اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [3] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [3] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
من أعظم بدع المرجئة مخالفتهم في الإيمان، فإنه يؤدي إلى مفاسد دينية اعتقادية مخالفة للكتاب والسنة، ولذلك فطوائف المرجئة كلها تعد مخالفة لأهل السنة والجماعة.
تعريف الإيمان
أصل الإيمان في اللغة: التصديق والإقرار والمعرفة، وهو تصديق القلب وإقراره واعترافه.وشرعاً: تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل القلب والجوارح. فيشمل أربعة أشياء: تصديق القلب ويسمى قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح.فقول القلب: هو التصديق والإقرار والمعرفة.وقول اللسان: هو النطق، كالنطق بالشهادتين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والذكر، وتلاوة القرآن.وعمل القلب: كالنية والإخلاص والصدق والمحبة والتوكل والرغبة والرهبة.وعمل الجوارح: كالصلاة والصيام والزكاة والحج.ولهذا يقول العلماء: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان -وهو القلب- وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.ومن عبارات السلف في هذا: الإيمان عمل ونية، أي: عمل القلب وعمل الجوارح، والنية التصديق والإقرار، ويدخل في العمل أيضاً قول اللسان. وبهذا ينفصل أهل السنة عن المرجئة بجميع طوائفهم وعن أهل البدع جميعاً.والعلماء والسلف والأئمة من الصحابة والتابعين وأهل السنة قاطبة ومنهم الأئمة الأربعة يقررون أن الإيمان تصديق القلب، وإقرار اللسان ونطقه، وعمل القلب وعمل الجوارح، وقرروا أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وبهذا انفصلوا عن جميع الطوائف، فانفصلوا عن الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والكرامية، والجهمية وغيرهم، فالمرجئة الذين يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، من أعظم من خالف أهل السنة في مسمى الإيمان.
 

أقسام المرجئة
المرجئة أربع طوائف:الطائفة الأولى: الجهمية، ومذهبهم في الإيمان أن الإيمان معرفة الرب بالقلب, والكفر: جهل الرب بالقلب.والجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي الراسبي الذي نشر مذهب الجهمية، وتعريفهم هذا أفسد ما قيل في تعريف الإيمان وأبطلها وأشدها كفراً وضلالاً وبعداً عن الحق.وألزمهم العلماء على هذا التعريف أن إبليس مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، قال الله عنه: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36] وألزموهم بأن فرعون أكفر أهل الأرض مؤمن؛ لأن فرعون يعرف ربه بقلبه، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، وقال الله عن موسى أنه قال لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ [الإسراء:102] والعلم هو يقين القلب، لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:102] فعلى هذا يكون فرعون مؤمناً على مذهب الجهم .واليهود مؤمنون أيضاً على مذهب الجهم ؛ لأن اليهود يعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146] .و أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي مات على الشرك، وأبى أن يقول لا إله إلا الله يكون مؤمناً على مذهب الجهم ؛ لأنه قال في قصيدته المعروفة: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينالولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناًبل إن العلماء ألزموا الجهم على قوله بأنه كافر بتعريفه هو؛ لأنه قال: الكفر هو الجهل بالرب، ولا أحد أجهل من الجهم بربه، فيكون كافراً بتعريفه هو.و الجهم اشتهر بأربع عقائد خبيثة فاسدة:الأولى: عقيدة الإرجاء، وهو أن الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب.