اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف تكون محدثاً؟ للشيخ : عائض القرني


كيف تكون محدثاً؟ - (للشيخ : عائض القرني)
ابتدأ الشيخ بذكر فضل وشرف علم الحديث.وذكر أن الحديث هو المصدر الكافي والينبوع الصافي للعقيدة, وأنه أمان من الوقوع في مزالق الاعتقاد.ثم تحدث عن كيفية دعوة أهل الحديث إلى الله، وعن أهميه عملهم بما يعلمون, وأهمية إكثارهم من النوافل والطاعات, بعدها نبّه على بعض الأشياء المهمة التي يجب مراعاتها مثل: ترك المعاصي, الإنفاق من العلم , أدب الخلاف ... إلخ.ثم أشاد في ختام الموضوع بمكانة علم الحديث والاتجاه العام إليه هذه الأيام، ثم أجاب الشيخ على بعض الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع.
فضل علم الحديث وأهله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته؛ سلام الله عليكم يا أصحاب الحديث، ويا أهل الحديث، وإن كان من شكر فإني أشكر الله تبارك وتعالى ثم أشكر مدير هذه الدار، ثم أشكر هيئة التدريس، وأشكركم يا طلبة العلم.وأنا أشهد الله أني أحبكم فيه؛ أما الحب الأول فهو مشترك بين المسلم وأخيه؛ وهو الحب الذي يعيشه المسلم مع إخوانه المسلمين، وأما الحب الثاني الذي أشعر به في قلبي وأنا أدخل هذه الدار؛ فهو حب أهل الحديث، والسرور برؤيتهم والجلوس معهم، وأهل الحديث لهم مكانة في القلوب، ولهم جلالةٌ في النفوس.وسوف نتكلم على أهل الحديث، من هم أهل الحديث؟قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: إذا رأيت محدثاً، أو رجلاً من أصحاب الحديث فكأني رأيت صحابياً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.وسئل الإمام أحمد؛ إمام أهل السنة والجماعة، من هي الطائفة المنصورة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فما أدري من هم.فأنا كنت بشغف الشوق إلى أن أزور هذه الدار، وكنت سعيداً يوم دخلت هذه الدار؛ لأنني أسمع عنها الذكر الحسن، وأعلم بأنني سوف ألتقي فيها بأحفاد الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبي داود:نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا هم النجوم، وهم الشموس التي ما أفلت حتى اليوم، واعلموا بارك الله فيكم أن الحديث معكم إنما هو من بضاعتكم، وكأنكم تقولون: بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا [يوسف:65] ولكني أقول: جئت ببضاعة مزجاة فأوفوا لنا الكيل، وتصدقوا علينا من علمكم، إن الله يجزي المتصدقين.ما أتيت إلا لأعلن الحب فيه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وأتكلم في بعض القضايا؛ أتكلم عن شرف هذا العلم، وهو علم شريف لكن لمن علم أنه شريف شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] وإن لم يكن علم الحديث أشرف العلوم فأيُّ علمٍ يتوج لهذه المكانة!! وأيُّ علمٍ يرشح لأن يحتل على علم الحديث مكانه!! لا والله لا يكون هذا أبداً.يقول ابن عبد الباقي؛ أحد العلماء الأجلاء، من أحفاد أبي أيوب الأنصاري، الذي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء وأثنى عليه كثيراً، وهو من علماء السلف والسنة، قال في آخر عمره: تبت من كل علم إلا علم الحديث.يقول القرطبي المحدث: نور الحديث مبينٌ فادن واقتبسِ واحد الركاب له يا ابن الرُضا الندُسِ واطلبه في الصين فهو العلم إن رفعت أعلامه برباها يابن أندلسِ ويقول الآخر:أهل الحديث هم صحب النبي وإن لَمْ يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا فهم صباح مساء مع أنفاس المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ مع حدثنا، وأخبرنا، وسمعت، وعن، وأن؛ وهي كلمات أهل السنة والجماعة، وهي أسانيد أهل السنة والجماعة، وهو علم أهل السنة والجماعة.العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً بين الرسول وبين رأي فلانِ صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.وفي السنن قوله صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع مني مقالةً فوعاها، فأداها كما سمعها، فربَّ مبلغٍ أوعى من سامع) وعند ابن حبان في الصحيح: (رحم الله امرأً) ولبعض أهل العلم من أهل الحديث رسالة اسمها المسك التبتي في شرح حديث (رحم الله امرأً سمع مني مقالتي)؛ المسك التبتي نسبة إلى التبت: وهي الهضبة في الهند التي تنفح بالمسك، في فضل هؤلاء الوعاة الحملة.ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) وهو من حديث معاوية، ومفهوم المخالفة: أن الذي لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، ولا يعلمه السنة، ولا يوجهه إلى الجلوس في دار الحديث، ولا الاستماع إلى كلامهم، ولا إلى العيش معهم، ولا إلى أخذ السنة منهم.وأنتم أصبحتم أسانيد بين الأمة المحمدية وبين تراثها، فالله الله في هذه الأمانة! والله الله في هذه الرسالة، والله الله في هذا التراث المحمدي الخالد!يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري من حديث أبي موسى: (مثل ما بعثني الله به من الهدى) انظر ما أحسن كلمة بعثني، ولم يقل: أرسلني، أو كلفني، لأن البعث عادةً يأتي في ذكر التوحيد والشرك وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث)؛ وقال: (الهدى) ولم يكتفِ بل ذكر (العلم) وقال: (العلم) ولم يكتفِ بل ذكر (الهدى)؛ لأن الهدى هو العمل الصالح، والعلم هو العلم النافع، واليهود أوتوا علماً لكن لم يؤتوا عملاً، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] وقال في عالمهم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176] وقال فيهم: مثلهم كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] حمار لا يفقه، ولا يعي، على ظهره صحيح البخاري وصحيح مسلم وفتح الباري وتحفة الأحوذي؛ لكنه حمار:قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب فإنني جاهلٌ بسيطٌ وصاحبي جاهلٌُ مركب والجاهل المركب: هو الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.وشرف أهل الحديث أجمعت عليه الأمة الإسلامية، ذكر الذهبي في ترجمة الإمام أحمد: أن رجلاً ذُكر للإمام أحمد أنه يتنقص أهل الحديث، فهز يده وقال: زنديق زنديق زنديق، في درجة الملحد وإنما تزندق أبو العلاء المعري وأمثاله؛ لأنهم استهزءوا بـأهل السنة وأهل الحديث.وفي سيرة أبي داود صاحب السنن أنه قال: دخل عليه سهل بن عبد الله التستري قال: طلبٌ يا أبا داود أريد أن تنفذه لي، أسألك بالله، قال: ما هو؟ قال: أن تخرج لي لسانك. فأخرج لسانه فقبلها، وقال: لسانٌ وعت كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتحدثت به أولى بالتقبيل.وذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة أبي زرعة؛ حية الوادي، المحدث، المعدل، إمام أهل الجرح والتعديل أنه لما توفي رئيَ في المنام، فقالوا: ماذا فعل الله بك؟ قال: رفعني في عليين، قيل: بماذا؟ قال: صليت على الرسول عليه الصلاة والسلام في كتبي كتابةً ألف ألف مرة.وشرف أهل الحديث يأتي من ثلاثة أمور: أول شرف: أنهم من أكثر الناس صلاةً على الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن:إذا فات المحب سماع من يهوى تلذذ باستماع حديثه فهم أكثر الناس صلاةً على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ في دروسهم ولقاءاتهم ومناظراتهم وحوارهم.الأمر الثاني: أنهم حفظوا أصول الإسلام.وهل العلم إلا قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.قال أبو عمرو الأوزاعي: ما أتاك من الكتاب والسنة فعلى الرأس والعين، وما أتاك من أحدٍ يخالف الكتاب والسنة فضعه في الحش؛ والحش هو الكنيف.فالعلم قال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فأهل الحديث حفظوا علينا أصول الإسلام؛ بمدارستهم وبحفظهم، ولا تؤخذ العقيدة إلا من الكتاب والسنة، ولذلك لي عودة مع عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل الحديث.وأما شرف أهل الحديث فيأتي من النضرة على وجوههم، فأهل الحديث يتميزون عن أهل النحو -ولا نتنقص أحداً- وعن أهل اللغة، والجغرافيا، والتاريخ؛ بأن على وجوههم نضرة ومهابة، من دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومهابة لهم: من تلقَ منهم تقل لا قيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بذكرهم ذكروك الواحد الباري فأهل الحديث تلوح على محياهم أنوار الحديث، وسمته، وهيبته وملاحته، وحلاوته.
