اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [8] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [8] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
الآيات القرآنية الواردة في ذكر صفات المنافقين كثيرة، بل أنزل الله سورة كاملة باسمهم وبين فيها صفاتهم، وقد صار الفقهاء يطلقون مصطلح الزنديق على المنافق، وذلك لما كثر المسلمون من العجم وتداولوا هذا المصطلح، واختلف الفقهاء في حكم الزنديق وقبول توبته.
أوصاف المنافقين في سورة المنافقون

 سبب نزول قوله تعالى (يقولون لئن رجعنا)
وذكر الله من أوصافهم قوله: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8].وهذه الكلمة قالها عبد الله بن أبي عندما حصل نزاع بين بعض المهاجرين وبعض الأنصار، والمهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، والأنصار هم الذين نصروهم واستقبلوهم في المدينة حتى أعز الله المسلمين.والنزاع الذي حدث بين بعض الشباب من الأنصار والمهاجرين أن مهاجريا كسع أنصارياً، فتنادى هؤلاء وهؤلاء، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي ، فقال: أوفعلوها، وقال: ما حالهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! يعني: جئنا بهم إلى المدينة والآن صاروا ضدنا.ثم قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ويقصد بالأعز نفسه، وبالأذل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.فسمعها زيد بن أرقم ، فأنزل الله: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8]، ولما سمع عبد الله بن أبي ابنه عبد الله ، وكان من أصلح عباد الله، جاء ووقف أمام أبيه بالسيف، وقال: والله لا تدخل المدينة؛ حتى تكون أنت الأذل والرسول هو الأعز!وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! إني سمعت أنك تقتل عبد الله -يعني أباه- وإني لا أستطيع أن أرى قاتل أبي، ولكن إن أردت قتله، فأمرني أن آتيك برأسه! فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: لا، نستبقيه؛ حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فأنزل الله قوله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8] أي: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين أبداً دائماً إلى يوم الدين، رغم أنوف الكافرين والمنافقين، واليهود والنصارى، وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8] أي: لا يعلمون أن العزة باقية لله ولرسوله وللمؤمنين. فنسأل الله أن يعزنا بطاعته، ونسأل الله أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وأهله، وأن يخذل الكفار والمنافقين ويهلكهم، ويقطع دابرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مسائل متعلقة بالمنافقين
قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه: [ والمنافقون هم في الظاهر مسلمون، وقد كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة -لاسيما آخر الأمر- ما لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم؛ لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف، تحقيقاً لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة:33] ].يقول المؤلف: (والمنافقون هم في الظاهر مسلمون)، هذا هو المنافق، والمنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فهم في الظاهر مسلمون وفي الباطن منافقون، وهم كفرة؛ لأنهم شاركوا الكفار في الكفر، وزادوا عليهم بالخداع، حيث أظهروا الإسلام، ولهذا كانت عقوبتهم أشد، وعذابهم كذلك أشد في الآخرة.
 انكشاف أمر عبد الله بن أبي عند الصحابة
قال المؤلف رحمه الله: [ فقد كانوا يشهدون مع النبي صلى الله عليه وسلم مغازيه، كما شهد عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من المنافقين الغزوة التي قال فيها ابن أبي : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8] وأخبر بذلك زيد بن أرقم النبي صلى الله عليه وسلم وكذبه قوم حتى أنزل الله القرآن بتصديقه ].وهذه القصة رواها البخاري ومسلم في صحيحيهما، فقد كان عبد الله بن أبي رأس المنافقين، يشهد مع النبي مغازيه، ويصلي معه، وكان أيضاً يشهد معه الجمعة، وإذا صلى الجمعة قام وخطب في الناس وقال: احمدوا ربكم على هذا النبي الكريم، أطيعوه واتبعوه.ثم بعد غزوة تبوك قام وأراد أن يقول مثل الذي يقوله دائماً، فأخذه بعض الصحابة وقالوا: اجلس عدو الله، قد عرفنا أمرك، فخرج وهو يقول: أردت أن أشد أمره، فمنعني فلان وفلان.وقد حدث في غزوة تبوك، أو غزوة المريسيع على خلاف أن قال عبد الله بن أبي : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8]، يعني: أنه هو الأعز والنبي صلى الله عليه وسلم هو الأذل، حاشاه، فسمع ذلك زيد بن أرقم ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكذبه قومه حتى شق عليه ذلك، فأنزل الله تصديقه في قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].