اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح ابن خزيمة كتاب الوضوء [1] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


شرح صحيح ابن خزيمة كتاب الوضوء [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
الوضوء عبادة عظيمة، وهو وسيلة لأداء الصلاة التي هي عمود الدين، والوضوء يكفر السيئات ويرفع الدرجات، وهذه الأمة تدعى يوم القيامة ولها علامة يتميزون بها عن سائر الأمم، يدعون غراً محجلين من آثار الوضوء.
تسمية صحيح ابن خزيمة
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الحافظ رحمه الله تعالى في كتابه الصحيح قال: كتاب الوضوءمختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه صلى الله عليه وسلم من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى ].هذا هي طريقته رحمه الله؛ لأنه لم يذكر خطبة هنا، لكنه ذكر من هذا المختصر من المختصر، فهو اختصر الصحيح، فجمع أحاديث كثيرة، ثم اختصرها في أحاديث، ثم اختصر هذا المختصر، فاسمه مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وسماه المسند الصحيح أي: الحديث مسنده صحيح.وقوله: [ بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه صلى الله عليه وسلم من غير قطع في أثناء الإسناد ] أي: ليس فيه إرسال ولا انقطاع.وقوله: [ ولا جرح في ناقلي الأخبار ] أي: لا يكون الراوي لها مجروحاً.وقد ذكر المقدم محمد مصطفى الأعظمي مقدمة طويلة منها: أنه لم يرد في قائمة مؤلفاته التي سبقت ذكر لصحيح ابن خزيمة ، إذ لم يشر إليه ابن خزيمة في كتاب التوحيد، رغم مكانة هذا الكتاب بين مؤلفاته، فما هو السر؟!في الواقع أن ابن خزيمة لم يسم كتابه باسم الصحيح، كما أن ابن حبان لم يسم كتابه صحيح ابن حبان ، بل إن البخاري نفسه لم يسم كتابه بصحيح البخاري ، بل سماه الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، وسمى ابن حبان كتابه بالمسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، وكذلك سمى ابن خزيمة كتابه بمختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الكتب اشتهرت مؤخراً باسم الصحيح، ولم أجد أحداً من المتقدمين سمى كتاب ابن خزيمة باسم الصحيح، قال الخليلي في الإرشاد: وآخر من روى عنه -أي عن ابن خزيمة - بنيسابور سبطه محمد بن الفضل ، روى عنه مختصر المختصر وغيره. وقال البيهقي في السنن الكبرى: رواه محمد بن خزيمة في مختصر المختصر، وبهذا الاسم ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، فقال: وقد سمعنا مختصر المختصر له عالياً، أما الخطيب البغدادي فلم يسم لنا اسم الكتاب، ولكنه ذكر في معرض ما حقه التقديم في السماع، فقال: أحقها بالتقديم: كتاب الجامع والمسند في الصحيحين لـمحمد بن إسماعيل ، ومسلم بن الحجاج النيسابوري ، وكتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الذي يشترط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هذا كلام الخطيب البغدادي . وذكر ابن الصلاح هذا الكتاب فيمن اشترط جمع الصحيح في كتبه، وقال: ككتاب ابن خزيمة ، ولكنه في وقت متأخر نسبياً بدأ يشتهر الكتاب باسم: صحيح ابن خزيمة ، ويستعمل المنذري المتوفى سنة ست وخمسين وستمائة في كتابه الترغيب والترهيب اسم الصحيح، فيقول ورواه ابن خزيمة في صحيحه نحو هذا وكذلك في أماكن أخرى من هذا الكتاب، ويقول الدمياطي : إن كتاب صحيح ابن خزيمة لم يقع له منه إلا ربعه الأول، وقال التركماني : ولهذا أخرج أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، ويسميه الزيلعي في نصب الراية باسم: صحيح ابن خزيمة ، وبهذا الاسم ذكره ابن حجر والسيوطي وابن فهد والآخرون، لكن الكتاب الذي اشتهر على ألسنة العلماء والمحدثين باسم: صحيح ابن خزيمة ، يبدو أن مؤلفه سماه بمختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
 

رواة هذا الكتاب
