اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب السنة للبربهاري [7] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


شرح كتاب السنة للبربهاري [7] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
أهل السنة لا يشهدون بكمال الإيمان لأحد حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، ويصلون على المسلم وإن مات محدوداً في زنا ونحوه، ويعملون بالنصوص ولا يخالفونها.
عدم جواز الشهادة لأحد بكمال الإيمان إلا بشروط
قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى، تام الإيمان أو ناقص الإيمان، إلا ما أظهر لك من تضييع شرائع الإسلام ].يعني: لا نشهد لشخص بأنه مؤمن إيماناً حقيقياً حتى يوحد الله ويؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم، فيقال له: مؤمن حقاً، ومؤمن كامل الإيمان، أما إذا قصر في شيء من ذلك بأن فعل المحرمات وترك الواجبات فإنها تنتفي عنه حقيقة الإيمان؛ لأنه ناقص الإيمان حتى يتوب، فيقال في المطيع الذي يؤدي الفرائض وينتهي عن النواهي: مؤمن كامل الإيمان أو يقال له: مؤمن حقاً، والعاصي لا يعطى حقيقة الإيمان فلا يقال: إنه مؤمن حقاً، فليس بصادق الإيمان، فإذا أثبت الإيمان فيقال: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي لا تقل: ليس بمؤمن وتسكت؛ لأنك إذا قلت ليس بمؤمن وافقت الخوارج والمعتزلة، وإذا قلت مؤمن وافقت المرجئة فلا بد من القيد فتقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن ضعيف الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي تقول: ليس بصادق الإيمان، أو ليس بمؤمن حقاً، هذا معنى قول المؤلف: (ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان) يعني: لا نقول إنه مؤمن حقاً حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام فإن قصر كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى تام الإيمان أو ناقص الإيمان، يعني: الله تعالى أعلم بالشخص هل هو تام الإيمان أو ناقص الإيمان إلا ما ظهر لك من تضييع شرائع الإسلام، فإذا ظهر لك أنه ضيع شرائع الإسلام وترك بعض الواجبات عرفت أنه ناقص الإيمان.
 

جواز الصلاة على من مات من المسلمين العصاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة: المرجوم، والزاني، والزانية، والذي يقتل نفسه وغيره من أهل القبلة، والسكران وغيره ].كل من مات من أهل القبلة أي: كل من يستقبل القبلة في الصلاة والذكر والذبح ويلتزم بشرائع الإسلام فيشرع أن يصلى عليه وإن كان من العصاة مثل: المرجوم، والزاني، والزانية، والذي يقتل نفسه، والسكران وغيرهم من أهل القبلة فهذا ما ذهب إليه المؤلف وهو قول لبعض العلماء.وقال بعض العلماء: إن المرجوم لا يصلى عليه، والزاني والذي يقتل نفسه لا يصلي عليه الأعيان والوجهاء كالعلماء وغيرهم تنفيراً وزجراً للأحياء حتى لا يفعلوا مثل فعلهم، ولكن يصلي عليهم بقية الناس لما جاء في بعض الأحاديث والتي تنص على أن بعض العصاة لا يصلى عليه كالقاتل ومن قتل نفسه، فلا يصلي عليه الوجهاء والأعيان والعلماء، فإذا رأى الحي أن القاتل لا يصلى عليه خاف أن يكون حاله مثله وألا يصلى عليه إذا مات، فيكون زجراً للأحياء، ويصلي عليه بقية الناس، والمؤلف يرى جواز أن يصلى على الجميع ولا فرق، فقال: (الصلاة على من مات من أهل القبلة سنة ).
 