والثانية: عقيدة الجبر، وهو القول بأن العبد مجبور على أفعاله، وأن الأفعال هي أفعال الله، والإنسان وعاء للأفعال، فهو آلة يحركها الله، فالأفعال أفعال الله، فالله هو المصلي والصائم على مذهب الجهم , والعباد وعاء للأفعال كالكوز الذي يصب فيه الماء، فيقول: العباد كالكوز، والله كصباب الماء فيه، هذا مذهب مذهب الجهم في الجبر.والعقيدة الثالثة: عقيدة نفي الأسماء والصفات عن الله عز وجل، حيث قال: ليس لله سمع ولا بصر ولا قدرة، وليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. وهو بهذا يصف ربه بالعدم، بل أشد من العدم.العقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار.الطائفة الثانية: الكرامية، ومذهبهم أن الإيمان هو النطق باللسان والإقرار به.فإذا أقر الإنسان فشهد أن لا إله الله بلسانه فإنه يكون مؤمناً ولو كان مكذباً بقلبه.وهذا يلي مذهب الجهم في الفساد, فيقولون: إن الإنسان إذا نطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن كان مكذباً بقلبه فهو مخلد في النار، فيجمعون بين الأمرين المتناقضين, فيقولون: إذا نطق المنافق بالشهادتين فهو مؤمن كامل الإيمان ومع ذلك يخلد في النار.وعللوا ذلك فقالوا: مؤمن كامل الإيمان؛ لأنه نطق بلسانه، ويخلد في النار؛ لأنه كذب بقلبه.الطائفة الثالثة: الماتريدية والأشاعرة, ويقولون: إن الإيمان تصديق القلب فقط, وأما نطق اللسان وعمل الجوارح فهما وإن كانا مطلوبين وجوباً إلا أنهما ليسا من الإيمان.فهذا هو مذهب الماتريدية والأشعرية، ورواية عن الإمام أبي حنيفة اختارها بعض أصحابه.الطائفة الرابعة من المرجئة: وهم مرجئة الفقهاء، وهم طائفة من أهل السنة، يقولون: إن الإيمان شيئان: تصديق القلب, وإقرار اللسان, أما أعمال الجوارح فليست من الإيمان، وهذه هي الرواية الثانية عن الإمام أبي حنيفة وعليها جمهور أصحابه، وهذه هي التي قررها الطحاوي في الطحاوية، حيث قال: والإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان فقط.
 

حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة

 منع مرجئة الفقهاء الاستثناء في الإيمان
المسألة الثالثة: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله، ومرجئة الفقهاء يمنعون الاستثناء في الإيمان، ويقولون: الاستثناء شك في الإيمان، ولا يجوز شك الشخص في إيمانه، بل لا بد أن يعلم أنه مصدق كما يعلم أنه قرأ الفاتحة، وكما يعلم أنه يحب الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه يبغض اليهود، ولهذا من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، قالوا: هذا شاك في إيمانه، ويسمونه من أهل السنة الشكاكة.أما جمهور أهل السنة فإنهم أجازوا الاستثناء باعتبار ومنعوه باعتبار، فقالوا: إن قصد الشك في أصل الإيمان والتصديق فهذا ممنوع، وإن أراد بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله أن شرائع الإيمان والواجبات كثيرة ولا يجزم الإنسان أنه أدى ما عليه ولا يزكي نفسه، جاز له أن يستثني فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.وكذلك إذا أراد عدم علمه بالعاقبة فله أن يستثني ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكذلك إذا أراد التبرك بذكر اسم الله فله أن يستثني.ولقد انتشر في هذه الآونة مذهب الإرجاء وصار فيه كلام كثير، وأخذ ورد في الشبكة المعلوماتية، والكتابات والصحف والرسائل، واختلط الحابل بالنابل على كثير من الناس، فلا يفرقون بين الحق والباطل إلا من عصم الله، فكل من قال: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان فهو من المرجئة, سواء قال إنه شرط كمال أو شرط صحة أو غير ذلك، فإن الشرط خارج عن المشروط، وعليه لا يقال شرط ولا غيره، وإنما الأعمال جزء من الإيمان ركن فيه.