لا ندري بالتحقيق من الذين رووا هذا الكتاب من مؤلفه ابن خزيمة ، ولكنه يبدو أن الكتاب قد انتشر براوية حفيده أبي طاهر محمد بن الفضل ، وهو آخر من روى عن ابن خزيمة بنيسابور ، كما مر قول الخليلي من قبل، ويمكننا أن نضيف إلى كلامه بأن حفيده ربما كان أصغر من روى عنه بنيسابور، وبما أن المحدثين أصبحوا مغرمين بالأسانيد العالية في القرن الرابع وما بعده، لذلك انتشرت رواية هذا الكتاب من طريق حفيد المؤلف دون غيره من قدماء تلاميذ ابن خزيمة . ويفهم من ثبت الشيخ عبد القادر المسمى بإتحاف الأكابر بمروريات الشيخ عبد القادر أنه يروي صحيح ابن خزيمة من طريق زاهر بن طاهر ، قال: أخبرنا بقطع منه متوالية ملفقة أبو سعيد الكنجدروذي وأبو سعد المقري ومحمد بن محمد بن عيسى الوراق وأبو المظفر القشيري وأبو القاسم الغازي بسماع الجميع للمقروء عليهم على أبي طاهر محمد بن الفضل بن الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: أخبرني جدي الحافظ أبو بكر بن خزيمة .ويروي ابن عساكر من طريق أبي القاسم الشحامي زاهر بن طاهر عن أبي سعيد عن أبي طاهر محمد بن الفضل عن جد ابن خزيمة ، أما الذهبي فقال في ترجمة ابن خزيمة في سير أعلام النبلاء: وقد سمعنا مختصر المختصر له عالياً، ثم روى من طريق زاهر المستملي قال: أنبأنا أبو سعد أحمد بن إبراهيم المقري قال: أنبأنا محمد بن الفضل بن خزيمة قال: أنبأنا جدي.وعلى هذا يمكن القول بأنه روى صحيح ابن خزيمة عن أبي طاهر محمد بن الفضل عدة أشخاص منهم: أبو سعيد الكنجدروذي ، وثانياً: أبو سعد المقري ، وثالثاً: محمد بن محمد بن عيسى الوراق ، ورابعاً: أبو المظفر القشيري ، وخامساً: أبو القاسم الغازي ، وسادساً: إسماعيل الصابوني راوي هذه النسخة ].
 

المسند الكبير لابن خزيمة
تكلم المقدم محمد الأعظمي عن المسند الكبير لـابن خزيمة وقال: رأينا أن ابن خزيمة أشار إلى كتابه الكبير في كتاب التوحيد، وكذلك ذكره مراراً بهذا المختصر أيضاً. وهنا ينشأ سؤال آخر: هل ألف ابن خزيمة المسند الكبير أولاً ثم اختصر منه هذا الصحيح، أو كان المسند الكبير في شكل المسودات؟ كان يزيد فيه أشياء ويحذف منه، ثم اختصر منه هذا المختصر؟يستعمل ابن خزيمة عادة صيغة الماضي فيقول: قد خرجت وخرجته، وما شاكل ذلك من الكلمات، وهي تشير إلى أنه كان قد أكمل المسند الكبير، لكنا نجده أحياناً قد غير أسلوبه فيقول في المختصر: قد خرجت باب المشي إلى المساجد في كتاب الإمامة، ثم يقول في صفحة مائتين واثنين وستين: وسأخرج هذه الأخبار أو بعضها في كتاب الإمامة، لكنه يعود فيقول بعد قليل في صفحة مائتين وثلاث وستين: قد خرجت طرق هذا الخبر في كتاب الإمامة، ويذكر بعد ذلك في صفحة مائتين وست وسبعين فيقول: قد بينت في كتاب الإمامة، علماً بأن كتاب الإمامة متقدم مئات الصفحات على هذه الأبواب التي وردت فيها الإشارة إلى كتاب الإمامة، بالرغم من هذا يقول مرة: قد خرجت، ويذكر مرة ثانية فيقول: سأخرج هذه الأخبار.والآن يمكننا أن نلخص فنقول: أولاً: إن هذا الكتاب مختصر من مسنده الكبير. أي مختصر من المختصر.ثانياً: إن المسند الكبير لم يكن قد تم تأليفه، بل كان يضيف إليه الأشياء حسبما يتراءى له، وربما أضاف أشياء إلى المختصر لم يضفها إلى المسند الكبير ].هذا كلام مقدم الكتاب: محمد الأعظمي ، والحقيقة أن المؤلف رحمه الله ما أضاف أشياء إلى المختصر لم يضفها إلى المسند الكبير، وإنما اختصر من المسند الكبير: المختصر، ثم اختصر المختصر، ولم يشر إلى أنه اختصر المسند الكبير من المختصر.فالمقدم جعل هذا الكتاب هو مختصر، وظاهره أن المسند الكبير مختصر المختصر، ثم اختصره من المختصر، وهذا لم يشر إليه المؤلف رحمه الله، وهو خطأ، بل الظاهر أنه جمع المسند الكبير، ثم اختصره، ثم اختصر المختصر منه، أي: إنه مثلاً جمع المسند الكبير في ستين ألف حديث، ثم اختصر منه مثلاً ثلاثين ألف، ثم اختصر المختصر إلى عشرة آلاف، فهذا هو مختصر المختصر.
