اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسرار العبقرية عند ابن تيمية للشيخ : عائض القرني


أسرار العبقرية عند ابن تيمية - (للشيخ : عائض القرني)
تحدث الشيخ عن أحد عمالقة الإسلام وهو الرجل العظيم شيخ الإسلام ابن تيمية، فذكر خصائصه وميزاته التي برز فيها عن سائر العلماء. ثم تحدث عن أعدائه من الملاحدة والمبتدعة والزنادقة، وذكر أسباب عداوتهم له، ثم ختم بالإجابة عن بعض الأسئلة المفيدة.
البطاقة الشخصية لشيخ الإسلام ابن تيمية
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.أيها الإخوة الفضلاء: عنوانُ هذه المحاضرة: أسرار العبقرية عند ابن تيمية، ضيفنا هذه الليلة هو شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام.أحييك يا شيخ البطولة والفدا وأرجوك أن تأذن لنا بالتكلم عشقنا معاني فيك جِدَ جميلةٍ وعشنا مع ذكراك في كل موسم الليلة لن أقص عليكم حياة ابن تيمية كما يقصها أهل الترجمة، ولن أتكلم عنه كما يتكلم عنه أهل التاريخ، إنما آتي بأسرارٍ في حياته، ولعلكم تعرفون ابن تيمية.كان ابن تيمية يحمل في قلبه وقوداً لا ينطفئ أبداً، تنطلق على هيئة براكين صاخبة مدوية، إن نفسه تمور كالريح الهوجاء التي تقتلع الشجر، وتقلب الصخور، وتزمجر في الأودية.كان يتحدث من أعماق قلبه، فيملأ الدنيا ضجة، علَّ الدنيا أن تنصت له! علَّ التاريخ أن يصغي له! ويقف كالجبل يتحدى أوهام الموت الموهومة التي بثها الناس في قلوب الناس، يتحدى التقليد والرجعية البائسة، فهو يعيش الانفتاح بكل معانيه -أو سمه أنت البروستريكا- الانفتاح على النور الخالد الذي أرسله في العالم رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، يتحدى ابن تيمية المراسيم المتخلفة التي درج عليها بعض الفقهاء.عاش ابن تيمية يعلو كالنجم، ويسطع كالفجر، يهدر كالسيل، لا للشرك، ولا لصرف القلوب عن باريها، ولا للإقطاع، ولا للديكتاتورية البشر، ولا للنفاق والعمالة أو لحصر الإسلام في الزوايا.عاش الشيخ المعجزة -صاحبنا هذه الليلة- على المنبر خطيباً، وفي الميدان مجاهداً، وفي السجن أسداً محبوساً، وفي الدنيا عبقرياً، وفي التاريخ عظيماً.صوته يكاد يخلع أرواح الجبابرة، إن قلب ابن تيمية يضرب ضرباتٍ سريعة؛ تخفق لضرباته القلوب.إن كلماته قذائف تفجر الصخور. قال جولد زيهر: "وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض فجر بعضها محمد بن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن".إن ابن تيمية أتى عالماً جديداً في عالم قديم، إنه مشغولٌ بالتاريخ والتاريخ مشغولٌ به، كأن التاريخ واقفاً مع ابن تيمية، يلاحظ التاريخ حركات ابن تيمية: جاء ابن تيمية، خرج ابن تيمية، جلس ابن تيمية، وقف ابن تيمية، وكأنه يقول: يعيش ابن تيمية يعيش.. يعيش.. يعيش.هذا ملخص بطاقة ابن تيمية الشخصية، ونعبر بكم مع فضيلة شيخ الإسلام حيَّاه الله وبياه! أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام كان أبوه نجماً، وجده قمراً، وهو شمساً: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [الإسراء:12] كان شمساً لكنها تصهر رءوس الملاحدة! وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ [الكهف:17] وكان قمراً ولكنه بديع يستأنس به أحبابه.