ذكر نواقض الإسلام
قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل، أو يرد شيئاً من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة ].يقول: لا نخرج أحداً من الإسلام إلا إذا فعل مكفراً، كأن يرد آية من كتاب الله عز وجل أو يجحد آية من آيات الله، كأن يرد آية الاستواء وهي قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، لا متأولاً بل جاحداً، وهناك فرق بين المتأول والجاحد، فالمتأول يقول: (استوى) بمعنى: استولى وهذا عاص مبتدع؛ لأنه يعتقد أنها آية، ولا ينكرها ولكنه يؤولها. أما الجاحد فهو ينكر ويعتقد أنها ليست آية، والجاحد يكفر بينما المتأول لا يكفر؛ ولهذا قال المؤلف: (لا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله، أو يرد شيئاً من آثار رسوله صلى الله عليه وسلم)، كأن يرد حديثاً ثابتاً من الأحاديث المتواترة بعد علمه أنه حديث ثابت متواتر.(أو يذبح لغير الله) إن ذبح لغير الله صار مشركاً كافراً. (أو يصلي لغير الله) إذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام إذا رأيت أحداً يدعو غير الله يقول: يا رسول الله اشفع لي، أو يقول: مدد يا بدوي ! مدد يا دسوقي ! مدد يا عبد القادر ! خذ بيدي، أو يذبح أو عجلاً أو دجاجة للبدوي أو للحسين ، أو للرسول أو للنجم أو للقمر، أو ينذر إن شفا الله مريضه ليذبحن خروفاً على روح السيد البدوي ، أو على روح الرسول أو يطوف في القبر تقرباً إليه فهذا كافر مشرك، وإذا صلى لغير الله فهو مشرك. إذا فعل الإنسان شيئاً من ذلك وجب عليك أن تخرجه من الإسلام أي: تعتقد جازماً أنه كافر؛ لأنه من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت، والتوحيد لا بد له من شيئين:كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256]، ومن لم يكفر الكافر لم يكفر بالطاغوت، وكلمة التوحيد: لا إله إلا الله فيها كفر وإيمان، لا إله: كفر بالطاغوت، إلا الله: إيمان بالله، ومن لم يكفر الكفار والمشركين ويقول: إن النصارى على الحق، ويقول: اليهود على دين، والنصارى على دين، والمسلمين على دين وكل هذه الأديان نزلت من السماء فقد وقع في الكفر، ومن لم يكفره أو شك في كفره فهو كافر مثله، ومن لم يكفر اليهود أو النصارى أو شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت، فإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم، يعني: نسميه مسلماً وتجري عليه أحكام الإسلام.(لا بالحقيقة) فلا يكون مؤمناً حقاً إلا إذا أدى الفرائض وانتهى عن المحرمات، وإذا كان موحداً لله يؤدي الصلوات والواجبات ويترك المحرمات؛ ولكنه يترك بعض الفرائض أو يقصر فيها أو يفعل بعض المحرمات فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان وليس مسلماً حقاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ وكل ما سمعت من الآثار مما لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل)، وقوله: (إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا) (وينزل يوم عرفة) (وينزل يوم القيامة) (وجهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه)، وقول الله تعالى للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك) وقوله: (إن الله تبارك وتعالى ينزل يوم عرفة)، وقوله: (إن الله خلق آدم على صورته) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي في أحسن صورة)، وأشباه هذه الأحاديث؛ فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا، لا تفسر شيئاً من هذه بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه أو رده فهو جهمي ].يقول المؤلف رحمه الله: (وكل ما سمعت من الآثار -يعني: من الأحاديث- مما لم يبلغه عقلك فعليك بالتسليم والتصديق) فإذا سمعت شيئاً من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنت لا تعرف معناه فقل آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وتسلم فتقول: سلمت وصدقت وآمنت، وأما الكيفية فأفوضها إلى الله ولا تفسرها بهواك، فإن الإيمان بها واجب، ومن فسر شيئاً بهواه أو رده فهو جهمي.وإذا بلغك شيء من الأحاديث وأنت لا تعرف معناه، فعليك أن تسلم بما جاء وتصدق وترضى، وتقول: آمنت وصدقت ورضيت، وأما كيفيتها فأفوضها إلى الله (ولا تفسر شيئاً منها بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب ومن فسر شيئاً منها بهواه أو رده فهو جهمي) ومثل المؤلف رحمه الله لهذه الأحاديث بمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)، إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه، فقل: آمنت بالله وتثبت الأصابع لله بنص الحديث السابق على الوجه اللائق به والله أعلم بالكيفية.وقوله: (بين أصبعين) فلا يلزم من البينية المماسة فالسحاب قال الله عز وجل فيه: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [البقرة:164]، إذاً السحاب بين السماء والأرض، والسحاب ليس ملاصقاً للسماء وليس ملاصقاً للأرض، ولا يلزم منها المماسة.وقوله عليه الصلاة والسلام (إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) فنؤمن من خلال هذا الحديث بأن الله ينزل، ولكن الله أعلم بكيفية النزول كما قال الإمام مالك لما سئل في الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.فنعتقد أن الله ينزل ولا نعلم كيف ينزل، فهو ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته ليس مثل نزول المخلوق، ومن اعتقد أن الله يكون بين طبقتين، وأن السماء تكون فوقه والأرض تحته فقد شبه الله بخلقه، والله تعالى لا يكون فوقه أحد من خلقه فهو فوق المخلوقات سبحانه وتعالى، وسقف المخلوقات ونهايتها عرش الرحمن والله تعالى فوق العرش. وكذلك قوله: (ينزل يوم عرفة إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف ملائكته، يقول: يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً، من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم) وينزل يوم القيامة كذلك. وفي حديث جهنم قال عليه الصلاة والسلام: (لا يزال يطرح فيها) وجاء في لفظ الحديث: (لا يزال يلقى فيها)، والمؤلف روى الحديث بالمعنى ولفظ الحديث: (لا تزال جهنم يلقى فيها من أهلها، وتقول: هل من مزيد .. هل من مزيد، حتى يضع فيها رب العزة قدمه- وفي لفظ: رجله- فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: حسبي، حسبي) أي: يكفيني يكفيني، وهذا فيه إثبات القدم لله كما يليق بجلاله وعظمته، وإثبات الرجل لله عز وجل.وقول الله تعالى للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك) وهذا الحديث رواه المؤلف بالمعنى، وهو قوله عليه الصلاة والسلام (إن الله لا يمل حتى تملوا، ومن أتى إلي يمشي أتيته هرولة)، وهذا كما يليق بجلال الله وعظمته، ومن آثار هذه الصفة أن الله لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل.وقوله عليه الصلاة والسلام: (خلق الله آدم على صورته، طوله في السماء ستون ذراعاً) أي: طول آدم، وهذا فيه إثبات الصورة لله عز وجل، فقوله: (خلق الله آدم على صورته) الضمير يعود إلى الله، لما جاء في الحديث الآخر: (خلق الله آدم على صورة الرحمن).وقال بعض الجهمية: إن الضمير يعود إلى آدم، ولهذا لما سأل عبد الله بن الإمام أحمد قال: قلت لأبي: خلق الله آدم على صورة آدم، قال: هذا قول الجهمية.وقيل: إن الضمير يعود إلى المضروب وهو الوجه فقد جاء في الحديث: قال: (لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) وهذه أقوال باطلة، والصواب أن الضمير يعود إلى الله، وهذا فيه إثبات الصورة لله عز وجل كما يليق بجلاله وعظمته.وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي في أحسن صورة)، وهذا ثابت، وقد جاء هذا الحديث في رؤيا النوم، ورؤيا الأنبياء وحي، قال عليه الصلاة والسلام: (رأيت ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، في أي شيء يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب! فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فعلمت، فقلت: يختصم في نقل الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ..) إلى آخر الحديث.يقول المؤلف: (وأشباه هذه الأحاديث عليك بالتسليم والتصديق والتفويض) والمقصود بالتفويض أن تفوض علم الكيفية ولا تفسر شيئاً منها بهواك، أما المعنى فهو معروف ولا نفوضه، ومن فسر شيئاً من الكيفية أو رده فهو جهمي.
 

