اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التحدي بالمعجزة للشيخ : عائض القرني


التحدي بالمعجزة - (للشيخ : عائض القرني)
مهد الشيخ لموضوع الإعجاز والتحدي بذكر أماكن الخير ومن يشهدها، وذكر لنا مثالين من حياة سلفنا الصالح، ثم شرع بالحديث عن سورة البقرة وآية التحدي للكفار فيها، مبيناً أن رحمة الله هي التي تنال بها الجنة مع ذكر مثال من تاريخ بني إسرائيل على ذلك.وبعد ذلك بين تدرج القرآن في تحدي معارضيه، وذكر أمثلة ممن حاولوا معارضة القرآن فانتقم الله منهم، وذكر أن القرآن معجز بجملته، واقتبس عبارات مناسبة للموضوع من كلام سيد قطب رحمه الله.ثم ذكر كلاماً مطولاً عن أهل الجنة ووصف حالهم ونعيمهم، وتطرق في ثنايا الكلام لذكر مزالق أهل الأدب، والكلام عن التقوى ومعانيها في القرآن.
مقدمة عن أماكن الخير وأماكن الشر
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، وتَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً.والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعـد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. من الوجوه وجوه لا تُرى إلا في الخير، لا تُرى إلا في الصلاة، وفي مجامع الخير، وفي دروس الهدى، وفي حلقات الذكر، وهذه وجوه الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، وجوه الذين قال الله فيهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16]. ومن الوجوه وجوه لا تُرى إلا في الشر، ولا تُرى إلا في مجامع الفساد، وفي الساعات الحمراء من ساعات البغي والفجور: وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [العنكبوت:23].عمر رضي الله عنه وأرضاه نزل إلى السوق، فرأى سارقاً سرق، ورأى جمعاً من الناس يطاردونه، قال: [[مالكم! ستره الله وتفضحونه، قبح الله تلك الوجوه التي لا ترى إلا في الشر]]. وأبو هريرة دخل إلى المسجد فرأى حلقاً من الناس يتحدثون بالآيات والأحاديث، فأتى إلى تجار الدنيا وهم يبيعون الطعام والحب والزبيب والتمر في السوق، فقال: أتريدون ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام؟! قالوا: نعم. قال: فإنه يوزع الآن في المسجد، فتركوا تجارتهم وتسابقوا إلى أبواب مسجده صلى الله عليه وسلم، فما رأوا حباً ولا تمراً، ولا زبيباً ولا دقيقاً، وإنما رأوا قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، ورأوا حلقاً للذكر، ووجوهاً ناصعةً مؤمنة، وسجدات تلوح على الجباه، وقلوباً تتحرك بلا إله إلا الله:-من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها الساري قال التجار: يا أبا هريرة! أين الميراث؟ قال: ماذا وجدتم؟قالوا: وجدنا حلق الذكر تفسيراً وحديثاً، قال: [[فهذا والذي نفس أبي هريرة بيده! ميراثه صلى الله عليه وسلم، ما ترك درهماً ولا ديناراً، ولا داراً ولا عقاراً، وإنما ترك العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر]].كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيت من الطين أو كهفٌ من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم
 

فضل سورة البقرة
والسورة التي نحن بصددها هي سورة البقرة، وهي عظيمة جد عظيمة، ومذهلة جد مذهلة، أما عظمتها فلأنها أكبر سورة في القرآن، وهي سرادق القرآن، ثم تأتي كذلك من أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن بيتاً تقرأ فيه سورة البقرة لا يقربه شيطان) ثم إنها حفلت بالأحكام، فقد تكلمت عن المؤمنين، ثم تكلمت عن الكافرين، ثم تكلمت عن المنافقين، ثم دعت الناس لتوحيد رب العالمين أجمعين، ثم نزلت نزلات استطلاعية -كما يقول سيد قطب - ونزلات نسفٍ وإبادةٍ على بني إسرائيل، فلما انتهى الله من بني إسرائيل أتى بالأحكام، ما بين نكاح وطلاق وقصاص، وما بين صيام وحج، ثم ختمها بالنفقة، وفي غضونها أعاجيب وقصص لبني إسرائيل، فسبحان الله كم حوت من حكم!عرض له صلى الله عليه وسلم شباب يريدون الغزوة، فقال: (أيكم أكثر أخذاً للقرآن؟ فقال شابٌ: أنا يا رسول الله! أحفظ سورة البقرة. قال: أتحفظها؟ قال: نعم. قال: فاذهب فأنت أميرهم). فالإمرة بمثل هذا والتصدر والتقدم في الدنيا والآخرة بمثل هذا أيضاً، ولذلك يقول عمر رضي الله عنه -كما في صحيح مسلم-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين). ومع السياق، ومع النور، ومع الروعة والجمال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23-24] هاتان الآيتان جاءتا بعد أن نادى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الناس جميعاً لعبادته، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] ثم ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى نِعَمَهُ، وما أودعه في الأرض من ثمراتٍ وخيرات، فقد غمرك بالنعم من مشاش رأسك إلى أخمص قدميك. فأنت تتقلب في نعمة الله، وتمشي في ستره، وتشرب ماء الله، وتأكل رزقه، فأين تذهب من نعم الله؟!ولذلك قالوا لبعض أهل العلم: كيف نتفكر في النعم؟ قال: تفكروا في الطعام كيف تأكلونه وكيف تخرجونه؟! وقد قال ابن السماك لـهارون الرشيد: يا هارون! أسألك بالله لو منعت شربة، أتفتديها بنصف ملكك؟ قال: إي والله، فلما شرب، قال: يا هارون! أسألك بالله لو منعت إخراجها أتفتدي إخراج الشربة هذه من جسمك بنصف ملكك؟ قال: إي والله، قال: ملك لا يساوي شربة ليس بملك.