زيادة الإيمان ونقصانه

 الرد على المعتزلة والخوارج في زيادة الإيمان ونقصانه
المرجئة يقولون: الإيمان شيء واحد، وحقيقة مركبة يزول بزوال بعض أجزائه، فإذا زال التصديق زال الإيمان، وإذا وجد التصديق وجد الإيمان.وهذه الشبهة هي عند جميع الطوائف ما عدا جمهور أهل السنة، وهذه الشبهة من أبطل الباطل، فإن الإيمان متعدد ومتبعض، ولهذا قال جمهور أهل السنة ومنهم الصحابة، والتابعون، والعلماء ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ، وسفيان الثوري وابن عيينة والبخاري ومسلم وغيرهم من أهل العلم وأهل لحديث: إن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فإذا فعل الإنسان معصية نقص إيمانه وضعف ولو كثرت المعاصي، بل لا يذهب الإيمان إلا الكفر الصراح.ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) فدل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة، ومع هذا لا يزول ولا ينتهي الإيمان إلا إذا جاء الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الشرك الأكبر؛ لامتناع أن يجتمع إيمان وكفر.فإذا فعل شخص كفراً كأن سب الله، أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه، أو كذب الله أو كذب رسوله، أو أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وجوبه وتحريمه، كإنكار تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين، أو أنكر وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو وجوب الحج، فمثل هذا قد ذهب إيمانه بالكلية.ولهذا فإن أهل السنة بدعوا المعتزلة وصاحوا بهم: أنتم أنكرتم النصوص التي تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، وهم مؤمنون موحدون مصلون ولا تأكل النار وجوههم؛ لأن الله حرم على النار أن تأكل وجوههم وهم مصلون، بل تأكلهم النار من نواحى أخرى، فمثل هذا مات وهو مؤمن مصل، لكنه مات عاقاً لوالديه من غير توبة، وهذا مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على التعامل بالربا من غير توبة، وهذا مات على الغيبة من غير توبة، وهذا مات على النميمة من غير توبة، وهذا مات على القتل بغير حق ولم يستحله، وهكذا تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، فلو كان الإيمان ينتهي بالمعاصي ما أخرجو من النار.بل تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشفع للعصاة الموحدين، قال عليه الصلاة والسلام: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وفي كل مرة يحد الله له حداً يعرفهم بالعلامة يخرجك من النار، فقد جاء في بعض الأحاديث أن الله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه نصف دينار) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) والبعض الآخر: (أخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان).بل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشفع أربع شفاعات للعصاة، وكذلك يشفع بقية الأنبياء، ويشفع الملائكة، ويشفع الشهداء، وكل عبد صالح، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المرسلون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قوماً من النار لم يعملون خيراً قط) يعني: زيادة على التوحيد والإيمان أو كما قال عليه الصلاة والسلام.وثبت في الحديث الصحيح: أنهم يخرجون من النار كأنهم الضغابيس قد امتحشوا وصاروا فحماً، فيصب عليهم من نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا قيل لهم: ادخول الجنة. والأخبار في هذا متواترة.وثبت حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجاً، وآخر أهل الجنة دخولاً، فإذا سلمه الله من النار التفت إليها وقال: الحمد لله الذي نجاني منك، وفي أول الأمر يكون وجهه إلى النار، فيقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني حرها، فيأخذ عليه العهد والميثاق ألا يسأل غير ذلك، فيعطيه، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم ترفع له شجرة فيسكت ما شاء الله، ثم يدعو ربه ويقول: يا رب! أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك لن تسألني غيره، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له، فيعطي ربه العهد والميثاق فيدنيه، ثم يسكت ما شاء الله، وتظهر له شجرة أخرى، وهكذا حتى يصل إلى الجنة.فإذا وصل إلى باب الجنة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة مما لا صبر له عليه، يقول: يا ربي! أدخلني الجنة، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك: لا تسألني غيرها، فيقول: يا ربي! لا أكون أشقى خلقك، فيضحك الله سبحانه وتعالى له، فإذا ضحك أدخله الجنة، فإذا دخل الجنة قال الله: تمنَّ! أما ترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟! فيقول: رضيت يا رب، فيقول الله له: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، خمس مرات.