اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإخلاص لله والصدق مع الله للشيخ : عائض القرني


الإخلاص لله والصدق مع الله - (للشيخ : عائض القرني)
لا يخفى على المتأمل في الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح ما خص به الإخلاص من اهتمام عظيم، والصحوة الإسلامية اليوم وهي تتلمس طريقها هي أحوج ما تكون إلى الإخلاص والصدق مع الله، فهو كفيل أن يجمع شملها، ويلم شعثها، ويسدد خطاها.وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس ما يوجه القلوب إلى هذا العمل الصالح ويزكيها به، واهتم بالنقل عن السلف الصالح لما في قصصهم من أثر عظيم على القلوب.
منزلة الإخلاص
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول, وفوق ما نقول, ومثلما نقول, لك الحمد بالإيمان, ولك الحمد بالإسلام, ولك الحمد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, عز جاهك, وجل ثناؤك, وتقدست أسماؤك, ولا إله إلا أنت, في السماء ملكك, وفي الأرض سلطانك, وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك, وفي النار سطوتك, وفي كل شيء حكمتك وآيتك.أنت رب الطيبين, لك الحمد حتى ترضى, ولك الحمد إذا رضيت, ولك الحمد بعد الرضا, والصلاة والسلام على من أرسلته معلماً وهادياً وبشيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, وجاهد في الله حتى أتاه اليقين, فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..سلام عليكم يوم اجتمعت قلوبكم تطلب الإخلاص لله, وتطلب الصدق مع الله, فلا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون, ولا إله إلا الله نلقى بها ربنا تبارك وتعالى، ليكفر بها سيئاتنا وخطايانا, ولا إله إلا الله نقف على عتبات رحمته سُبحَانَهُ وَتَعَالى نادمين، خاشعين، مذنبين، معترفين، لسان حالنا يقول: إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شِبْتُ في الرق فاعتقني من النار
  موسى وكلمة الإخلاص
وقف موسى عليه السلام، قائد التوحيد في وجه إعصار الطغيان, موسى العقيدة, موسى لا إله إلا الله, موسى الذي حمل عصا التوحيد ليكسر بها رأس الضلالة والعمالة والجهالة فرعون الطاغية, فنادى ربه وكلمه كفاحاً: {فقال: يا رب! علمني كلمة أدعوك بها وأناجيك. فقال الله: يا موسى! قل لا إله إلا الله -فتعجب موسى؛ لأن الكلمة معروفة ومشهورة- قال: يا رب! كل عبادك يقولون: لا إله إلا الله, فقال الله: يا موسى! لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين في كفة, ولا إله إلا الله في كفة, مالت بهن لا إله إلا الله} رواه الحاكم وابن حبان.فإذا علم أن معنى لا إله إلا الله أن تكون عبداً لله, لحمك وشحمك وعظمك وشعرك وعصبك ملئن نوراً من نور الله, لأن الله يريدك أن تكون عبداً له.ولذلك جاء في البخاري: من رواية ابن عباس وخباب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب لصلاة الفجر: { اللهم اجعل في قلبي نوراً, وفي سمعي نوراً, وفي بصري نوراً, وعن يميني نوراً, وعن شمالي نوراً, ومن أمامي نوراً, ومن خلفي نوراً, واجعل لي نوراً} زاد البخاري في رواية: {واجعل في عظمي نوراً, وفي دمي نوراً, وفي مخي نوراً, وفي بشري نوراً, واجعل لي نوراً} فالنور هذا هو نور لا إله إلا الله, وهو قبس وضياء لا إله إلا الله.
أحاديث في فضل الإخلاص
إن الأحاديث في الإخلاص كثيرة، منها:
 يا معاذ: أخلص عملك يكفك القليل
وعن معاذ رضي الله عنه وأرضاه قال: كان آخر ما ودعني به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال لي: {يا معاذ! أخلص عملك يكفك القليل} رواه الحاكم , وقَبِلَه المنذري وغيره.
نماذج من إخلاص صحابة النبي صلى الله عليه وسلم
إذا علم هذا، فتعالوا بنا لنقف أمام نماذج من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم, أخلصوا لله فرفعهم الله بالإخلاص, ورفعهم الله بالصدق معه.
