اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب السنة للبربهاري [10] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


شرح كتاب السنة للبربهاري [10] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
الشهادتان مفتاح الإسلام، والمسلم يعبد الله بالمحبة والخوف والرجاء، ويؤمن بجميع شرائع الإسلام، ولا يصغي إلى شبهات أهل الكلام.
خطر علم الكلام على الناس في أديانهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واعلم رحمك الله أنه ما كانت زندقة قط ولا كفر ولا شك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام والجدال والمراء والخصومة، والعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله تعالى يقول: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر:4]، فعليك بالتسليم والرضا بالآثار وأهل الآثار، والكف والسكوت ].الزندقة معناها: النفاق، والزنديق هو المنافق، وهي كلمة فارسية، والزنديق هو من يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقد كان يقال له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: منافق، كـعبد الله بن أبي وأصحابه، فقد كانوا يظهرون الإيمان والإسلام، ويصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويجاهدون معه وهم في الباطن مكذبون، فهم في الدرك الأسفل من النار، قال الله تعالى فيهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145].ويطلق الزنديق على المتحلل من الدين، وأصلها كلمة فارسية ثم عربت، وفي زمننا هذا يسمى المنافق علمانياً، فالعلماني هو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فتجده يتستر باسم الإسلام وهو ينشر الإلحاد والزندقة، وينشر الفساد بين المسلمين.قوله: (واعلم رحمك الله أنه ما كانت زندقة) يعني: نفاق (ولا كفر) أي: الكفر المعلن، فالكافر الذي أعلن كفره يقال له: كافر، والذي أخفى كفره يسمى زنديقاً أو منافقاً، (ولا شك) يعني: لا شك في الدين، أو لا شك في ما هو معلوم من الدين بالضرورة (ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام) أي: بسبب أهل الكلام كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فقد تكلموا في الصفات وفي الأفعال بالباطل فنشأ من ذلك الكفر والزندقة والنفاق والشك والحيرة.إذاً: فينبغي للإنسان أن يحذر من الكلام؛ لأن الكلام وأهل الكلام هم الذين تكلموا في الأسماء والصفات بغير بصيرة فنشأ من كلامهم الزندقة والكفر والشك والبدعة والضلال والحيرة في الدين.وأصحاب الكلام هم أصحاب الجدال والمراء والخصومة في الصفات، وفي القدر وفي مسمى الإيمان، وهكذا حصلت الحيرة والنفاق والزندقة والجدال والمراء والخصومة بسببت هذا النفاق، فسببت الزندقة والحيرة والشك والبدعة والضلالة.يقول المؤلف: (والعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله تعالى قد ذم المجادلين: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر:4]، فعليك بالتسليم والرضا بالآثار وأهل الآثار والكف والسكوت)، أي: عليك أيها المسلم! التسليم لأمر الله وأمر رسوله، فإذا جاءك حديث فقل: سلمت ورضيت وقبلت، وكف واسكت عن الخوض والجدال في الدين بغير بصيرة، وعليك بالتسليم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم والرضا بالآثار.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والإيمان بأن الله تبارك وتعالى يعذب الخلق في النار في الأغلال والأنكال والسلاسل، والنار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم، وذلك أن الجهمية -منهم هشام الفوطي - قال: إنما يعذب الله عند النار، ردّ على الله وعلى رسوله ].يجب على المؤمن أن يؤمن بهذا: أن الله يعذب الخلق في النار في الأغلال والأنكال والسلاسل، وقد أخبر الله تعالى أن النار تغمرهم، وأن النار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم، قال الله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41] أي: وطاء وغطاء، فهم يفترشون النار ويتخذونها غطاء، وقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36]، وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:56]، وقال تعالى:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:69-72]، نسأل الله السلامة والعافية، فلابد من الإيمان بهذا.قال المؤلف رحمه الله رداً على هشام الفوطي وهو ابن عمرو من أصحاب أبي هذيل العلاف شيخ المعتزلة في القرن الثالث الهجري، يقول هشام الفوطي : إنما يعذب الله عند النار، رد على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، يعني: أن الله يعذب عند النار لا بالنار، وهذا يشبه مذهب الأشاعرة الذين ينكرون الأسباب، ويقولون: السكين لا تقطع وإنما أوجد الله القطع عند إجراء السكين لا بالسكين، وهذا نفي للأسباب، فالأشاعرة يقولون: ليس هناك أسباب ولا غرائز ولا طباع، فالله هو الذي يفعل، فالسكين مثلاً ليس لها تأثير عندهم، فإذا قيل لهم: إن السكين تقطع، قالوا: لا، السكين لا تقطع، وإنما يوجد الله تعالى القطع عند إمرار السكين، فالقطع يحصل عند السكين لا بالسكين، وإذا قيل لهم: النار تحرق، قالوا: لا، النار لا تحرق، بل الله يوجد الإحراق عند النار لا بالنار، وإذا قيل لهم: الأكل يشبع، قالوا: لا، الأكل لا يشبع، ولكن الله يوجد الشبع عند الأكل لا بالأكل، وإذا قيل لهم: الماء يروي، قالوا: الماء لا يروي، لكن الله يوجد الري عند الشرب لا بالشرب، وقصدهم من هذا إنكار الأسباب والغرائز والطبائع؛ حتى لا يكون هناك مؤثر إلا الله.والقرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب والغرائز قال: وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ [الأنعام:99] فهذا سبب، وقوله: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ [الإسراء:59] فهذه علة، وقوله: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:32]، وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل:79]، لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4]، لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [الأنعام:126] وهكذا فالنصوص من الكتاب والسنة كثيرة في بيان الأسباب والطبائع والغرائز، فـهشام الفوطي يقول: إنما يعذب الله عند النار، يعني: لا بالنار، ردّ على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وقوله هذا باطل، وقد بين المؤلف بطلان قوله.
 