 

برحمة الله تنال الجنة
وذكر أهل السنن والتواريخ أن من عباد بني إسرائيل، وبنو إسرائيل فيهم عجب عجاب، سوف يذكر الله لنا من أعاجيبهم أموراً تذهل وتشيب الرأس، ويقول عليه الصلاة والسلام: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فهذا عابد من بني إسرائيل جلس في جزيرة، ليس عنده جليس يؤذيه، ولا امرأة تقليه، ولا عنده جارٌ يؤذيه ويشتمه ويسبه، إنما كان عابداً لله صباح مساء، عنده رمانة يأكل منها، وعنده عين ثجاجة باردة يشرب منها، فلما عبد الله خمسمائة سنة توفاه الله الذي يتوفى الأنفس، فحاسبه ربه، قال: يا عبدي! أتريد الجنة بعملك أم تريد الجنة برحمتي؟ والله أرحم الراحمين.وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته) وفي لفظ مسلم: (قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) فيا من ظن أنه أكثر من الصلاة، كأنك ما صليت، ويا من ظن أنه أكثر من الصيام والجهاد والصدقة والبر والإحسان، كأنك ما تصدقت ولا وصلت ولا بررت ولا فعلت شيئاً، غمرتك نعم الله، فعملك كأنه ذرة في بحر. إذاً فهو هباء منثور.فحاسبه الله، ولكن هذا العبد اغتر بعمله، صلاته خمسمائة سنة، وصيامه خمسمائة سنة، وذكره خمسمائة سنه، قال: بل أدخل الجنة بعملي.ولذلك فإن لـابن القيم وقفة عجيبة عملاقة على عادته، وعلى تيقظه وذكائه، يقول: يقول الله عز وجل: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله) فكيف نجمع بين الآية والحديث؟ الله يقول: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] بصلاتكم، بصيامكم، بجهادكم، بحجكم، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام ينفي، ويقول: لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله إلا برحمة الواحد الأحد، قال ابن القيم: ويجمع بينهما بأحد جمعين: أحدهما: أن نزول المنازل داخل الجنة وارتفاع الدرجات يكون بأعمالنا، وأما الدخول الأولي فبرحمة الله.إذاً فالدخول لا يحصل لك إلا برحمة أرحم الراحمين، وإن لم تدركك رحمته فقد تقطعت بك الحبال، وانتهت بك الأسباب، وتدهدهت عليك الجبال، وضاعت عليك الحيل.فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان ولذلك ذكر ابن تيمية وغيره المكفرات العشر منها: الحسنات الماحية -أي الأعمال الصالحة- والمصائب المكفرة، ودعوات المؤمنين، وما يجده الإنسان في سكرات الموت، وما تجده في القبر، وما تجده يوم العرض الأكبر، وما تجده عند الصراط والميزان والحوض، وشفاعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وشفاعة الأخيار من الأولياء، ثم تأتي العاشرة: رحمة أرحم الراحمين، قال: فإن لم تدركك رحمة أرحم الراحمين، فقد شردت على ربك، كما يشرد البعير الشارد على أهله، فمن يرحمك إذا لم يرحمك الله؟!فـابن القيم يرتضي هذا الجمع، قال: الدخول: برحمة الواحد الأحد، ونزول المنازل: بالأعمال، ولذلك بعض الناس يرى في الجنة كالكوكب الدري، وبعضهم في الدرجة الثانية: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران:163].فأما أبو بكر فلا تسل عن درجته، فهو في قصر كالربابة البيضاء يراه من دخل الجنة، فهو في المنزلة الأولى من الصالحين بعد الأنبياء والرسل، ثم يتلوه عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم يأتي الناس على حسب منازلهم، والمحروم من حرم دخول الجنة: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].وبعض الناس يجمع بجمع آخر، فيقول: عمله من رحمة الله، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (لن يدخل أحد منكم الجنة إلا برحمة الله) يقول: عمل الناس من رحمته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فيرحمهم فيعملون صالحاً، ثم ينـزلون منازلهم ويدخلون الجنة بعملهم، هذا جمع آخر.
 

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا )
قال الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] يا أيها الناس! يا عباقرة الدنيا! يا أذكياء المعمورة! يا من ظن نفسه فصيحاً! أو بليغاً، أو شاعراً مجيداً، أو صحفياً، أو قصصياً! تعالوا إلى القرآن، هذا إعلان التحدي، وهو إعلان لم يواجه ولم يجابه منذ خمسة عشر قرناً، ومن في رأسه شيء فليأت، ومن في رأسه حب لم يطحنه اليقين، ولا التوحيد والعقيدة الصحيحة، فليقاوم ولو بآية أو بسورة وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ [البقرة:23] أي: في شك، وقد سبق في أول السورة أن قلنا إن الريب يطلق على الشك، وعلى التهمة، أما الشك فهو الارتياب في القلب، يقول الله: َإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ [البقرة:23] أي: من صدق هذا القرآن، أما صدقتم؟! أما تعلمون أنه حق؟! أما تدرون أنه صدق كالفجر؟! إن كنتم شاكين، فائتوا بسورة من مثله، وقيل: إن كنتم في اتهام لهذا القرآن، يقول جميل بثينة في إحلال التهمة محل الريبة: تقول بثين يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب تقول: اتهمتني، فيقول هو: وأنت متهمة، فكلنا متهمون، وهذا جميل أذكره، ومجنون ليلى وكثير عزة والشريف الرضي وأبا نواس، وأمثالهم من شعراء المرأة؛ للاستشهاد بشعرهم، وإلا فليست حياة المؤمن كحياة هؤلاء، حياة ستين سنة في حب امرأة، يحبها ويولول بصوتها، وبشعرها وأسنانها، إنها ليست بحياة حياة الذين لا يعقلون، ولا يعلمون، فليست الدنيا حياة مسرح وأغنية وفن، وقد قيل لأحدهم: كم عمرك في الفن؟ قال: أربعون سنة، بل أربعون صفراً، أربعون في ظلام، وأربعون وأنت ضائع، وأربعون وأنت ما رأيت النور أبداً، وميلادك إنما يكون يوم تتوب توبة نصوحاً.قيل لأحد الصالحين وهو في الستين: كم عمرك؟ قال: سنتان، قالوا: سبحان الله! أنت في الستين، قال: ما تبت إلا قبل سنتين، أما ثمان وخمسون فكانت في ضياع، فميلادنا يبدأ من يوم نتوب توبة نصوحاً.ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا ولذلك كررت -وسوف أكرر- كلام ابن تيمية في مختصر الفتاوى، قال: "للإنسان ميلادان: الميلاد الأول: يوم أتت به أمه، والميلاد الثاني: يوم تاب إلى الله وأقبل عليه، فأما الميلاد الأول فالخلق كلهم مشتركون فيه، فالثور تَلدُهُ أُمه، والنعجة، والدجاجة، والحمامة، والإنسان، فالإنسان سواء هنا أو هناك؛ الخواجة، الأشقر، الأسود، الأحمر. فهذا ميلاد. لكن الميلاد الثاني لا يولده إلا المؤمن: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].عمر كم عمره؟ ثلاث وستون سنة، أسلم وهو شاب! لكنه ألغى عمره الأول، فكان ميلاده يوم قال: لا إله إلا الله. سعد بن معاذ أسلم وعمره ثلاثون سنة، فشطب على الثلاثين، وألغاها من الحساب، وبقيت له سبع سنوات، وهي عند الله خيرٌ من سبعة قرون. عمر بن عبد العزيز عاش أربعين سنة، أما ثلاثون شهراً فتولى أمر الأمة، وما قبلها لم يحتسب من عمره. وقد قال أبو تمام في محمد بن حميد الطوسي وقد مات شهيداً:عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيتُ الكريمَ الحرَّ ليس له عمر ولذلك بعض الناس يعيش في الإسلام سنة، وهي خيرٌ عند الله من ثلاثين قرناً، وبعضهم يعيش مائة سنة، وهي لا تساوي لحظة واحدة.فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر (يا أيها الناس) قال أهل التفسير: الخطاب للناس عامة. (مِمَّا نَزَّلْنَا) في القرآن تأتي أنزلنا، وتأتي نزلنا، وللسيوطي وأمثاله لطائف في هذا، يقول: إذا قال: (نزلنا) فهو على التفصيل، أي: (نزلناها) آية آية، سورة سورة، مقطعاً مقطعاً، وإذا قال: أنزلنا، فمعناها: أنزلنا القرآن مرة واحدة من السماء السابعة أو من اللوح المحفوظ -وهو الصحيح- إلى سماء الدنيا. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] أي: جملة، من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وإذا قال: نزلنا، فمعناه: آية آية، منجماً مقطعاً.