وجاء في الحديث الآخر: لك ذلك وعشرة أمثاله. يعني: لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا خمسين مرة.فهذا آخر أهل النار خروجاً وآخر أهل الجنة دخولاً، وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري ، فكيف يقول الخوارج والمعتزلة: إن من دخل النار لا يخرج منها! ويجعلون العصاة كالكفار سواء بسواء، وأنكروا النصوص مع تواترها، والله تعالى يقول في كتابه الكريم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
مذاهب الناس في مسمى الإيمان والكفر
مسمى الإيمان ومسمى الكفر فيه هذا الاختلاف الشديد، ومذهب أهل السنة هو المذهب الحق، وهو أن الإيمان يكون تصديقاً بالقلب، وإقراراً باللسان، وعملاً بالقلب، وعملاً بالجوارح، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأقوال اللسان داخلة في مسمى الإيمان، وأعمال القلب داخلة في مسمى الإيمان، وتصديق القلب دخل في مسمى الإيمان، فالإيمان يكون قولاً، ويكون عملاً، ويكون تصديقاً، ويكون إقراراً، كما أن الكفر يكون بالجحود، ويكون بالعمل، ويكون بالقول.والمرجئة يقولون: الإيمان لا يكون إلا تصديقاً بالقلب، وعليه فالكفر لا يكون إلا بجحود القلب فقط, فأقوال اللسان ليست من الإيمان، وأعمال الجوارح ليست من الإيمان، فكذلك أقوال اللسان ليست من الكفر، والأعمال ليست من الكفر، فإذا سب الله أو سب الرسول قالوا: هذا ليس بكفر، وإنما هو دليل على الكفر، وإذا سجد لصنم قالوا: ليس السجود بذاته كفراً، لكن هو دليل على الكفر الذي في قلبه.وهذا من أبطل الباطل، فإن نفس السجود لصنم كفر، ونفس السب كفر، فإن الكفر يكون بالجحود وبالاعتقاد كمن اعتقد أن لله صاحبة، أو ولداً، أو شريكاً في الملك, أو جحد ملكاً من الملائكة، أو نبياً من الأنبياء، أو جحد البعث أو القيامة، فهذا يكفر بهذا الاعتقاد.ويكون الكفر أيضاً بالشك، كمن شك في الله، أو ربوبيته، أو أسمائه، أو صفاته، أو شك في الملائكة، أو في البعث، أو الساعة، أو القيامة، أو الجنة، أو النار، فهذا كافر بهذا الشك.ويكون الكفر بالعمل كالسجود لصنم قاصداً للسجود، فإنه كافر ولو لم يشأ بهذا العمل الكفر، ومثله من داس المصحف بقدميه، أو لطخ المصحف بالنجاسة، فقد كفر بهذا العمل.ويكون الكفر بالقول كمن سب الله، أو الرسول، أو استهزأ بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله.ويكون الكفر أيضاً بالرفض والترك، كمن أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، وقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:22]. فالكفر يكون في القلب والاعتقاد بالجحود، ويكون في القول باللسان، ويكون في العمل بالجوارح، ويكون بالشك، ويكون بالرفض والترك، فهذه خمسة أنواع.والمرجئة يقولون: لا يكون الإيمان إلا بالقلب فقط، ولا يكون الكفر إلا بالقلب.فهذه مقدمة أردت أن ينفع الله بها، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، اللهم ثبتنا على دينك القويم حتى الممات، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
 الرد على المعتزلة والخوارج في زيادة الإيمان ونقصانه
المرجئة يقولون: الإيمان شيء واحد، وحقيقة مركبة يزول بزوال بعض أجزائه، فإذا زال التصديق زال الإيمان، وإذا وجد التصديق وجد الإيمان.وهذه الشبهة هي عند جميع الطوائف ما عدا جمهور أهل السنة، وهذه الشبهة من أبطل الباطل، فإن الإيمان متعدد ومتبعض، ولهذا قال جمهور أهل السنة ومنهم الصحابة، والتابعون، والعلماء ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ، وسفيان الثوري وابن عيينة والبخاري ومسلم وغيرهم من أهل العلم وأهل لحديث: إن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فإذا فعل الإنسان معصية نقص إيمانه وضعف ولو كثرت المعاصي، بل لا يذهب الإيمان إلا الكفر الصراح.ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) فدل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة، ومع هذا لا يزول ولا ينتهي الإيمان إلا إذا جاء الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الشرك الأكبر؛ لامتناع أن يجتمع إيمان وكفر.فإذا فعل شخص كفراً كأن سب الله، أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه، أو كذب الله أو كذب رسوله، أو أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وجوبه وتحريمه، كإنكار تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين، أو أنكر وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو وجوب الحج، فمثل هذا قد ذهب إيمانه بالكلية.