كفر من زعم رؤية الله في الدنيا
قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله عز وجل ].وهذا ما يقوله بعض الصوفية، فبعضهم يزعمون أنهم يرون ربهم، وقالوا: إن كل شيء أخضر قد يكون الله منه، وقال بعض المشبهة -قاتلهم الله- وأكثرهم من غلاة الشيعة: إن الله يرى في الدنيا، وإنه ينزل عشية عرفة على جمل، وإنه يعانق، ويصافح ويسامر، وهذا كله كفر وضلال.ويقولون كذلك: إن الله على صورة الإنسان، وقال بعضهم: يبكي ويحزن ويندم، كما قالت اليهود قبحهم الله وهذا قول المشبهة من غلاة الشيعة كالبيانية الذين ينتسبون إلى بيان بن سمعان التميمي ، والسالمية الذين ينتسبون إلى هشام بن سالم الجواليقي ، وداود الجواربي وهؤلاء كفرة، فالله تعالى فوق العرش: وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، وفي الحديث: (إن الله يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء على أصبع، والجبال على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن بيده فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) وهؤلاء الملاحدة يقولون: إنه ينزل عشية عرفة على جمل ويحاضر ويسامر ويصافح قبحهم الله.ولهذا قال المؤلف: (ومن زعم أنه يرى ربه في الدنيا فهو كافر) واتفق العلماء على أنه لا يراه أحد في الدنيا، ولا يمكن لأحد أن يرى الله في الدنيا سواء كان من الملائكة أو من غيرهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فلا يحتمل أحد رؤيته، فقد احتجب الله عن خلقه بحجب، وقد جاء في بعض الآثار: أنها حجب من نار وظلمات وثلوج، والله أعلم بها.ولما طلب موسى أن يرى ربه في الدنيا قال الله: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف:143] وهو صخر أصم ولكنه تدكدك ولم يصمد لرؤية الله، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف:143] أي: غشي عليه فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143] فلا يراك أحد في الدنيا إلا مات، لكن في يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يتحملون فيها رؤية الله؛ ولأنها رؤية نعيم خاص بأهل الجنة.واتفق العلماء على أن الله لا يراه أحد في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم لربه، واختلفوا هل رآه ليلة المعراج في السماء، على قولين: قيل: إنه رأى ربه، وقيل: إنه لم يره، والصواب أنه لم يره، وقال بعضهم: إنه رآه بعين قلبه، والصواب أنه لم ير ربه في الدنيا؛ لقول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51]، فكلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلاة لكنه لم ير ربه، وهذا هو الصواب.
 

