اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إذا وقعت الواقعة للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


إذا وقعت الواقعة - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
لقد احتوت سورة الواقعة على معانٍ عظيمة، وأخبار هادفة، في روائع بلاغية، وسياقات بديعة، كما هو حال كلام القيوم العليم والقرآن العظيم، ولقد أخبر الله عز وجل فيها عن أهوال يوم القيامة، وأخبار أصحاب النعيم وأصحاب الجحيم، وتحدث الله كذلك فيها عن قدرته وخلقه، وعن قيمة هذا القرآن العظيم، وعن آخر لحظات عمر الإنسان وتفاصيلها، في عبارات جزلة موجزة، لا تمل ولا تكل منها القلوب والألسنة، فهل من متعظ مدكر؟!
تفسير قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة...)
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، ونقول كما قالت الملائكة بين يدي ربها: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32] ، ونقول كما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114] ، ونقول كما قال ربنا: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].أما بعد:فإن من أعظم نعم الله جل وعلا على عباده أن يصرفهم إلى تدبر كتابه الكريم؛ فإن كلام الله جل وعلا كلام لا يعدله كلام، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:192-195].وفي هذا اللقاء سنعرِّج معكم -أيها المباركون- على سورة الواقعة، نقف فيها مع مواعظ ما أشد أثرها، ومع لطائف يحسن أن ندونها، ومع أقوال لأهل هذا الشأن جميل أن نحفظها، وسورة الواقعة -أيها المؤمنون- سورة مكية.قال الله جل وعلا في أولها وهو أصدق القائلين: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:1-3] ، ثم قال جل شأنه: إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [الواقعة:4-7].
 تفسير قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين... إلى قوله: (وثلة من الآخرين)
ثم أردف جل وعلا في ذكر أصحاب اليمين فقال: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة:27-30] وهي آيات ظاهرات المعنى، فالسدر في جنات النعيم لا شوك فيه، والطلح المنضود هو: شجر الموز، وذكر الله جل وعلا بعض النعم التي ينعم بها جل شأنه على أهل طاعته من أهل اليمين إلى أن قال الله جل وعلا: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34] ثم قال: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38] لا خلاف بين العلماء أن قول الرب جل شأنه: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً [الواقعة:35]، عائد على النساء، لكن السؤال: هل هذا المذكور يعود إلى شي قد ذكر من قبل أو لم يذكر؟ على قولين لأهل العلم:من حمل قول الله جل وعلا: وَفُرُشٍ أنها بمعنى: النساء، أصبح المعنى عنده: أن قول الله جل وعلا: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ [الواقعة:35] يعود على النساء المذكورين في قوله جل شأنه: وَفُرُشٍ فيصبح معنى قوله تعالى: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34]، أي: مرفوعة قدرًا، مرفوعة مكانةً، مرفوعة منزلةً، على أن الفرش هنا بمعنى: النساء، وهذا معروف في لغة العرب وسنن كلامها.وقال آخرون: إنه لا يعود إلى مذكور، لكن القرائن والمقام يدل عليه، فإن الفرش إنما توضع ليتفكه بها المرء مع زوجته، ويتكئ عليها معها، فقول الله جل وعلا: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً [الواقعة:35] قالوا: لا يعود إلى مذكور، لكن هناك قرينة تدل على أنه يعود على النساء، وهو قول الله جل وعلا: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34]، لأن الفراش يطلق على فراش الزوجية في الغالب.ثم قال جل وعلا: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ [الواقعة:35-36] والأصل أن الفعل (جعل) هنا بمعنى: صيّر، فإذا قلنا: إنه بمعنى صيّر خلافاً للمعتزلة فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [الواقعة:36] فلا يمكن أن يُطلق على الحور العين المخلوقات في الجنة؛ لأن المرأة على أصل خلقتها تكون بكراً، فلا يصح معنى: أن يقول الله جل وعلا فصيّرناهن أبكاراً، وهن أصلاً أبكار، لكن قول الله جل وعلا: فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [الواقعة:36]، يعود على النساء المؤمنات اللواتي دخلن الجنة وهن ثيبات، فقول الله جل وعلا: فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [الواقعة:36] أي: صيّرناهن ونقلناهن من حالة كون إحداهن ثيباً إلى كونها بكراً.