وهذا يدل على أن المنافقين يظهرون الإسلام، وهم مكذبون في الباطن، وهم يصلون الصلوات الخمس، لكنهم يتخلفون عن صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لأن صلاة العشاء والفجر في الظلام، ولا يراهم أحد ويخفون على الناس، وفي صلوات النهار يأتون، ويجاهدون مع النبي صلى الله عليه وسلم.وفي هذا الزمن وفي جميع الأزمان نرى المنافقين يعيشون بين المسلمين، ويصلون معهم، وهم على كفرهم ونفاقهم، فمتى حانت لهم الفرصة أظهروا نفاقهم وكفرهم، وهم في الخفاء يخططون لهدم الإسلام، والإضرار بالمسلمين. قال المؤلف رحمه الله: [ والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى: مؤمن، ومنافق كافر في الباطن مع كونه مسلماً في الظاهر، وإلى كافر باطناً وكافراً ].فهذه هي أقسام الناس، وهذه الأقسام لا شك فيها، فقد دل عليها القرآن والسنة والإجماع، وهي معلومة من الدين بالضرورة.
ظهور مصطلح الزنديق والخلاف في حكمه
قال المؤلف رحمه الله: [ ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقبل توبته في الظاهر إذا عرف بالزندقة، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ فمذهب مالك رحمه الله تعالى، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي ، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة ، أن توبته لا تقبل.والمشهور من مذهب الشافعي رحمه الله قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد ، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة ، ومنهم من فصل ].
 معنى الزنديق عند الفقهاء وغيرهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن ديناً من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلاً جاحداً للصانع والمعاد والأعمال الصالحة.ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمي الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس. ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره. وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله تعالى أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37]، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88] ].والزنديق عند هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف يطلق على الجاحد المعطل، يعني: الذي يجحد الرب ويعطل الرب من أفعاله وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهذا يسمى زنديقاً، ويسمى المنافق زنديقاً أيضاً، فالزنديق يطلق على أمرين: الأول الجاحد المعطل، والثاني المنافق.ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول كما قال المؤلف، وهو المنافق؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان.فالإيمان يزيد وينقص، كما قال: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4]، وقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124].والكفر يزيد قال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37]، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:125]، فالكفر يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.وكذلك تارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكب الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88]، فالكفرة يتفاوتون، بعضهم يزيد على بعض، فالكافر الذي يصد عن سبيل الله، ويؤذي المؤمنين، أشد عذاباً من الكافر الذي لا يصد عن سبيل الله.
التفريق بين الحكم بالظاهر والحكم بالباطن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فهذا أصل ينبغي معرفته؛ فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيراً ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء، لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ].يعني: أن هذا الكلام أصل ينبغي معرفته؛ وهو أن المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام في الظاهر، وإذا أظهر النفاق قتل، كما تجرى على المسلم ظاهراً وباطناً، فالمؤمن ظاهراً وباطناً تجرى عليه أحكام الإسلام، والمنافق الذي يظهر الإسلام تجرى عليه أحكام الإسلام، فإذا لم نعلم حاله عاملناه كمسلم في الزواج، والنكاح، والصداق، والصلاة عليه إذا مات، والميراث، وإجابة دعوته، وتغسيله، ودفنه في مقابر المسلمين.فكل هذه الأحكام تجرى على المنافق الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ما لم يظهر نفاقه، فإذا أظهر نفاقه قتل وعومل بما أظهر من نفاقه على الخلاف المشهور: هل يقتل بدون استتابة، أو بعد الاستتابة؟ أو إذا سلم نفسه فلا يقتل، وإذا لم يسلم نفسه فإنه يقتل.فأحكام الإسلام تجرى على المنافقين، وتجرى أيضاً على المسلمين، وأما الكفار الذين أظهروا الكفر فتجرى عليهم أحكام الكفار.