 استطراد في موضوع عبودية الرسول صلى الله عليه وسلم
أتى أعرابي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والأعراب لهم دواهي يأتون بها أكبر من الجبال، فدخل الأعرابي بعصاه المسجد، وقال: {يا محمد! إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله -واللفظ عند أبي داود وغيره- إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال صلى الله عليه وسلم: ويحك إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد}.وقال له رجل آخر: {ما شاء الله وشئت، قال: قل: ما شاء الله وحده} وجاء وفد بني عامر بن صعصعة -والحديث صحيح- فقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: {أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وأطولنا طولاً، قال: يا أيها الناس! قولوا ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان}.إذاً: فالكمال لله، والعظمة لله، والإنسان له الفقر والعوز، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله} وأما إطراء المخرفين من الصوفية، ليرفعوه عن منـزلته، ويقولون: نحن نحبه، ويقول أحدهم: يا جلاء همومي! يا جلاء غمومي! يا جلاء بصري! يا ذهاب بصري! ويا بقاء سمعي! فهذا ليس بكلام شرعي.وهذا البرعي شاعر اليمن، وهو شاعر مجيد ظريف في الذروة، ولكنه مخرف متخلف في النهاية، يقول:يا رسول الله يا ذا الفضل يا بهجة المحشر جاهاً ومقاما فأقل لي عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاماً - من يقيل العثرات؟ - الله. - من يغفر الذنوب؟ - الله. - من يكشف الكروب؟ - الله.وهو صلى الله عليه وسلم ميت في قبره، مات ولكنه حي بحياة الله أعلم بها، حياة برزخية لا تأكل جسمه الأرض، ولكنه لا يرفع الحوائج في قبره إلى الله، ولا يغيث الناس، ولا يشفي المرضى، ولا ينجح الراسبين، ولا يقضي الدين عن المدينين، ولا يقرب بين المتباعدين، وإنما يفعل ذلك الواحد الأحد، والله يقول عن المشركين: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3].والبوصيري له قصيدة البردة، وهي من أحسن القصائد إي والله، لكنه كدرها، وأساء في آخرها إساءة بليغة، وإلا فقد بدأها بمطلع عجيب، وأتى بأبيات مليحة جد مليحة، يقول:أمن تذكر جيرانٍ بذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضم إلى أن يقول:بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم وليته استمر على هذا الحسن والإشراق والإبداع! لكنه في الأخير قال:فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم سبحان الله! يقول: من جودك الدنيا والآخرة، ومن علمك علم اللوح المحفوظ والقلم.إن لم تكن في مقامي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم وهي إساءة، فلا يغفر الذنوب إلا الله، ولا يكشف الكروب إلا الله.إذاً: هو عبد يجوع كما يجوع الناس، ويظمأ كما يظمأ الناس، لكن شرفه الله بالنبوة، فلا ينطق عن الهوى فهو معصوم، ولذلك هناك فرق بين أن نقول: عبد وبين أن نظن أنه كبعض الناس يخطئ ويذنب كما يخطئ الناس ويذنبون، فهو معصوم، ثم لا نقول: إنه رسول كذلك ليس فيه بشرية، ولذلك لم يجعل الله الرسول صلى الله عليه وسلم ملكاً، لماذا لم يجعله ملكاً؟ لأنه لو كان ملكاً لما اقتدى به الناس، فلو كان رسولنا ملكاً، وقلت للناس: افعلوا مثلما يفعل الرسول، لقالوا: هو ملك، فإذا قلت لهم: لماذا لا تصومون كما يصوم؟ قالوا: هو ملك، لماذا لا تصدقون كما يصدق؟ قالوا: هو ملك، فجعله الله بشراً، ومع بشريته إلا أنك تقول لأحدهم: لماذا لا تفعل كذا؟ فيقول: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! نعم أين نحن؟! لكنه قدوتك: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].وأعود إلى قصة الإسرائيلي في أول الكلام، فقال الله عز وجل: {تدخل الجنة برحمتي أو بعملك} قال: بعملي، قال: حاسبوه، فالحساب قبل الدخول: لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49] فأتى الملائكة فحسبوا النعم التي أعطاه الله، والعبادة التي عبد في كفة الميزان، فوجدوا عبادته في خمسمائة عام لا تعادل نعمة البصر، قال الله: خذوه إلى النار، قال: لا. برحمتك يا رب.فالآن عرف، فأدخله عز وجل الجنة برحمته.إذاً: فلا يدخل الجنة أحدٌ إلا برحمة الواحد الأحد.