الالتزام بالصلوات وأوقاتها بدون زيادة ولا نقصان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن صلاة الفريضة خمس صلوات لا يزاد فيهن ولا ينقص في مواقيتها، وفي السفر ركعتان إلا المغرب، فمن قال: أكثر من خمس فقد ابتدع، ومن قال: أقل من خمس فقد ابتدع، لا يقبل الله شيئاً منها إلا لوقتها إلا أن يكون نسياناً فإنه معذور يأتي بها إذا ذكرها، أو يكون مسافراً فيجمع بين الصلاتين إن شاء ].قوله: (واعلم أن صلاة الفريضة خمس صلوات لا يزاد فيهن ولا ينقص في مواقيتها) كما في الحديث: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد)، وفي قصة الرجل الذي جاء وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما أوجب الله عليه فقال له: (خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع).قوله: (وفي السفر ركعتان) يعني: أن الرباعية تقصر إلى ركعتين؛ لقول عائشة : (فرضت صلاة الحضر أربع ركعات، وصلاة السفر ركعتين)، فالرباعية تقصر في السفر وهي: الظهر والعصر والعشاء، وأما المغرب والفجر فلا تقصران.قوله: (فمن قال: أكثر من خمس فقد ابتدع ومن قال: أقل من خمس فقد ابتدع) أي: من قال: إن الله أوجب أكثر من خمس صلوات فقد ابتدع بدعة مكفرة؛ لأنه زاد في الدين، ومن قال: إن الله لم يفرض إلا أربع صلوات في اليوم والليلة فقد كفر أيضاً، فالبدعة قد تكون مكفرة وقد تكون غير مكفرة.وقوله: (فمن قال: أكثر فقد ابتدع) المقصود بذلك الخمس الفرائض، ولا يعترض على ذلك بأن الإمام أبا حنيفة يرى أن الوتر واجب؛ لأنه ليس من الصلوات الخمس.قوله: (لا يقبل الله منها شيئاً إلا لوقتها) مثل الذي يجمع الظهر والعصر أو المغرب والعشاء من غير عذر فإنه يكون قد صلاها في غير وقت، إلا أن يكون نسياناً فإنه معذور، وعليه أن يأتي بها إذا ذكرها، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)، أو يكون مسافراً فيجمع بين الصلاتين إن شاء، فقد أباح الله للمسافر وكذلك للمريض الجمع بين الصلاتين.
 

جواز أن يخرج الرجل زكاة ماله بنفسه أو أن يدفعها للسلطان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والزكاة من الذهب والفضة والتمر والحبوب والدواب على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قسمها فجائر، وإن أعطاها الإمام فجائز ].نصاب الذهب عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الثمر والحبوب خمسة أوسق، ولا زكاة فيما دون ذلك، جاء في الحديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)، والأنعام فيها زكاة، فالإبل إذا كانت سائمة ترعى وبلغت النصاب ففيها خمس من الإبل، والبقر نصابها ثلاثون، والغنم نصابها أربعون.فالزكاة من الذهب والفضة والثمر والحبوب والدواب على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قسمها بنفسه فهو جائز، وإذا طلبها الإمام ودفعها إليه برئت ذمته.
 