ولهذا فإن أهل السنة بدعوا المعتزلة وصاحوا بهم: أنتم أنكرتم النصوص التي تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، وهم مؤمنون موحدون مصلون ولا تأكل النار وجوههم؛ لأن الله حرم على النار أن تأكل وجوههم وهم مصلون، بل تأكلهم النار من نواحى أخرى، فمثل هذا مات وهو مؤمن مصل، لكنه مات عاقاً لوالديه من غير توبة، وهذا مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على التعامل بالربا من غير توبة، وهذا مات على الغيبة من غير توبة، وهذا مات على النميمة من غير توبة، وهذا مات على القتل بغير حق ولم يستحله، وهكذا تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، فلو كان الإيمان ينتهي بالمعاصي ما أخرجو من النار.بل تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشفع للعصاة الموحدين، قال عليه الصلاة والسلام: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وفي كل مرة يحد الله له حداً يعرفهم بالعلامة يخرجك من النار، فقد جاء في بعض الأحاديث أن الله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه نصف دينار) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) والبعض الآخر: (أخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان).بل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشفع أربع شفاعات للعصاة، وكذلك يشفع بقية الأنبياء، ويشفع الملائكة، ويشفع الشهداء، وكل عبد صالح، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المرسلون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قوماً من النار لم يعملون خيراً قط) يعني: زيادة على التوحيد والإيمان أو كما قال عليه الصلاة والسلام.وثبت في الحديث الصحيح: أنهم يخرجون من النار كأنهم الضغابيس قد امتحشوا وصاروا فحماً، فيصب عليهم من نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا قيل لهم: ادخول الجنة. والأخبار في هذا متواترة.وثبت حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجاً، وآخر أهل الجنة دخولاً، فإذا سلمه الله من النار التفت إليها وقال: الحمد لله الذي نجاني منك، وفي أول الأمر يكون وجهه إلى النار، فيقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني حرها، فيأخذ عليه العهد والميثاق ألا يسأل غير ذلك، فيعطيه، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم ترفع له شجرة فيسكت ما شاء الله، ثم يدعو ربه ويقول: يا رب! أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك لن تسألني غيره، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له، فيعطي ربه العهد والميثاق فيدنيه، ثم يسكت ما شاء الله، وتظهر له شجرة أخرى، وهكذا حتى يصل إلى الجنة.فإذا وصل إلى باب الجنة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة مما لا صبر له عليه، يقول: يا ربي! أدخلني الجنة، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك: لا تسألني غيرها، فيقول: يا ربي! لا أكون أشقى خلقك، فيضحك الله سبحانه وتعالى له، فإذا ضحك أدخله الجنة، فإذا دخل الجنة قال الله: تمنَّ! أما ترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟! فيقول: رضيت يا رب، فيقول الله له: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، خمس مرات.وجاء في الحديث الآخر: لك ذلك وعشرة أمثاله. يعني: لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا خمسين مرة.فهذا آخر أهل النار خروجاً وآخر أهل الجنة دخولاً، وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري ، فكيف يقول الخوارج والمعتزلة: إن من دخل النار لا يخرج منها! ويجعلون العصاة كالكفار سواء بسواء، وأنكروا النصوص مع تواترها، والله تعالى يقول في كتابه الكريم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
الأسئلة

 أسباب حصول حلاوة الإيمان
السؤال: [ما أسباب زيادة الإيمان، وكيف أجد حلاوته؟الجواب: أسباب زيادة الإيمان: طاعة الله ورسوله، من أطاع الله وأطاع رسوله زاد إيمانه، ومن عصى الله أو عصى رسوله نقص إيمانه، وحلاوة الإيمان تعني: لذته، ويجدها الإنسان في ثلاثة أشياء:إذا كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وإذا كان يحب الإنسان يحبه لله، وإذا كان يكره الرجوع في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، كما في حديث أنس : (ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) هذا يجد لذة الإيمان وحلاوته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [3] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net