التدرج في التحدي والإعجاز
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] فتحدى المشركين من العرب في القرآن على ثلاث مستويات: بالقرآن كله فما استطاعوا!قال: بعَشْر سور فما استطاعوا!قال: بسورة فما استطاعوا! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [القصص:49] فهذه بالقرآن، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88] وهذه بالقرآن، فأخفقوا وفشلوا، فما سمعنا أن جاهلياً أتى ليعارض القرآن. فقال الله عز وجل: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [هود:13] فما استطاعوا.فانتقل بهم في سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38] فما استطاعوا.
 انتقام الله من أهل البدع والظلمة
وأهل البدعة كذلك أنزل الله بهم بأسه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقد كررت القصة، لكن لا بد أن تكرر مرة ثانية وثالثة وعاشرة، ابن الزيات وأحمد بن أبي دؤاد، ورجل ثالث تعاونوا على الإمام أحمد، إمام أهل السنة حتى سجنوه وجلدوه بالسياط؛ لأنه يريد الحق، فأما الإمام أحمد فالتجأ إلى الله، ليس عنده حرس ولا سياط في الدنيا، لكن عنده قوة الله.يا غارة الله جدي السير مسرعة في سحق أعدائنا يا غارة الله أحد الصالحين ضربه سلطان على وجهه، فدمعت عيناه، قال: لأشكونك إلى من لا يظلم عنده أحد، قال: ومن تشكو في الدنيا؟ قال: أشكوك إلى الله الواحد الأحد، قال: متى تشكوني، أئذا مت؟! قال: بل أشكوك في الثلث الأخير، يوم تذهب الدعوات في الثلث الأخير إلى الواحد الأحد.قيل لـعلي بن أبي طالب: كم بين التراب والعرش؟ قال: دعوة مستجابة، التراب والعرش لا يقدر بالكيلو مترات ولا بالأميال، فآل البرمكي أسرة سفكوا الدماء، وتبجحوا في الأموال، وظلموا الناس؛ فأتى شيخ كبير السن أخذوا ولده وذبحوه، فرفع يديه في السحر في الثلث الأخير: اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر. فأصبحوا في اليوم الثاني، فغضب عليهم هارون الرشيد حبيبهم وصاحبهم فقتل شبابهم وأخذ كبارهم فجعلهم في السجون حتى جعل كبيرهم في السجن سبع سنوات، يقولون: طال شعر لحيته، وأظفاره، وشعر رأسه، حتى دخلوا عليه، قالوا: أين أنت؟ قال: لست في الدنيا ولا في الآخرة، قالوا: مالك؟! قال: ما رأيت الشمس ولا الهواء سبع سنوات، قالوا: من الذي وضعك في هذا المكان بدل الرفاهية وبدل النعيم؟ -بلغ من نعيمهم أنهم أخذوا يطلون قصورهم بماء الذهب- فقالوا: فمن الذي وضعك هنا؟ قال: دعوة ذاك الشيخ في الثلث الأخير.فهؤلاء الثلاثة الذين دعا عليهم الإمام أحمد استجاب الله فيهم، قال لـأحمد بن أبي دؤاد: اللهم اسجنه في جسمه؛ فشل جسمه حتى عاده تلاميذ الإمام أحمد، قالوا: ياأحمد بن أبي دؤاد! ما أتيناك عواداً؛ بل أتيناك شامتين، فكيف أنت؟ قال: أما نصفي هذا فلو وقفت عليه ذبابة، فكأن القيامة قامت، وأما نصفي هذا فلوا قرض بالمقاريض ما أحسست به أبداً.وأما ابن الزيات الوزير، فغضب عليه الخليفة؛ فجعله في فرن مطبق، ثم ضرب المسامير في رأسه حتى خرج نخاعه ودماغه من أنفه، وأما ذاك فتردى وقطعت يداه ورجلاه، فقد غضب عليه سلطان آخر، وهذا في الدنيا. ولذلك لا يطلب العون إلا من الواحد الأحد. فالمقصود أنني أتكلم عن أهل الهوى وأهل البدعة ممن يريد معارضة السنة أو القرآن.
بم يكون الإعجاز في القرآن؟
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] أي: تعالوا بسورة من مثله، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: أي سورة؟ سورة كبيرة أو صغيرة؟ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] هل تستطيع العرب أن تأتي بمثلها؟ تقول المعتزلة: السور التي تحصل بها الإعجاز هي الطويلة، أما مثل: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] والتي هي من ثلاث آيات فلا، وكذبوا. بل أي سورة، معنى الإطلاق لا يستطيع العرب ولا غيرهم من الفصحاء أن يأتوا بسورة من مثله، وحقق ذلك ابن كثير وغيره من أهل العلم رحمهم الله أن أي سورة مثل: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1].. إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1].. قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] فلا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا أبداً.وانظر الآن إلى إعجاز القرآن، فالقصيدة تسمعها ستين بيتاً، لا يكون فيها إلا بيت أو بيتان من أحسن ما يكون، وأما غيرها فكذب ودجل وخداع. وتعال الآن إلى موازنة، ولله المثل الأعلى، ولكلامه المثل الأعلى، فنأتي إلى الوصف، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20] أليس هذا وصفاً حقيقياً، ثابتاً لا فيه عوج ولا كذب ولا تمويه، إي والله!ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى في الوصف الآخر: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10] لكنه جمال في الأسلوب، ما قال: طويلات، بل قال: (بَاسِقَاتٍ). (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) ولم يقل: جيد ولا طيب، بل قال: نضيد.وتعالوا الآن إلى الشعراء، يقول بشار بن برد يصف الجيش:كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه كذب على الله! ما كان هذا، ذلك الأعرابي يصف المرأة بالنخلة، ويصف وجهها بالقمر، ويصفها لرشاقتها بالغزال، ويصف الكف بشيء من اللجين، وهذا كذب وخداع، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء:224-227].والله عز وجل إذا أراد التهديد في القرآن اقشعرت الأبدان، وإذا أتى بالنعيم ووصف النعيم ارتاحت القلوب إلى نعيم الواحد الديان، وإذا ذكر الموت أبكى العيون، وإذا ذكر الدنيا وآياتها أتى بالعجب العجاب، وإذا وصف الحدائق والبساتين أتى بشيء تسيل له المقل عجباً، وتندهش له العقول، فسبحان من أنزل هذا القرآن.قال: وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ [البقرة:23] من الشهداء؟ قال ابن عباس: آلهتكم، تعالوا بالأصنام والحجارة، تعالوا بالأوثان وادعوها لتعاونكم في الإتيان بمثل هذه الآيات. وسبق في أول جلسة من جلسات التفسير أن ذكرت كلاماً جيداً لـسيد قطب حيث، يقول: القرآن كلام، وكلامنا نحن كلام، وكلها من حروف، أنت تقول: محمد.. علي.. سعيد.. والقرآن فيه هذه الألفاظ، فكلها من هذه الحروف، قال: ولكن الفارق مثل هذا التراب، خلق الله من هذا التراب الإنسان، فالإنسان يشابه القرآن؛ لأن القرآن من الكلام الموجود والإنسان من التراب الموجود، والإنسان لا يستطيع أن يصيغ من التراب إنساناً فيأتي فيصنع الخزف والأواني والصحاف والأباريق، فهذه الأباريق والأواني والخزف مثل كلامنا نحن، والإنسان مثل كلام الله عز وجل، وأصل المادة واحدة، ولذلك يتحدى الله فيقول: الم [البقرة:1] هذه الحروف تعالوا بمثلها، هذه المادة الخام موجودة، اصنعوا مثل القرآن، لكن ما استطاعوا. وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ [البقرة:23] قيل: آلهتكم، وقيل: شهداؤكم أعوانكم، وأذنابكم، وأقزامكم، وعملاؤكم، ومن يسير في مسيرتكم، ومن يجلس معكم في ظلام الليل، ومن يؤزكم بالكلام، تعالوا أنتم وكل عميل على وجه الأرض، وكل ذنب، وملحد، وائتوا بسورة من مثل هذا القرآن. قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] قيل وهو الصحيح: إن كنتم صادقين أنه ليس من عند الله فتعالوا بمثله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] وقيل: إن كنتم صادقين أنكم تستطيعون أن تأتوا بمثله، فالمادة معكم والكلام موجود، فتعالوا بمثله، وخسئوا، وخسروا، وخابوا، وما استطاعوا وما فعلوا.قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] معجزتان اثنتان: المعجزة الأولى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) تحداهم الله أن يأتوا بمثل القرآن، فلم يستطيعوا.المعجزة الثانية: قال: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) قال أهل العلم: تحداهم الله بالقرآن أن يأتوا بمثله، أو بسورة، أو بعشر سور، ثم قال لهم في نفس القرآن: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) وبالفعل قال هذا الكلام بقوة، وورد هذا بغير خوف، وبغير جزع وهلع، وفي الحقيقة ما مر في التاريخ تحدٍّ للقرآن والحمد لله، ولا استطاع أحد أن يتحداه ولا أن يأتي بمثله، وهذا معجزة أخرى أن يقول الله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) فما فعلوا.والمعتزلة يقولون: إن التحدي في القرآن والإعجاز، أن الله كتب على الناس ألا يستطيعوا أن يأتوا بمثله، ولو لم يكتب عليهم لاستطاعوا، وقد كذبوا، بل لا يستطيعون، ما استطاعوا أبداً، يقولون: إنه في القدر أن الله منعهم أن يأتوا بمثله، ولو لم يمنعهم لكان باستطاعتهم أن يأتوا بمثله، ولا والله! لا يستطيعون أن يأتوا بمثله أبداً.يقول الأصمعي: خرجت في البادية فرأيت أعرابية فأخذت أقرأ، وفي بعض روايات هذا القصة أن أعرابية سمعت قارئاً يقرأ يقول: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] وهي لا تدري أهو قرآن أم لا، فهي عجوز أعرابية بدوية، قالت: سبحان الله! كلام من هذا؟ قالوا: وماذا تريدين؟ قالت: أتى بأمرين، وبنهيين، وبشارتين، كلام من؟ قالوا: كلام الله.
 انتقام الله من أهل البدع والظلمة
وأهل البدعة كذلك أنزل الله بهم بأسه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقد كررت القصة، لكن لا بد أن تكرر مرة ثانية وثالثة وعاشرة، ابن الزيات وأحمد بن أبي دؤاد، ورجل ثالث تعاونوا على الإمام أحمد، إمام أهل السنة حتى سجنوه وجلدوه بالسياط؛ لأنه يريد الحق، فأما الإمام أحمد فالتجأ إلى الله، ليس عنده حرس ولا سياط في الدنيا، لكن عنده قوة الله.يا غارة الله جدي السير مسرعة في سحق أعدائنا يا غارة الله أحد الصالحين ضربه سلطان على وجهه، فدمعت عيناه، قال: لأشكونك إلى من لا يظلم عنده أحد، قال: ومن تشكو في الدنيا؟ قال: أشكوك إلى الله الواحد الأحد، قال: متى تشكوني، أئذا مت؟! قال: بل أشكوك في الثلث الأخير، يوم تذهب الدعوات في الثلث الأخير إلى الواحد الأحد.قيل لـعلي بن أبي طالب: كم بين التراب والعرش؟ قال: دعوة مستجابة، التراب والعرش لا يقدر بالكيلو مترات ولا بالأميال، فآل البرمكي أسرة سفكوا الدماء، وتبجحوا في الأموال، وظلموا الناس؛ فأتى شيخ كبير السن أخذوا ولده وذبحوه، فرفع يديه في السحر في الثلث الأخير: اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر. فأصبحوا في اليوم الثاني، فغضب عليهم هارون الرشيد حبيبهم وصاحبهم فقتل شبابهم وأخذ كبارهم فجعلهم في السجون حتى جعل كبيرهم في السجن سبع سنوات، يقولون: طال شعر لحيته، وأظفاره، وشعر رأسه، حتى دخلوا عليه، قالوا: أين أنت؟ قال: لست في الدنيا ولا في الآخرة، قالوا: مالك؟! قال: ما رأيت الشمس ولا الهواء سبع سنوات، قالوا: من الذي وضعك في هذا المكان بدل الرفاهية وبدل النعيم؟ -بلغ من نعيمهم أنهم أخذوا يطلون قصورهم بماء الذهب- فقالوا: فمن الذي وضعك هنا؟ قال: دعوة ذاك الشيخ في الثلث الأخير.فهؤلاء الثلاثة الذين دعا عليهم الإمام أحمد استجاب الله فيهم، قال لـأحمد بن أبي دؤاد: اللهم اسجنه في جسمه؛ فشل جسمه حتى عاده تلاميذ الإمام أحمد، قالوا: ياأحمد بن أبي دؤاد! ما أتيناك عواداً؛ بل أتيناك شامتين، فكيف أنت؟ قال: أما نصفي هذا فلو وقفت عليه ذبابة، فكأن القيامة قامت، وأما نصفي هذا فلوا قرض بالمقاريض ما أحسست به أبداً.وأما ابن الزيات الوزير، فغضب عليه الخليفة؛ فجعله في فرن مطبق، ثم ضرب المسامير في رأسه حتى خرج نخاعه ودماغه من أنفه، وأما ذاك فتردى وقطعت يداه ورجلاه، فقد غضب عليه سلطان آخر، وهذا في الدنيا. ولذلك لا يطلب العون إلا من الواحد الأحد. فالمقصود أنني أتكلم عن أهل الهوى وأهل البدعة ممن يريد معارضة السنة أو القرآن.