ثم قال عز وجل: عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:37]، فعرباً أي: محببات إلى أزواجهن، وأتراباً: جمع ترب، والمعنى: أنهن نداد في الأسنان، يعني: كلهن على سن واحدة. قال جمهور العلماء ويؤيده بعض الآثار: إن المعنى أنهن في سن ثلاث وثلاثين والعلم عند الله، وهذا المعنى القرآني هو الذي سلّه جرير في قوله:أتصحو أم فؤادك غير صاح عشيـة هم صحبك بالـرواحتقول العاذلات علاك شيب أهـذا الشيب يمنعني مـراحي؟يكلفني فؤادي مَن هواه ظعائن يجتزعن على رماحعراباً لم يدن مع النصارى ولم يأكلن من سمك القراحفقول الله جل وعلا: عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:37]، هذا وصف لما أعده الله جل وعلا لأهل طاعته، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق دخل على إحدى عشر امرأة، لم يكن منهن بكر إلا عائشة ، والباقيات رضوان الله تعالى عليهن كانت كل واحدة منهن ثيباً ، ومات صلى الله عليه وسلم عن تسع، فقد ماتت اثنتان من زوجاته صلى الله عليه وسلم في حياته: خديجة بنت خويلد ولم يكن قد تزوج عليها امرأة، وزينب الهلالية رضي الله عنها وأرضاها ماتت بعد زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها بثمانية أشهر، فبقين هؤلاء التسع هن اللواتي نزلت في حقهن آية التخيير، وهن اللائي مات النبي صلى الله عليه وسلم عنهن، وآية التخيير ذكرها الله جل وعلا في سورة الأحزاب فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29]، فبدأ صلى الله عليه وسلم بـعائشة وكانت أحب نسائه إليه وقال: (يا عائشة ! إنني سأخبرك بأمر فلا تستعجلي حتى تستأمري أبويكي) فقالت: يا رسول الله! أفيك أستأمر أبوي؟ ثم تلا عليها صلى الله عليه وسلم آية التخيير، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، لكنها طمعاً في أن تنفرد به صلوات الله وسلامه عليه، ولا تثريب عليها قالت: لا تخبر أحداً من زوجاتك بما أجبتك به، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله بعثني معلماً ميسراً، ولم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، لا تسألني إحداهن عن جوابكِ إلا أخبرتها)، فأخبرهن صلى الله عليه وسلم واخترن جميعاً رضوان الله تعالى عليهن النبي صلى الله عليه وسلم والله من قبل والدار الآخرة كما جاء نص القرآن، وهؤلاء التسع منهن خمس قرشيات، وأربع غير قرشيات تزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم، من أشهرهن عائشة بنت أبي بكر ، وحفصة بنت عمر ، وجويرية بنت الحارث وهذه من بني المصطلق ليست من قريش، وصفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من ذرية هارون بن عمران عليه الصلاة والسلام، وغيرهن كـأم حبيبة بنت أبي سفيان ، وسودة بنت زمعة رضوان الله تعالى عليهن أجمعين.
تفسير قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال...)
ثم قال الله جل وعلا ذاكراً الصنف الثالث: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة:41-45] .أما قول ربنا: لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة:44] فإن العرب -كما ذكر الطبري في تفسيره- في جريان كلامها تأتي في النفي بلفظ (كريم)، فتقول: هذه الدار لا واسعة ولا كريمة، ويقولون: هذا اللحم لا سمين ولا كريم، فكلما نفوا صفة معينة متعلقة بالموصوف أردفوها بقولهم: كريم، فجاء القرآن على سَنَنِهم ونسقهم في الكلام، قال الله جل وعلا: لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة:44] ، ثم قال ربنا: إِنَّهُمْ أي: أصحاب الشمال كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا [الواقعة:45-47]، وطالب العلم إذا تأمل هذه الآيات مقارنة بالصنفين الأولين يجد فرقاً واضحاً:وهو أن الله جل وعلا لم يذكر أسباب تكريم السابقين، ولم يذكر أسباب تقريب أهل اليمين، ولكنه لما ذكر أصحاب الشمال ذكر أسباب تعذيبهم!أي: أنه لما ذكر أصحاب اليمين ذكر النُعمى عليهم، ولم يذكر لأي سبب أنعم عليهم، ولما ذكر قبلهم السابقين ذكر النُعمى والفضل عليهم، ولم يذكر أسباب حصولهم على ذلك النعيم، لكنه عندما تكلم -جل شأنه وتبارك اسمه- عن أصحاب الشمال عدد الأسباب فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الواقعة:45-47]. والجواب عن هذا أن يقال: لقد جرت سنة القرآن أن يذكر الله أسباب العقاب ولا يذكر أسباب الثواب؛ لأن الثواب فضل لا يمكن أن يتوهم القدح في المتفضل به، وأما العقاب فمقام عدل لابد أن تُوْضَحَ فيه الأسباب حتى لا يُظن بالحاكم والقائم على الأمر ظلم. وأظن أن المعنى قد تحرر بهذا.