 

نصائح لطالب العلم
لكن ما هو الطلب الأول لأهل الحديث؟
 التطبيق والعمل وأهميته لطالب الحديث
المسألة الثالثة: أن على طلبة الحديث ألا يكتفوا برواية الحديث.فإن رواية الحديث وحدها لا تشفع عند الله، ورواية الحديث وحدها بلا عمل إنما هي تزيد من الحجج على الكتف، وتزيد من حجج الله على الظهر، وهي علامة الإفلاس والخذلان؛ إذا لم يعمل العالم بعلمه.وقضية حفظ الأحاديث بدون عمل، كمثل الكنز كما يقول الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل: العلم إذا لم ينفعك كالكنز الذي لم تُنفق منه، ولو أن بعض أهل العلم صحح هذا الحديث مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم، لكن في صحته نظر.فلا يظن الواحد منا إذا حفظ الصحيحين، أو السنن الأربع، أو مسند الإمام أحمد بدون أن يعمل بما فيها؛ أنه سوف يكون من الأولياء الكبار، أو يشفع لمثل مضر أو لمثل ربيعة، لا والله حتى يعمل بالحديث، فانظر إلى كم يحفظ أبو بكر الصديق؟! كم يحفظ عمر؟! كم يحفظ عثمان؟! كم يحفظ علي؟! رضي الله عنهم أجمعين يحفظون عشرات ومئات الأحاديث، لكنهم مع ذلك سنة تمشي على الأرض، وكل واحدٍ منهم إذا رأيته كأنه قرآن يمشي على الأرض، خلقهم القرآن، وحياتهم الكتاب والسنة، أما المتأخرون فإنهم التفتوا إلى الرواية وغفلوا عن الرعاية.ذكر الذهبي، أن رجلاً ولا أريد أن أسمي الأسماء يحفظ مائة ألف حديث، قال: وكان فاسقاً لا يصلي. محدثٌ يحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها، ويجرح رجالها، ويعدلهم؛ لكن كان فاسقاً لا يصلي!وترجم لمحدث آخر شهير، له جلالة في الدنيا، وليس في القلوب إنما في الدنيا، قال: وكان يشرب المسكر سامحه الله؛ يشرب الخمر! أين الحديث؟! أين حدثنا، وأخبرنا، وعن، وسمعت؟!وترجم لراويةٍ آخر، وقال: كان مبتدعاً صرفاً حاسبه الله بفعله.بل كثير من رءوس المبتدعة كان لهم مجالس الإملاء؛ يجلس في مجلسهم خمسون ألفاً، أو أربعون ألفاً من الناس.فيا صاحب الحديث والله لو لم تحفظ إلا حديثاً واحداً، وعملت بما سمعت فإنك أفضل مما لو حفظت أحاديث الدنيا ثم لم تعمل بما سمعت وقرأت.الحديث عمل وتطبيق، الحديث خشية ومخافة من الله، الحديث أن تظهر السنة على معالمك، وهيئتك، وعلى تطبيقك وسلوكك.روي عن الإمام أحمد أنه قال: الحمد لله كتبت المسند من أربعين ألف حديث بالمكرر ما من حديثٍ يقبل العمل إلا عملت به؛ يخبر الناس ليقتدوا به، فقال له أحد تلاميذه: وحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام بقي في غار ثور ثلاثة أيام، قال: نزلت إلى غارٍ في الكرخ لما أتت محنة القول بخلق القرآن فجلست ثلاثة أيام، هذا هو التطبيق، وهذه هي السنة. وسعيد بن المسيب يسأله سائل في حديث وهو في مرض الموت، فقال: أجلسوني، قالوا: أنت مريض، قال: سبحان الله يذكر الرسول عليه الصلاة والسلام وأنا مضطجع!! لا والله حتى أجلس.وإبراهيم بن طهمان؛ وكان فيه إرجاء، رحمه الله رحمةً واسعة، لكنه كان من العلماء المشاهير، أثنى عليه الإمام أحمد، وكان الإمام أحمد في مرض الموت فسألوه عن إبراهيم بن طهمان، فجلس، وتربع، وقال: لا ينبغي أن يذكر عندنا الصالحون ونحن مضطجعون. أو كما قال، وذكر القصة الذهبي وابن كثير.والشاهد هو: كيف كان تطبيقهم للحديث وأثره؛ في سمتهم، وأخلاقهم وصفاتهم وسننهم.