روعة القرآن يدركها من لا يفهمه
يقول سيد قطب: ركبت أنا وبعض الصحبة من الإخوة سفينة نريدأوروبا فأبحرنا، قال: فحانت صلاة الجمعة، وكنت قد رأيت النصارى يقيمون بعض الطقوس التعبدية، فأخذتني الحمية الإسلامية، والغيرة على الدين؛ فجمعت زملائي، وقلت: أصلي بكم الجمعة في السفينة ليرانا النصارى، قال: فقمت فألقيت خطبة، قال: ومعنا امرأة يوغسلافية من يوغسلافيا -فرت من حرب تيتو -: فأخذت هذه المرأة تنظر إلينا وتسمع الخطبة، لا تعرف من العربية حرفاً واحداً، فأخذت تنظر، قال: وأديت الخطبة، ثم نزلت، فأديت الصلاة، فقرأت في الصلاة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:1] وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] فلما سلمت وإذا دموعها على خديها، فتقول للترجمان: سله كلام من هذا الذي صلى به؟ قال سيد قطب: فأخبرت الترجمان أنه كلام الله، فاندهشت وزاد بكاؤها، قال: ولم تمكنا الفرصة أن نوصل لها الدعوة، وأن نخبرها بالإسلام، فانظر إليها، فهي يوغسلافية لا تجيد حرفاً واحداً، وسرى القرآن إلى شرايينها، ووصل إلى قلبها.
 رحلة الروح مع كتاب الله
ويقول سيد قطب في سورة النجم: كنت أسمر أنا ورفقة معي بعد صلاة العشاء في القاهرة، وفجأة سمعنا صوت الراديو يرتفع بصوت مقرئ يقرأ بسورة النجم، قال: فسكتنا ننصت، فأنصتوا، قال سيد قطب: فأما أنا فسافرت روحي -وهو يجيدها لأن قلمه سيال بديع- سافرت مع المصطفى عليه الصلاة والسلام في رحلته: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:1-3] قال: ففارقت الجلاس، وهذا من باب قول ابن تيمية: "إذا جلست مع البطالين فسافر بروحك واترك جسمك معهم".أما الجسم موجود، وأما الروح فسافرت إلى بارئها: {دعها فإن معها سقاءها وحذاءها، ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها} قال: ثم أتاني التأثر، وقد رفع القارئ صوته، فحاولت أن أحبس عن زملائي التأثر فبكيت، قال: فلما بلغ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:57-58] قال: والله لقد تحول البكاء إلى هزة عضلية في جسمي، ولم أقدر أن أمسك جسمي أبداً.ولذلك انظر إلى هذا الكلام في الظلال، كأنه كلام رجل دخل الجنة، ثم أتى يكتب من الجنة، ولو أن لنا كطلبة علم ملاحظات على الظلال -والعصمة لكتاب الله عز وجل- في بعض الصفات وبعض المواقف، لكن الكتاب عجيب، وفيه دفعة قوية وفهم وعمق وأصالة، فرحمه الله رحمة واسعة، ولا يعفيه من أن ينتقد من كثير من العلماء خاصة في بعض المسائل، وهذا أمر له مجال وبسط آخر.
توضيح معاني التقوى
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] يا أيها الناس! اتقوا النار، يقولون: التقوى وردت في القرآن باتقاء الله، واتقاء اليوم الآخر، واتقاء النار وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1] ويقول عز وجل: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ [البقرة:24]. والتقوى هي: أن تجعل بينك وبين الشيء وقاية، يقول النابغة الذبياني:سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد فهذه حياة الجاهلية، حياة الربابة والعزف على الموسيقى، لم يكن فيها قرآن، ولا كان فيها أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا صحيح البخاري، ولا صحيح مسلم، بل حياة الضياع والهيام، ولا بأس بالاستشهاد بهذه، فإن فيها ملاحة، وظرفاً، وشيئاً عجيباً من شعر العرب يقول:سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد فاتقتنا: جعلت بيننا وبينها وقاية، ولذلك تعريف التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. وعرفها بعض أهل السنة كـابن تيمية قال: هي أن تؤدي المأمور، وتجتنب المحذور وتصدق الخبر، وقال بعضهم ونسب إلى علي بن أبي طالب، وكلماته لها طريق إلى القلوب، قال: [[هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل]] وقال ابن مسعود: [[التقوى هي: أن يطاع سُبحَانَهُ وَتَعَالى فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر]] وقال بعضهم: التقوى أن تعمل الحسنة على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك السيئة على نور من الله، تخاف عقاب الله، إلى غير تلك التعريفات.لكن هنا من نوع آخر قال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ [البقرة:24] انجوا بأنفسكم، وخافوا من الله، وادخلوا في الدين، وأسلموا لله، مادمتم قد عجزتم عن معارضة القرآن؛ فلماذا لا تسلمون؟ ومعجزة رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن.
 رحلة الروح مع كتاب الله
ويقول سيد قطب في سورة النجم: كنت أسمر أنا ورفقة معي بعد صلاة العشاء في القاهرة، وفجأة سمعنا صوت الراديو يرتفع بصوت مقرئ يقرأ بسورة النجم، قال: فسكتنا ننصت، فأنصتوا، قال سيد قطب: فأما أنا فسافرت روحي -وهو يجيدها لأن قلمه سيال بديع- سافرت مع المصطفى عليه الصلاة والسلام في رحلته: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:1-3] قال: ففارقت الجلاس، وهذا من باب قول ابن تيمية: "إذا جلست مع البطالين فسافر بروحك واترك جسمك معهم".أما الجسم موجود، وأما الروح فسافرت إلى بارئها: {دعها فإن معها سقاءها وحذاءها، ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها} قال: ثم أتاني التأثر، وقد رفع القارئ صوته، فحاولت أن أحبس عن زملائي التأثر فبكيت، قال: فلما بلغ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:57-58] قال: والله لقد تحول البكاء إلى هزة عضلية في جسمي، ولم أقدر أن أمسك جسمي أبداً.ولذلك انظر إلى هذا الكلام في الظلال، كأنه كلام رجل دخل الجنة، ثم أتى يكتب من الجنة، ولو أن لنا كطلبة علم ملاحظات على الظلال -والعصمة لكتاب الله عز وجل- في بعض الصفات وبعض المواقف، لكن الكتاب عجيب، وفيه دفعة قوية وفهم وعمق وأصالة، فرحمه الله رحمة واسعة، ولا يعفيه من أن ينتقد من كثير من العلماء خاصة في بعض المسائل، وهذا أمر له مجال وبسط آخر.