قال جل وعلا: إِنَّهُمْ كَانُوا [الواقعة:45] أي: أصحاب الشمال ?قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة:45] وليس هذا سبب رئيس في تعذيبهم؛ لأن الترف لوحده قد لا يصل إلى حد الكفر، لكن الله قال بعدها: وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ [الواقعة:46] وهو الشرك، ثم قال الله: وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الواقعة:47]، وما أجمله الله هنا بيّنه الله في مقام أوسع في سورة الإسراء، فإن أهل الإشراك كانوا يستبعدون البعث والنشور ويجعلونه أمراً لا يمكن أن يقع بحال، قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:77-79]، لكن هذا كله يدور حول التراب، وقد أخبر الله جل وعلا عنهم في سورة الإسراء: أنهم استبعدوا البعث بعد أن يكونوا عظاماً أو تراباً، ومعلوم أن بني آدم مخلوقون من تراب، فليس لهم شأن أن يستبعدوا أن الله جل وعلا يعيدهم من التراب الذي خلقهم منه، لكن الله جل وعلا ليُظهر لهم كمال قدرته، وجليل عظمته، ومنتهى حكمته قال لهم: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:50-52]، فلو كنتم حجارة أو حديداً أو أي خلق يمكن أن يخطر لكم على بال لأحياكم الله جل وعلا منه، فكيف وأنتم تعودون إلى تراب، أي إلى عين ما خلقكم الله جل وعلا منه؟ والأمر كله على الله جل وعلا هيّن.قال الله جل وعلا: أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ [الواقعة:48] قال الله مجيباً لهم: قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [الواقعة:49-52]، وهذه الشجرة في النار، ومعلوم نقلاً وعقلاً أن النار لا يمكن أن ينبت فيها شجر؛ لأن الأصل أن النار تحرق الشجر، لكن الله جل وعلا قال في الصافات: إِنَّهَا شَجَرَةٌ [الصافات:64] أي: الزقوم تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:64]، وأخبر الله جل وعلا أنه أراد بذلك اختبار العباد في مدى يقينهم وإيمانهم بقدرة الله، أو عدم إيمانهم ويقينهم بقدرة ربهم، قال الله جل وعلا: إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ [الصافات:63] فهي شجرة تخرج في أصل الجحيم، فمن علم عظيم جلال الله وكمال قدرته يعلم أن الله قادر على أن يمنع النار من أن تصل إلى الشجرة، والتحريم -أيها المبارك- في القرآن على نوعين: تحريم شرع، وتحريم منع.فالثواب والعقاب يتعلق بتحريم الشرع كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] ، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ [المائدة:3] ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [الأنعام:119] هذا الذي يتدخل فيه الثواب والعقاب.أما تحريم المنع فلا ثواب ولا عقاب عليه؛ لأنه أمر كوني قدري ليس أمراً شرعياً، قال الله جل وعلا: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص:12] أي: منعنا شفتيه من أن تقبل أثداء النساء، فالمعنى هنا: تحريم منع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما قالوا له: يا نبي الله! كيف نصلي عليك وقد أرمت؟ قال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أي: منع الأرض من أن تأكل أجساد الأنبياء، وليس معنى حرم هنا بمعنى: شَرَّع؛ لأن الأرض غير مكلفة بالاتفاق، لكن المقصود: أن الله جل وعلا منعها أن تصل إلى أجساد الأنبياء، ومنه أيضاً: أن الله جل وعلا حرم على النار أن تأكل من ابن آدم مواضع السجود، رغم أنها تتسلط على بدنه كله، لكن النار تتسلط على بدنه كله بقدر الله، وتمتنع عن أعضاء السجود بقدر الله؛ لأن النار كلها مخلوقة من مخلوقات الله لا يمكن لها ولا لغيرها من المخلوقات أن يخرج عن مشيئته وقدرته جل وعلا طرفة عين ولا أقل من ذلك.ثم قال الله جل وعلا: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة:52-55].أما قول الله جل وعلا: فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ [الواقعة:54] هذا إجمال فصله قول الله جل وعلا: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة:55] .والهيم: تطلق ويراد بها أحد أمرين:إما أن يكون المراد: الأرض الرملية التي مهما سُقيت لا يظهر عليها أثر، وقال بهذا القول: ابن كيسان والأخفش من العلماء.