 

أسباب عظمة شيخ الإسلام ومميزاته
هنا سؤال يطرح نفسه: ما هي أسباب عظمته؟أولاً: اسمع لهذه الأسباب التي جعلته عظيماً في الناس، ومثلاً في التاريخ، وشيئاً كأنه أسطورة في عالم العلم، والتضحية والفداء، والعبقرية.وأنا لا أقص هذه القصص لنتزود من المعلومات لتصبح أذهاننا سلة مهملات، بل ليكون الواحد منا ابن تيمية مصغراً، وليكون كلٌ منا ابن تيمية في بيته، وابن تيمية في حارته، وابن تيمية في قريته، وابن تيمية في مدينته، وابن تيمية في بلاده، فأقول ما هي أسباب عظمة هذا الرجل الداهية؟وقد ولد شيخ الإسلام سنة 661هـ، وتوفي 728هـ.
 شيخ الإسلام وجلده وصبره
كان إذا أراد أن يحقق مسألة فإنه يصبر ويتجلد، ويؤلف، ويكتب، ويستمر، وهو يعرف أنه لن يموت إلا بقضاء من الله وقدر. وما سمعنا أن أحد من الناس قدم موت أحد ساعة، والله ما وجد في العالم رجلٌ قدم موت رجلٍ ساعة أبداً: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [التوبة:52].خالد بن الوليد خاض مائة معركة، ومات على فراشه والحمد لله، استكمل رزقه وأجله، هل نقص من عمر خالد يوم؟!! لا.. استكمل ساعاته ودقائقه.والعز بن عبد السلام خاض، ونهى، وأمر، ومات على فراشه.وابن تيمية تعرض لما تعرض له ومات على فراشه، لا يموت أحد قبل أجله، ولا يأتي مرض الوهم هذا فيسيطر على عقل الإنسان، ويصيبه قرحة في المعدة والاثنى عشر خوف الموت وهو ما مات.يقولون: يموت الجبان في اليوم سبع مرات، والشجاع لا يموت إلا مرة واحدة.يصفون ابن تيمية، يقولون: كان قوي البطان، من داخل لا يبالي، مثل علي بن أبي طالب.علي بن أبي طالب يبارز الأبطال وهو ينعس على البغلة..!ونحن هنا، والكيماوي بيننا وبينه 1500 كيلو متر، وما نام أطفالنا، يتخوفون في المنام، كلما مرت طائرة قلنا: نعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق..!علي بن أبي طالب السيوف مصلتة، وبقي بينه وبين البطل أمتار وينام! واسمع المتنبي يمدح سيف الدولة، ويحيي البطل المقدام الذي خاض معارك ضد الروم، يقول:وقفت وما في الموت شكٌ لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائمُ يقول: ما هذه البطولة، كيف تنام وأنت تقف في جفن الردى! تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك وضاحٌ وثغرك باسم من الذي يضحك في المعركة؟!! يضحك علي بن أبي طالب وابن تيمية وسيف الدولة:نثرتهمُ فـوق الأحيدِب نثرةً كما نُثرت فوق العروس الدراهمُ هذه من قصيدته الرائعة، وكل شعر المتنبي رائع، حتى يقول:ولا تحسبن المجد زِقَّاً وقينةً؛ يقول: لا تحسب المجد كوب الخمر هذا الذي يوضع فيه الخمر, والقينة تغني: يا ليلي، يا عيني.ولا تحسبن المجد زِقَّاً وقينةً فما المجد إلا السيف والفتكةُ البِكرُ وتركك في الدنيا دويَّاً كأنما تداول سمعَ المرء أنملُه العشرُ هذا هو المجد، وهو الذي يعيشه ابن تيمية في فكره وأعصابه وحرارته، وسوف يبقى معنا يعيش، وكل سنة معنا يتجدد ابن تيمية، وتخرج كتبه إلى النور، وعلمه، وفتاويه إن شاء الله.