  أنس بن النضر يجد ريح الجنة
ولا ننسى أنس بن النضر , وإنما نورد هذه النماذج لأنها حياة للقلوب, ومدد للأرواح، ومعالم في طريق اليقين.. يأتي أنس بن النضر رضي الله عنه وأرضاه يوم أحد , فيخترق الصفوف كالسهم ماضياً إلى عاقبته المحمودة، وإلى الشهادة المطلوبة, فيرزقه الله الشهادة, بعد أن قال له سعد بن معاذ: يا أنس بن النضر! أبق على نفسك. قال: إليك عني يا سعد , والله إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] فيرزقه الله الشهادة, قال أنس بن مالك:[[والله ما عرفته إلا أخته ببنانه, ولقد رأينا فيه أكثر من سبعين ضربة، ما بين ضربة سيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم]].
ذم الرياء والشهرة
هؤلاء صدقوا مع الله عز وجل, وعلم الله صدقهم وإخلاصهم فوفقهم للصدق, وينافي ذلك الرياء نعوذ بالله من الرياء! روى أهل الحديث بسند حسن عن معاذ رضي الله عنه وأرضاه (أنه وقف عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى, ومرّ به عمر فقال: ما لك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكاني. قال: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى للأخفياء الأغنياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا, وإذا غابوا لم يفتقدوا) فكانوا يذمون الشهرة التي يقصد منها الرياء والسمعة؛ لأنها تنافي الإخلاص, ولأن من يطلب ما عند الله عز وجل لا يلتفت إلى ما عند الناس. وجاء عند ابن ماجة من حديث أبي هريرة بسند حسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين أقوام يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباءً منثوراً. فقلنا: يا رسول الله! أمسلمون هم؟ قال: مسلمون. قلنا: أيصلون؟ قال: يصلون ويحجون ويعتمرون, ولهم من الليل مثلما لكم, لكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) أمام الناس عباد وزهاد ونساك, ولكنهم ذئاب في الظلام.وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
  أنس بن النضر يجد ريح الجنة
ولا ننسى أنس بن النضر , وإنما نورد هذه النماذج لأنها حياة للقلوب, ومدد للأرواح، ومعالم في طريق اليقين.. يأتي أنس بن النضر رضي الله عنه وأرضاه يوم أحد , فيخترق الصفوف كالسهم ماضياً إلى عاقبته المحمودة، وإلى الشهادة المطلوبة, فيرزقه الله الشهادة, بعد أن قال له سعد بن معاذ: يا أنس بن النضر! أبق على نفسك. قال: إليك عني يا سعد , والله إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] فيرزقه الله الشهادة, قال أنس بن مالك:[[والله ما عرفته إلا أخته ببنانه, ولقد رأينا فيه أكثر من سبعين ضربة، ما بين ضربة سيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم]].
أثر الإخلاص
إن مما رفع علماءنا وسلفنا الصالح إخلاصهم وصدقهم مع الله, وكل شيء ينتهي إلا الصدق, فإنه ثابت مع صاحبه, مؤنس له في قبره.
  معاوية بن أبي سفيان يتأثر لسماع حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار
قال شفي الأصبحي: دخلت على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه فقال: حدثني حديثاً يا شفي سمعته من أبي هريرة. قال: فحدثنه بالنفر الثلاثة -العالم والجواد والشجاع- الذين تسعر بهم النار, لأنهم ما أرادوا وجه الله, قال: فلما انتهيت من حديثي بكى بكاءً طويلاً, ثم مرغ وجهه في التراب, وقال: صدق الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] فنسأل الله ألا يحبط أعمالنا وأعمالكم, وأن يحفظها عنده.
ذكر الموت وأثره في الإخلاص
إن المخلص يتذكر إخلاصه يوم أن تأتيه الوفاة, ويراجع حسابه, وكثير من الناس ينام حتى تأتيه سكرة الموت, وكثير من الناس في سكار, وفي خُمار, فلا يستفيق إلا على رنة الموت وضربته, فيراجع حسابه, ويندم ولات ساعة مندم! ساعة الموت التي يذعن فيها الجبار, ويلين فيها المتكبر, ويسلم فيها الكافر, ولكن أنى له ذلك..؟! آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91].
