اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [13] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [13] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
يعتقد أهل السنة أن أحداً لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسناً، إلا أن يتفضل الله عليه فيدخله الجنة بمنه وفضله، والمهتدي من هداه الله، ويعتقدون أن الله أجّل لكل مخلوق أجلاً من الإنس والجن وغيرهما، ولا تموت نفس إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، ويعتقدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله.
دخول الجنة بفضل الله ورحمته دون غيرها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويعتقدون ويشهدون أن أحداً لا تجب له الجنة، وإن كان عمله حسناً وعبادته أخلص العبادات، وطاعته أزكى الطاعات، وطريقه مرتضى، إلا أن يتفضل الله عليه فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له لم يتيسر، ولو لم يهده لفعله لم يهتد له أبداً، قال الله عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21] وفي آيات سواها، وقال مخبراً عن أهل الجنة: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، وفي آيات سواها ].يعتقد أهل السنة والجماعة ويشهدون أن دخول المؤمنين الجنة برحمة الله وفضله، وأن أحداً لا تجب له الجنة، وإن كان عمله حسناً، وعبادته أخلص العبادات، وطاعته أزكى الطاعات، وطريقه مرتضى، إلا أن يتفضل الله عليه فيوجبها له بمنه وفضله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة)، فدخول الجنة برحمة الله حتى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن هذه الرحمة لها سبب وهو العمل الصالح والتوحيد والإيمان، فمن جاء بالسبب نالته الرحمة، ومن لم يأت به لم تنله الرحمة، وهذا ما جاءت به النصوص قال الله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32]، وقال: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]، فالله حرم الجنة على الكافرين؛ لأنهم ليسوا من أهل رحمته، فقد يئسوا منها، وأما المؤمنون فهم من أهل رحمته ويدخلهم الله الجنة بسبب أعمالهم، والله تعالى هو الذي من على الإنسان بالعمل، ولولا أن الله وفقه للعمل لما عمل، وهو الذي خلق الإنسان ورباه بنعمه، وأعطاه السمع والبصر والفؤاد، ومن عليه بالإسلام، وهداه، وهذا فضل من الله، قال سبحانه وتعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21].وقال مخبراً عن أهل الجنة: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، فالهداية من الله.
 

لكل مخلوق أجل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجلاً، وأن نفساً لن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له عنه فوت، قال الله عز وجل: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]. وقال: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران:145].ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله المسمى له، قال الله عز وجل: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154]، وقال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] ].ويعتقد أهل السنة وأهل الحديث ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجلاً، وأن نفساً لن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، فلن يموت أحد حتى ينقضي أجله، ويستوفي رزقه، ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن روح القدس نفث في روعي-أي: في قلبي- أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها)، وثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود في قصة خلق الإنسان في بطن أمه أنه يأتيه الملك بعد أن يكون أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، وهي مائة وعشرون يوماً أي: (أربعة أشهر)، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، وجاء في اللفظ الآخر: يا رب! ما الرزق؟ فيكتب، يا رب! ما الأجل؟ ما الشقاء؟ وما السعادة؟ وهكذا، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها الذي قدره الله لها، وإذا انقضى أجل المرء فليس له إلا الموت، قال الله عز وجل: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، وقال عز وجل: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11]، وقال سبحانه: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران:145]، وهذا عام لكل ميت، سواء مات بسبب أو بغير سبب مات مثلاً لأنه قتل، أو مات بالسم، أو لأنه تردى من جبل، أو صدم، أو مات بمرض، أو مات على فراشه، فلم يمت في هذه الأسباب إلا لأنه قد انقضى أجله، ولهذا قال المؤلف: (ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله المسمى)، وهذا خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن المقتول قطع عليه أجله، فلو لم يقتل لاستمر في الحياة، فالمقتول عند المعتزلة له أجلان، أجل طويل وأجل قصير، فإذا قتل قطع عليه أجله الطويل، فهذا الكلام من أبطل الباطل؛ لأن الله قدر له أن يموت بهذا السبب، ولهذا قال الله عز وجل عن المنافقين: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154]، وذلك لما قتل من قتل في غزوة أحد من المسلمين، قالوا: لو أنهم لم يذهبوا لما قتلوا، فقال الله عز وجل: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154] أي: لو كنتم في بيوتكم وجاء الأجل فلابد أن تخرجوا للقتال؛ حتى توافوا آجالكم.وقال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] أي: ولو كان الإنسان في بروج مشيدة، وأخذ بجميع الاحتياطات، فإذا جاءه فلابد أن يموت.
 