أهمية العناية بالعبادات لطالب العلم
ثم إنه ينبغي على أصحاب الحديث أن يكونوا من أكثر الناس نوافلاً، ومن أكثر الناس تقرباً، وأن يكثروا من ذكر الله.وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتُذكر في السماء إذا ذَكرتا ونادِ إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذوالنون بن متى إذا ما لَمْ يزدك العلم فضلاً فليتك ثم ليتك ما علمتا وإن ألقاك فهمك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا فإن العلم: هو مخافة الله عز وجل، وبالخصوص أهل الحديث فإن الناس ينظرون إليهم نظرة أخرى، والناس يحترمونهم، مرَّ أبو حنيفة رحمه الله، فسمع بالجسر قائلاً يقول لصاحبه وهو يحاوره: أبو حنيفة يقوم الليل كله ولا ينام، فقال أبو حنيفة بينه وبين نفسه: سبحان الله! يظن الناس أني خيِّرٌ وأنا أنام الليل، فكان يقوم الليل.ولكن المقصود أن على صاحب الحديث أن يكون كثير النوافل، وكثير التقرب إلى الله؛ فيحافظ على ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يكون القرآن خدينه ورفيقه.وقد تكلم الذهبي عن رجلٍ، فقال: ينبغي أن يكون لطالب العلم نوافل، قال: نعم، إذا رأيت طالب العلم منصرفاً إلى العلم، وليس لديه نوافل فاعلم أنه مخذول، وإذا رأيته يعبد الله على جهالة فاعلم أنه محروم. ولذلك ذكر الله هذين الصنفين في القرآن، فذكر العلماء الفسقة، وذكر العباد الجهلة فقال في العلماء الفسقة: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] وقال في العباد الجهلة: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27] الآية. إذا علم هذا؛ فأدعو نفسي وإياكم يا أصحاب الحديث! إلى كثرة النوافل والعبادات.