الشهادتان مفتاح الإسلام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن أول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما قال الله كما قال، ولا خلف لما قال، وهو عند ما قال ].قوله: (واعلم) أي: تيقن أن أول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة هي أصل الدين وأساس الملة، فلابد أن ينطق الشهادتين بلبسانه، ويعتقد معناهما بقلبه، ويعمل بمقتضاهما بجوارحه، وهذا هو الإسلام.فالإسلام أن تنطق بالشهادتين بلسانك، وتصدق بمعناهما بقلبك، وتقر وتعترف وتعمل بمقتضاهما بجوارحك، فإذا نطقت بالشهادتين وأقررت وصدقت وعملت بمقتضاهما، فأديت الأوامر، وتركت النواهي، فهذا هو الإسلام.قوله: (وأن ما قال الله كما قال ولا خلف لما قال وهو عند ما قال) يعني: يجب على المسلم أن يعلم أن ما قاله الله فهو كما قال، فلا يحرف كلام الله، ولا ينبغي لأحدٍ أن يخلف ما قال الله، ويحتمل أن المعنى: أن الله لا يُخلف وعده، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ [الروم:6]، ولكن الوعيد للعصاة قد يخلفه الله تعالى فيعفو عن العاصي، فالوعيد للعاصي فيه تفصيل: فقد ينفذه الله وقد لا ينفذه، والوعد للمؤمن لا بد أن يحصل.
 

الإيمان بشرائع الإسلام كلها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والإيمان بالشرائع كلها ].يجب على المسلم أن يؤمن بالشرائع كلها، سواء كانت مما أنزلها الله على نبيه في الحدود والقصاص والمعاملات، أو الشرائع التي أنزلها على أنبيائه السابقين، وهذه يؤمن بها إجمالاً.فيؤمن بشريعة الله في الحدود والقصاص وفي المعاملات كالبيع والشراء والصلح والإجارة والمساقاة والمزارعة والنكاح والخلع والطلاق.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن الشراء والبيع ما بيع في أسواق المسلمين حلال ما بيع على حكم الكتاب والإسلام والسنة من غير أن يدخله تغيير أو ظلم أو جور أو غدر، أو خلاف للقرآن، أو خلاف للعلم ].قوله: (واعلم) أي: تيقن، فالعلم هو اليقين، والأصل أن البيع والشراء حلال إلا إذا اختل شرط من شروط البيع كأن يجهل المبيع، أو يغش، أو يخفي عيب السلعة، أو يرابي، وإلا فالأصل فيما بيع في أسواق المسلمين أنه حلال، فلا تشك وتقول: أخشى أن يكون حراماً، وأخشى أن تكون هذه السعلة التي اشتريتها مسروقة، وأخشى أن فيها كذا، فالأصل الحل، والحمد لله.والأصل أن ما بيع في أسواق المسلمين فهو حلال إذا لم يدخله تغيير ولا ظلم ولا جور ولا غدر، وكذلك بشرط ألا يخالف القرآن، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، ولا يكتم عيوب السلعة، فحرام عليه أن يخفي العيب، بل لا بد أن يخبره بالعيب الذي يعلمه، فقوله: (خلاف للعلم)، أي: ما تعلمه من العيب فلا تخفيه، فالسلعة التي فيها عيب وأنت تعلمه فلابد أن تبينه، قال عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).
 

الخوف والشفقة من سوء الخاتمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واعلم رحمك الله أنه ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة أبداً ما صحب الدنيا؛ لأنه لا يدري علام يموت، وبم يختم له، وعلام يلقى الله عز وجل، وإن عمل كل عمل من الخير ].قوله: (واعلم) أي: تيقن، وقوله: (رحمك الله) سؤال الرحمة من الله تعالى للمتعلم.وقوله: (أنه ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة أبداً ما صحب الدنيا) أي: أن يصحبه الخوف من أن تحيط به ذنوبه، والخوف من سوء الخاتمة، فعلى الإنسان أن يرجو ما عند الله لكن عليه أن يغلب جانب الخوف؛ حتى يحمله على أداء الفرائض وترك المحارم.فإذا كان الإنسان خائفاً فإن هذا الخوف يحدوه ويحثه على أداء الفرائض وترك المحارم، فعلى العبد دائماً أن يكون بين الرجاء والخوف، لكنه يغلب جانب الخوف في حال الصحة، قال بعض العلماء: الخوف والرجاء للعبد كجناحي الطائر، فالطائر إذا استقام جناحاه استقام طيرانه، وإذا تلف الجناحان صار في عداد الموتى، فكذلك الإنسان يعبد الله بين الخوف والرجاء، فيخاف خوفاً لا يوصله إلا التشاؤم وسوء الظن بالله، ويرجو ما عند الله رجاءً لا يجعله يستغرق في المعاصي.فالعبد تصحبه الشفقة والخوف أبداً ما صحب الدنيا؛ لأنه لا يدري علام يموت عليه، فيحمله خوفه على أداء الفرائض وترك المحارم، وإن عمل كل الخير فلابد له من الخوف والرجاء.
 