تفسير قوله تعالى: ( وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ )
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] ما هي الحجارة؟ قالوا: حجارة الكبريت الأسود، قالها كثير من المفسرين أنها الكبريت الأسود الذي تحرق به النار، وهو أشد هيجاناً، وأشد حرارة وتلهباً، حتى يوم بلغ العلم الحديث ذروته، أصبحت أكبر المصانع في العالم، مصانع الاحتراق وإذابة الحديد تستخدم الكبريت الأسود، لكن لا تستوي الناران:أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها فأعوذ بالله من نار وقودها الناس والحجارة، حتى يقول بعض المفسرين: سبحان الله! يقرن الناس وهم لحم ودم وعصب وجلد وعين وسمع وبصر، وهم مضغة بحجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تعي، وهذا من أشد الإهانات، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24] قيل: يوقدها الناس والحجارة، وقيل: يدخل الحجارة مع الناس من قلة المبالاة بهؤلاء الكفرة.فرجل أعطاه الله سمعاً وبصراً وقلباً، ثم لا ينقذ نفسه من النار، أليس كالحجر؟ بلى. رجل لم يعرف طريق الخير فهو مثل الحجر؛ لأنه لا حياة له، له سمع لا يسمع به، وله بصر لا يبصر به، وله قلب لا يفقه به، ولذلك جعل الله منزلته كمنزلة الحجارة: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] لأن الأنعام لا عقول لها تكليفية، وأما هم فأوتوا العقول، ثم تردوا أشد من الحيوان والبهائم.. نسأل الله العافية والسلامة.
 الكبائر من المسلمين
ولعلمكم -يا أيها الأخيار الأبرار- إن من المسلمين من أهل الكبائر من قد يدخل النار، لكنه لا يخلد في النار، لكن قولوا لي بالله: من يستطيع منا تحليلها يوماً واحداً أو شهراً أو سنة أو مائة سنة أو ألف سنة، فلا إله إلا الله، لحظة واحدة لا يصبر عليها الإنسان.ذكر ابن تيمية في الفرقان، أن الأحنف بن قيس كان إذا قام من الليل يصلي يضع أصابعه على النار، فيحرقها ويقول: ذوقي قبل نار الآخرة ويبكي، وهي نار سهلة، فهي جزء من سبعين جزء من نار جهنم، غمست في البحر حتى أطفئت وأصبحت ناراً يوقد عليها، فأنقذوا أنفسكم من النار بالفرائض، وأنقذوها بالتوبة النصوح، وأنقذوها بإصلاح قلوبكم وبيوتكم عل الله أن يرحمنا وإياكم.
أهل الجنة وبيان حالهم
ثم اسمع إلى أهل الإيمان بعد أهل الكفر وأهل الزيغ والنفاق والطغيان، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [البقرة:25] من المبشِّر؟ إنه محمد عليه الصلاة والسلام، يقول: قم بشر هذه الأمة، وبشر المصلين في جنح الليل، والعابدين الصادقين، وبشر الناصحين، والذي رأى الحرام فغض بصره، وبشر الذي سمع الخنى فأعرض بسمعه، وبشر الذي وجد الحرام فرفض أكله، ورفض شربه ولبسه، بشره بجنات تجري من تحتها الأنهار.فالرسول عليه الصلاة والسلام مبشر ومنذر، لكن إذا أتى التخويف قال له الله: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد:7] وإذا أتى النعيم قال: (وَبَشِّرِ) وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب:45] فيقول: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد:7] وهنا يقول: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:25] في هذه الآية رد على المرجئة وهي: طائفة ابتداعية تقول: يكفي الإيمان بلا عمل، وهذا خطأ وكذبوا على الله، يقولون: يكفي النطق والاعتقاد بدون أن يعمل الإنسان ولو لم يصل فهو مؤمن، لا: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [البقرة:25] وعمل الصالحات كثير يحتاج إلى بسط وعرض طويل، لكن من الصالحات ألا تتقاصر عن كل فعل صالح أن تفعله.تبسمك في وجه أخيك على قلته صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق صدقة، صلح وإصلاح، نيتك أن تقوم الليل ثم لم تقم عمل صالح يكتب لك، وأن تصب من إنائك في إناء المستقي صدقة.
 نماذج من العاملين للجنة
الإمام أحمد يقدم له المال من السلاطين والخلفاء في أكياس من الذهب والفضة، فيقول: لا، وهو لا يجد كسرة الخبز، وهو إمام أهل السنة والجماعة، يحفظ ألف ألف حديث، قالوا: مالك لا تأكل أما تجوع مثلما يجوع الناس؟ قال: طعام وطعام، وشراب وشراب، وأيام قلائل، ثم نرتاح إن شاء الله، وبالفعل ارتاح راحة ما بعدها راحة إن شاء الله. وقالوا للحسن البصري: سبقنا التجار بأموالهم وقصورهم، قال: [[نأكل ويأكلون، ونشرب ويشربون، وننظر وينظرون -أي: ينظرون في قصورهم وننظر نحن في قصورهم- ثم نترك ويحاسبون]] يقصد في المال، وإلا فالحساب على الناس جميعاً.وهذا إبراهيم بن أدهم جلس يأكل خبزاً على رصيف في ليلة شاتية، قالوا: أنت زاهد الدنيا إبراهيم بن أدهم، وأنت في هذا؟ قال: والله إنا في عيش لو علم به السلاطين لجالدونا عليه بالسيوف. ويقول ابن تيمية: أنها تمر بالقلب خطرة أو فرصة أو لحظة، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب.فسجدة في مجلس واحد أفضل من مُلْك ملوك الملوك سجدة أو تسبيحه، أو ركعتان واطمئنان القلب، والوصول إلى الله الواحد الأحد، ومعرفة الطريق إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، هو المُلْك الذي ما بعده ملك أبداً، وهذه لها قصص، ولو طال الوقت لكنا عرضنا لبعض قصص الصحابة والسلف الصالح، وإنما نقول: وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:25] إذا قيل خالدون، فهو خلود أبدي سرمدي، ليس له منتهى، وهذا هو النعيم الذي لا يدرك غوره.