وجمهور أهل العلم من المفسرين على أن المعنى: أن الهُيَام داء يصيب الإبل فتعطش، فإذا عطشت واشتد عِطَاشُها لجأت إلى الماء لترتوي، فمهما سُقيت لتشرب فلا يمكن لها أن ترتوي، فتمكث على هذا الحال حتى تَسْقَم سُقماً شديداً أو تهلك. هذا الذي عليه أكثر المفسرين.والهيام: داء معروف في الإبل كما بينا، وقد كانت العرب تنقله حتى إلى الرجال، وينقلون عن قيس بن الملوح الذي فتن بـليلى أنه قال:وقــد خبروني أن تيماء منزللليلى إذا ما الصيف ألـقى المراســيافهذي شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي بليلى المرامياإلى أن قال وهو موضع الشاهد:يقال به داء الهيام أصابه وقد علمت نفسي مكان شفائيافقول قيس : يقولون به داء الهيام أصابه هو موضع الشاهد، وقد نقلته العرب من إصابة الإبل إلى إصابة أفراد الرجال.قال الله جل وعلا: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا [الواقعة:55-56] الذي ذكرناه وبيناه وحررناه نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة:56]، والنزل: أول ما يستقبل به الضيف، قال بعض العلماء رحمة الله تعالى عليهم من أهل هذا الشأن: إذا كان هذا هو نزلهم، فماذا سيكون حالهم عياذاً بالله بعد أن يستقر بهم القرار في النار؟ لا ريب أنه أنكى وأشد وأعظم، عافانا الله وإياكم من ذلك كله.
 عرض مجمل للمراحل التي يمر بها الإنسان إلى أن يستقر في الجنة أو في النار
وهنا نجمل -أيها المباركون- من قول الله جل وعلا : فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ [الواقعة:83-84] تصعد الروح، فإما أن تنادى بأحسن الأسماء أو تنادى بأقبح الأسماء، تعود إلى صاحبها، تدب الروح في البدن، فيسمع صوت النعال، ثم يُقعد فيُسأل عن ربه ونبيه ودينه، يوفِّق الله من يشاء من عباده للإجابة، ويخذل من عباد الله من شاء عن الإجابة، ثم يمكث الإنسان في قبره حياة البرزخ، قال ربنا: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100]، وهل تنفصل الروح أو تبقى متصلة؟ العلم عند الله، لكن غالب الظن: أنها تنفصل حيناً، وتتصل أحياناً في حياة لا نعلم كنهها، قال الله عنها: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] ، ثم يأمر الله ملكاً يقال له: إسرافيل، أن ينفخ فينفخ، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يمكث الناس أربعين، ثم يأمر الله الملك نفسه أن ينفخ فينفخ، فتخرج أرواح المؤمنين من عليين إلى أجساد الناس، لا تخطيء روح جسداً خرجت منه، وأرواح أهل الكفر من سجين، لا تخطيء روح جسداً خرجت منه، تدب الحياة في الأجساد، فيخرج الناس كأنما يقومون من نومهم، قال الله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:51-52]، يحشر الناس على أرض بيضاء نقية، يعطى كل أحد نوراً فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: منهم أقوام يطفأ نورهم من حين أن يستلموه وهم أهل الكفر، وتبقى طائفتان يبقى معهم نورهم حتى إذا جاءوا على الصراط أُطفئت أنوار أهل النفاق، قال الله جل وعلا عنهم أنهم ينادون أهل الإيمان: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وهم يجيبونهم قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13] ، ويمضي أهل الإيمان يجتازون بنورهم على قدر أعمالهم الصراط، ثم ينقسمون إلى قسمين: قسم يؤذن لهم بدخول الجنة، وقسم يحبسون على الأعراف، فإذا حبسوا على الأعراف رأوا أهل الجنة وهم يدخلونها، قال الله جل وعلا: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف:46] ، وإذا صرفت أبصارهم من غير سبب منهم إلى أهل النار: قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف:47] ، ثم ظاهر القرآن -والعلم عند الله- أنهم يؤذن لهم بالجنة، ثم ينادي مناد بعد أن يؤتى بالموت على صورة كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود لا موت! ويا أهل النار خلود لا موت! قال الله جل وعلا: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:39-40] .هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان العلي الكبير على قوله، وما لم نجمله، أو لم نَقُلْه، أو لم نبينه في قولنا هذا، فلعل الله جل وعلا أن يكتب لنا أن نبينه في الإجابة على أسئلتكم، هذا والعلم عند الله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إذا وقعت الواقعة للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net