الرجاء فيما عند الله وحسن الظن به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وينبغي للرجل المسرف على نفسه ألا يقطع رجاءه من الله تعالى عند الموت، ويحسن ظنه بالله تبارك وتعالى، ويخاف ذنوبه، فإن رحمه الله فبفضل، وإن عذبه فبذنب ].الفقرة السابقة في الشفقة والخوف وهي قوله: (ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة والخوف)، وهذه الفقرة في الرجاء، إذاً فلابد من الأمرين: الخوف والرجاء، قال تعالى عن المتقين: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16] أي: يعبدون الله بالخوف والرجاء، وهذا حال المؤمن أنه يعبد الله بالحب والخوف والرجاء.وهذه هي أركان العبادة: المحبة والخوف والرجاء، وهذه الأركان موجودة في سورة الفاتحة، فقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] هذه المحبة، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] هذا الرجاء، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] هذا الخوف، فينبغي للرجل المسرف على نفسه ألا يقطع رجاءه من الله عند الموت، وليحسن ظنه بالله، وليخف من ذنوبه، قال في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا هو يحسن الظن بالله عز وجل)، فهو يخاف ويرجو، فيخاف خوفاً لا يصل به إلى سوء الظن؛ لأنه يرجو، ويرجو رجاءً لا يجعله يتمادى في المعاصي؛ لأنه يخاف، فإن رحمه الله فبفضل، وإن عذبه فبذنب.
 

إطلاع النبي على ما سيكون في أمته إلى يوم القيامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والإيمان بأن الله تبارك وتعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على ما يكون في أمته إلى يوم القيامة ].أي: أن الله أخبر نبيه بما يكون في أمته في آخر الزمان، فأخبره بأشراط الساعة، وأخبره بانتشار الإسلام، (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز أو بذل ذليل).وقال عليه الصلاة والسلام: (والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه).وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنه سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها).ولما وقت المواقيت عليه الصلاة والسلام في الحج وقت لأهل الشام والمغرب الجحفة، ووقت لأهل اليمن يلملم، ووقت لأهل العراق ذات عرق، مع أن العراق في ذلك الوقت لم تفتح بعد، وهذا من علامات النبوة، ففيه دليل على أنهم سيسلمون ويحجون ويعتمرون من هذا الميقات، وهذا مما أطلع الله عليه نبيه مما سيكون في أمته إلى يوم القيامة.وأما القول: بأن النبي يعلم أعمال أمته، وأن أعمال أمته تعرض عليه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ماذا عمل كل شخص؛ فهذا جاء في حديث ضعيف لا يصح.
 