النهي عن التفكير في ذات الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ والفكرة في الله تبارك وتعالى بدعة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الله) فإن الفكرة في الرب تفتح الشك في القلب]. المقصود: التفكر في ذات الله، وليس في صفات الله وعظمته؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الله)، أخرجه أبو الشيخ في كتابه العظمة، من حديث ابن عباس مرفوعاً، وإسناده ضعيف ولكن له شواهد أخرى وعلى هذا فيكون بشواهده حسناً لغيره.فلا يتفكر الإنسان في ذات الله، وإنما يتفكر في صفات الله، فيتفكر في علم الله الواسع وفي عظمته وفي قدرته.
 

بيان أن المخلوقات غير البشرية مأمورة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن الهوام والسباع والدواب كلها نحو الذر والنمل والذباب، كلها مأمورة، لا يعملون شيئاً إلا بإذن الله تبارك وتعالى ]. وقال في نسخة: (لا يعلمون) الصواب: لا يعملون أي عمل ولا أي حركة إلا بإذن الله وبإرادته, أما العلم فهذا معروف أنهم لا يعلمون شيئاً إلا بإذن الله، لكن المقصود العمل، فلا يتحرك أي مخلوق حركة ولا يعمل شيئاً إلا بإذن الله، والمراد: إذن الله الكوني القدري، وكذلك العلم، فالهوام وغيرها لا يعلمون إلا ما علمهم الله.
 

كفر من أنكر شيئاً من علم الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والإيمان بأن الله تبارك وتعالى قد علم ما كان من أول الدهر، وما لم يكن، وما هو كائن أحصاه الله وعده عداً، ومن قال: إنه لا يعلم ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم ]. العلم صفة من صفات الله عز وجل فمن أنكر علم الله فهو كافر, وهو أول مراتب القدر الأربع، وهو أن تؤمن بأن الله علم ما كان في الأزل -أي: في الماضي- ويعلم ما يكون في الوقت الحاضر، ويعلم ما سيكون في المستقبل، ويعلم المستحيل -أي: يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون- قال الله تعالى عن الكفار لما طلبوا العودة إلى الدنيا: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28] وهذا علم الله بما لم يكن لو كان كيف يكون, وقال أيضاً عن الكفار: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23], وقال الله عن المنافقين الذين لم يخرجوا في غزوة تبوك: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا [التوبة:46-47] وهم ما خرجوا ولكن علم الله ما سيكون منهم لو خرجوا, فلا بد من الإيمان بعلم الله تعالى، ومن قال إنه لا يعلم ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم؛ لأنه نسب الله للجهل.
 