 

فضائل الوضوء
[ بسم الله الرحمن الرحيم.أخبرنا إمام الأئمة فقيه الآفاق أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الحافظ رحمه الله قال: كتاب الوضوء. مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه صلى الله عليه وسلم من غير قطع في أثناء الإسناد ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى.باب ذكر الخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن إتمام الوضوء من الإسلام.حدثنا أبو يعقوب يوسف بن واضح الهاشمي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر قال: قلت: -يعني لـعبد الله بن عمر - يا أبا عبد الرحمن إن أقواماً يزعمون أن ليس قدر. قال: هل عندنا منهم أحد؟ قلت: لا، قال: فأبلغهم عني إذا لقيتهم أن ابن عمر يبرأ إلى الله منكم وأنتم برآء منه.ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس إذ جاء رجل ليس عليه سحناء سفر وليس من أهل البلد، يتخطى حتى ورد فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].أي أثر.وفي رواية: (ليس عليه أثر السفر).[ (فقال: يا محمد ! ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء) ].الشاهد هنا قوله: (وأن تتم الوضوء). وهذا فيه فائدة فهو من الأدلة على وجوب العمرة؛ لأن العمرة مختلف فيها، فقيل: إنها واجبة، وقيل: إنها ليست واجبة، وذهب شيخ الإسلام إلى أنها ليست واجبة.ولكن هذا من الأدلة على أن العمرة واجبة، ومن الأدلة كذلك حديث عائشة : (هل على النساء جهاد؟ قال: لكن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)، فهذان دليلان على وجوب العمرة.قال: (وتصوم رمضان، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم. قال: صدقت).وذكر الحديث بطوله في السؤال عن الإيمان والإحسان والساعة ] وهذا الحديث أخرجه مسلم مطولاً بالترجمة.
 اجتهاد أبي هريرة في تطويل التحجيل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب استحباب تطويل التحجيل بغسل العضدين في الوضوء إذ الحلية تبلغ مواضع الوضوء يوم القيامة بحكم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ].والحلية بالذهب في الدنيا ممنوعة على الرجل، أما في الآخرة فإن المؤمن يتحلى بالذهب في يديه، وتبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، أي: تصل إلى ما وصل إليه الوضوء.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي الكوفي حدثنا ابن إدريس عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه عنه يتوضأ، فجعل يبلغ بالوضوء قريباً من إبطه، فقلت له، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحلية تبلغ مواضع الطهور). ].الصواب أن هذا اجتهاد من أبي هريرة ، وأنه لا يشرع أن يصل الوضوء إلى العضد، وإنما يتجاوز المرفق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يتوضأ حتى يشرع في العضد، وكذلك إذا غسل رجليه جاوز الكعبين وشرع في الساق، وأما أبو هريرة فقد كان هذا اجتهاداً منه، فكان يبالغ إذا غسل مرفقيه حتى يكاد يبلغ الإبط، وذلك حتى يحلى إلى حيث يبلغ الوضوء، وكان أيضاً إذا غسل رجليه شرع في الساق حتى يكاد يبلغ الركبة، وهذا اجتهاد منه، والصواب ألا يزيد على ما ورد في النص، وإنما يقتصر على أن يشرع في الساق ويشرع في العضد، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.وابن خزيمة رحمه الله يميل إلى ما ذهب إليه أبو هريرة من استحباب تطويل التحجيل ولهذا قال في الترجمة: باب استحباب تطويل التحجيل بغسل العضدين في الوضوء.وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في النونية وضوء أبي هريرة ، ورجح أنه غير مشروع ولا مشهور، وأن هذا اجتهاد منه رضي الله عنه. فالسنة مقدمة على اجتهاد أبي هريرة رضي الله عنه، إذ إن الرسول لم يغسل العضدين ولا الساقين، وإنما جاء في الأحاديث الصحيحة أنه إذا غسل يديه أدار الماء على مرفقيه حتى يشرع في العضد، لا أنه غسل العضدين، وإذا غسل رجليه شرع في الساق ولم يصل إلى الركبة.وأما قول أبي هريرة : (من استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل)، ليس فيه إطالة الغرة؛ لأن الغرة بياض في الجبهة محدود، والوجه محدود بالشعر فلا يستطيع أن يطيل الغرة، إنما يطيل التحجيل في اليدين والرجلين، لكن الغرة إطالتها محدودة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح ابن خزيمة كتاب الوضوء [1] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net