ما حصل في هذه الأمة من الفتن والافتراق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب ، وهكذا كان في زمن عثمان ، فلما قتل عثمان رضي الله عنه جاء الاختلاف والبدع، وصار الناس أحزاباً وصاروا فرقاً، فمن الناس من ثبت على الحق عند أول التغيير وقال به وعمل به ودعا الناس إليه، فكان الأمر مستقيماً حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان انقلب الزمان، وتغير الناس جداً، وفشت البدع، وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحن في كل شيء لم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ودعوا إلى الفرقة -ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة- وكفر بعضهم بعضاً، وكل داعٍ إلى رأيه وإلى تكفير من خالفه، فضل الجهال والرعاع ومن لا علم له، وأطمعوا الناس في شيء من أمر الدنيا، وخوفوهم من عقاب الدنيا، فاتبعهم الخلق على خوف في دنياهم ورغبة في دنياهم، فصارت السنة وأهلها مكتومين، وظهرت البدع وفشت، وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى، ووضعوا القياس، وحملوا قدرة الرب وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم، فما وافق عقولهم قبلوه، وما لم يوافق ردوه، فصار الإسلام غريباً، والسنة غريبة، وأهل السنة غرباء في جوف ديارهم ].هذا فيه بيان الاختلاف الذي حصل في الأمة، يقول المؤلف رحمه الله: (واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهذا الحديث حديث حسن أخرجه الترمذي في الإيمان والآجري في الشريعة والحاكم وغيرهم.ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، وفي لفظ: (وهي الجماعة)، وفي لفظ: (قيل: من هي يا رسول الله؟! قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فهذه الفرق كلها من الفرق المبتدعة متوعدة بالنار إلا واحدة وهي الجماعة، وهم أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية، وهم أهل الحق، وقد أخرج العلماء الجهميةَ والقدريةَ الأولى والرافضة من الثنتين والسبعين فرقة؛ لكفرهم وضلالهم.قوله: (وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب ) أي: كلهم كانوا على الحق مستقيمين.(وهكذا كان في زمن عثمان ، فلما قتل جاء الاختلاف والبدع، وصار الناس أحزاباً وصاروا فرقاً) والذي أثارها هو عبد الله بن سبأ اليهودي الحميري ، وأشاع أن أهل البيت مظلومين، وأن علياً أحق بالخلافة، وجعل يثير هذا في الشام وفي مصر وفي الكوفة، فتبعه السفهاء وصاروا ينشرون مساوئ عثمان رضي الله عنه بين الناس، وصاروا يقولون: عثمان فعل كذا وخفض صوته بالتكبير، وعثمان أتم الصلاة في السفر، وعثمان أخذ الزكاة على الخيل وخالف ما كان عليه الشيخان أبو بكر وعمر وهكذا، فتبعه كثير من الشباب السفهاء، فجاءوا وأحاطوا ببيته وقتلوه.إذاً فنشر الناس مساوئ الحاكم وولي الأمر صار سبباً في الفرقة، فصار الناس أحزاباً وفرقاً، فظهرت الخوارج والشيعة، وصار الناس فرقاً وأحزاباً: شيعة وخوارج وقدرية.(فمن الناس من ثبت على الحق) وهم أهل السنة والجماعة، الصحابة ومن تبعهم.(فكان الأمر مستقيماً حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان) لم يذكر هذه الخلافة، فتحتمل أنها خلافة بني العباس أو بني أمية، فهناك اختلاف في بني أمية أيضاً، فقوله: (الطبقة الرابعة) إن كان المراد به القرون المفضلة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون).(في خلافة بني فلان انقلب الزمان، وتغير الناس جداً، وفشت البدع، وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحن في كل شيء لم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ودعوا إلى الفرقة ونهى رسول صلى الله عليه وسلم عن الفرقة) والاختلاف، وقد أمر الله تعالى بالاجتماع فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا [آل عمران:105]، وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:4]، (وكفر بعضهم بعضاً، وكل داع إلى رأيه وإلى تكفير من خالفه، فضل الجهال والرعاع ومن لا علم له، وأطمعوا الناس في شيء من أمر الدنيا وخوفوهم عقاب الدنيا، فاتبعهم الخلق على خوف في دنياهم ورغبة في دنياهم، فصارت السنة وأهلها مكتومين، وظهرت البدع وفشت، وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى، ووضعوا القياس) يعني: الآراء في مقابلة النصوص، (وحملوا قدرة الرب وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم) يعني: فسروا النصوص بآرائهم، فما وافق عقولهم قبلوه وما لم يوافق عقولهم ردوه.وهذا لما انتشرت البدع والخوارج، وكان أصلها في أوائل المائة الثانية وقد ظهرت في أواخر عهد الصحابة، وكذلك ظهرت القدرية والشيعة، بل بعد قتل عثمان رضي الله عنه ظهرت الخوارج والشيعة، وفي أواخر عهد الصحابة ظهرت القدرية، ثم في أوائل المائة الثالثة ظهرت الجهمية والمعتزلة.(فصار الإسلام غريباً والسنة غريبة وأهل السنة غرباء في جوف ديارهم)، والمقصود من كلام المؤلف رحمه الله هذا التحذير من البدع والاختلاف في الدين، وأن على المسلم أن يحذر البدع، وأن يلزم السنة والجماعة، فالبدع بريد الكفر، فهي توصل إلى الكفر، والبدعة أحب إلى الشيطان من الكبيرة؛ فإن صاحب الكبيرة كالزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي يعلم أنه عاصٍ على باطل لذلك فقد يفكر في التوبة، وأما المبتدع فيظن أنه على حق.
 

الأسئلة

 كفر من استحل شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة
السؤال: إن من المعروف في زماننا وجود من يمنع الحجاب، ويستحل الدعارات, ويحارب السنة ويعذب أهلها, ويحكم بغير شرع الله، فهل هؤلاء فساق أم كفار؟الجواب: هذه علامات الكفر، فإذا استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة فهو كافر, وأما إذا فعلها طاعة للهوى والشيطان فيكون عاصياً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب السنة للبربهاري [10] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net