أعداء ابن تيمية
العداء ضريبة العظمة. يقول العقاد: "إذا رأيت رجلاً اختلف الناس فيه مادحاً وقادحاً فاعرف أنه عظيم" أما الإجماع السكوتي على إنسان لا يستحق منزلة العظمة، أما أن تريد أن يجمع الناس على شخص أنه عظيم فلا يكون، أو يجمعوا على أنه مذموم فلا يكون إلا من أسقط الله قبوله؛ كـفرعون -مثلاً- فإن المسلمين أجمعوا على بغضه، لكن هناك خلاف في الرأي العام وهذا معناه: أن فيه عظمة، وابن تيمية كذلك وجد في أوساط المسلمين؛ مادح وقادح، راغب ومناوي، مشجع ومثبط، ثم إن ابن تيمية غرس بنفسه الحسد له في القلوب، يقول الغزالي في جدد حياتك "إن الكُمَّل من الناس يجد المحدودون، ويجد الصغراء والنـزلاء غصة في حلوقهم من ارتفاع هؤلاء، فيبدءون ينكثون في مجدهم، ويضربون في نعوشهم" وهذا ابن تيمية هو الذي تسبب بذلك:وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل أي هو الذي تسبب بهذا، لأن معنى ذلك: لو أراد ابن تيمية ألا يسبب لنفسه إزعاجاً، فإن الحل أن يغلق بابه، ويسكت، ويتزوج، ويشرب الشاي، وألا يتدخل في أمور الأمة، وألا يكتب كتاباً، ولا يخطب، ولا يفتي.إذاً الحل في نظرنا؛ ألا يندد بالظلم، وألا يندد بالإباحية، وألا يندد بـالحلولية، وألا يندد بالشرك.من الذي كان سوف يعترض على ابن تيمية لو أغلق ابن تيمية بابه؟ من الذي كان سيحسده؟ من الذي كان سيناوئه؟ لا أحد.لكن ابن تيمية يرفض:فإما حياة نظّم الوحي سيرها وإلاَّ فموت لا يسرُ الأعاديا هكذا! إما حياة بخلود، وإلا موت لا رجعة بعده، فـ ابن تيمية هو الذي نكث هذا في عيون الناس وفي قلوب الناس: سيدي عللَّ الفؤاد العليلا أحيني قبل أن تراني قتيلا إن تكن عازماً على قتلِ روحي فترفق بها قليلاً قليلا ثانياً: من أعداء ابن تيمية الحلولية والاتحادية والملاحدة عموماً.لأنه كتب عنهم، وبين زيفهم، وندد بهم، واتخذهم أعداء. وليته وقف! لكنه ما وقف، وقد كان يكفيه عدو واحد. ثالثاً: من أعدائه الجهمية المعطلة؛ الذين نفوا الله من أسمائه وصفاته، حاربهم بمجلدات فأصبحوا أعداء، أصبحوا ثلاثة الآن.رابعاً: المعتزلة، فقد انتهى من أولئك ثم شد سيفه على المعتزلة، وبين خورهم، وتساقطهم.خامساً: الصوفية بعد أن حفظه الله وأيده، عاد إلى الصوفية، وبين أنهم زائفون، وأنهم شوهوا معالم الدين، وأنهم أخطئوا في السلوك والأخلاق. سادساً: الروافض ورد عليهم بكتاب منهاج السنة؛ الذي هو من أفراد كتب العالم؛ لأن ابن المطهر؛ وهو شيعي رافضي، ألف كتاب منهاج الكرامة فسماه ابن تيمية منهاج الندامة، ورد عليه بـمنهاج السنة، فاكتسحه، وبدده، وجعله قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاًولا أمتاً، وأتى بـالتدمرية فنكسها على رأس ابن عربي وتلاميذه تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] وأتى بـالحموية على المتفلسفة في حماة فأصبحت كالحمى:وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي من أعداء ابن تيمية الروافض، فقد شن عليهم الغارة، وبددهم شذر مذر.