 التطبيق والعمل وأهميته لطالب الحديث
المسألة الثالثة: أن على طلبة الحديث ألا يكتفوا برواية الحديث.فإن رواية الحديث وحدها لا تشفع عند الله، ورواية الحديث وحدها بلا عمل إنما هي تزيد من الحجج على الكتف، وتزيد من حجج الله على الظهر، وهي علامة الإفلاس والخذلان؛ إذا لم يعمل العالم بعلمه.وقضية حفظ الأحاديث بدون عمل، كمثل الكنز كما يقول الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل: العلم إذا لم ينفعك كالكنز الذي لم تُنفق منه، ولو أن بعض أهل العلم صحح هذا الحديث مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم، لكن في صحته نظر.فلا يظن الواحد منا إذا حفظ الصحيحين، أو السنن الأربع، أو مسند الإمام أحمد بدون أن يعمل بما فيها؛ أنه سوف يكون من الأولياء الكبار، أو يشفع لمثل مضر أو لمثل ربيعة، لا والله حتى يعمل بالحديث، فانظر إلى كم يحفظ أبو بكر الصديق؟! كم يحفظ عمر؟! كم يحفظ عثمان؟! كم يحفظ علي؟! رضي الله عنهم أجمعين يحفظون عشرات ومئات الأحاديث، لكنهم مع ذلك سنة تمشي على الأرض، وكل واحدٍ منهم إذا رأيته كأنه قرآن يمشي على الأرض، خلقهم القرآن، وحياتهم الكتاب والسنة، أما المتأخرون فإنهم التفتوا إلى الرواية وغفلوا عن الرعاية.ذكر الذهبي، أن رجلاً ولا أريد أن أسمي الأسماء يحفظ مائة ألف حديث، قال: وكان فاسقاً لا يصلي. محدثٌ يحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها، ويجرح رجالها، ويعدلهم؛ لكن كان فاسقاً لا يصلي!وترجم لمحدث آخر شهير، له جلالة في الدنيا، وليس في القلوب إنما في الدنيا، قال: وكان يشرب المسكر سامحه الله؛ يشرب الخمر! أين الحديث؟! أين حدثنا، وأخبرنا، وعن، وسمعت؟!وترجم لراويةٍ آخر، وقال: كان مبتدعاً صرفاً حاسبه الله بفعله.بل كثير من رءوس المبتدعة كان لهم مجالس الإملاء؛ يجلس في مجلسهم خمسون ألفاً، أو أربعون ألفاً من الناس.فيا صاحب الحديث والله لو لم تحفظ إلا حديثاً واحداً، وعملت بما سمعت فإنك أفضل مما لو حفظت أحاديث الدنيا ثم لم تعمل بما سمعت وقرأت.الحديث عمل وتطبيق، الحديث خشية ومخافة من الله، الحديث أن تظهر السنة على معالمك، وهيئتك، وعلى تطبيقك وسلوكك.روي عن الإمام أحمد أنه قال: الحمد لله كتبت المسند من أربعين ألف حديث بالمكرر ما من حديثٍ يقبل العمل إلا عملت به؛ يخبر الناس ليقتدوا به، فقال له أحد تلاميذه: وحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام بقي في غار ثور ثلاثة أيام، قال: نزلت إلى غارٍ في الكرخ لما أتت محنة القول بخلق القرآن فجلست ثلاثة أيام، هذا هو التطبيق، وهذه هي السنة. وسعيد بن المسيب يسأله سائل في حديث وهو في مرض الموت، فقال: أجلسوني، قالوا: أنت مريض، قال: سبحان الله يذكر الرسول عليه الصلاة والسلام وأنا مضطجع!! لا والله حتى أجلس.وإبراهيم بن طهمان؛ وكان فيه إرجاء، رحمه الله رحمةً واسعة، لكنه كان من العلماء المشاهير، أثنى عليه الإمام أحمد، وكان الإمام أحمد في مرض الموت فسألوه عن إبراهيم بن طهمان، فجلس، وتربع، وقال: لا ينبغي أن يذكر عندنا الصالحون ونحن مضطجعون. أو كما قال، وذكر القصة الذهبي وابن كثير.والشاهد هو: كيف كان تطبيقهم للحديث وأثره؛ في سمتهم، وأخلاقهم وصفاتهم وسننهم.
كيفية طلب الحديث
وفي هذه الفقرة سأتحدث عن كيف يطلب الحديث؟وأنا ما جئت الآن لأخبركم بوسائل الطلب، فأنا أعرف أن هنا مشايخ قضوا أعمارهم في الطلب، والمعرفة، والتجربة، والاستقراء، وأظن هذه الدار أنشئت قبل أن أولد، سأتكلم من باب أن نتذاكر، ونتواصى، ونتعاون على الخير، وأن يأخذ بعضنا بيد بعض.فطلب الحديث أمره عظيم، وحفظه يأتي بالاستغفار والخوف من الله، يقول ابن تيمية: إنها تعجم عليَّ المسألة، فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل؛ فيفتحها الله عليَّ.انظر! الإمام أحمد كما يقول الذهبي عنه: يحفظ ألف ألف حديث، قال: بالمرسلات، والمقطوعات، وأقوال الصحابة وتفسيراتهم، يحفظ ألف ألف حديث.