  عبد الله بن المبارك يتذكر ظلمة القبر
ومن الصادقين في السلف الصالح عبد الله بن المبارك، الذي يقول عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: أمير الأتقياء في عهده. كان صادقاً مخلصاً منيباً علم الله صدقه, فبلغه الله ما تمنى من القبول, ومن الخير ومن الثبات والسداد, وبقدر ما يصدق العبد مع الله يرزقه الله الصدق.يقول أحد تلاميذه وهو يروي صدقه وخشوعه وخشيته: سافرنا مع ابن المبارك, فقلت في نفسي: يا عجباً! هذا ابن المبارك يصلي كصلاتنا ويصوم كصيامنا ويتلو القرآن كتلاوتنا؛ فماهو الذي رفعه؟ -رفعه الإخلاص والصدق والخبيئة، وحسن السريرة مع الواحد الأحد- قال: فكنا في ليلة مظلمة, وقد انطفأ علينا السراج, فذهبنا نلتمس سراجاً ونوراً, فأتينا إليه وهو جالس في البيت, وإذا دموعه تنزل من رأس لحيته, فقلنا: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: تذكرت والله بهذه الغرفة المظلمة القبر.. وما أدراك ما القبر؟! وما أدراك ما ظلمة القبر؟! وما أدراك ما تلك الحفرة؟!أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعقُ نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا أين الأكاسرة الجبابرة الألى كنزوا الكنوز فلا بقين ولا بقوا من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فحواه لحد ضيقُ خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلقُ فالموت آتٍ والنفوس نفائس والمستعز بما لديه الأحمقُ قال: ذكرت والله بهذه الظلمة ظلمة القبر فبكيت, قال التلميذ: هذا الذي رفعك عنا. إنها خبيئة الصدق وسريرة الإخلاص للحي القيوم, ولذلك لما سافر ابن المبارك لقتال الكفار ترك الحرم والفتوى؛ فقال له الناس: أتترك الإفتاء وتذهب إلى الجهاد؟ فقال: خلوا عني, ثم قال: بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا وكان في ليلة واحدة يردد: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2] إلى الصباح, ويأتي الصباح وإذا هو من أشجع الفرسان.كن كالصحابة في زهد وفي ورع القوم هم ما لهم في الناس أشباهُ عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراهُ وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ يارب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناهُ يشيدون لنا إسلاماً فرطنا فيه, وقرآناً ضيعناه ونسيناه, ومعالم من الهداية تركناها وجفوناها, ومساجد هجرناها, وحلقات علم قاطعناها, فابعث من أمثالهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه, وجنينا عليه، وخناه، وصارمناه, وما كان هذا ينبغي لنا, لأننا من سلالة الأخيار, من الذين وزعوا على المعمورة لا إله إلا الله، وأنتجوا للبشرية أروع مثل, وأحسن تاريخ, وأنبل عقيدة, فمالنا ننـزوي الآن خجلاً؟ أصابنا خجل وحياء, لئلا نبلغ لا إله إلا الله, أصبحنا في آخر الركب متأخرين يوم فاتنا الصدق والإخلاص مع الله، وأصبحنا نستذل يوم لم نصدق مع الحي القيوم.كان ابن المبارك عالم يفتي على المنبر, ومتحدث يعظ, ومربٍ يربي, ومدرس يدرس, ولكنه مجاهد يضرب رءوس الأعداء بسيف الله, تأتيه رسالة من الفضيل يلومه فيها على الخروج وترك الحرم, فيرد عليه بقصيدة حارة, لقد كان يجيد القصائد القوية الصادقة المخلصة, ويقول للفضيل:يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ ليست العبادة فقط الجلوس في الروضة وترك شئون الأمة وأخلاقها ومعاملاتها وما تحتاجونه، وليست العبادة أن نرفع رءوسنا بالتكبير وبالحمدلة فحسب: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ ألا إن الدم الصادق المخلص أغلى عند كل مسلم من الدمع, ألا إن الذي يبكي مهما بكى, فإن دم المجاهد ودم من صدق مع الله، وأراد الله أغلى من الدموع, فليعلم ذلك.هؤلاء قوم رفعهم الله بالصدق والإخلاص، يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه للتابعين: [[والله لقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أقل منكم صلاة وصياماً, ولكنهم أكثر صدقاً وإخلاصاً لله]] قال الله جل شأنه: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] فأصدق مع الله وأخلص لله، وأطلب ثواب الله.