بيان شروط النكاح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وصداق، قل أو كثر، ومن لم يكن له ولي فالسلطان ولي من لا ولي له ].الولي: هو ولي المرأة وهو أبوها، ثم جدها، ثم ابنها، ثم ابن ابنها، ثم أخوها الشقيق، ثم أخوها لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب، ثم الحاكم بالترتيب, ولا بد من شاهدي عدل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل، وصداق) فلا بد من أربعة أمور: ولي يعقد النكاح, وزوج يُعقد له النكاح, وشاهدين, ولا بد من صداق وهو المهر الذي يدفع للمرأة قل أو كثر. قوله: (ومن لم يكن له ولي فالسلطان ولي من لا ولي له)، فالتي ليس لها ولي تنتقل إلى السلطان، والسلطان يبعثها إلى الحاكم وهو القاضي، والقاضي يعقد النكاح للمرأة التي لا ولي لها.
 

لا تحل المطلقة ثلاثاً للأول حتى تنكح غيره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فقد حرمت عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ].إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فقد حرمت عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً آخر يدخل بها ويجامعها ثم يطلقها الثاني أو يموت عنها، فتحل للأول، لكن لو تزوجت رجلاً وطلقها قبل الدخول أو لم يدخل بها، بأن كان ممنوعاً ولم يجامعها فلا تحل للأول؛ قال الله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229], ثم قال بعد ذلك: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230] يعني: الثالثة، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230].وثبت: (أن رفاعة طلق امرأته ثم تزوجت رجلاً يقال له: ابن الزَبير ، وقالت: يا رسول الله! إنما معه مثل هدبة الثوب، -يعني عندما يجامعها- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) يعني: الجماع.فدل على أن المرأة المطلقة ثلاثاً لا تحل حتى تنكح زوجاً آخر ويجامعها ثم يطلقها أو يموت عنها، وبشرط ألا يكون محللاً, فإن اتفق مع الزوج أو مع الزوجة على أن يحلل له فهو ملعون، وهو التيس المستعار، ولا تحل للزوج الأول؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله المحلِّل والمحلَّل له) وسماه النبي صلى الله عليه وسلم التيس المستعار.إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً واتفق مع رجل آخر بأن يتزوجها ليلة ويطلقها حتى تحل له, فلا تحل له، فلا بد أن تنكح زوجاً آخر نكاح رغبة لا نكاح تحليل، ولا بد أن يجامعها ثم يطلقها أو يموت عنها, فحينئذ تحل للأول. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.
 

الأسئلة

 حكم طاعة الوالدين إذا أمرا الرجل بتطليق زوجته
السؤال: إذا أمرت الأم ابنها بطلاق امرأته فهل يطيعها؟الجواب: لا بد من التأمل ولا يلزمه طاعة الوالدين، بل يجب عليه أن ينظر: فإن كانت الزوجة مستقيمة وليس عليها ذنب فلا يلزمه طلاقها، ولكن يتلطف مع والدته ويخاطبها بالخطاب اللين وكذلك مع أبيه، ولا يلزمه طلاقها في هذه الحالة إلا إذا كانت تستحق الطلاق, كأن تكون فاجرة أو مؤذية, وبعض الأمهات والآباء عندهم تعنت وعدوان فيعتدي على الزوجة أو يكرهها حقاً فلا يلزم طاعته, لكن عليه أن يتلطف مع والده ومع والدته ويخاطبهما بالكلام الطيب، لأن الوالد له حق عظيم, ولا يلزمه طاعتهما في هذا في الطلاق.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب السنة للبربهاري [7] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net