سابعاً: ثم عاد إلى الأشاعرة، وبين أنهم أقرب الأعداء إلينا، والصلح ممكن، وتبادل السفارات وارد، لكن إذا حلت الخلافات.ثامناً: السلاطين.السلاطين تكلم لهم ابن تيمية في الرسائل؛ فهو: جالس في المسجد يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم.. من أحمد بن تيمية إلى السلطان أمَّا بَعْد:فقد فعلت كذا وكذا، وهذا خطأ حرام، فيأتي السلطان يقول: من هذا الذي يخاطبني من المسجد؟ تعال! فيأتي فيلقي عليه محاضرة ساعة ونصف، أدخلوه في السجن، فيدخل في السجن، فيرجع أقوى. لماذا؟ لأن الواجب أن يقول هذا، وأن يبلغ هذا.من جبهة المعارضة المقلدون الجامدون من الفقهاء، وبعضهم لا يريد أن تخرج عن زاد المستقنع شبراً، وإذا خرجت فاستغفر وعد، لا دليل ولا آية إنما تبقى محصوراً، أي: ما دام قال الأصحاب هذا فلا تخرج عن الأصحاب، مكانك مكانك!يقول ابن تيمية: لا. من أتى بهذا؟ مالك ليس بنبي، وأحمد ليس بنبي، والشافعي ليس بنبي، وأبو حنيفة ليس بنبي، ولا بد أن نسألهم من أين أخذوا الأدلة بأدب، ونستضيء بنورهم وبأفكارهم، وهذا يذكره في كتاب الاستقامة في أوله وهناك فرق بين هذا والظاهرية التي شنعت على الأئمة لا نريد هذا، لا نريد أيها الشباب! طلبة علم يشنعون على الأئمة، ويقولون: هم رجال ونحن رجال، ويسبون أحمد والشافعي، ويأتي لنا بفقيه مجدد على حساب الأئمة وذم الأئمة، ولا نريد كذلك شباباً يتقمصون الفقه بلا دليل، يحفظون المسائل، ويرفضون الحديث والسنة.. لا نريد ذلك ولكن نكون كـابن تيمية وسطاً بين مدرسة الإرتائيين وبين مدرسة الردايكاليين الظواهر.وهو يمثل روح الإسلام الوسط، ويحيي هو أهل الحديث، ويمتدحهم ويرى أنهم هم الطائفة المنصورة، وأنهم الفرقة الناجية، وأنهم هم الذين يفهمون الإسلام لا غير.من أعداء ابن تيمية الفلاسفة: الذين تكلموا في الله، وفي أسمائه، وفي الدين بغير علم، عاداهم ورد عليهم.
 لماذا عودي ابن تيمية
لماذا عادوه؟ مسكين، إنسان ما عنده منصب، لم يتول في حياته منصباً أبداً، لم يعرف أن ابن تيمية منذ ولد أنه تولى منصباً أبداً، ولم يستلم خلعة -الخلعة هي: الجائزة والوسام- ولم يستلم كأساً في مباراة، ولم يؤت له بمال إلا رفضه؛ قال ابن عبد الهادي: "وكان يؤتى له بالقناطير المقنطرة، فيوزعها على الفقراء وهو جالس، ولا يحمل درهماً واحداً" وكان عنده ثوبان عليه في برد، فخرج مرة في دمشق فرأى فقيراً، فنزل وراء الحائط وخلع ثوبه وأعطى الفقير، ومشى قليلاً فإذا بفقيرٍ آخر فأخذ عمامته فقسمها نصفين، فأعطى نصف العمامة الفقير، ولف النصف الآخر عليه.وكان يخرج يوم الجمعة بما بقي من إفطاره من الخبز، كان متقشفاً، لم يكن يفطر بتسعة أنواع وبخمسة عشر نوعاً على المائدة، إنما كان عنده خيارة وقليل من الخبز إذا لم يكن صائماً، وغالب أوقاته كان صائماً، كان يفضل بعض أنواع الخبز فيخرج به إلى الأطفال ويعطي الفقراء والمساكين.وكان إذا انزوى في طريق كان يرفع يديه، يقولون: كأنه شحاذ؛ لكن هذه الشحاذة من نوع أعلى لأنها إلى الله، شحاذة راقية، شحاذة محبوبة وهي من الدين، كان يسأل الله، ويسأله، ثم يسأل، حتى تنهمر دموعه، ثم يعيد يديه.