تعريفات للإخلاص والصدق من كلام السلف
قيل للفضيل: ما هو الإخلاص؟ قال: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله، وأن يكون تابعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقالوا في الصدق: هو أن تطلب ثوابك من الله, وقالوا فيه: أن تستوي سريرتك وعلانيتك. وقالوا فيه: ألاَّ ترى محاسباً إلا الله، ولا ترى مثيباً على عملك إلا الله. وقالوا فيه: أن يكون بينك وبين الله رقابة.كأن رقيباً منك يرعى خواطري وآخر يرعى مسمعي وجناني وقالوا في الصدق أيضاً: هو أن تقطع في سبيل الله وأن تتبسم بفتح الله. وقالوا فيه: هو أن تبذل من نفسك ما تبذله صادقاً وأن تخجل من عملك. وقالوا فيه: هو أن تفعل العبادة, ثم تستغفر من تقصيرك ونقصك وعيبك في عبادتك لله. وقالوا فيه: هو أن إذا وقفت أمام الله في عبادة نسيت كل من دون الله عز وجل.. فالله الله في الصدق!أسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى الصدق والإخلاص في سبيله سُبحَانَهُ وَتَعَالى, وإلى طلب مرضاته, اللهم إنا وقفنا على أبوابك, ورفعنا أيدينا إليك, يا من لا يسدل حجابه, ولا يرد طلابه, اللهم فارزقنا إخلاصاً من عندك يا رب العالمين! وصدقاً من لدنك, تفيض به على قلوبنا, وتغيث به أرواحنا, اللهم فاجعلنا من الصادقين المخلصين المنيبين.اللهم بعلمك الغيب, وبقدرتك على الخلق, أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا, وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا, اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة, ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا, ونسألك القصد في الغنى والفقر, ونسألك لذة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقائك, في غير ضراء مضرة, ولا فتنة مضلة, برحمتك يا أرحم الرحمين.سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
  عبد الله بن المبارك يتذكر ظلمة القبر
ومن الصادقين في السلف الصالح عبد الله بن المبارك، الذي يقول عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: أمير الأتقياء في عهده. كان صادقاً مخلصاً منيباً علم الله صدقه, فبلغه الله ما تمنى من القبول, ومن الخير ومن الثبات والسداد, وبقدر ما يصدق العبد مع الله يرزقه الله الصدق.يقول أحد تلاميذه وهو يروي صدقه وخشوعه وخشيته: سافرنا مع ابن المبارك, فقلت في نفسي: يا عجباً! هذا ابن المبارك يصلي كصلاتنا ويصوم كصيامنا ويتلو القرآن كتلاوتنا؛ فماهو الذي رفعه؟ -رفعه الإخلاص والصدق والخبيئة، وحسن السريرة مع الواحد الأحد- قال: فكنا في ليلة مظلمة, وقد انطفأ علينا السراج, فذهبنا نلتمس سراجاً ونوراً, فأتينا إليه وهو جالس في البيت, وإذا دموعه تنزل من رأس لحيته, فقلنا: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: تذكرت والله بهذه الغرفة المظلمة القبر.. وما أدراك ما القبر؟! وما أدراك ما ظلمة القبر؟! وما أدراك ما تلك الحفرة؟!أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعقُ نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا أين الأكاسرة الجبابرة الألى كنزوا الكنوز فلا بقين ولا بقوا من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فحواه لحد ضيقُ خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلقُ فالموت آتٍ والنفوس نفائس والمستعز بما لديه الأحمقُ قال: ذكرت والله بهذه الظلمة ظلمة القبر فبكيت, قال التلميذ: هذا الذي رفعك عنا. إنها خبيئة الصدق وسريرة الإخلاص للحي القيوم, ولذلك لما سافر ابن المبارك لقتال الكفار ترك الحرم والفتوى؛ فقال له الناس: أتترك الإفتاء وتذهب إلى الجهاد؟ فقال: خلوا عني, ثم قال: بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا وكان في ليلة واحدة يردد: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2] إلى الصباح, ويأتي الصباح وإذا هو من أشجع الفرسان.