يقول المؤلف: (فإن كثيراً ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء، لم يلحظوا هذا الباب)، يعني: أن بعض الناس يكفر أهل البدع ولا يلحظ هذا المعنى، مع أن أهل البدع والأهواء، إن كانوا يظهرون الإسلام فتجرى عليهم أحكام الإسلام ولا يكفرون، والبدعة والمعصية لا يكفر صاحبها، فكما أن الزاني لا يكفر، فكذلك المبتدع -كصاحب بدعة المولد- لا يكفر كذلك، ولا يكفر إلا من أظهر الكفر.فالذين كفروا أهل البدع لم يلحظوا هذا الباب، وهو إجراء الأحكام على الظاهر، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين الحكم الظاهر والحكم الباطن ثابت شرعاً.والحكم الظاهر هو الحكم على المنافق بالإسلام، والحكم الباطن هو الكفر، وهذا هو حكمه في الآخرة، والفرق بينهما ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن ].فالمبتدع قد يكون مؤمناً، ولم يكفر، لكن أخطأ بسبب جهله وضلاله، كمثل شخص يقيم الموالد، وهو مؤمن يصلي ويصوم، ويزكي ويحج، فإذا قيل له: لماذا تقيم بدعة المولد؟ قال: أقيمه محبة للرسول، فهو هنا قد أخطأ لجهله وضلاله، فلا يكون كافراً، فليس كل من يأتي ببدعه يقال له كافر، بل لابد من التمييز بين الأحكام كما قال المؤلف.وهذا الذي أقام البدعة كأن يقول: نويت أن أصلي فرض العشاء خلف هذا الإمام أربع ركعات، فهذه بدعة عندما تلفظ بها، ويقولها بعض الناس للجهل والضلال، فلا يكون كافراً، بل هو مبتدع.ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً، مخطئ جاهل، قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يكون منافقاً يظهر خلاف ما يبطن)، يعني: الشخص الذي يظهر البدعة هو على أحد أمرين: إما أن يكون مؤمناً ابتدع هذه البدعة لجهله وضلاله، وإما أن يكون منافقاً زنديقاً؛ لأنه يبطن الكفر ويظهر البدعة.فهو دائر بين هذا وبين هذا.
 معنى الزنديق عند الفقهاء وغيرهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن ديناً من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلاً جاحداً للصانع والمعاد والأعمال الصالحة.ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمي الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس. ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره. وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله تعالى أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37]، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88] ].والزنديق عند هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف يطلق على الجاحد المعطل، يعني: الذي يجحد الرب ويعطل الرب من أفعاله وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهذا يسمى زنديقاً، ويسمى المنافق زنديقاً أيضاً، فالزنديق يطلق على أمرين: الأول الجاحد المعطل، والثاني المنافق.ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول كما قال المؤلف، وهو المنافق؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان.فالإيمان يزيد وينقص، كما قال: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4]، وقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124].والكفر يزيد قال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37]، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:125]، فالكفر يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.وكذلك تارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكب الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88]، فالكفرة يتفاوتون، بعضهم يزيد على بعض، فالكافر الذي يصد عن سبيل الله، ويؤذي المؤمنين، أشد عذاباً من الكافر الذي لا يصد عن سبيل الله.
الأسئلة

 الاهتمام بالمناطق القروية في الدعوة إلى الله
السؤال: تكتض المدن بالدعاة وطلبة العلم وفقهم الله، بينما تشتكي القرى الصغيرة من قلتهم وندرتهم، إضافة إلى أن أهل القرى لا توجد عندهم المنكرات الكثيرة، ويقل الغزو الفضائي عندهم، ويتميزون بقوة الاستيعاب والحفظ، فما نصيحتك لأهل العلم؟الجواب: نصيحتي لأهل العلم أن يذهبوا إلى تلك القرى ويعلموا أهلها، وأن يقيموا عندهم الدورات والدروس العلمية، وعلى أهل القرى أيضاً أن يأتوا بأنفسهم إلى المدن حتى يستفيدوا من الدروس العلمية، وإن لم يأتوا فعلى طلبة العلم أن يذهبوا إليهم في قراهم وبلدانهم، وأن ينشروا علمهم وأن يعلموهم مما علمهم الله، نسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح.ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المباركين، ومن أهل العلم الذين يعلمون ويعملون، ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه القويم حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [8] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net