علاج أمراض القلوب
فالذي يطلب منا -وهو المطلوب من القرآن قبل أن نعرف الفاعل والمفعول به والحال والتمييز- أن نعرف ما هو حظ قلوبنا من القرآن، وما هو حظ القرآن من قلوبنا، وأن نأتي إلى أمراض هذه القلوب فنضع عليها دواء القرآن، وبلسمه وعلاجه علَّ الله أن يشافينا، فإن قلوبنا أصبحت مريضة. والمرض ذكر في القرآن على ثلاثة أضرب:1- مرض الجسم: يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء:43]. 2- مرض القلب وهو على قسمين: يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في مرض الشك والشبهة والنفاق، ومرض التكذيب بالرسول عليه الصلاة والسلام: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:10] وقال في مرض الشهوة، وحب الفاحشة: وَ لا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32].إذاً: فما هو العلاج؟ العلاج القرآن والدعاء والذكر والتسبيح، والعلاج الصلوات الخمس جماعة، والتوبة النصوح، فلو خرجنا -وهذا معلوم- نستسقي وندعو ونرفع أكفنا، لكن أما أكلنا الربا؟! أما فشا الزنا؟ أما انتشر الغناء؟! أما كثر الكذب؟! أما عق الوالدان؟ أما قطعت الأرحام؟! فنعود من المصلى ولم تنـزل قطرة، جفت الآبار، وانقطعت الأمطار، وذبلت الأشجار، وذهبت الأزهار، ونشكو حالنا إلى الواحد القهار.لكن علينا أن نقوم بالإصلاح: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] لا نقل في الدنيا: نفسي نفسي! بل نقول نفسي نفسي في الآخرة، لو قام كل منا بحكمة وبعقل وبروية وبنية وحسن خلق وأرشد، وقدم إلى المجتمع كلمة نصح، لكنا والله في أحسن حال، كم في هذا المسجد في هذه الجلسة، لو تبرع كل واحد منا إذا مر بالسوق أن يقول كلمة حسنة، يرى امرأة متبرجة فينهاها، يرى رجلاً يروج لشريط الأغنية الماجنة الخليعة، فينهاه وينصحه بتقوى الله، يرى مجلة خليعة تباع في الأسواق فينصح صاحبها، يرى المرابين فينصحهم، يرى من يروج للزنا، من يعق والديه، من يقطع رحمه.ولكان النصح قد تكرر كثيراً، فيتكرر عليه في اليوم الواحد عشر مرات فيتنبه، تمر به أنت فتنصحه، وأمر به أنا فأنصحه، والثالث والرابع والخامس فسوف ينتبه، لكن رضينا بكثير من المنكرات وسكتنا، وقلنا: للدعوة أناس، وأهل العلم مسئولون عن هذا، وأنت والله لا تبرأ ذمتك حتى تقدم كلمة وتنصح وتوجه! ونحن لا نقول: قاتل الناس أو شاتمهم أو سبهم، أو هدِّم بيوتهم، ولكن نقول لك: قُدِ الناس إلى الجنة، وأنقذ الناس من النار، بصر الناس بطريق الواحد الديان سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهم سوف يستمعون لك إذا علموا منك الإخلاص والصدق، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (بلغوا عني ولو آية) ويقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان،) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79].فيا أيها الإخوة: لا يفوتني في هذه المناسبة التنبيه بأن نستفيد من هذه الدروس ومن سماع آيات الله عز جل، وأتوجه إلى الحي القيوم بأسمائه الحسنى، وأتعلق بكل اسم له، وبكل صفة مثلى له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، أن يرحمني وإياكم وكل مسلم رحمة عامة، ورحمة خاصة، وأن يملأ قلوبنا إيماناً ويقيناً ومحبة له ولرسوله، وأن يطهر قلوبنا من الشك والريبة، والنفاق والكفر، والمعصية والفاحشة، ونسأله فتحاً مجيداً، وتوفيقاً، وحظاً سعيداً، وبصيرةً وفقهاً في الدين.ونسأله رحمةً عامةً وخاصة، ونسأله أن يجعلنا من المؤمنين الذين عملوا الصالحات، الذين تجري من تحتهم الأنهار: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:25]. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 نماذج من العاملين للجنة
الإمام أحمد يقدم له المال من السلاطين والخلفاء في أكياس من الذهب والفضة، فيقول: لا، وهو لا يجد كسرة الخبز، وهو إمام أهل السنة والجماعة، يحفظ ألف ألف حديث، قالوا: مالك لا تأكل أما تجوع مثلما يجوع الناس؟ قال: طعام وطعام، وشراب وشراب، وأيام قلائل، ثم نرتاح إن شاء الله، وبالفعل ارتاح راحة ما بعدها راحة إن شاء الله. وقالوا للحسن البصري: سبقنا التجار بأموالهم وقصورهم، قال: [[نأكل ويأكلون، ونشرب ويشربون، وننظر وينظرون -أي: ينظرون في قصورهم وننظر نحن في قصورهم- ثم نترك ويحاسبون]] يقصد في المال، وإلا فالحساب على الناس جميعاً.وهذا إبراهيم بن أدهم جلس يأكل خبزاً على رصيف في ليلة شاتية، قالوا: أنت زاهد الدنيا إبراهيم بن أدهم، وأنت في هذا؟ قال: والله إنا في عيش لو علم به السلاطين لجالدونا عليه بالسيوف. ويقول ابن تيمية: أنها تمر بالقلب خطرة أو فرصة أو لحظة، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب.فسجدة في مجلس واحد أفضل من مُلْك ملوك الملوك سجدة أو تسبيحه، أو ركعتان واطمئنان القلب، والوصول إلى الله الواحد الأحد، ومعرفة الطريق إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، هو المُلْك الذي ما بعده ملك أبداً، وهذه لها قصص، ولو طال الوقت لكنا عرضنا لبعض قصص الصحابة والسلف الصالح، وإنما نقول: وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:25] إذا قيل خالدون، فهو خلود أبدي سرمدي، ليس له منتهى، وهذا هو النعيم الذي لا يدرك غوره.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التحدي بالمعجزة للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net