اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دروس في العقيدة [11] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


دروس في العقيدة [11] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
الشرك بالله تعالى دحض مزلة في الاعتقاد، ومنه الأكبر المخرج من الملة، ومنه الأصغر القادح في جناب التوحيد المتسبب في حصول الشرك الأكبر، والأصغر منه ما يكون في الألفاظ، ومنه ما يكون في الأفعال، ومنه ما يكون في الاعتقاد، وكل ذلك خطر على عقيدة المسلم، لا سيما الرياء الذي يخشى منه على المعاصي، ولخطر الشرك الأصغر عد خفياً، ووجه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى استغفار الله مما عُلم المرء منه وما لم يعلم.
الشرك الأصغر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:فقد سبق الكلام -فيما مضى- على الشرك بالكهانة والشرك بالتنجيم، وعرفنا أن الكهانة التي يتصل صاحبها بالشياطين يفسق صاحبها، وكذلك التنجيم، وعرفنا أن التنجيم المحرم هو علم التأثير، وأما علم التسيير فجائز عند جمهور العلماء، وهو الصواب، وهل تدخل معرفة وقت الكسوف والخسوف للشمس والقمر في المنهي عنه أم لا؟الصواب أن كسوف الشمس والقمر يعرف بالحساب، وأن ذلك ليس من ادعاء علم الغيب، فالكسوف والخسوف كل منهما له سببان: سبب شرعي، وسبب حسي، فالسبب الشرعي هو ما جاءت به النصوص، كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فاسعوا إلى الصلاة)، وفي لفظ: (يخوِّف الله بهما عباده) ، فالسبب هو تخويف الله لعباده، ولهذا جاءت الأحاديث بالأمر بالاستغفار والصدقة والعتق والتوبة.والسبب الثاني: سبب حسي، وهو إدراك ذلك بالحساب، فإذا كان الحاسب متقناً فإنه يستطيع أن يدرك ذلك، وإذا لم يكن متقناً في الحساب فإنه يخطئ.فالمقصود أن معرفة الكسوف والخسوف ليست من دعوى علم الغيب، فذلك يدرك بالحساب.وقد سبق الكلام على الشرك الأكبر بأنواعه، والشرك في اللغة معناه: القسْم والنصيب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أعتق شركاً له في عبد قُوِّم عليه) ، أي: نصيباً وقسماً وجزءاً.والمراد بالشرك الأصغر: ما ورد من الذنوب تسميته شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، أي أنه ليس شركاً في العبادة، ولا ناقضاً من نواقض الإسلام، فإذا كان شركاً في العبادة فهو شرك أكبر، أما إذا كان من الذنوب التي سماها الشارع شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر -بأن لم يكن شركاً في العبادة، ولا ناقضاً من نواقض الإسلام- فإنه يكون شركاً أصغر. والشرك الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو أكبر من الكبائر؛ لأن الشرك الأكبر يتعلق بالقلوب وصرفها عن الله، بخلاف الكبائر؛ فإنها طاعة للهوى والشيطان، فلذلك كان الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
 

أنواع الشرك الأصغر

 شرك الاعتقاد
النوع الثالث من الشرك الأصغر: الشرك في الاعتقاد، ومن أمثلة هذا: لبس الحلقة والخيط، ومن أمثلته: تعليق التمائم، ومن أمثلته التولة، والتطير والطيرة، فهذه كلها من أنواع الشرك الأصغر، وهذا إذا اعتقد أنها سبب ووسيلة لحفظه كما هو الغالب على من يفعل ذلك، وأن الأمر بيد الله تعالى، وأما إذا اعتقد أن الحلقة أو الخيط أو التميمة تؤثر بذاتها وبنفسها، وتجلب له نفعاً أو تدفع عنه ضراً فهذا شرك أكبر.وأما إذا اعتقد أن النافع والضار هو الله، وأن هذه الحلقة أو الخيط أو التميمة سبب ووسيلة لحفظه فهذا شرك أصغر؛ لأنها لم يجعلها الله سبباً، فالسبب الشرعي هو الرقية الشرعية والتعوذات والأدعية وسؤال الله ودعاؤه بأسمائه وصفاته، وأما الخيط والحلقة والتميمة فكل هذه ليست أسباباً، فلم يجعلها الله أسباباً، بل هي محرمة. وقد ثبت في الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله بسند لا بأس به عن عمران بن حصين رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر -أي: من نحاس- فقال: ما هذا؟! قال: من الواهنة. قال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهناً؛ فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، والواهنة: مرض يأخذ في العضد أو في المنكب، فهذا الرجل وجد النبي صلى الله عليه وسلم في عضده حلقة من صفر -أي: من نحاس- فقال له: ما هذا؟ لماذا وضعتها؟! فقال: وضعتها لأجل الواهنة، أي: لأجل مرض الواهنة، يعني أنها وسيلة وسبب في الشفاء من هذا المرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهناً -أي: ضعفاً-، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً) . وقد ثبت عن حذيفة رضي الله عنه -كما رواه ابن أبي حاتم-: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى -أي: وضعه من أجل الحمى-، فقطعه حذيفة رضي الله عنه وتلا قول الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، فقطعه حذيفة إنكاراً لهذا من المنكر، وفي هذا دليل على أن للإنسان أن ينكر المنكر باليد إذا كان قادراً على ذلك ولم يترتب على ذلك مفسدة أكبر من المنكر الذي أنكره، فإن عجز أنكره باللسان، وإن عجز أنكره بالقلب، كما ثبت في حديث أبي سعيد الذي رواه الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فـحذيفة كان مستطيعاً على الإنكار باليد فأنكر وقطع الخيط، وتلا قول الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، وهذه الآية نزلت في الشرك الأكبر، وإيمانهم بالله هنا هو إقرارهم بتوحيد الربوبية، والشرك هنا هو الشرك في العبادة، وقد استدل حذيفة بهذه الآية على دخول الشرك الأصغر في عموم الشرك، وفيه دليل على أن الصحابة كانوا يستدلون على الشرك الأصغر بما نزل في الشرك الأكبر؛ لدخوله في عمومه. ومن أمثلة ذلك: تعليق الأوتار على الدواب؛ لدفع العين، فهذا لا يجوز؛ لأنه من الشرك الأصغر.وثبت في الصحيح عن أبي البشير الأنصاري رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولاً: ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت)، وهذا إذا وضعها من أجل العين، وأما إذا جعلها في رقبة البعير أو الدابة لأجل الزينة والجمال، أو لأجل أن يقودها بها فهذا ليس من الشرك ولا بأس به، لكن إذا وضعها من أجل اتقاء العين ودفع العين فهذا من الشرك.ومن ذلك التمائم التي تعلق في رقبة الإنسان، وأصل التميمة خرزات يعلقونها على الأطفال لدفع العين أو اتقاء العين، وهذا الذي يعلقونه قد يكون من الخرزات، وقد يكون من الحروز أو الحجب، وقد يكون من شعر الذئب أو غيره، فالتميمة التي تعلق لأجل دفع العين هي كل شيء يعلق في رقبة طفل، أو رجل، أو امرأة لأجل دفع العين وهي من الشرك، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من تعلّق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلّق وَدَعة فلا ودع الله عليه)، وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)، فهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على من علق تميمة بأن الله لا يتم له أموره، (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله عليه) أي: لا جعله في دعة وراحة وسكون، والودَع: شيء يستخرج من البحر يشبه الصدف يعلقونه اتقاء العين، وقد تكون التميمة التي تعلق حرزاً كُتب فيه آيات من القرآن، وقد تكون من غيره، فإذا كان الحجاب أو الحرز أو التميمة التي تعلق فيها آيات من القرآن، أو تعوذات شرعية وأدعية لا محظور فيها فهذه قد أجازها بعض العلماء ورخص فيها، وقالوا: إنها آيات من القرآن، أو أدعية شرعية، فهي تعوذات شرعية، ويروى هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو ظاهر ما نقل عن عائشة رضي الله عنها.