الاعتقاد بوجود الشياطين ووسوستهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويتيقنون أن الله سبحانه خلق الشياطين يوسوسون للآدميين ويعتدون استزلالهم، ويقصدون استنزالهم، ويترصدون لهم، قال الله عز وجل: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]، وأن الله تعالى يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله عز وجل: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:64-65].وقال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل:99-100] الآية ].يعتقد أهل السنة وأهل الحديث أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، خالق الشياطين وخالق الملائكة، وخالق الآدميين، وخالق الحيوانات والدواب، كما قال سبحانه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16].وخلق الشياطين لحكمة، والشيطان: هو من لم يؤمن، فكل كافر من الجن يسمى شيطاناً، ومن آمن من الجن لا يسمى شيطاناً، ومن حكمة خلق الشياطين أنهم يوسوسون لبني آدم، ابتلاءً وامتحاناً ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، والمجاهد لنفسه من غير المجاهد لها، خلقهم ليغووا بني آدم، ويزينوا لهم المعاصي ويحسنونها، ويترصدوا لهم، كما قال الله تعالى عن أبيهم إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]، وقال في آية الأعراف: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17]، وقال في آية أخرى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:39]، فقال الله عز وجل: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42].فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الشياطين خلقهم الله وسلطهم على بني آدم لحكمة بالغة؛ ليتبين الصادق من الكاذب، ولينقسم الناس إلى مؤمن وكافر، قال الله عز وجل: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121].وأن الله يسلطهم على من يشاء ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله عز وجل خطاباً لإبليس: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:64-65].وقال في الآية الأخرى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100]، فهذا ابتلاء وامتحان من الله عز وجل لعباده في هذه الحياة قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2].
 

الاعتقاد بوجود السحر والسحرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويشهدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله عز وجل، قال تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، ومن سحر منهم واستعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر بالله جل جلاله. وإذا وصف ما يُكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وإذا وصف ما ليس بكفر أو تكلم بما لا يفهم نهي عنه، فإن عاد عزر، وإن قال: السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته، وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه ].يشهد أهل السنة وأهل الحديث ويعتقدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله، خلافاً للمعتزلة الذين أنكروا السحر والسحرة، وقالوا: لو كان هناك سحرة وتجري على أيديهم الخوارق لالتبس الأمر في الأنبياء، فأنكروا خوارق السحرة، وأنكروا كرامات الأولياء؛ لأنها تلتبس بمعجزات الأنبياء، وهذا باطل فالسحر والسحرة موجودون، والله تعالى أخبر في القرآن الكريم بوجودهم، فقال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102] إلى أن قال: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، فالسحر والسحرة موجودون لكنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله الكوني القدري، ومن تعلم السحر أو علمه أو فعله فقد كفر.والسحر في اللغة: عبارة عنما خفي سببه ولطف مأخذه.وفي الشرع: عبارة عن عزائم ورقى وعقد وأدوية وتمائم تؤثر في القلوب والأبدان فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه.والسحر نوعان:النوع الأول: سحر يتصل صاحبه بالشياطين، وحكم صاحبه أنه كافر؛ لأن الساحر الذي يتصل بالشياطين يعقد معهم عقد، يلتزم الساحر بمقتضى هذا العقد أن يكفر بالله عز وجل بأن يتقرب إلى الشيطان بالشركيات التي يريدها، كأن يطلب منه أن يلطخ المصحف بالنجاسة، أو يسجد له أو يتقرب إليه بما يريد، وبمقتضى ذلك فإن الشيطان يستجيب لمطالب الساحر، فيخبره عن بعض المغيبات الموجودة في البلد، وإذا أمره أن يلطم شخصاً لطمه أو أن يقتل شخصاً قتله.إذاً: هناك عقد بين الساحر وبين الشيطان الجني، بمقتضى هذا العقد تكون بينهما خدمة متبادلة، وهذا النوع من السحر كفر.والنوع الثاني: سحر لا يتصل صاحبه بالشياطين، لكنه يستعمل الأدوية ويعالج الناس ويضرهم ويأكل أموالهم بالباطل، فتجده يتخذ العلاج مهنة وهو ليس من أهلها، فكل من جاءه يشكو يقول له: عندي علاجك، ويأتي بأنواع من الأعشاب والأدوية فيقول له: هذا تدهن به، وهذا اشربه، وهذا اغتسل به وهكذا، فيأكل أموال الناس بالباطل وقد يضرهم بهذه الأدوية، فهذا حكمه أنه إذا استحل أكل أموال الناس بالباطل فقد كفر، وإن لم يستحلها فإنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، أما الساحر الذي يتصل بالشياطين فإنه كافر ويجب قتله، وإذا قتل فإنه يكون كافراً في أصح قولي العلماء، وعلى هذا فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم.وقيل: إن قتله حد لمنع شره وفساده، والصواب: أنه يقتل كفراً؛ لأنه كافر بالله عز وجل، وفي الحديث: (حد الساحر ضربة بالسيف). روي موقوفاً ومقطوعاً.وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله أن يقتلوا كل ساحر وساحرة قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر.وصح عن حفصة أم المؤمنين أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت.أما الساحر الذي لا يتصل بالشياطين فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه يؤذي الناس ويأكل أموالهم بالباطل ويضرهم.ولا يجوز الإتيان إلى السحرة، ولا سؤالهم ولا العلاج عندهم؛ لأن الإتيان إليهم رفع لمعنوياتهم وفي الحديث: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء فلن تقبل له صلاة أربعين يوماً).وفي الحديث الآخر: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم). وفي الحديث أيضاً: (ليس منا من سحر أو سحر له، أو تكهن أو تكهن له، أو تطير أو تطير له)، والمريض سواء كان مرضه بالسحر أو بغيره، فإنه يعالج مرضه بالطرق المشروعة لا الممنوعة، أما النشرة: وهي حل السحر عن المسحور، فإن لها حالتان: الحالة الأولى: حلها بسحر مثله فهذا حرام لا يجوز، وفي الحديث: (لا يحل السحر إلا ساحر).الحالة الثانية: حل السحر بأدوية وعقاقير طبية، أو برقية شرعية: كآيات من القرآن أو أحاديث نبوية أو أدعية شرعية أو أدعية.فمثال النشرة الجائزة ما روي عن بعض السلف: أنه يُقرأ في إناءٍ فيه ماء سبع آيات في السحر منها خمس آيات في سورة الأعراف وهي: فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:118-122].وآية في سورة طه: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69].وآيتان في سورة يونس: قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [يونس:81-82].فتقرأ هذه الآيات في إناء فيه ماء وتصب على رأس المسحور فيشفى بإذن لله، ويسن أيضاً قراءة آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وكذلك التعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ويدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم! رب الناس أذهب الباس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً)، وكذلك يعالج بالعقاقير والأدوية.فالساحر إذا سحر أو استعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع فإنه يكفر، ولو لم يعتقد أنه يضر وينفع، هذا هو الصواب، قال الله تعالى: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102]، وكذلك إذا تعلم السحر أو علمه؛ لأن الساحر الذي يتصل بالشياطين لابد أن يفعل الشرك.قوله: (وإذا وصف ما يكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه) هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، هل يستتاب الساحر أو لا يستتاب؟!لأهل العلم فيها قولان أصحهما: أنه لا يستتاب الساحر؛ بل يقتل دفعاً لشره وفساده.وقوله: (وإن وصف ما ليس بكفر أو تكلم بما لا يفهم نهي عنه، فإن عاد عزر، وإن قال: السحر ليس بحرام وأنا أعتقد إباحته وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه)، فوجب قتله لأنه كافر، نسأل الله السلامة والعافية.
 

