث
وفي هذا الحديث مسائل:
  أفضل الطعام
المسألة الخامسة والعشرون: اللبن أفضل الطعام، ولذلك كرره البخاري في أبواب، والرسول صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه سلم إليه إناء من لبن فشرب منه حتى قال: {رأيت الري يخرج من تحت أظفاري، ثم سلمت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم}.{ولما عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء قدم له إناءان، إناء من خمر وإناء من لبن، فقالوا: اختر واحداً واشربه، فشرب الذي فيه اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة، لو شربت الخمر غوت أمتك، ولكن شربت اللبن فصلحت أمتك بإذن الله}. فالحمد لله الذي أصلح هذه الأمة، وجعلها خاتمة الأمم، كما جعل محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء. نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كما جمعنا على ذكره وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجمعنا هناك مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يسقينا من حوضه، وأن يتقبل منا أعمالنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، وأن يصلح سرائرنا وعلانيتنا وظاهرنا وباطننا، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عيش النبي وأصحابه وتخليهم عن الدنيا للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net