اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [3] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [3] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
لقد كرم الله هذه الأمة، وخصها بخصائص دون غيرها من الأمم، ومن ذلك: أن بعث إليها خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم، فلم يجعل لها نبياً بعده، بل جعل لها أئمة مهديين يجددون لها أمور دينها، وخصها أيضاً بعدم الاجتماع على الضلالة، وجعلها وسطاً بين الأمم، وسطاً بين اليهود الجافين والنصارى الغالين، وجعل منها الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة، المبشرين برضوان الله والجنة بإذن الله ذي المنة.
خصائص هذه الأمة من الشريعة والهدي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأما الثاني: كما أنزل الله من السورة المدنية من شرائع دينه ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وامتن على المؤمنين بذلك، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك، فقال: وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء:113].وقال: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران:164].وقال: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34].فقال غير واحد من السلف: الحكمة: هي السنة ].وهذا الأمر الثاني الذي خص الله به هذه الأمة وميزها وفضلها به من الشرعة والمنهاج، وهو: ما أنزله الله في السور المدنية، من شرائع دينه، من الأوامر والنواهي، والحدود، والقصاص، وما سنه النبي صلى الله عليه وسلم من الشرائع لأمته، كل ذلك ميز الله به هذه الأمة، وخصها بالعمل به، فتمتثل الأوامر، وتجتنب النواهي؛ إذ أن الله سبحانه أنزل الكتاب والحكمة عليه أي: النبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب: هو القرآن الكريم، والحكمة: هي السنة المطهرة، وامتن على المؤمنين بذلك كما قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران:164].وامتن بذلك على نبيه فقال: وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء:113].وقال ممتناً على المؤمنين أيضاً: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].وأمر أزواج النبي بذكر ذلك فقال: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، وكما تقدم فالحكمة: هي السنة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما امتن الله به على المؤمنين من هذه الأمة.
 وسطية المؤمنين في المسيح بين شذوذ اليهود وغلو النصارى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومن ذلك: أن المؤمنين توسطوا في المسيح فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقول النصارى، ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً، حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود، بل قالوا: هذا عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه ].وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهكذا حال الأمة الوسط، وهو حال مؤمني هذه الأمة، فقد توسطوا بين الأمم السابقة في المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، ويسمى المسيح؛ لأنه يمسح الأرض، وأما الدجال فيسمى مسيحاً؛ لأن عينه اليمنى ممسوحة كأنها عنبة طافية، فأهل الحق من هذه الأمة توسطوا في المسيح فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى، ولا كفروا وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً حتى جعلوه ولد بغي كما زعمت اليهود، بل قالوا الحق: إن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم؛ لأن الله خلقه بكلمة ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء، ويمحو ما شاء ويثبت كما قالته اليهود، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة:142].وبقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة:91] ].أي: أن المؤمنين لم يحرموا على الله ما حرمه اليهود، حيث حرموا على الله أن ينسخ ما يشاء، ويمحو ما يشاء، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله حينما حولت القبلة: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:142].إذ أنه لما حولت القبلة استنكروا، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس للصلاة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم وجهه الله إلى الكعبة، وقد كان يقلب وجهه في السماء، ويحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144].وقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة:91]، هذه حال اليهود الذين آمنوا بما أنزل الله عليهم فحسب وقالوا: يكفينا ما أنزل إلينا من التوراة، ويكفرون بما وراءه مما سواه، وهو الحق مصدقاً لما معهم.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى، كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: (قلت: يا رسول الله! ما عبدوهم! قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم) ].وفيه: بيان لطريق أهل الحق واعتقادهم، حيث لا يجوزون لأكابرهم وعلمائهم وعبادهم ولا لأحد أن يغير دين الله، فيأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء كما تفعل النصارى؛ لأن النصارى حرفوا كتاب الله الذي أنزله الله على عيسى، وهو إنجيل واحد، فكثرت الأناجيل حتى بلغت أربعين إنجيلاً، كل هذا من وضع النصارى، فالنصارى جوزوا لأكابرهم وأحبارهم وعلمائهم أن يأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا كما ذكر الله عن ذلك بقوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31]، والأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، ولما نزلت هذه الآية في النصارى حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وكان قد أسلم عدي بن حاتم رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] فقال: يا رسول الله! ما عبدوهم!وفي لفظ: (لسنا نعبدهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أليسوا يحرمون ما أحل الله وتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتكم إياهم).فبين أن عبادتهم: طاعتهم في التحليل والتحريم.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، ِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285]، فأطاعوا كلما أمر الله به، وقالوا: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة:1].وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيماً ].فهو سبحانه له الخلق فلا خالق غيره، وله الأمر فلا آمر غيره، فالخلق خلقه والأمر أمره سبحانه وتعالى، والمراد بالأمر: كلامه سبحانه وتعالى الذي أنزله إلى خلقه من الكتب المبينة للأوامر والنواهي، فالمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، بخلاف أهل الاشتراط فإنهم لا يجعلون الأمر لله، بل يشرعون لأنفسهم شرائع من عند أنفسهم، يقول المؤلف: فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، أي: كما لا يخلق إلا الله فلا يأمر إلا الله، بل يقولون: سمعنا وأطعنا، بخلاف أهل الكتاب فإنه أخبر أنهم قالوا: سمعنا وعصينا، أما أهل الإيمان فأطاعوا كلما أمر الله به وامتثلوه وقالوا: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة:1].وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى، ولو كان عظيماً؛ إذ المخلوق مأمور مربوب مقهور مجبر ليس له أن يبدل أمر الله ولو كان عظيماً.
ضلال اليهود والنصارى في وصف الله تعالى

 وصف النصارى المخلوق بصفات الخالق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب ].يعني: أن النصارى -والعياذ بالله- وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب، فجعلوه إلهاً مع الله، وقالوا: إنه ابن الله، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة: الله وعيسى ومريم ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فالنصارى رفعوا عيسى من مقام النبوة إلى مقام الإلهية والربوبية فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق، واليهود وصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة فقالوا: إنه فقير، ويده مغلولة، وتعب واستراح يوم السبت.
وسطية المؤمنين في وصف الله تعالى بين اليهود والنصارى
وأما المؤمنون أهل الحق فوسط بين النصارى الذين غلوا، وبين اليهود الذين جفوا.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى، ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:93-95] ].لقد وفق الله المؤمنين وهداهم إلى الحق، فصاروا وسطاً بين ضلالين: ضلال اليهود وضلال النصارى، فاليهود جفوا ووصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة، وقالوا: إن الله فقير، ويده مغلولة، واستراح يوم السبت.والنصارى غلوا ووصفوا المخلوق بصفة الخالق فقالوا: إن عيسى يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب.والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى وقالوا: ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه، كما قال سبحانه: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:93-95].فهدى الله المؤمنين فلم يقولوا بقول اليهود الذين جفوا، ولم يقولوا بقول النصارى الذين غلوا، بل كان قولهم وسطاً على حسب ما جاء في الكتاب والسنة.
 وصف النصارى المخلوق بصفات الخالق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب ].يعني: أن النصارى -والعياذ بالله- وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب، فجعلوه إلهاً مع الله، وقالوا: إنه ابن الله، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة: الله وعيسى ومريم ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فالنصارى رفعوا عيسى من مقام النبوة إلى مقام الإلهية والربوبية فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق، واليهود وصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة فقالوا: إنه فقير، ويده مغلولة، وتعب واستراح يوم السبت.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [3] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net