كن كالصحابة في زهد وفي ورع القوم هم ما لهم في الناس أشباهُ عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراهُ وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ يارب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناهُ يشيدون لنا إسلاماً فرطنا فيه, وقرآناً ضيعناه ونسيناه, ومعالم من الهداية تركناها وجفوناها, ومساجد هجرناها, وحلقات علم قاطعناها, فابعث من أمثالهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه, وجنينا عليه، وخناه، وصارمناه, وما كان هذا ينبغي لنا, لأننا من سلالة الأخيار, من الذين وزعوا على المعمورة لا إله إلا الله، وأنتجوا للبشرية أروع مثل, وأحسن تاريخ, وأنبل عقيدة, فمالنا ننـزوي الآن خجلاً؟ أصابنا خجل وحياء, لئلا نبلغ لا إله إلا الله, أصبحنا في آخر الركب متأخرين يوم فاتنا الصدق والإخلاص مع الله، وأصبحنا نستذل يوم لم نصدق مع الحي القيوم.كان ابن المبارك عالم يفتي على المنبر, ومتحدث يعظ, ومربٍ يربي, ومدرس يدرس, ولكنه مجاهد يضرب رءوس الأعداء بسيف الله, تأتيه رسالة من الفضيل يلومه فيها على الخروج وترك الحرم, فيرد عليه بقصيدة حارة, لقد كان يجيد القصائد القوية الصادقة المخلصة, ويقول للفضيل:يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ ليست العبادة فقط الجلوس في الروضة وترك شئون الأمة وأخلاقها ومعاملاتها وما تحتاجونه، وليست العبادة أن نرفع رءوسنا بالتكبير وبالحمدلة فحسب: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ ألا إن الدم الصادق المخلص أغلى عند كل مسلم من الدمع, ألا إن الذي يبكي مهما بكى, فإن دم المجاهد ودم من صدق مع الله، وأراد الله أغلى من الدموع, فليعلم ذلك.هؤلاء قوم رفعهم الله بالصدق والإخلاص، يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه للتابعين: [[والله لقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أقل منكم صلاة وصياماً, ولكنهم أكثر صدقاً وإخلاصاً لله]] قال الله جل شأنه: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] فأصدق مع الله وأخلص لله، وأطلب ثواب الله.
الأسئلة

  قصائد شعرية
السؤال: يود كثير من الإخوان من فضيلتكم سماع القصيدة البازية, وقصيدة مجاهدي الأفغان!الجواب: قصيدة الشيخ الوالد تكررت مرتين, وقصيدة مجاهدي الأفغان قد سمعت في مناسبة, ولكن لا بأس بإعادتها، فالمكرر أحلى, هذه القصيدة اسمها "مع المجاهدين الأفغان":مروا بقلبي فقد أصغى له البانُ لي في حمى الحب إخوان وجيرانُ نعم لك الله ما قد تبت من ولهٍ أما لكم صاحبي صبر وسلوانُ أنا يراعتك اللاتي كتبت بها رسالة الحب ما في ذاك نكرانُ دع ذا وهات قوافٍ منك صادقة لأمة مجدها بالأمس فينانُ كم ملحد ماجنٍ ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجانُ وبلشفي أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلانُ ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بشعبه لشراها وهو جذلانُ فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرصانُ وهناك قصيدة أرسلتها للشيخ سياف وهي بعنوان "المدوية":سياف في ناظريك النصر يبتسم وفي محياك نور الحق مرتسم وفيك ثورة إسلام مقدسة بها جراح بني الإسلام تلتئم حطمت بالدم أصناماً محجلة وصافحت كفك العلياء وهي دم ثأرت لله والدين الحنيف فلم يقم لثأرك طاغوت ولا صنم على جبينك من سعد توقده وخالد في رؤى عينيك يقتحم حلِّق إذا شئت فالأرواح طائرة فعن يمينك من عاهدت كلهم وصغ من المهج البيضاء ملحمة يظل يقرؤها التاريخ والأمم موتاً على صهوات البيد يعشقه أهل البسالة في عليائهم شمم لا موت من تسكر اللذات فطنته حياته في الورى سيان والعدم سياف خذ من فؤادي كل قافية تجري إليك على شوق وتستلم بها حياء إذا سارت لحضرتكم ماذا تقول ويكفي أنك العلم كادت معاليك أن ترويك معجزة لكن تواضعك الأسمى لها كتم كأنما أنت كررت الأُلى ذهبوا هذا صلاح ومحمود ومعتصم السائرون وعين الله ترقبهم السابحون وماء البحر مضطرم أكفانهم نسجوها من دمائهم على مطارفها النصر الذي رسموا ماتوا ولكنهم أحياء في غرف من الجنان وذابوا لا فقد سلموا يكبرون فتهتز الربى فرقاً ويهتفون فيسعى النصر نحوهم والطائرات على صيحاتهم سقطت صرعى وربانها فوق الربى فحم ...إلى آخرها.نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم, إنه على كل شيء قدير, وبالإجابة جدير, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإخلاص لله والصدق مع الله للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net