  الاهتمام بالعلوم الأخرى
ثم وصيتي لأهل الحديث: أن يكون عندهم علوم الآلة، وهي ما تقوم به الدار والحمد لله، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: بعض المحدثين لا يعرف من التاريخ شيئاً، ولا من الفقه شيئاً، وذكر من ذلك أمثلة.لكنني أنا أعرف أن هذه الدار أصيلة، وعريقة، وتعتني بهذه العلوم، فإنه من النقص على طالب الحديث أن يجلس في مجلس فيقولون: أتعرف هارون الرشيد؟ فيقول: لا أدري، أسمع به، ولكن ها ها لا أدري.ويسأل عن ولاية الحجاج هل هي ولاية راشدة أم أنه فاسق سفاك؟ فيقول: لا أدري، الحجاج، أظنه من الخلفاء الراشدين، ويسأل عن بعض الأحداث التي لا يعذر أحدٌ بجهلها فيقول: لا أدري، فلا بد له أن يكون له حدٌ أدنى من العلوم تعينه في هذا الطريق كما فعل السلف الصالح؛ حيث أنهم كانوا يطلبون العلم، ولكن كان لهم حدٌ أدنى، أو علمٌ مشترك من العلوم الأخرى يستضيئون به مع الحديث.فأسأل الله يا أهل الحديث, أن يبصرني وإياكم، وأن يجعلنا وإياكم ممن يعمل بعلمه؛ فإن العمل بالعلم هو المقصود، ثم يجعلنا نوزع من هذا الميراث على الناس؛ فإن الناس والله بحاجة ماسة إلى علم الحديث.
مكانة علم الحديث اليوم
وعلم السوق الإسلامي اليوم، وعلم الساحة هو علم الحديث، فقد مل الناس الآن من كتب الخزعبلات الفكريات الطويلة -ونحن لا نذم أحداً وفيها منفعة- وكتب الإنشائيات، والمقالات الموسعة، ورجعوا إلى علم الحديث.العالم يتحدث في المجلس، فيقولون: ما هذا الحديث؟ من رواه؟ وما درجته؟ وما صحته؟ فالسوق سوق الحديث.ثم إن العقيدة تؤخذ من الحديث، وأنا أقول وأنتم تعرفون ذلك أنَّا لو أخذنا علم العقيدة من الكتاب والسنة فهذا علم شريف والحمد لله كما فعل بعض الكتبة كفضيلة الشيخ محمد جميل زينو ورأيت كتابه وهو من أحسن ما كتب, أثابه الله على هذا الكتاب، ونريد أن يوسع من هذه المقالات؛ لتشمل كثيراً من القضايا التي اختلف فيها أهل السنة مع أهل البدع والفرق؛ ليكون كتاباً ضميمة، ويدر على الناس، فإن علم السلف وعلم الصحابة والقرون المفضلة كانوا يقولون: هل الرحمن مستو على العرش؟ قالوا: نعم، لقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أما أهل البدع فإذا سألتهم عن المسألة هذه قالوا: العرض لا يستوي؛ لأن الجوهر ما تمَّ إثباته وإنما هو عرضٌ فكيف يستوي العرض؟! وهذا ممن قاله ابن سيناء , يقول ابن تيمية عن علم المنطق، قال: لا ينتفع به البليد، ولا يستفيد منه الذكي، وقال: هو كلحم جمل غثٍ على رأس جبل وعر؛ لا سهلٌ فيرتقى ولا سمينٌ فينتقل، فأغنانا الله من خزعبلاتهم، وشركياتهم، وعن خرافاتهم بالكتاب والسنة.ولو أن هناك بعض المؤسسات العلمية الآن تدرس بعض الكتب التي فيها شيءٌ من المنطق وعلم الكلام، وهذا إن كان لضرورة ليوصل إلى فهمها فلا بأس، أما أن تجعل على أنها مناهج وأنها هي طريقة أهل السنة في إثبات المعتقد فليس بصحيح، بل هو الخطأ كل الخطأ، والخلل كل الخلل، نسأل الله لنا ولكم الثبات.ويوجد في الساحة من يأتي بالمعتقد في شكل مسائل فكرية، ويقول: لا توجب خلاف بين الأمة، وهذا يلحق بأهل علم الكلام ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40].إذاً، ربما يكون في الأسئلة بعض الإجابات، وأنا لا أريد أن أطيل عليكم، وأنتم من يأتي إليكم كمن يحمل التمر من صنعاء إلى هجر:من زار بابك لم تبرح جوارحه تروي أحاديث ما أوليت من مننِ فالعين عن قرة والكف عن صلةٍ والقلب عن جابرٍ والسمع عن حسنِ سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