الأسئلة

 شرح قاعدة: (إذا اجتمعت مفسدتان ارتكبت الصغرى لدفع الكبرى)
السؤال: ما هو شرح قاعدة: إذا اجتمعت مفسدتان تركت العظمى وآثرنا الصغرى عليها؟الجواب: القاعدة أنه إذا اجتمعت مفسدتان لا يمكن تركهما، فإنه ترتكب المفسدة الصغرى، لدفع المفسدة الكبرى، مثال ذلك: إذا فعل ولي الأمر معصية فهذه مفسدة، فإذا أراد شخص أو جماعة أن ينكروا على ولي الأمر بالخروج عليه بالقتال، فهذه مفسدة كبرى؛ لأنه ترتب عليها مفاسد أعظم من المفسدة السابقة، فعندنا مفسدتان: المفسدة الأولى: مفسدة كون ولي الأمر فعل معصية مثل شرب الخمر أو ظلم أحد أو قتل أحد بغير حق، والمفسدة الثانية: الخروج على ولي الأمر، فإذا خرج عليه فإنه سيقاتلهم بجيشه، فيصير المسلمون حزبين، فتراق الدماء، وتفسد أحوال الناس ويختل الأمن، وتدهور سبل المعيشة كالتجارة والزراعة والاقتصاد والدراسة، ويتدخل الأعداء ويتربصون بهم الدوائر وتذهب ريح الدولة، وتأتي فتن لا أول لها ولا آخر تقضي على الأخضر واليابس.فنصبر على المعصية، والنصيحة لأولياء الأمور تكون مبذولة من قبل العلماء وأهل الحل والعقد، فإن قبل فالحمد لله وإلا فقد أدى الناس ما عليهم أما الخروج على ولي الأمر بالقتال فلا يجوز.ومن أمثلة ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه خرج مرة -ومعه بعض تلاميذه- فوجد قوماً من التتار يشربون الخمر، فأراد بعض تلاميذ الشيخ أن ينكر عليهم شرب الخمر، فمنعه الشيخ وقال له: إن هؤلاء اشتغلوا عن قتل المسلمين بشرب الخمر، فلو أنكرت عليهم لتفرغوا لقتل المسلمين، فكونهم يشربون الخمر مفسدة، وكونهم يقطعون رقاب المسلمين مفسدة أعظم، فأي المفسدتين نرتكب؟! ولهذا قال الشيخ: اتركهم يشربون الخمر؛ حتى يشتغلوا بشرب الخمر عن قتل المسلمين، فلا ينكر المنكر إذا كان يترتب عليه منكر أشد منه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [13] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net