والقول الثاني: المنع من تعليق التميمة ولو كانت من القرآن، وهذا هو ما روي عن عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة، وهو مذهب الجماهير، وهو الصواب، فيمنع تعليق التميمة -وهي الحرز والحجاب- ولو كانت من القرآن أو من الأدعية الشرعية؛ لأمور ثلاثة:الأمر الأول: أن النصوص عامة ولم تخصص، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) ولم يُخص من ذلك شيء، بخلاف الرقى والتعوذات الشرعية، فإنه قد جاء فيها التخصيص، حيث جاء في الحديث الآخر: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) ، وفي الحديث الآخر: (لا رقية إلا من عين أو حُمة)، فدل ذلك على أن الرقية إذا لم يكن فيها محظور من شرك، وكانت بلسان عربي، واعُتقد أن الشافي هو الله فلا بأس بها، وأما إذا كانت من الشركيات، أو كانت مجهولة فهذه ممنوعة، بخلاف التمائم، فلم يأت ما يخصصها، فدل ذلك على أن التمائم ممنوعة مطلقة، سواء أكانت من القرآن أم من غير القرآن؛ لأن النصوص عامة.والأمر الثاني: أن إباحة وإجازة تعليق التميمة من القرآن وسيلة وذريعة إلى تعليق التميمة من غير القرآن ومن الأدعية الشرعية، فالناس لا يقفون عند حد. والأمر الثالث: أن تعليق التميمة من القرآن أو من الأدعية النبوية وسيلة إلى امتهانها، فقد يدخل بها الحمام ومكان قضاء الحاجة، وهي آيات من القرآن، وفيها اسم الله، وفيها أدعية شرعية، فيكون ممتهناً لها بذلك، فالصواب هو المنع من تعليق التميمة مطلقاً، ويجب أن تعلق القلوب بالله عز وجل ولا تتعلق بغيره.وقد جاء عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن. يعني: كان أصحاب عبد الله بن مسعود يكرهون التمائم، أي: كراهة التحريم.وجاء عن سعيد بن جبير رحمه الله أنه قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة. يعني: من وجد إنساناً قد علق تميمة في عنقه ثم قطعها كان أجره كمن أعتق رقبة، والصواب أن من قطع تميمة من إنسان أفضل ممن أعتق رقبة؛ لأن من قطع تميمة من إنسان فقد أعتقه من الشرك، وأما إذا أعتق رقبة فقد أخرجها من الرق، وإعتاق الإنسان من الشرك أفضل من إعتاقه من الرق.وأما التِوَلة فهي شيء يصنعونه ويزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته، فهذا من الشرك الأصغر إذا اعتقد الإنسان أنه سبب، وأما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرقى والتمائم والتِوَلة شرك)، فهو من الشرك الأصغر إذا كان يعتقد أنه سبب في جلب المحبة، فيحبب المرأة إلى زوجها، ويحبب الزوج إلى امرأته، فهذا من الشرك ولا يجوز استعماله، وهذا إذا اعتقد أنه وسيلة وسبب، وأما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر، فلا يجوز للإنسان أن يعلق التميمة، ولا أن يستعمل التولة، ولا أن يلبس حلقة أو خيطاً لأجل رفع البلاء بعد نزوله، أو دفعه قبل نزوله، فيعتقد أنه سبب في رفع البلاء، فبعض الناس يلبس حلقة أو خيطاً ويعتقد أنها سبب في رفع البلاء بعد نزوله، أو دفعه قبل نزوله، وهذا غلط، فليست الحلقة والخيط سبباً، وهذا شرك أصغر إذا اعتقد أن ذلك سبب، أما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر.ومن الشرك في الاعتقاد: الطِّيَرة والتطير، والطيرة: اسم مصدر لـ(تطير يتطير تطيراً)، فالتطير مصدر، والطيرة اسم مصدر، مثل: تخير يتخير خيرة، والطيرة: هي التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، أو التشاؤم بالأشخاص أو البقاع أو الأمكنة، فكل هذا من التطير المذموم، وهو من عمل أهل الجاهلية المشركين، قال تعالى عن آل فرعون: فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:131] أي: إذا أصابتهم حسنة من خصب وسعة قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابتهم سيئة من جدب وقحط قالوا: هذا بسبب موسى ومن معه، فقد أصابنا هذا بشؤمهم، قال الله تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:131] .وقال عن أصحاب القرية لما جاءتهم الرسل: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [يس:18-19] أي: أمن أجل أن ذكرناكم ووعظناكم تطيرتم بنا؟! بل أنتم قوم مسرفون، فالطيرة من عمل أهل الجاهلية، ومن عمل أهل الشرك.وفي حديث قطن بن قبيصة عن أبيه أن الرسول قال: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت) ، قال عوف : والعيافة زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت قال الحسن : رنة الشيطان. إسناده جيد.