فكان مؤيداً دائماً لا ينفك أبداً عن الاتصال بالله، وعن أعمال الخير، إذاً لماذا عودي؟!! ولم يكن عنده مال أبداً، كان عنده بيت صغير مثل الغرفة، وكان يتوضأ في دورات المياه مع المسلمين، ومع ذلك هذا الرجل شيعته الأمة، وبكت عليه الأقاليم، وكاد يقع حيص بيص في الدولة الإسلامية آنذاك لما مات.مات في القلعة، انتهى من الختمة 83 عند قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55] ثم مات.لقد مات بين الطعن والضرب ميتةً تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ فتىً كلما فاضت عيون قبيلةٍ دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكرُ وما مات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلت عليه القنا السمرُ تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إنا لله وإنا إليه راجعون.جمعنا الله به في دار الكرامة، وأرانا وجهه، ورفع منزلته، مع هذه العظمة أقول: لماذا عودي؟أولاً: الحسد.هم يحسدوني على موتي فوا أسفا حتى على الموت لا أخلو من الحسدِ وسبب هذا البيت: أن رجلاً قال: والله لو تمنيت الموت لحسدني الناس على ذلك، قالوا: ما صدقت. قال: اسمعوا، فجمع الناس في المجلس، وقال: رأيت البارحة أن السلطان قتلني وصلبني على خشبة. قالوا: وأنت يا حقير، تبلغ من صلبك السلطان، ما يصلب السلطان إلا الوزراء. فغضبوا عليه وخرجوا. فيقول لهم الناس: لماذا تخرجون؟ قالوا: هذا يقول يموت مصلوباً، كأنه ابن بقية -أي: أحد الوزراء- قال:إن يحسدوني على موتي فواأسفا حتى على الموت لا أخلو من الحسدِ وما خلا جسد من حسد، والحسد ممقوت في القلوب، قيل للحسن البصري: "أيحسد المؤمن؟ قال: ويلك، أنسيت قصة إخوان يوسف ليوسف؛ كانوا صالحين، وأتقياء، وأبوهم نبي، وأخوهم نبي، وقيل في بعض الروايات: إنهم أنبياء، وأخوهم شقيقهم، ثم حسدوه". وهذا يقع فيه كثير من الناس، خاصة في أهل المهن، تجد أن النجار يحسد النجار، والخباز يحسد الخباز، والعالم يحسد العالم، والأديب يحسد الأديب، عدوك صاحب مهنتك.ولذلك إذا أردت أن تبرد مزاج النجار فلا تذكر له نجارين آخرين.كنت أنا مع بعض الشباب نبحث مع بعض العمال في مسألة، فقلنا: نريد مثلك عاملاً أميناً صدوقاً. قال: لا تجد مثلي في الأرض عاملاً أميناً صدوقاً؛ أي: انتهت المعمورة من هذه الماركة المسجلة.قلت: لماذا عودي ابن تيمية؟ أولاً: الحسد.ثانياً: المعارضة لأفكاره؛ لأنه يريد أن يثبت تجديداً في الأمة، لا بد للمجدد الذي ينقم على الأمر السائد الخاطئ من أعداء.ثالثاً: حدته الفوارة، فعقله يلتهب وفيه حدة وكان إذا تكلم ينزل على الخصم، لأنهم يقولون: هذا الذي يؤتى موهبة مثله، أحياناً يجد أنه يجب أن يسمع الناس له، ويجب أن ينصتوا له، فإذا ما أنصتوا غضب، فكان يعتريه حدة، وكان ربما يزمجر مثل الأسد، فيغضب عليه الناس فيوجد له أعداء، وهذه موجودة فيه.رابعاً: اجتهاداته التي ينفرد بها، وذلك يغضب غضب أهل المذاهب، فيقولون: لماذا يخرج علينا؟ لا يجوز البيروسترويكا عندنا، لا بد أن نبقى على السائد، واتركنا على القديم، ويقولون: كيف تخرج؟ فيرفضونه.خامساً: طريقته السلفية في العقيدة.فهو يدعو إلى مذهب السلف، وهو مُنَظِّرُ مذهب السلف، ولذلك الطوائف الأخرى كلها خاطئة بجانبه، فيرى أنهم في صف وهو في صف، ولا التقاء حتى يعودوا.سادساً: مخالفته لـابن عربي.ابن عربي كان في الشام، وهو لا يزال مضرب المثل، وهو الشيخ، والقطب، والغوث، والوتد؛ فرد عليه ابن تيمية، يقول: كنت مغتراً به في شبابي فلما قرأت الفتوحات المكية وفصوص الحكم عرفت أنه مخطئ" فبدأ ابن تيمية يبين خطأه للناس، فالجماهير التي انضمت لـابن عربي خالفت ابن تيمية، فبقي ابن تيمية ومات ابن عربي.سابعاً: نسبت بعض الأقوال إليه وهو بريء منها، فقد ألفت عليه كتب يقال: إنه قالها وهو بريء منها، وعلقت به بعض الأمور وهو بريء منها، فغضب عليه بعض الناس، وظنوا أن أعداءه صدقوا فيها، ولكنه كذب وخرافة، وقد ذكر أبو الحسن الندوي بعض الكتب التي نسبت إليه وهي خاطئة وليست بصحيحة.والحقيقة أن ابن تيمية بريء من هذه الكتب المؤلفة المخالفة لمنهجه العامر مثل كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود قال: قد ألحق بعض الحساد إلى كتابه البحر المورود في المواثيق والعهود، فهو له، لكن هناك زيادات كانت تعارض الشريعة أدخلوها في الكتاب تعارض الشريعة، وتولوا إشاعته في الجامع الأزهر وغيره، حتى نجمت في ذلك فتنة.هذه أسباب عداء الناس لـابن تيمية، ولكن مهما عودي فإنه لا يزداد إلا رفعة وعظمة وجلالة، فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً.
الأسئلة

 أسئلة متفرقة
السؤال: أنا أريد أن تتكلم عن الواقع، وعن قضايانا وقضايا المجتمع، وتؤجل السير التي تقولها حتى يصفو الجو؟الجواب: وهل هذا إلا من السير، نريد أن نتكلم عن القديم وعن الحديث، وما أظنه -إن شاء الله- إلا كلاماً في الواقع.السؤال: ما رأيكم في كتاب الدرر البهية؟الجواب: كتاب جيد، وهو للشوكاني -رحمه الله وأثابه- من أحسن ما كتب.السؤال: كم عمر ابن تيمية لما توفي؟الجواب: ثلاث وستون سنة، كعمر الرسول صلى الله عليه وسلم.أما أنا كنت أظن أنه ولد عام (666هـ) وتوفي عام (728هـ) وعليكم الحساب.السؤال: ما اسم الكتاب الذي بين يديك؟الجواب: ابن تيمية لـأبي الحسن الندوي، حفظكم الله.السؤال: ما هو دور الشباب في تغيير المنكرات؟الجواب: أن يغيروا بألسنتهم وأن يتقوا الله، لا يروا منكراً إلا وينكرونه.السؤال: ما الصواب في تفسير قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:107]؟الجواب: الجنة خلود بلا موت، والنار كذلك خلود.ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم، وأن يثيبنا وإياكم، ويتولانا وإياكم.وشكراً لـابن تيمية، وشكراً لكم، وجمعنا الله وإياكم مع ابن تيمية في دار النعيم.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسرار العبقرية عند ابن تيمية للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net