  الاهتمام بالعلوم الأخرى
ثم وصيتي لأهل الحديث: أن يكون عندهم علوم الآلة، وهي ما تقوم به الدار والحمد لله، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: بعض المحدثين لا يعرف من التاريخ شيئاً، ولا من الفقه شيئاً، وذكر من ذلك أمثلة.لكنني أنا أعرف أن هذه الدار أصيلة، وعريقة، وتعتني بهذه العلوم، فإنه من النقص على طالب الحديث أن يجلس في مجلس فيقولون: أتعرف هارون الرشيد؟ فيقول: لا أدري، أسمع به، ولكن ها ها لا أدري.ويسأل عن ولاية الحجاج هل هي ولاية راشدة أم أنه فاسق سفاك؟ فيقول: لا أدري، الحجاج، أظنه من الخلفاء الراشدين، ويسأل عن بعض الأحداث التي لا يعذر أحدٌ بجهلها فيقول: لا أدري، فلا بد له أن يكون له حدٌ أدنى من العلوم تعينه في هذا الطريق كما فعل السلف الصالح؛ حيث أنهم كانوا يطلبون العلم، ولكن كان لهم حدٌ أدنى، أو علمٌ مشترك من العلوم الأخرى يستضيئون به مع الحديث.فأسأل الله يا أهل الحديث, أن يبصرني وإياكم، وأن يجعلنا وإياكم ممن يعمل بعلمه؛ فإن العمل بالعلم هو المقصود، ثم يجعلنا نوزع من هذا الميراث على الناس؛ فإن الناس والله بحاجة ماسة إلى علم الحديث.
الأسئلة

 القصيدة البازية
(طلب من الحضور أن يلقي الشيخ القصيدة البازية)أنتم يا أهل الحديث قرأتم قوله صلى الله عليه وسلم: {أنه نهى عن تلقي الركبان، ولا يبيع حاضر لباد} فالواجب ألا تتلقوا الركبان مرةً ثانية، وأن تتركوا أصحاب البضائع يردون بها الأسواق.أما البازية فهي في سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ولكثير من المحدثين أشعار فيه. مِنْ أمثال تقي الدين الهلالي محدث المغرب له قصيدة للشيخ، يقول فيها:خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل باز إنهم بالثنا أحرى وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرى وشاعر سوري يقول في الشيخ عبد العزيز:روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضربٌ من الوهم فلما تلاقينا وجدناك فوق مـا سمعنا به في العلم والأدب الجمِّ فلم أرَ بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي وأما قصيدتي في سماحة الشيخ فاسمها البازية، قلت فيها:قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعلٍ منهم ومن حافي مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجافِ بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطلُّ في إشراقها الضافي تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف أقبلت في ثوب زهدٍٍ تاركاً حللاً منسوجةً لطفيليٍ وملحاف تعيش عيشة أهل الزهد من سلفٍ لا تبتغي عيش أوغادٍ بتطوافِ فأنت فينا غريب الدار مرتحلٌ من بعد ما جئت للدنيا بتطوافي سر يا أبي! واترك الدنيا لعاشقها في ذمة الله فهو الحافظ الكافي ومنها:أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي كالشدو تملك أشواقي وتأسرها في نغمة الوحي من طه ومن قاف ما أنصفتكَ القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصاف يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعافِ يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلافِ وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف تكون محدثاً؟ للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net