وأصل الطيرة: ما كان يستعمله العرب من التشاؤم بالسوانح والبوارح من الطيور والظباء، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنهى الشرع عنه وأبطله، وبيّن أنه لا تأثير لها في نفع أو ضر، أو خير أو شر، وإنما ذلك بيد الله.قال المدائني : سألت رؤبة بن العجاج قلت: ما السانح -يعني: من الطير والظباء-؟ قال: ما ولاك ميامنه، قلت: فما البارح؟ قال: ما ولّاك مياسره، والذي يجيء من أمامك هو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك هو القاعد والقعيد. فقد كانت العرب تتشاءم وتتيامن بالطيور، فكانوا يزجرون الطير ويسمون ذلك العيافة، فكان الواحد منهم إذا أراد سفراً أو زواجاً أو تجارة يزجر الطير، فإذا ذهب جهة اليمين تيامن ومضى في سبيله، وإذا ذهب جهة اليسار أحجم ونزل، ومن كان لا يعرف العيافة كان يذهب إلى بعض العرب كي يعملها له، وهناك بعض القبائل التي لها اختصاص بالعيافة وزجر الطير، ومن ذلك: بنو لِهْب، ولذلك يقول الشاعر: خبير بنو لهب فلا تك ملغياً مقالة لهبي إذا الطير مرتِ يعني أن بني لهب عندهم خبرة في زجر الطير وفي العيافة، فلا تلغي مقالتهم إذا مرت الطير، بل اعتمدها واعمل بها، وهذا من جهلهم في الجاهلية، فأبطل الإسلام هذا ونفاه، وأمر الناس أن يعلقوا قلوبهم بالله، وعوضهم عن ذلك بالقرعة والاستخارة.والتشاؤم عام، فقد يكون بالطيور أو بالأشخاص، فبعض الناس إذا رأى شخصاً أعمى أو أعور أو أعرج تشاءم به، فهذا من التشاؤم، وبعض الناس إذا فتح دكانه للبيع فمر به أعمى أو أعرج أو أعور، أو اشترى منه أعور أغلق الدكان ذلك اليوم تشاؤماً، وهذا من عمل أهل الجاهلية، وهو من الطيرة المحرمة، فلا يجوز أن تتشاءم بشخص ولا بطير ولا بمكان ولا بلفظ ولا ببقعة، فالتشاؤم والتطير من عمل أهل الجاهلية، وهو من الشرك الأصغر؛ لكونه من إلقاء الشيطان ووسوسته وتخويفه، ولأنه مناف للتوكل على الله عز وجل، فقد يرجع عما كان عازماً عليه من الفعل بسبب اعتقاده حصول نفع أو دفع ضر في طائر أو نحوه، أو لا يرجع عن ذلك ولكن يبقى أثر ذلك في نفسه من الهم والحزن والوساوس والضعف.وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) ، والصواب في معنى: (لا عدوى) أي: على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من كون الأمراض تعدي بطبعها وبذاتها، ففيه نسبة الفعل إلى غير الله، ولكن الله جعل بمشيئته من به مرض سبباً في العدوى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا يورد ممرِض على مُصحٍّ) ، وقال: (فر من المجنون فرارك من الأسد) ، وقال في الطاعون: (إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا كان بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)، فقد يجعل الله مقاربة الصحيح للمريض سبباً في انتقال العدوى، وقد لا تحصل العدوى، لكن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى) أي: على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من كون المرض والعدوى تنتقل بنفسها وبذاتها من غير مشيئة الله وتقديره، فهذا باطل، وهكذا قوله: (لا طيرة) نفي للتشاؤم، وقوله: (ولا هامة) الهامة: هي طير من طيور الليل، وهي البومة، قال ابن الأعرابي : كانت إذا وقعت على بيت أحدهم قال: تنعى إلي نفسي أو أحد من أهل بيتي، يعني أنها تخبر بقرب موته، وهذا باطل، وقيل: كانوا يعتقدون أن روح الميت تكون هامة تطير. وقوله: (ولا صفر) قيل: الصفر: حية تكون في البر، وهي أعدى من الجرب عند العرب، وعلى هذا فالنفي هنا نفي للعدوى واعتقاد العدوى، أو (لا صفر) أي: شهر صفر، فقد كانوا يتشاءمون به، ويقولون: إنه شهر مشئوم، أو أن هذا نفي للعمل الذي كان يعمله أهل الجاهلية، فقد كانوا يجعلون شهر صفر بدل محرم، ويحلون شهر الله المحرم، فإذا احتاجوا إلى القتال فيه أحلوه، ثم جعلوا صفر مكانه. وقوله: (ولا نوء ولا غول) هذا فيه نفي اعتقاد أهل الجاهلية من أن النوء -وهو النجم- له تأثير، (ولا غول)، لأنه كانت العرب تعتقد أن الجن تتراءى للناس فتضلهم وتهلكهم، فقيل: إن الحديث نفي لها، وقيل: إن الحديث نفي لما كانوا يعتقدونه، وإلا فالغول موجودة، كما في الحديث: (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان) ، فهي لا تؤثر إلا بإذن الله.وفي حديث أنس : (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟! قال: الكلمة الطيبة) ، فالفأل مستثنى من الطيرة، وهو الكلمة الطيبة يسمعها الإنسان فيسر بها، كأن يسمع مريض شخصاً يقول: حالت، فيتفاءل بالسلامة، أو إنسان ينشد ضالته فيسمع آخر يقول: راشد، فيتفاءل بأنه يجد ضالته، أو تاجر ذهب في تجارته فسمع قائلاً يقول: رابح، فيتفاءل بالربح، فهذا لا بأس به؛ لأن الكلمة الطيبة إذا سمعها الإنسان فإنه يسر بها لما فيها من التعبير بالخير وحسن الظن بالله، بخلاف الطيرة، فإن فيها سوء ظن بالله، فافترقا، فالفأل يُباح لما فيه من التعبير بالخير، ورجاء الفائدة والعائدة من الله، ولما فيه من حسن الظن بالله، والإنسان مأمور بحسن الظن بالله على كل حال، بخلاف الطيرة، فإن فيها سوء ظن بالله فمنعت.وقد جاء في الحديث بيان لكفارة الطيرة، فقال: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: فما كفارة ذلك يا رسول الله؟! قال: أن تقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك)، فهذا في بيان كفارة الطيرة إذا وقعت، فعلى الإنسان أن يستغفر ويتوب إلى الله، ويقول: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك). وجاء في الحديث الآخر بيان حد الطيرة، ففي حديث الفضل بن عباس قال: (إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)، فقوله: (ما أمضاك) أي: جعلك تسير وتسافر من أجل التطير، أو يمنعك من السفر، فهذه هي الطيرة، فعليه التوبة والاستغفار والندم، وأن يقول هذا الدعاء: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك).في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الطيرة فقال: أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً)، فجعل الفأل أحسن الطيرة، وفي الحديث الآخر: (ويعجبني الفأل)، وقال هنا: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم! لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)، فهذا دعاء عظيم يقوله الإنسان إذا رأى ما يكره.وجاء في كفارة الشرك الخفي في الحديث الآخر الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر أنه يقول: (اللهم! إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)، وفي لفظ: (وأستغفرك لما تعلم ولا أعلم)، وجاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بكر : (إذا قلت ذلك أذهب الله عنك صغار الشرك وكباره) .فعلى المؤمن أن يلزم الأذكار والأدعية، ويستعمل ما صح منها.والخلاصة: أن الشرك الأصغر يكون في الألفاظ، ويكون في الأعمال، ويكون في الاعتقاد، وإذا فعل إنسان هذه الأمور -فتطير أو علّق حلقة، أو خيطاً، أو تميمة، أو تولة، أو زجر الطير، أو خط في الأرض أو ما أشبه ذلك- فإنه إن اعتقد أنها وسيلة وسبب لحفظه، أو وسيلة وسبب في حصول المطلوب؛ فذلك شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعلها وسيلة.أما إذا اعتقد أنها مؤثرة بذاتها، فتحفظه هي بذاتها؛ فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله سبحانه وتعالى أن يهدي قلوبنا، وأن يوفقنا للعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يرزقنا الإخلاص في العبادة، والصدق في القول، وأن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح.وصلى الله على محمد وآله وسلم.
الأسئلة

 العلاقة بين الشرك الأصغر والشرك الخفي
السؤال: ما الفرق بين الشرك الأصغر وبين الشرك الخفي؟الجواب: الشرك الأصغر هو الشرك الخفي، وسمي خفياً لأنه يقوم بالقلوب، وسمي أصغر لأنه لا يصل إلى الحد الأكبر؛ لأنه ليس شركاً في العبادة، ولا ناقضاً من نواقض الإسلام.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دروس في العقيدة [11] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net